أبان بن تغلب

تأليف

السيد علي  محي  العنكوشي  المدني

 

الناشر

مؤسسة كاشف الغطاء العامة 

 

العراق ـ النجف الأشرف

1434هـ ـ 2013م

المقدمة

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.

أسدى الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام خدمة لأتباعه من وجهتين، أولاهما أنه اهتم بتعليم أتباعه اهتماماً كبيراً، ولم يقتصر على العلوم القرآنية، بل أضاف إليها علوماً زمنية كالرياضيات والفيزياء والنجوم والهيئة والتاريخ والحكمة. وتخرج على يديه الكريمتين ومن مدرسته عدد غير قليل من أفذاذ العلماء. ومن هنا يصح القول بأن الإمام الصادق عليه السلام بنى الثقافة الشيعية وأوضح معالمها وبفضل المعارف الجعفرية عاش وازدهر المذهب الشيعي، وهذه بديهية، لأن الثقافة هي اللبنة الأساسية وسر بقاء واستمرار المجتمعات البشرية، ومهما يكن من أمر لم تتح للأئمة قبل الإمام الصادق عليه السلام أن يؤسسوا مدرسة علمية كمدرسته، وذلك لأسباب شتى، أهمها الضغوط السياسية من جانب الخلفاء والسلطة الحاكمة واسترابت السلطة في تحركاتهم وأنشطتهم. أما أبو عبد الله عليه السلام فقد كان يعرف أن الشيعة تحتاج إلى مدرسة علمية قوية تتكفل لها الثَّبات أمام التيارات المنحرفة، وتجعلها بمنأى عن التأثر بوفاة هذا أو مجيء ذاك. ومنذ اليوم الأول لقيام الإمام عليه السلام بالتدريس، وضع لنفسه أهدافاً معينة يتوخاها، أهمها تأسيس مدرسة علمية وإقامة ثقافة شيعية رصينة تتمثل في (المعارف الجعفرية)، لثقته من أن بقاء الشيعة رهن بما يتوافر لها من علم وثقافة، وهذا يدل على أن الإمام جعفراً الصادق عليه السلام لم يكن فذاً في العلم وحده، بل كان أيضاً فذاً في السياسة، وكان يدرك أن إيجاد مدرسة علمية شيعية من شأنه الحفاظ على الكيان الشيعي أكثر من أي قوة عسكرية. فالقوة العسكرية وإن عزت عرضة لأن تدمرها قوة أكبر منها، أما المدرسة العلمية التي تنشر الثقافة المتعمقة فتبقى ما بقي الدهر.

وقد تركت الحديث عن سيرة الإمام الصادق عليه السلام لأنه أستاذ العلماء وإمام الفقهاء، وهو إمام عصره كما هو إمام العصور وأستاذ الأجيال. ولكن يجدر بنا ونحن نتحدّث عن مدرسة الإمام الصّادق عليه السلام أن نوضِّح أنّ الإمام الصّادق لم يكن مجتهداً، ولا صاحب رأي اجتهادي، بل كان مواصلاً لمسيرة الرسالة وحافظاً لآثار جده وأهل بيته عليهم السلام، فمنها يَغترف وبها يُفتي المسـلمين، وعليها يعتمد، فكانت مدرسته ومنهجه امتداداً للسنّة النبويّة، وكشفاً عن محتوى الوحي القرآني وإظهارا لمضمونه.

وكانَ من ابرز أهداف مدرسته العلمية:

حماية العقيدة من التيّارات العقائدية والفلسفية الإلحادية والآراء الضّالّة الّتي انتشرت في عصره، كالزندقة والغلوّ، والتأويلات الاعتقادية الّتي لا تنسـجم وعقيدة التوحيد، والّتي نشأت كتيّار كوّنته الفرق الكلامية والمدارس الفلسفية الشاذّة، لذا انصبّت جهود الإمام عليه السلام على الحفاظ على أصالة عقيدة التوحيد ونقاء مفهومها، وإيضاح جزئياتها وتفسير مضامينها، وتصحيح الأفكار والمعتقدات في ضوئها.

وقد سلح تلامذته بهذه العلوم أمثال أبان بن تغلب وَهِشام بن الحكم وغيرهم ليقوموا بالدفاع عن عقيدة التوحيد وحمايتها من المعتقدات الضالّة، كمعتقد الجَبْر والتفويض والتجسيم والغلوّ وأمثالها من الآراء والمعتقدات الشاذة عن عقيدة التوحيد، وهذا ما تدل عليه مناظرات الإمام عليه السلام وتوجيهاته، فضلا عن أن فرقاً كثيرةً حاولت أن تستغل اسم أهل البيت عليهم السلام وتتستّر على عقائدها المنحرفة الخارجة عن عقيدة الإسلام الّتي حمل أهل البيت وأتباعهم وتلامذتهم لواءها ودافعوا عن أصالتها ونقائها.

أمّا الهدف الثاني لهذه المدرسة فهو نشر الإسلام، وتوسيع دائرة الفقه والتشريع، وتثبيت معالمها، وحفظ أصالتها، إذ لم يُرْوَ عن أحد من الحديث ولم يُؤخذ عن إمام من الفقه والأحكام ما اُخِذَ عن أبي عبد الله عليه السلام، ولذا اعتبرت أحاديثه، وفتاواه أساساً وقاعدة لاستنباط الفقه والأحكام لدى العلماء والفقهاء، والسائرين على نهجه، والملتزمين بمدرسته ومن الجدير بالذكر أنّ الأحاديث والروايات والأخبار الّتي رواها الإمام الصّادق وبقيّة أئمّة أهل البيت عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، قد جُمِعَت ورُتِّبَت في أربعة كتب أساسية وهي الكافي لأبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرّازي المتوفّى سنة (328/ 329هـ)، وقد حوي هذا الكتاب (ستّة عشر ألفاً ومائة وتسعة وتسعين حديثا).

 وكتابا التهذيب و الاستبصار: لأبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي المتوفّى سنة (46عليه السلامهـ)، وقد حوي التهذيب (ثلاثةَ عَشَر ألفاً وخمس مئة وتسعين حديثاً).

وأما الاستبصار فقد حوي (خَمْسَةَ آلاف وخمسمائة وأحد عشر حديثا).

وكتاب مَن لا يحضره الفقيه: للشيخ الصّدوق المتوفّى سنة (381هـ)، وقد حوى (خمسة آلاف وتسعمائة وثلاثة وستّين حديثاً).

ومن ابرز مميزات مدرسة الإمام الصادق عليه السلام:

1. اختلافها عن باقي المدارس، أنها لم تنغلق في المعرفة على خصوص العناصر الموالية فحسب وإنما انفتحت لتضم طلاب العلم من مختلف الاتجاهات.

2. انفتحت مدرسة الإمام على مختلف فروع المعرفة الإسلامية والإنسانية فاهتمت بالقران والسنة والفقه والتاريخ والأصول والعقيدة والكلام والفلسفة الإسلامية، كما اهتمت بعلوم أخرى مثل علم الفلك والطب والحيوان والنبات والكيمياء والفيزياء.

3. لم تتخذ مدرسة الإمام طابع الانتماء إلى الدولة الأموية أو العباسية ولم تتلوث بسياسة الحاكمين ولم تكن أداة لخدمة الحكام.

4. تميزت مدرسة الإمام الصادق بإنتاجها رموزاً للعلم والتقوى والاستقامة وعرفت بالعطاء العلمي والديني للأمة وأبدعت في تخصصاتها العلمية، وأصبح الانتساب إلى مدرسة الإمام مفخرة للمنتسب كما ناهز عدد طلابها أربعة آلاف طالب.

5. تميزت مدرسة الإمام بالارتباط المباشر بمصادر التشريع والمعرفة وهما: الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة، كما تميزت مدرسة الإمام بالاهتمام بالتدوين بشكل عام ومدارسة العلم لإنمائه وإثرائه.

6. اتسعت هذه المدرسة فيما بعد وشكلت عدة فروع لها في الكوفة والبصرة وقم ومصر.

ومهما يكن من أمر فنحن نسعى في هذا البحث إلى دراسة اثر الإمام الصادق عليه السلام من خلال إحصاء تنوع مرويات تلميذه أبان بن تغلب، فضلا عن النصوص وأقوال العلماء في مدحه، ودراستها دراسة تحليلية، وقد وقع اختياري للتشرف بالكتابة في هذا الموضوع لأسباب منها:

1. كنت أرجو من الله أن أكون واحدا ممن خدم سيدي ومولاي أبا عبد الله الصادق عليه السلام من خلال خدمة من خدمهم، ولما كان للموضوع من مساس مباشر بالإمام الصادق عليه السلام، كون أبان بن تغلب من أحب الناس إلى قلبه وان موته قد أوجع قلب الإمام الصادق عليه

 

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD