العمائم تيجان العرب

العمامة (بالكسر) من لباس الرأس وهو ما يلف عليه، والجمع عمائم وعمام، وعممته: ألبسته العمامة، وحسن العمة أي التعمم، وأرخى عمامته، أمن وترفه لأنّ الرجل إنما يرخي عمامته عند الرخاء قال الشاعر: 
ألقى عصاه وأرخى من عمامته    وقال: ضيف، فقلت: الشيب؟ قال: أجل

 وَعُمِّمَ الرجلُ: سُوِّدَ - أي صار سَيّداً مُقَدَّماً في قَوْمِهِ - لأنّ تيجان العرب العمائم فكما قيل في العجم تُوِّجَ من التاج قيل في العرب عُمِّمَ. قال العَجّاجُ:
وفيهم إذا عُمِّمَ المعمم
والعرب تقول للرجل إذا سُوِّدَ: قد عُمِّمَ، وكانوا إذا سودوا رجلا عمموه عمامة والعمائم تيجان العرب فالتيجان جمع تاج وهو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر. وتوجته إذا ألبسته التاج، والمراد أنّ العمائم للعرب بمنزلة التيجان للملوك، وتعتبر العمامة أقدم ألبسة الرأس عند العرب والعراقيين خاصة وهي باقية حتى يومنا أصبحت تراثا موروثا ونظر للرجل الذي يبدو عاري الرأس من العمامة ساقط المروءة، تارك الآداب، وكانوا لا يجيزون خلع العمامة وكشف الرأس إلا في المناسك تعبدا لله جل جلاله.
وقد وصفها أبو الأسود الدؤلي بقوله: (جُنَّة في الحرب، ومِكنَّة من الحر، ومدفأة من القر، ووقار في الندي، وواقية من الأحداث، وزيادة في القامة، وهي تعد عادة من عادات العرب).
والعرب لم يكتفوا بلبسها،بل تعدى الأمر إلى أنْ يستفيدوا منها فربما جعلوها لواء، فإنّ الأحنف بن قيس حين عقد لعبس بن طلق اللواء، إنما نزع عمامته من رأسه فعقدها له،وربما شدوا بالعمائم أوساطهم عند المجهدة وإذا طالت العقبة قال الشاعر:
خليلي شدوا لي بفضل عمامتي   على كبد لم يبق إلا صميمها
وكانت العرب تعتبر العمامة لباس عز وفخر ودليل الهيبة والوقار فإذا أراد شخص أنْ يضفي على نفسه الهيبة والوقار وأنْ يتصدر المجالس فإنّه يلجأ إلى الاعتناء بعمامته،قال عنترة العبسي:
وما الفخر إلا أنْ تكون عمامتي   مكورة الأطراف بالصارم الهِنْدِي

وقد حث الإسلام على لبس العمامة، فالعمائم تيجان الملائكة والعرب، وإنّ العرب إذا وضعوها وضع الله عزهم، قال رسول الله f: (العمائم تيجان العرب فإذا وضعوا العمائم وضع الله عزهم). وروي عن الإمام الباقر _: (كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر) كما أنّ لبس العمائم تزيد في الحلم، قال الرسول الأعظم f: (اعتموا تزدادوا حلما).
ويتأكد استحباب لبس العمامة في أفضل الأوقات وأشرف الأماكن فأفضل الأوقات خصوصا في الصلاة فقد روي عن الرسول الكريم f: (ركعتان بعمامة أفضل من أربعة بغير عمامة) وإنّ لبسها من مظان إجابة الدعاء، ففي المأثور عن الإمام الصادق _ أنه قال: (إني لا أعجب ممن يأخذ في حاجة وهو معتم تحت حنكه كيف لا تقضي حاجته).
كما أنّ لبس العمامة في السفر يدفع البلاء، فعن الصادق _: (ضمنت لمن خرج من بيته معتما بأنْ يرجع إليه سالما) وعن الإمام الكاظم _: (أنا ضامن ثلاثاً لمن خرج معتما تحت حنكه يريد سفراً أنْ لا يصيبه السرق والحرق والغرق) ومن هنا نتبين أهمية التحنيك، وهو إدارة طرف العمامة تحت الحنك، فعن الصادق _: (من خرج في سفره ولم يذر العمامة تحت حنكه فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومنّ إلا نفسه).
وروي في المأثور عن رسول الله f: (أنّ الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم). وتسمى عمامة رسول الله f (السحاب) وأهداها إلى الإمام علي _، فربما طلع الإمام علي فيها فيقول النبي f: (أتاكم علي في سحاب). وإنّ النبي f دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، وكذلك يوم الخندق.
وقد فرق الرسول f بين المسلمين والمشركين بالعمائم على القلانس فقال: (اعتموا خالفوا الأمم قبلكم). بل حث الإسلام على تعميم الميت فإنّه يستحب في الكفن العمامة للرجل ويكفي فيها المسمى، والأولى أنْ تدار على رأسه ويجعل طرفاها تحت حنكه على صدره الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن.
وكثيرا ما كان الرسول الأعظم f يجلس الصحابي بين يديه فينقض عمامته بيده ويعممه إياه إمّا لتأميره على غزوة أو لقيادة أمر ما،أو لبيان كيفية وضع العمامة وهيئتها،فمنها ما صنعه الرسول f مع الإمام علي _.
وفي المأثور عن كيفية وضع العمامة ذكر بإلقاء طرف منها بين اليدين وطرف بين الكتفين أو كليهما على الكتفين وذلك كما صنعه الإمام علي _ يوم الغدير وكما صنعه الإمام زين العابدين _، والأولى تقصير ما على الخلف مقدار أربعة أصابع وذلك كما فعل النبي f مع الإمام علي _ والظاهر أنّ الحنك مخصوص بذات الطرف الواحد.
ويستحب أنْ يتعمم الرجل من قِيامٍ، وكذلك لفها، وعد لفها من الجلوس من مورثات الفقر، وأنْ يقول عند تعممه: (اللهم سُمْنِيْ بسيماء الإيمان وتوجّني بتاج الكرامة، وقلدني حبل الإسلام ولا تخلع ربقة الإيمان من عنقي) كما روي دعاء آخر: (اللهم ارفع ذكري واعل شأني بعزتك وأكرمني بكرمك بين يديك وبين خلقك، اللهم توجني بتاج الكرامة والعز والقبول).
والعمامة في صدر الإسلام غالبا ما كانت بيضاء لأنّ هذا اللون كان محبباً ومرغوبا، وعن النبي f: (لو أنّ رجلاً خرج من منزله يوم السبت معتما بعمامة بيضاء قد حنكها تحت حنكه ثم أتى إلى جبل ليزيله من مكانه لأزاله من مكانه).
وميز كبر حجم العمامة أحيانا الفرد والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها وحتى نوع الحرفة والوظيفة التي يشغلها، وقد تميزت عمائم المسلمين عن عمائم غيرهم مثل المسيحيين واليهود والطوائف الأخرى. وقد بلغ من أهمية العمامة وشيوع استعمالها أنْ تعددت أسماؤها وأنواعها وألوانها تبعا للشخص ومركزه وأهميته في الوظيفة وطبقته الاجتماعية. فكان للفقهاء عمة وللخلفاء عمة وللكسبة عمة للأعراب عمة،فمثلا كانت عمائم القضاة كبيرة وعمائم الحاكة صغيرة الحجم، كما أنّ غير المرغوب بهم يؤمرون بنزع عمائمهم تحقيراً لهم، ولكن جوز خلعها في مناسبات مختلفة في عبادات معينة في أداء مناسك الحج وعزاء الخلفاء حيث أنّ الخلفاء لا تعزى في العمائم،والسير في تشييع العلماء، فالمشيعون يمشون خلف نعش العالم حاسري الرؤوس.
وكان من الرسوم المتبعة عند دخول الناس على الخلفاء والأمراء والسادة والعظماء أنْ يدخلوا وهم مُعَمَّمُوْنَ، لأنّ ذلك أشبه بالتعظيم والإجلال وأبعد عن التبذل والاسترسال، وأجدر أن يفصلوا بين أنسهم في منازلهم ومواضع انقباضهم، فمن دخل عليهم ولم يرع من الرسوم المتبعة بشأن العمائم مكشوف الرأس أو ينزعها عندهم يلاقي من الأمر أرذله ومن الإهانة أقبحها، وكانت العمامة لباسا ملازما للخلفاء في معظم الأحيان حتى اعتبرت من ألبسة الخلافة ورجال الدولة في المناسبات الرسمية وكانت سوداء، وكانت الضرورة تقتضي على الخليفة لبس العمامة أثناء توليه الخلافة، كما كانت العمامة من جملة الملابس التي تلبس في المناسبات المختلفة كالسير في المواكب، وحضور مجلس الخلفاء ولباسا ملازما للقضاة وكانت عمائمهم كباراً مميزة.
وكانت العمامة بين الخلع التي تفضل عند الإهداء في المناسبات المختلفة، فكان الخليفة يخلعها على رجال حاشيته والمقربين إليه، فكانت خلع أصحاب الجيوش وولاة الحروب.
وما زالت العمائم حتى يومنا الحاضر تلبس من قِبَل الفقهاء وبعض أهل العلم والأدب وظلت العمامة ذات اللون الأسود والأخضر تُعْتَمَرُ من قِبَلِ السادة أحفاد الرسول محمد f، والعمامة البيضاء من قبل العوام. وفي النجف الأشرف البزة المميزة لطلاب العلوم الدينية والفقهاء والروحانيين هي العمة السوداء لمن ينحدر من السلالة الهاشمية والبيضاء لغيرهم.
 
وأخبار العمائم وأحكامها وأدبها الجم مما يطول شرحه ويعسر مناله في مقال أو بحث، لأن أخبارها منثورة في كثير من كتب التراث العربي الإسلامي فضلاً عن أنّ غير واحد من المؤلفين الأقدمين والمحدثين أفرد لها كتابا قائما بذاته منها: (الدعامة في أحكام سنة العمامة) لمحمد بن جعفر الكتاني الحَسَني، (وفضل لباس العمائم) لابن وضاح الأندلسي، (وتحفة الأمة بأحكام العمة) 
-أي العمامة- لمحمد بن أحمد المعروف بابن الإمام، (ودَرُّ الغَمامَة في در الطيلسان والعمامة) لأحمد بن حجر الهَيْتَمِيّ المكي، وشارح (الشفا الثمامة في صف العمامة) للشهاب أحمد بن محمد الخفاجي وغيرهم.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD