تأليف

 

تحقيق

مقدمة المؤسسة

الحَمْدُ للهِ الذي بَجسَ يَنابِيْعَ الحِكْمَةِ مِنْ رَواشِحِ تَجَلِّياتهِ في الْعَشِيِّ وَالإِبْكار، لِتَسْتَنِيرَ بِها في مُدْلِهمّاتِ غَوامِضِ الأَسْرار ألْبابُ ذَوِي الْبَصائِرِ وَالأَبْصار، وَجَعَلَ أَدِلَّةَ الْعَقائِدِ الْحَقَّةِ مَنْظُوْمةً فَرائِدُها في سُمُوْط مُفْعَماتِ الأَسْفار، وَأَضاءَ بِمَصابِيْح هِدايتهِ سُبُلَ الْماتِنينَ والشّارِحِيْنَ لَها لِتَنْحَسِرَ عَنْ مَضامِيْنِها الْحُجُبُ وَالأَسْتار، وَأَفْضَلُ صَلَواتهِ وَأَزْكاها، وَأَعْطَرُ تَحيّاتِهِ وَأنْماها، على صَفْوَةِ خَلِيْقَتهِ وَسَيِّدِ بَرِيّتهِ خاتمِ الأنبياءِ والمرسَلينَ أبي القاسم محمّدٍ المُصْطفى الْمُخْتار، وَعَلى الأَئِمَّةِ الْلَهَامِيْمِ مِنْ عِتْرَتِهِ الطَّيّبِينَ الأطْهار، ما أَشْرَقَتْ أَنْوارُ شُرُوْحِ مُتُوْنِ الحِكْمَة بِبَدائِعِ الْفَوائِد وَرَوائِع الأَفْكار.

وَبَعْدُ: فَبينَ يدَي القارِئ الكَرِيْم هذا الكِتابُ النفيسُ في بابهِ المُمتِعُ في مَوضوعاتهِ الموسومُ بـ(تعليقةٍ على شرحِ المنظومة) الذي جاءَ منتظماً بعقودِ الحكمةِ الجَوْهَريةِ مِن رَشَحاتِ يَراعِ الفقيهِ الأصوليّ الحكيمِ سَماحةِ آيةِ اللهِ العظمى الشّيخ عليّ كاشف الغطاء  قدس سره  (ت 1411هـ)، نقدّمه بين يَدي القارئ في طبعتهِ الأولى بحلّتهِ القشيبةِ، مزدانةً بتحقيقِ مؤسسةِ كاشفِ الغطاء العامّة في النجف الأشرف.

وختاماً لا يَسَعنا إلا أن نتقدّمَ بآياتِ الشكرِ والثناءِ إلى كلّ مَن آزرنا ومَدّ إلينا يَدَ العونِ في مختلفِ المجالاتِ مما يَتعلّق في تهيئةِ هذا العِلْقِ النفيسِ مِن آثارِ سَلَفنا الصّالح، والشكرُ موصولٌ إلى الأمين العام لِمؤسّسة كاشف الغطاء العامّة سماحة الشيخ الدكتور عباس كاشف الغطاء، فله ولها ولجميع الجهود التي تظافرت من أجل طباعته خالص الثناء مشفوعاً بخير دعاء.

 والحمدُ لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.

                                                                                       أمـير ريـاض المعمار

                                                                                           مدير المؤسسة


 

في تقريظ شرح المنظومة

للعلاّمة السيّد عبد الستار الحسني

بَيانُ عَلِيِّ بْنِ الرِضا شَرَحَ الصَّدْرا
 

 

وَعَنْ مُبْهَماتِ الشَّرْع قَدْ كَشَفَ السِتْرا
 

وَوَطَّدَ لِلْفِكْرِ الأصِيْلِ قَواعِداً

 

 

يَؤُمُّ صُواها مَنْ تَتَبَّعَ واستقرى
 

فكَمْ دَبَّجَتْ سِفْراً نَفِيساً يَمِيْنُهُ
بِهِ غَبَطَتْها بِالْعَطا يَدُهُ اليُسْرى

وَخاضَ فنُونَ العِلْمِ خَوْضَ مُنَقِّبٍ

مَكِيْنٍ خَبِيْرٍ حَيْثُ أوْسَعَها سَبْرا

فَلَيسَ بِبِدْعٍ إنْ حَبانا جَواهِراً

وأتْحَفَنا مِنها اللَآلِئَ وَالدُّرَا
وفي (نَقْدِهِ الآراءَ) أَبْدَى مَهارَةً

وَحَقّقَ بـ(الصُّغرَى) الكِفايَةَ و(الكُبْرى)

وأظْهَرَ بالتَنْقِيْرِ كُلَّ خَبِيْئةٍ

حَصانٍ - سَجِيْسَ الدَّهْرِ- حالَفَتِ الخِدْرا
 

فَلاحَ سَناها مُسْفِراً عَنْ (فَرائِدٍ)
 

 

أنافَتْ على (الأسْفارِ) وَائْتَلَقَتْ فَجْرا
 

وَفي (النَقْضِ والإبرامِ) جاءَ مُجَلِّياً
 

 

فَحازَ رِهانَ السَّبْقِ واتّشَحَ الفَخْرا
 

وَفي شَرْحِهِ (مَنْظُومَةَ) الدُرِّ شاَهِدٌ
 

 

على ما بِتَوْضِيْحٍ (مَقاصِدَها) أثْرَى
 

إذِ اسْتَخْرَجَ المَكْنُونَ مِنْها كَأنَّهُ
 

 

بأسْرارِها مِنْ فَهْمِ (ماتِنِها) أدرَى
 

وَحَسْبُ (الحَكِيْمِ السبْزَوارِيِّ) أَنْ لَها
 

 

تَصَدَّى (عَلِيٌّ) إِذْ أحاطَ بِها خُبْرا
 

فَأَلْقِ العَصا ([1]) وَاجْهَرْ وَأَرِّخْهُ: حالياً
 

 

نِتـــاجُ عَلِيٍ طابَ في عَبَقٍ نَشْرا
 

(-1)                            (50 - 1) 49

 

 (454)  (110)  (12)  (90) (172)(551)

   

 

                         سنة 1438هــ

مِنَ الأَقلِّ عبد الستّار

عَفا عَنْهُ المَلِيْكُ الغَفّار


 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

حازت الكتب القديمة التي تحتوي على أبكار الأفكار، ولوامع الأسرار، على مطالع أنظار الباحثين، وطوالع تأملات المفكرين، حيث تداولوها بالشـرح المبين، والكشف عن سرّها المتين، وذلك لما حوته من جزالة اللفظ، وعمق الفكرة، وسباكة البيان. فكانت الصحائف الأكثر تداولاً - من حيث الشـرح والنقد والعرض- هي تلك التي تُعنى بالفكر العقائدي.

ولا غرو أن الاختلاف في الرؤى بين المفكرين قد ولّد العديد من التباين في الآراء، حتى تمخّض عن كل منها مدرسة مستقلة، تتبنى منهجاً خاصاً بتوجه معين، ذو طابع كلامي أو فلسفي أو أصولي أو فقهي، وغير ذلك.

فكانت تلك الإبهامات والمجادلات التي تدور في أفق المعرفة، قد اتخذت ألواناً متعددة، إلا أن العنصـر المشترك في هذا الاختلاف بشكل عام يعود الى المسائل الكلامية، وما يتعلق بالخصوص منها في أبحاث إلهيات الفلسفة، فمثلاً من تناول الرازي في النقد والتجريح في كتابه (اعلام النبوة) لم يكن ناظراً الى ما كتب في الطب أو الهندسة، بل إلى أبحاثه المتعلّقة بالإلهيات وآرائه الكلامية، وكذا الحال للشيخ الرئيس، حتى أن أكثر إشكالات أبي الريحان عليه كانت تصب في آرائه الفلسفية ونظرياته فيها، ولم يتعرض لنقد أبحاثه في الطبيعيات والفلك والرياضيات التي بَرَعَ فيها الشيخ الرئيس كما اختصّ بها أَبُو الريحان، فقلّما كتب التاريخ وأقرّ بالاختلاف في العلوم الرياضية التي عمل بها الخوارزميون والنوبختيون، أو على الأمور الطبية التي تحدث عنها الشيخ الرئيس وابن الهيثم وابن البيطار، أو علم الهيئة والفلك والطبيعة التي تحدث عنها البيروني، بل إن الخلافات والمناكفات - التي وصلت الى حد التكفير- كان جلّها يرجع الى أبحاث الإلهيات والمسائل المتعلقة بها، والتاريخ حاكٍ عن تلك الوقائع التي حصّلها البعض ممن توسّم بالفكر الفلسفي، سواء في تاريخ الحضارة الإسلامية، أو ما قبلها من الحضارات الأخرى، حيث كان أصحاب السلطة يقرّبون البعض وينفون الآخر، لأسباب مختلفة، وأدى ذلك الى وقوع أحداث اليمة لأصحاب العلوم العقلية، والفلسفات النظرية، وتعرضوا لشتى أنواع الأذى والقتل والتهجير.

فإن قلت: ما الداعي لتوجه المسلمين نحو الفلسفة والاهتمام بها؟ بل ما هو هدف طالب العلوم الفلسفية؟ وكيف يجب أن يكون؟ وهل تُقدّم العلوم الفلسفية بديلاً عن الخطابات الإلهية التي أقرّتها الشـرائع السماوية؟ وهل تجعل من الإنسان إنساناً كاملاً؟ وما هدف الحكّام من بناء المؤسسات وتقريب الفلاسفة، أو التنكيل بهم؟ وهل القواعد الفلسفية الإسلامية هو نسخ إغريقي متداول؟ وغير ذلك من الأسئلة المتعددة والكثيرة.

أقول: تلك الاستفهامات وغيرها تحمل أبعاداً متعددة، فمنها البعد السياسـي والأخلاقي والعلمي والعقائدي والتاريخي، فنحتاج لبحثٍ مستقل لبيانها، وعلى هذا الأساس انطلقت النظرة الحُكمية على أصحاب هذا المسلك، والتي لا تستوقف دراسة موضوعية لأبعاده.

وكما نعلم ان الحضارة الإسلامية انجبت العديد من المدارس الكلامية والفلسفية، ذات المناهج المتعددة، إضافة الى الثقافات المستوردة، والاندماج الحاصل بين الفكرين، فقدّمت كل منها تعريفاً وبياناً لمفهوم الفلسفة (كما تعتقد وتؤمن) فكانت الأحكام تصدر تباعاً لذلك.

حيث قدّمت الحضارة اليونانية - بما تمتلك من مدارس متعددة - بيانات مختلفة عن مفهوم الفلسفة، وكذلك المدارس الإسلامية بأطيافها المتلونة، إلا أن العنصـر المشترك في تداولهم لتعريف الفلسفة، هما العلم والعمل، العلم بما ينبغي للوصول الى الكمالات من خلال تهذيب النفس بالعمل، وبالتالي إيجاد نظام إنساني متكامل، وهذا ما يسعى اليه الفلاسفة الإلهيون من خلال معرفة حقائق الموجودات، لذا قسّموها الى الحكمة النظرية والحكمة العملية.

وعلى هذا الأساس تواضع الباحِثُوْن على تسمية المنهج الأرسطي الذي يمتاز بالدقة العقلية بـ(المدرسة المشائية)، في قبال النهج الإفلاطوني المعتمد على الذوق والالهام المسمّى بـ(المدرسة الإشراقية)، وتجد ذلك واضحاً في كلمات الأعلام في وصف حال الشيخ الرئيس بمحي النظام المشائي في الحضارة الإسلامية، وكذا الفارابي والكندي وغيرهم، اما المسلك الإشراقي فقد التصق بالشيخ شهاب الدين السهروردي.

وقد ذكرتُ في كتاب (عقلانية التفكر ومنهجية التفكير) أَنَّ الإنسان بما يمتلك من مدركات عقلانية وعقلائية وعقلية لا يمكن استنساخ فكرة بكامل جزئياتها، أي بتعبير آخر لا يوجد فيلسوف مشّاء محض أو إشراق محض، وان كان البعض يقول ان ابن رشد والكندي ارسطوئيّان، وهو ظاهر البطلان من خلال الاطلاع على ما كَتَبا، فالشيخ الرئيس قد تناول العديد من آراء أرسطو بالنقد والنقض، ومن قبله المعلّم الثاني الذي سعى في تقريب الأفكار بين المدرستين (إن صحت التسمية)، بوضعه كتاب (الجمع بين رأي الحكيمين) أرسطو وأفلاطون.

وهذا التنوع في تقمّص الفكرة، وعرضها على معيار العقل والمرشح النقدي، هو ما امتاز به الحكيم السبزواري، حيث أشار في مواضع مختلفة إلى رفض القولبة، والاتّسام بالنهج الإشراقي أو المشائي كما رسمها في منظومته، وذكر ذلك في أكثر من موضع، حيث قال في مبحث الوجود الذهني: (وبالجملة، أخذت من كل مذهبي صدر المتألهين والمحقق الدوّاني شيئاً، وتركت شيئاً) وكذلك الحال في مباحث التشكيك في الماهية، والتركيب بين المادة والصورة، والقول بالأشباح، والتمايز بالأعراض لا بالأجزاء، وغيرها.

وكتاب المنظومة من الكتب التي استوقفت المفكرين، لما ضمّته من دقة الفكرة، وبديع البيان، كتبها الحكيم العارف المولى هادي السبزواري بطريقة النثر على قسمين:

الأول: في المنطق، وسمّاها بـ(اللئالئ المنتظمة).

والثاني: في الحكمة، وسمّاها بـ(غرر الفرائد). وتشتمل على سبعة (مقاصد) وقسّم كل مقصد الى (فرائد) وبسط القول في كل فريدة من خلال (غرر) وجاءت مقاصده على النحو التالي:

المقصد الأول: الأمور العامة.

المقصد الثاني: الجواهر والأعراض.

المقصد الثالث: الإلهيات بالمعنى الأخص.

المقصد الرابع: الطبيعيات.

المقصد الخامس: النبوات والمنامات.

المقصد السادس: المعاد.

المقصد السابع: الأخلاق.

وكما هو ظاهر اشتمال هذه المنظومة على مختلف الفنون الحكمية، ولذلك فان كلمة (فريدة) التي جاءت عنواناً لأبواب هذا المقصد، تعني لغة (الجوهرة النفيسة)، والغرر جمع (أغر) وهو الشـريف، فيكون معنى (غرر الفرائد) الجواهر النفيسة الشـريفة.

وقد أصبح هذا الكتاب من الكتب الدرسيّة في حوزاتنا العلمية، ونال الاهتمام الواسع من أساطين الفكر وروّاد المعرفة، فكتبت عليه كثير من الشـروحات والتعليقات، بالنقض والإبرام، والموافقة والوئام.

ومن هذه التعليقات ما نقرّظ له، للمحقق الشيخ علي كاشف الغطاء، حيث تناول الفرائد الخمسة الأولى من المقصد الأول، والتي دونها في مسودة أيام شبابه، عندما كان يدرّس كتب السطوح للحوزة العلمية.

النسخة التي اعتمدتها هي بخط الشارح  قدس سره  وهي المخطوطة الوحيدة الموجودة في خزانة اسـرة آل كاشف الغطاء، وتمتاز أيضاً بسلاسة عرض المطلب، والابتعاد عن التعقيد في العبارة، مع الدقة في الاستعراض، وعمق التحقيق، وهذا ما يسعى اليه الطالب لفهم مطالب المنظومة، ولهذا لم يقم الشارح بمناقشة موسّعة لما تبنّاه المصنف من آراء ومبانِ، واكتفى ببيان العبارة، إلا في مواضع قليلة تحتاج إلى المناقشة والتأمّل.

وهذا الشـرح كبقيّة الشـروحات، لا يخلو من النقض والنقص، وإلا لانتفى الداعي لتعددها، وهو السبيل الذي عليه يتقوّم بناء الشخصية العلمية، التي تسعى للإتيان بالأفضل.

المنهج المتبع في التحقيق

ويمكن بيانه على النحو التالي:

1. المخطوطة تقع في جزئين، الأول منها يندرج تحت التسلسل (1735) في قسم الحكمة، بعدد (301) صفحة، وبأبعاد (22,5 سم طول × 14 سم عرض)، والجزء الثاني يقع تحت التسلسل (1736) وبعدد (108) صفحة،
بأبعاد (22,5 سم طول × 14 سم عرض) في مؤسسة كاشف الغطاء العامة.

2. بعد المقابلة مع النسخة الخطية، قمت بتصحيح بعض الكلمات التي وردت في المخطوطة، وكذلك التي صُحّفت، مع بيان الرموز المعهودة والمختصـرات في كتابة المخطوطات.

3. ترجمة يسيرة لبعض الأعلام، الذي ورد ذكرهم.

4. الاعتماد في بعض المواضع على ما قرّره الأستاذ حسن زادة آملي في تحقيقه لشـرح المصنف، وكذا في تدوين المتن.

5. الابتعاد عن إبداء المقارنات بين شـروحات الكتاب، وكذلك عن محاكمة النص وطريقة الشـرح، وهذا لا يتناسب بطبيعة الحال مع مهام التحقيق، إضافة الى الاقتصاد في بيان المطلب، والاقتصار على الاختصار في التعليق.

6. السير على مسلك المحققين في تخريج الآيات القرآنية، والاحاديث النبوية والروايات، ووضع الفوارز، وتخريج المصادر، وكتابة بعض الفهارس، وغير ذلك من مرتكزات التحقيق.

7. كتابة مقدمة مُيسَّرة عن المصنف  قدس سره  وعن الشارح  قدس سره .

وفي الختام أقدّم الثناء الجميل لذرية الشارح الشيخ الدكتور عباس كاشف الغطاء لاهتمامه بنشر التراث الإسلامي، وإلى الأخوة في مؤسسة آل كاشف الغطاء العامة، لما بذلوه من جهود قيمة من مراجعة الكتاب وتنظيم فهارسه واخراجه فنياً، وأسال العلي الأعلى أن يوفق جميع العاملين لخدمة الدين والمعرفة.

 

 

عمار التميمي

النجـف الأشرف

1 شوال 1437هـ

 

ترجمة المصنف

ولادته:

ولد الحكيم السبزواري سنة (1212هـ) في مدينة سبزوار، وكان أبوه مهدي بن هادي السبزواري من أكابر التجار في مدينة سبزوار، عُرفت عائلته بالعلم والفضل والفقاهة، توفي والده وهو في سن الثامنة، ليتولاّه ابن عمّته المولى حسين السبزواري، وقد ذكر ذلك  قدس سره  في ترجمة كتبها الحكيم نفسه في رسالة جواباً لمن سأل منه ذلك، والرسالة هذه بالفارسيّة مطبوعة في (مجلة يادگار/السنة الأولى/رقم 3/ ص 45 -47) وقد ترجمها الى اللغة العربية المحقق محسن بيدارفر بإيجاز، في مقدّمة كتاب (شـرح نبراس الهدى).

(استدعى بعض الأحبّاء مني كتابة شيء عن كيفيّة تحصيلي للعلم، وتعريف أساتذتي، وإجابة عن هذا أكتب موجزاً من ذلك:

شـرعنا في السبع أو الثمان من الحياة بتحصيل النحو والصـرف، ووالدنا
الفاضل- حشـره اللَّه مع الأخيار - عزم زيارة بيت اللَّه الحرام، وفي المراجعة ارتحل في شيراز إلى الدار الباقي، وهذا الحقير بقي إلى العاشـرة من عمره في سبزوار، وبعد ذلك أتى بي ابن عمتي الفاضل الكامل الحاج ملا حسين السبزواري  رحمه الله  إلى المشهد الرضوي، وكان  رحمه الله  ساكناً بالمشهد طوال السنين، وكان أبوه شـريك أبي مشاعاً في الأموال، مشغولاً بالتحصيل، عالماً منزوياً عفيفاً، قليل الغذاء، مجتنباً عن المحرّمات والمكروهات، مواظباً على الفرائض والنوافل، وحيث كنت برهة من الزمان معه،
وفي حجرته أسهمني في ذلك السياق، وطال معيشتنا كذلك معه سنوات في هذه الرياضات.

وكان  رحمه الله  أستاذي في العلوم العربيّة والفقهيّة والأصوليّة، ولكنّه مع علمه بالحكمة والكلام لا يعلّمني من ذلك غير المنطق، وقليلاً من الرياضيّات، مع ما كان يرى منّي من الاستعداد لذلك العلم والشوق إليه.

فكنت مصاحباً لهذا المرحوم، في جوار الإمام المعصوم  عليه السلام   عشـر سنوات كاملة، حتى اشتدّ شوقي إلى الحكمة الإشـراقيّة، وبلغني صيت حوزة أصفهان، وانبساط بساط الحكمة فيها، فعزمت إليها، وتركت الأموال والأملاك الكثيرة في المحل، وسكنت في أصفهان قريباً من ثمان سنوات، ووفّقت لتحصيل العلوم الحقيقيّة، والرياضات الشـرعيّة فيه، وكنت في أغلب الأوقات مشتغلاً بالحكمة الإشـراقيّة. تعلَّمت الحكمة خمس سنوات في مجلس دروس زبدة الحكماء الإلهيّين وفخر المحقّقين، وبدر المتخلَّقين بأخلاق الروحانيّين - بل بأخلاق اللَّه - الآخوند ملا إسماعيل الأصفهاني  قدس سره  الشريف. وبعد وفاته  رحمه الله  حضـرت سنتين أو ثلاث سنوات مجلس دروس الحكيم المتألَّه، المحقّق الفائق، والنيّر الشارق الآخوند المولى على النوري- قدّس اللَّه نفسه وطيّب رمسه- وقبل ذلك أوان ورودي إلى أصفهان، كنت أحضـر سنتين أو ثلاث درس الفقه للمولى النبيل، والعالم الوجيه، والمحقّق الفقيه الآغا محمّد علي المشهور بالنجفي- أعلى اللَّه مقامه- وبعد مراجعتي إلى خراسان، كنت مشتغلاً بتدريس الحكمة في المشهد خلال خمس سنوات، مع قليل من الفقه والتفسير، لأنّ العلماء كانوا مقبلين إلى هذه العلوم، ومعرضين عن الحكمة بالكليّة، ولذلك كان اعتناء الداعي بالحكمة الإشـراقيّة أكثر، وبعد ذلك سافرت قاصداً لزيارة بيت اللَّه، وطال هذا السفر سنتين أو ثلاث، والآن أنا مشتغل في سبزوار طوال ثمانية وعشـرين سنة بتدريس الحكمة.

هذه الأسباب الظاهرية والهادي في الحقيقة هو اللَّه الذي علَّمني وربّاني).

انتهى ما حكيناه من رقيمة الحكيم السبزواري([2]).

دراسته:

امتاز  قدس سره  بالنبوغ والذكاء الحاد، وعشقه للعلم والمعرفة، وقد ذكر المحقق
الهيدجي انه (عزم في سنة الحادية والعشـرين من عمره إلى سفر الحجّ وكان  رحمه الله  إذ
ذاك ممتازاً بين أقرانه في العلوم الغريبة والفقه، قال: ولما كان الإصفهان حينذاك
دار العلم، فسافرت إليها قبل الموسم، قاصداً الإقامة نحو شهر فيها، للاطلاع
على كيفيّة التدريس والتحصيل وأهل العلم فيها، وحضـرت مجلس درس
الحاج الكلباسـي، والمرحوم الشيخ محمّد تقي، وكنت أتفحّص عن الدروس الأخرى أيضاً، واتّفق عبوري يوماً إلى مسجد رأيت حلقة درس دائراً فيها، فجلست فيهم، وكان الجمع أكثر من مائة طالب، يستمعون إلى أستاذ عليه أرذل الثياب، ذا سكينة ووقار، يدرّس علم الكلام ومسألة التوحيد، فأعجبني تقريره للمسألة، وحضـرت الدرس ثلاثة أيام متوالية، ورأيت الواجب عليّ شـرعاً حضور ذلك الدرس، وأنّ ذلك أوجب عليّ من سفر الحجّ، فصـرفت مؤنة حجّي في شـراء الكتاب ولوازم الإقامة، وبقيت قريباً من عشـر سنوات ملتزماً محضر ذلك الأستاذ العظيم المولى إسماعيل.

وكان الأستاذ بعد الفراغ من الدرس، يروح إلى حلقة درس الآخوند المولى علي النوري، فصـرت بعد خمس أو ستّ سنوات مضـى من تعلّمي عنده، أروح في مصاحبته إلى درس أستاذه النوري أيضاً، فأستفيد منه، وبعد إقامة ثمان سنوات في أصفهان، جاء المرحوم الشيخ أحمد الأحسائي إلى أصفهان، وأمر الآخوند النوري تلامذته بحضور درس ذلك الشيخ، فحضـرت إجابة لأمر الأستاذ مجالسه خلال ثلاثة وخمسين يوماً، ورغم أنّه كان في الزهد بلا مثال، غير أنّ علميّته لم تتظاهر قبال علميّة أفاضل أصفهان)([3]).

اساتذته:

المولى حسين السبزواري ابن عمته.

الشيخ محمد علي المازندراني النجفي.

الحاج محمد إبراهيم الكلباسـي.

الشيخ محمد تقي النجفي، صاحب كتاب هداية المسترشدين.

المولى إسماعيل الدربكوشكي الأصفهاني، المعروف بواحد العين.

المولى علي بن جمشيد النوري.

الشيخ أحمد الأحسائي.

السيد رضـي اللاريجاني المازندراني.

تلامـذته:

حسين قلي الهمداني (استاذ العرفاء).

محمد كاظم الخراساني (صاحب كتاب الكفاية).

الميرزا حسين السبزواري.

مؤلفـاته:

أجوبة مسائل أبو الحسن الرضوي بالفارسية، طبعت ضمن (مجموعة رسائل سبزواري) مع تعليقات الأستاذ السيد جلال الدين الآشتياني.

أجوبة مسائل المولى أحمد اليزدي بالعربيّة، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

 أجوبة مسائل المولى إسماعيل البجنوردي الأولى والثانية والثالثة بالعربيّة، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

أجوبة مسائل المولى إسماعيل الميان آبادي بالعربيّة، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

أجوبة مسائل السيد صادق السمناني بالفارسيّة، طبعت ضمن الرسائل المذكورة.

أجوبة مسائل الشيخ محمد إبراهيم الواعظ الطهراني بالفارسيّة، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

 أجوبة مسائل الميرزا بابا الجرجاني بالفارسيّة، وقد سأل السائل أسئلته نظماً، فأجابه المجيب على منواله، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

 أجوبة مسائل بعض فضلاء قم بالفارسيّة، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

أجوبة مسائل السيد سميع الخلخالي بالعربيّة، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

أجوبة مسائل الفاضل التبّتي بالعربيّة، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

أسرار الحكم بالفارسيّة في الحكمتين العلميّة والعمليّة: كتبه إجابة لطلب السلطان ناصـر الدين القاجار، طبع في حياة المؤلِّف، ثمّ مع حواشـي العلامة أبو الحسن الشعراني  قدس سره  سنة (1351هـ) (الطبعة الثانية) بطهران.

تعليقات على الحكمة المتعالية لصدر المتألّهين، طبعت على هوامش الحكمة المتعالية.

تعليقات على الشواهد الربوبيّة لصدر المتألّهين، طبعت مع أصل الكتاب طبعة حجرية سنة (1268هـ)، ومع تصحيح وتعليقات الأستاذ العلامة السيد جلال الدين الآشتياني.

تعليقات على المبدأ والمعاد لصدر المتألّهين.

تعليقات على مفاتيح الغيب لصدر المتألّهين.

تعليقات على البهجة المرضيّة في شـرح الألفيّة لابن مالك في النحو، لم يطبع، وتوجد مخطوطة منها في المكتبة المركزيّة لجامعة طهران (رقم 158، فهرس المكتبة: 2/ 374).

تعليقات على شوارق الإلهام في علم الكلام للمحقّق عبد الرزّاق اللاهيجي، لم يطبع، لم يذكرها صاحب الذريعة.

تعليقات على الشفاء لابن سينا، ذكره كاتب كتاب النبراس في خاتمة الكتاب ضمن تأليفات الحكيم، ولم توجد نسخته.

ديوان الأشعار، مجموعة من أشعار الحكيم بالفارسيّة.

راح القراح - كما في فهرس مكتبتي الرضويّة والمرعشيّة - أو راح الأفراح
- كما ذكره صاحب مطلع الشمس - في علم البديع.

الرحيق، في علم البديع.

رسالة في اشتراك الوجود والصفات الإلهيّة بين الحقّ والخلق، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

رسالة في مشاركة الحدّ والبرهان، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

شـرح الحديث العلوي (معرفتي بالنورانيّة)، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

شـرح دعاء الجوشن الكبير المشهور بـ(شـرح الأسماء الحسنى)، منضمّاً إليه شـرح دعاء الصباح.

شـرح المثنوي للمولى جلال الدين الرومي، شـرح فيه الأبيات المشكلة، ولم يشـرح جميع المثنوي.

المحاكمات والمقاومات على شـرح رسالة العلم للشيخ أحمد البحريني، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

مفتاح الفلاح ومصباح النجاح في شـرح دعاء الصباح المرويّة عن أمير المؤمنين  عليه السلام  .

المقياس، منظومة فقهيّة غير النبراس ولم يطبع، ذكرها صاحب مطلع الشمس (3 / 203) والذريعة (23 / 126).

منظومة في المنطق وشـرحها، أرجوزة في المنطق سمّاها (اللئالي المنتظمة)، ثمّ شـرحها بنفسه.

منظومة في الحكمة سمّاها (غرر الفرائد)، شـرحها مثل سابقتها بنفسه، ثمّ كُتب على الشـرح تعليقات كثيرة (والذي منها هذا الكتاب الذي بين ايدينا) وهذا الكتاب بعد انتشاره صار كتاباً درسيّاً في الحوزات العلمية.

كتاب مختصـر في المبدأ والمعاد.

نبراس الهدى، وشـرحه.

هداية الطالبين في معرفة الأنبياء والأئمّة المعصومين بالفارسيّة، طبعت ضمن مجموعة الرسائل المذكورة.

ذكر في فهرس مخطوطات المكتبة المرعشيّة بقم (5 / 131) رقم 1747، هادي المضلين في 136 ورقة من تأليفات الحكيم السبزواري في العقائد، كما أنّه ذكر رسالة بنفس الاسم في الفهرس الأبجدي لمخطوطات المكتبة الرضويّة بمشهد (ص605) رقم290 و10715. ولعلَّه متّحد مع المبدأ والمعاد([4]).

وفاته:

انتقل  رحمه الله  إلى جوار ربّه في العشـرة الأخيرة من ذي الحجة سنة (1289هـ)، وكانت مدّة عمره ثمان وسبعين سنة، ودفن في مدينة شيراز.

وبنيت على قبره قبّة في عهد ناصـر الدين شاه، وهي مقبرة كبيرة فخمة، وكانت أرض المقبرة من أملاك الحكيم السبزواريّ، فتولّى مستوفي الممالك أمر بنائها، فبُني فيها بناء كبير يضمّ عدداً كبيراً من الغُرف التي تقرّر أن تكون جزءاً من مدرسة ضخمة، لكنّها تحوّلت بالتدريج إلى مقابر للعلماء والأعلام من تلامذة الحكيم السبزواري([5]).


 

ترجمة الشارح

نسبه:

هو الفقيه الشيخ علي ابن الشيخ محمد رضا ابن الشيخ هادي ابن الشيخ عباس ابن الشيخ علي صاحب (الخيارات) ابن الشيخ الكبير جعفر صاحب (كشف الغطاء) ابن الشيخ خضر، الجناجي النجفي المالكي.

ولادته ونشأته:

ولد  رحمه الله  سنة (1331هـ) في محلة العمارة من محالّ النجف الأشرف،
شب في بيت علمي، ونشأ مع أسرة أدبية دينية تنحدر من سلالة عربية عريقة ينتهي نسبها إلى مالك الأشتر([6])، وتولى تربيته جده العلامة الهادي كاشف الغطاء، فكان يلقنه المعارف والحكم، ويغذيه ويدربه على مراقي الفضل والعبقرية، فنشأ خير منشأ([7])، وبعد أن فرغ من القراءة والكتابة توجه نحو المبادئ من العلوم الأولية، فأتقنها ومهر بها، وجدّ في تحصيل العلوم الدينية من الأصول والفقه حتى صار يُشار إليه بالبنان([8])، فأصبح من فضلاء هذه الأسرة المصلحين، ومن حملة العلم النابهين، تفوّق على أقرانه وزاحم الشيوخ في معارفهم، وسبق الكثير منهم في معلوماتهم([9]).

أساتذته:

ومِن أشهر أساتذته الأعلام من غير أسرته الفقيه الكبير الشيخ كاظم الشيرازي، الذي كان مِنْ ألْمع الأساتذة المُدرّسين يوم كانت النجف تَعجُّ بآلاف الطلبة ومئات المحصّلين، وكان هذا الشيخ ذا نظر ثاقب ورأي حصيفٍ وفكرةٍ نـقـّادةٍ، وكان يمتاز أيضاً بقوَّة التقرير وجزالة التحرير والفراسة الصادقة في تمييز مواهب تلامذتـه، ومنْ مصاديق قوّة التَّوَسُّم فيه أنـَّه قدَّم شيخنا المترجَم أعلى الله مقامه على سائر حُضّار بحثه، بلْ كان يُؤثره بإلقاء مطالب عالية في الفقه وأصوله على نحو الاختصاص ولم يشاركه غيره من كبار تلاميذه في حضورهـا، ثم بلغ الأمر بالشيخ الشيرازي أنْ حرَّم على الشيخ كاشف الغطاء أنْ يحضر درس غيره من الأعلام، هذا والشيخ بعد لمّا يزلْ غضَّ الإهاب، لم يخْلع بُرْدَ الفتوَّة، ولم ينـزع جلباب الشباب، وكان جُـلَّ تحصيله عليه حتى تبحر في علوم الفقه والأصول، وتضلَّعَ من المعقول والمنقول، وبلغ درجة الاجتهاد المُطْلق قبل الثلاثين من عُمُرهِ المبارك([10]).

ومن أساتذتـه في المعقول العلامة السيد علي اللكنهوي في الفلسفة والمنطق والعقائد([11])، ومن أساتذته أيضاً الشيخ ضياء الدين العراقي والشيخ محمد حسين النائيني.

تلامذته:

وتلامذتُـهُ هم جمهرةٌ صالحةٌ من كبار العلماء والباحثين والأدباء والنُّحاة واللَّغـَوييّن، من مشاهيرهم:

السيد جمال الدين نجل المرجع الديني الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي  قدس سره .

أخوه السيد علي نجل السيد الخوئي  قدس سره .

العلاّمة الحجة الكاتب الإسلامي الشهير الشيخ باقر شريف القرشي.

العلاّمة الفقيه الشيخ عبد الكريم القطيفي.

العلاّمة الشاعر الكبير الشيخ عبد المنعم الفرطوسي.

العلاّمة الكاتب الإسلامي الشهير الشيخ أسد آل حيدر صاحب كتاب (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة).

الخطيب الكبير العلاّمة الدكتور الشيخ أحمد الوائلي.

العلاّمة الشيخ نور الدين الجزائري.

العلاّمة الدكتور مهدي المخزومي كبير علماء النحو.

العلاّمة الشيخ حسين آل زاير دهام المخزومي النجفي.

دوره الديني والعلمي:

إن شعور الشيخ علي كاشف الغطاء نفسه إن واجبه الديني يفرض عليه أن يكون في وسط الأحداث، مرشداً وناصحاً وموجهاً ومسانداً، كان هو المحفّز للقيام بجلائل الأعمال،  وقد كان له بجميع مشاركاته فاعلية وقوة وتأثير، ويمكن الإشارة إلى السمعة الطيبة والمكانة المرموقة التي احتلتها أسرته- آل كاشف الغطاء- في المجالات الدينية والعلمية والسياسية قد ساهمت إلى حد كبير في بزوغه، فهذه الأسرة العربية الصميمة قدّمت الزعماء الدينيين على امتداد قرنين من الزمان (القرن التاسع عشر والقرن العشرين)([12]).

رُجِع إليه في التقليد بعد المرجع الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، فقد بلغ درجة الاجتهاد المطلق قبل الثلاثين من عمره، وتولى إمامة الجماعة في الصحن الحيدري الشريف في مكان والده وجده الهادي رحمهما الله، وانتقلت إليه مكتبة
جده وأبيه، وأضاف إليها كثيراً من الكتب المطبوعة والمخطوطة، فهي من مكتبات النجف المهمة([13]).

وقد كان الشيخ كاشف الغطاء يتصف بِسِمات الرجل الجادِّ الذي يعمل بنشاط وحماس في كل موقف يرى فيه مصلحة للإسلام والمسلمين([14])، فكان يسعى بكل ما أعطي من حول وطول في قضاء حوائج المؤمنين، والحفاظ على دماء المسلمين، والدعوة لوحدة الصف، فرمته سهام أعدائه بأباطيل وأراجيف وأوهام يُسألون عنها أمام مالك يوم الدين.

إجازته في الرواية:

يروي الشيخ المترجَم بالإجازة عن جدّه الإمام الهادي عن العلاّمة الكبير الفقيه الأصولي الرجالي الشهير السيد أبي محمد الحسن آل صدر الدين الموسوي العاملي الكاظمي، وقد كتبها السيد المذكور للشيخ الهادي جدّ المترجم على نحو التفصيل وفيها من الفوائد ما لا يستغني عنه فقيه ومُحدّث([15]).

آثاره العلمية:

وله  رحمه الله  مصنفات قيّمة في مختلف فنون المعرفة الإسلامية، من الفقه والأصول والمنطق والتراجم والمناظرات بينه وبين كبار علماء الأمة من الفريقين، وهي:

أولاً: المطبوعات:

الأحكام، تقريراً لبحثه الخارج في الأصول (ستة مجلدات)، طبعته مؤسسة الذخائر سابقا -كاشف الغطاء حالياً- طباعة أولية.

أدوار علم الفقه وأطواره، طبعته مؤسسة كاشف الغطاء العامة سنة (1439هـ) بتحقيق الشيخ تحسين البلداوي.

أسس التقوى لنيل جنة المأوى، وهي رسالته العملية، وكانت الطبعة الرابعة منه في سنة (1391هـ) من قبل مطبعة الآداب في النجف الأشرف.

باب مدينة علم الفقه، طبع في مطبعة دار الزهراء في بيروت سنة (1405هـ).

التعادل والتعارض والترجيح، طبعته مؤسسة الذخائر سابقا -كاشف الغطاء حالياً- وعادت طباعته مطبعة سليمانزاده في قم سنة (1430هـ).

تعليقة على شرح المنظومة، وهو هذا الكتاب.

شرح العروة الوثقى، تقريراً لدرس استاذه الشيخ كاظم الشيرازي،
طبعته مؤسسة كاشف الغطاء العامة سنة (1439هـ) بتحقيق الشيخ كريم الكمولي.

كشف ابن الرضا عن فقه الرضا، رسالة مستلة من كتابه شرح المكاسب، طبع في بيروت من قبل مطبعة صبح سنة (1432هـ).

الكواكب الدرّية في الأحكام النحوية، طُبِع من قبل الذخائر سابقاً.

المختصر من مرشد الأنام لحج بيت الله الحرام، الطبعة الأولى من قبل المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف سنة (1374هـ)، والثانية في النجف أيضا في مطبعة الآداب سنة (1398هـ).

مصادر الحكم الشرعي والقانون المدنـي، (مجلدان)، طبع الأول منه في مطبعة الآداب في النجف الأشرف سنة (1408هـ)، والثاني في مطبعة العاني في بغداد سنة (1410هـ).

نظرات وتأملات، وهو شذرات من المطارحات العلمية والمناظرات الأدبية بينه وبين الدكتور فيليب حتي.

نقد الآراء المنطقية (مجلدان)، طبعته المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف، وطبعة أخرى من قبل مطبعة سليمانزاده في قم سنة (1427هـ).

نهج الصواب إلى حل مشكلات الإعراب، طبعته مؤسسة الذخائر سابقاً.

نهج الهدى في علم الكلام، المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف سنة (1354هـ).

النور الساطع في الفقه النافع، تقريراً لبحثه الخارج في الفقه (مجلدان)، الطبعة الأولى منه من قبل مطبعة الآداب في النجف الأشرف سنة (1381هـ)، والثانية من قبل ستارة في قم المشرفة في سنة (1430هـ).

ثانياً: المخطوطات:

إظهار الحق، شـرح لحاشية الشيخ ملا عبدِ الله اليزدي.

الحق اليقين في تراجم المعصومين  عليهم السلام  .

رسالة في أمارية اليد.

رسالة في وحدة الوجود.

شـرح الرسائل (ستة عشر مجلدا).

شـرح المكاسب (اربعة مجلدات).

شرح تجريد الاعتقاد.

شرح كفاية الأصول (عشرة مجلدات).

الكلم الطيب، مجموعة رسائل ومقالات.

وتعمل مؤسسة كاشف الغطاء العامة على تحقيق وإخراج تلك الدرر ضمن موسوعة تراث الشيخ علي آل كاشف الغطاء.

وفاتُهُ:

لبَّى نداء ربه بعد أنْ أكمل تكبيرة الإحرام من فريضة العشاء، وكان ذلك في ليلة الأربعاء 19 رجب الأصَمّ من سنة (1411هـ)، ودفن في مقبرة جدّهِ الشيخ الأكبر كاشف الغطاء في محلة العمارة من محال النجف الأشرف([16]).

 

 

 

 

صورة الصفحة الاولى من المخطوطة

 

 

 

 

صورة الصفحة الاخيرة من المخطوطة

 

 

 

 

 

 


 

مقدمة الشارح

تعريف الحكمة:

الحكمة([17]): هي العلم بأعيان أو بحقائق الموجودات، أي الوجودات العينية الخارجية على ما هي عليه، بقدر الطاقة البشـرية، أي الوجوب والإمكان والامتناع والتحيّز التام.

وتنقسم إلى:

العلمية: وهي العلم بما هو خارج عن محيط قدرتنا واختيارنا.

والعملية: وهي العلم بما يكون تحت اختيارنا وقدرتنا، وبما يكون من أفعالنا من حيث أنه يؤدي لإصلاح المعارف والمعاش.

و]الحكمة[ العلمية: إن كان البحث فيها عن ما هو مجرداً عن المادة ذهناً وخارجاً، فهو العلم الإلهي، ويسمّى بالعلم الأعلى، والفلسفة الأولى، والعلم الكلي، وما بعد الطبيعة، وما قبل الطبيعة، ويخصّ بالإلهي بالمعنى الأخص، وقد يطلق الإلهي على ما يبحث فيها عما لا يفتقر إلى المادة، سواء كان لم يقارنها اصلاً أو قارنها، كالوحدة والكثرة وسائر الأمور العامة، ويسمّى بالإلهي بالمعنى الأعم، كالبحث عن ذات
الله عز وجل  وصفاته واسمائه، وموضوعه الوجود بما هو واجب. وإن كان البحث فيها عما يحتاج إلى المادة خارجاً لا ذهناً، فهي العلم الرياضي بأقسامه الأربعة الحساب والهندسة والهيئة والموسيقى.

وأما الحكمة العملية: وهي ما كان موضوعها ما تحت قدرتنا واختيارنا.

أقول: إن كان البحث فيها عمّا يصلح أنفسنا فهي تهذيب الأخلاق، أو يصلح البيت فهي تدبير المنزل، أو يصلح الخارج مع الناس فهي علم السياسة، أو ما يصلح الخارج مع الله عز وجل  فهو علم النواميس وهو الفقه، موضوعها الموجودات الخارجيّة وعليه فيخرج المنطق منها.

 

الفريدة الأولى

في الوجود والعدم

 


 

 [1]

غرر في بداهة الوجود

مُعَرِّفُ الوُجودِ شَرْحُ الاسْمِ
 

 

وليس بالحَدِّ ولا بالرَّسْمِ
 

مَفهُومُهُ مِنْ أعْرَفِ الأشياءِ
 

 

وَكُنْـهُهُ في غايَةِ الخَفاءِ
 


 

في الوجود والعدم

[1]

غرر في بداهة الوجود

وإنه غني عن التعريف الحقيقي، وإن ما ذكروا له من المعرّفات تعريف لفظي(1). (معرف الوجود) كالثابت العين، أو الذي يمكن أن يخبر عنه، أو غير ذلك(2) (شـرح الاسم)(3) أي مطلب ما الشارحة(4). وهو ما يقال
 

(1) وهو تفسير مدلول اللفظ وتوضيح معناه، كتعريف الأسد بالغضنفر.

(2) مثل تعريف الوجود بأنه المنقسم إلى فاعل ومنفعل، وحادث وقديم، والعدم ما ليس كذلك.

(3) أي توضيح معناه، لا لبيان ماهيته، فالتعاريف المذكورة إنما هي توضيح لمعنى الوجود.

(4) قال الأستاذ([18]) لا وجه لهذا التفسير؛ لأن المطلوب بـ(ما) الشارحة قبل الجزم بوجوده إنما هو شـرح الماهية، وبعد الجزم بوجوده يكون بيان لحقيقة تلك الماهية، والتعريف اللفظي لا يشـرح الماهية، ولا يبيّن حقيقتها، بل يوضح اللفظ، فلا وجه لتفسير شـرح الاسم بمطلب (ما) الشارحة، إذ المطلوب بها لا يكون تعريفاً لفظياً. نعم الا اذا جرى على رأي الملا جلال الدّين، حيث أن رأيه ان (ما) قد يطلب بها تعريف لفظي([19]).

بالفارسية باسخ(5) برسش(6) نخستين(7).

قال الشيخ الرئيس في النجاة إن الوجود لا يمكن أن
يشـرح بغير الاسـم(8) لأنـه مبـدأ أول(9)

 

وأقول: رأي المناطقة أن (ما) الشارحة هي التي تستعمل لطلب شـرح الاسم وبيان مفهومه، أي تعريف لفظي يُطلب بها، كما أشار إليه محمد علي في شـرح الحاشية([20]).

(5) أي مطلب.

(6) أي السؤال.

(7) أي الأول.

(8) أي شـرح الاسم، فهو على حذف مضاف([21]).

(9) أي لأن الوجود مبدأ أول لشـرح كل شـيء، أي متوقف عليه كل الشـروح، بحيث لا يمكن معرفة أي شـيء بدون معرفته([22])، كما أنه أدعى أن النقيضين - لا يجتمعان ولا يرتفعان- مبدأ كل تصديق، ولولاها لما كان هناك تصديق بشـيء.

والبرهان على ذلك مذكور في حاشية المصنف في المنطق في بحث تقسيم المبادئ عند قوله مبدأ المبادئ([23]).

لكل شرح فلا شـرح له(10) بل صورته تقوم في النفس بلا توسط شيء.

(وليس) أي المعرف (بالحد)(11) حيث إن الوجود بسيط لا فصل له ولا جنس له كما سيجي‏ء (ولا بالرسم) لأن الرسم يكون بالعرضي(12) الذي من الكليات الخمس التي مقسمها شيئية الماهية(13) والوجود وعوارضه ليس من سنخ الماهية(14) ولأن المعرف لابد أن يكون أظهر وأجلى من المعرف، ولا أظهر من الوجود (مفهومه) أي مفهوم الوجود(15) (من أعرف الأشياء
 

(10) وإلا يلزم الدور، إذ عليه - ]اي الوجود[- تتوقف الأشياء، فلو توقف على شـيء منها لزم الدور.

(11) هذا نفي لذكر الحدّ لمفهومه، ومنه يبتني حال حقيقته، فهذا دليل على انتفاء الحد المفهومي والحقيقة؛ لأنه إذا لم يكن للمفهوم حدّ، لم يكن للحقيقة حد.

(12) هذا الدليل يمكن اجراؤُه في نفي الحدّ؛ لأنه مركّب من جنس وفصل، وهما ]جزءان[ لشيئية الماهية، وهذا نفي لرسمية مفهومه، ومنه يعلم الرسم الحقيقة.

(13) الاضافة بيانية.

(14) لأنه له حيثية الاباء عن العدم، وهي لها حيثية اللاإباء.

(15) هنا أمور ثلاثة: إن مفهوم الوجود العام هو أمر ذهني منتزع من الموجودات، بسبب الوجودات المقومة لها، ولذلك المفهوم حصص متكثرة، تتكثر الوجودات الخاصة بواسطة الإضافة إلى الماهيات، كوجود الإنسان والفرس، والمفهوم العام للوجود ذاتي لها، وهو نوع لها؛ لأنها أفراد متماثلة متعددة بمجرد إضافة ذلك المفهوم إلى الماهيات، فهي حصص متماثلة المعاني، وهي مع ذلك المفهوم العام المشترك - الذي هو ذاتي لها - زائدة على الماهيّات وعلى الوجودات الخاصة أيضاً، أما الوجودات الخاصة فهي متخالفة الحقائق بالشدّة والضعف، وليست متخالفة بمعاني ذاتية داخلة فيها كالفصول، أو بضمائم مأخوذة معها كالمصنفات والمشخّصات، بل اختلافها بكمالية ونقص وشدة وضعف في نفس طبيعة الوجود، سنخ حقيقته البسيطة، فإن الاختلاف بذلك يكون اختلافاً في نفس ما به الإشتراك
وكنهه) وهو الحقيقة البسيطة النورية التي حيثية ذاتها
حيثية الإباء عن العدم، ومنشئيّة الآثار(16)

 

والإتفاق، كطبيعة النور المشترك بين الأنوار المختلفة بالأشد والأضعف، والأكمل والانقص، كطبيعة العدد المشترك بين الأعداد المتفاوتة بالأزيد والأنقص، وهذا بخلاف الماهيات، فإنها متخالفة بالمعاني، وهي الفصول والمصنفات والمشخصات، والماهيات معلومة الأسامي، والوجودات مجهولة الأسامي.

ثمّ أنّ معرفة ماهية الوجود وتصورها، إنما يكون بوجهها لا بكنهها، لاستحالة وجود نفس ماهية الوجود في الذهن، وإلاّ لأنقلب الذهن خارجاً؛ لأن الأشياء في مقام تصورها تحصل بأنفسها في الذهن، فلو وجد نفس الوجود في وعاء الذهن، صار الذهن خارجاً.

وبعبارة أخرى: أن المعاني التي توجد في الذهن، لابد أن يكون لها وجودان، أصلي عيني خارجي، ووجود ظلي ذهني، مع انحفاظ الذات في كلا الوجودين، حتّى تخلع أحدهما وتلبس الآخر، وماهية الوجود لمّا كانت ذاتها الوجود الأصلي العيني، فمن المحال أن تخلعه وتلبس غيره، وإلاّ لتخلّفـت الذات عن نفسها، وصح سلبها عن نفسها، نعم إنما تعرف ماهيته الحقيقية على سبيل الإحاطة، بأن يكون بالعلم الشهودي الحضوري، كعلم الله عز وجل  بها.

إنْ قلت: إنا نعلم بوجودنا علماً حضورياً بإحاطة أنفسنا به، نظير الجوع.

قلنا: أنفسنا ليست لها إحاطة إلا ببعض ماهية الوجود؛ لأنّ ماهيته عبارة عن شـيء وجداني شخصـي، منبسط على العالم كلّه، فنفس الإنسان لا تحيط إلا بمقدار الحصة التي انبسطت عليها، وهي كالقطرة في البحر الخضم، فهو لا يوجب العلم بالكنه والحقيقة.

وأمّا مفهوم الوجود - فهو الشيئية والممكنية - أمر انتزاعي من حقيقة الوجود، يقع به الحكاية عنها، وآلة لملاحظتها، وليس بذاتي لها؛ لأنّ مصداقه صـرف الحقيقة، فهو بسيط.

(16) كالعلم والقدرة والحياة. واعلم ان مفهوم الوجود ليس يندرج تحت كلي من الكليات؛ لأنه لوحظ فانٍ في معناه.

والتي ذلك المفهـوم البديهي عنوانـه(17) (فـي غاية الخفاء).

وبهذا البيت جمع بين قول من يقول إنه بديهي، أي مفهومه، وقول من يقول إنه لا يتصور أصلاً أي حقيقته وكنهه إذ لو حصلت(18) في الذهن، فإما أن يترتب عليها آثارها، فلم يحصل في الذهن إذ الموجود في الذهن ما لا يترتب عليه الآثار المطلوبة منه(19) وإما أن لا يترتب فلم يكن حقيقة الوجود التي هي عين منشئية الآثار.

وأيضا كلما يرتسم بكنهه في الأذهان يجب(20) أن يكون ماهيته(21)
محفوظة مع تبدل وجوده(22) والوجود لا ماهية له وماهيته(23) التي هو
 بها هو(24) عين حقيقة الوجود، ولا وجود زائد عليها حتى يزول

 

(17) أي عنوان ذلك الكنه. واعلم ان المفهوم يكون عنواناً للذات، اذا كان لم يوجد في الخارج مثل مفهوم الوجود، فإنه لو كان هو الموجود في الخارج ويوجد في الذهن، لزم انقلاب الذهن خارجاً.

فلذا قيل له عنوان لذات الوجود، وليس موجوداً بها، وتارة يكون ليس بعنوان، كالإنسان والناطق الذي يوجد بوجود ذاته.

(18) وهذا دليل على عدم حصولها حقيقة الوجود في الذهن بالعلم الحصولي، واما بالعلم الحضوري، فقد بيّنه المصنف في الحاشية فليراجع([24]).

(19) في الخارج، والا لو حصل لانقلب الذهن خارجاً.

(20) ان يكون ماهية؛ لأنه لابد ان يكون محدوداً حتى يحيط به الذهن، فتحصل منه صورة فيه.

(21) أي المراد بها ما يقع في جواب ما هو.

(22) الخارجي بالذهني.

(23) أي ماهية الوجود.

(24) للماهية اطلاقان: الاول ما يقع في جواب ما هو، وحينئذٍ تكون لا تصدق
 

عنهـا، وتبقى نفسها محفوظة في الذهن(25).

على الوجود، لأنه يقع في جواب ما هو. والثاني ما به الـشـيء هو هو، وحينئذٍ تصدق على الوجود.

(25) فتثبت ان ماهية الوجود لا توجد في الذهن، فلا يكون لها تعريف، فافهم.

 

 [2]

غرر في أصالة الوجود

إنّ الوجودَ عِندَنا أَصِيلُ
 

 

دليلُ مَن خالَفَنا عَلِيْلُ
 

لأنّه مَنْبَعُ كُلِّ شَرَفِ
 

 

والفَرْقُ بينَ نَحْوَيِ الكَوْنَ يفـيْ
 

كذا لُزُوْمُ السَّبْقِ في العِلِّيّة
 

 

مَعْ عَدَمِ التَّشكيكِ في المَاهِيَّـة
 

كونُ المراتبِ في الاشتدادِ
 

 

أنواعاً استنـارَ للمُرادِ
 

كيفَ وبِالكَوْنِ عن استِـواءِ
 

 

قَدْ خَرَجَتْ قاطِبةُ الأَشيـاءِ
 

لو لم يؤصّلْ وحدةٌ ما حَصَلتْ
 

 

إذ غيرُهُ مَثارُ كثرةٍ أَتَتْ
 

ما وَحّدَ الحقّ ولا كلمتهُ
 

 

إلا بما الوحدةُ دارَتْ مَعَهُ
 


 

 [2]

غرر في أصالة الوجود(1)

اعلم أن كل ممكن(2) زوج(3) تركيبي له ماهية ووجود. والماهية التي يقال لها الكلي الطبيعي ما يقال في جواب ما هو. ولم يقل أحد من الحكماء(4)
 

(1) معنى الأصالة: هو كون أي واحد منهما طارداً للعدم، هل الماهية أو الوجود، ولا شك أن الوجود هو الطارد للعدم؛ لأنه هو نقيضه، لا الماهية، والذي يطرد العدم ليس الأمر الاعتباري، بل الأمر الموجود في الخارج، فالوجود موجود في الخارج.

(2) الدليل أن للممكن جهتين: وجود وحدود وجود، والماهية منتزعة من الثاني. فلا وجه لتخصيص النزاع بالممكن، بل في الواجب أيضاً يجري؛ لأنه قيل أنه عين الوجود وأن الوجود أصيل، وقيل ]الوجود[ اعتباري، ولكن لما عقد لوجود الواجب باب مستقل، لذا خصّص النزاع بالممكن([25]).

(3) لا وجه للتقسيم، فإنه على رأيه([26]) أن النفس ممكنة، وليس لها ماهية.

(4) نعم قال الشيخ أحمد الأحسائي([27]) الشارح للعـرشيات
بأصالتهما([28])، وهو ليس بحكيـم([29])، بل رجل أخباري.

بأصالتهما معا. إذ لو كانا أصيلين لزم أن يكون كل شيء شيئين(5) متباينين، ولزم التركيب الحقيقي في الصادر الأول(6) ولزم أن لا يكون الوجود(7) نفس تحقق الماهية وكونها، وغير ذلك(8) من التوالي الفاسدة. بل اختلفوا على قولين: أحدهما أن الأصل في التحقق هو الوجود والماهية اعتبارية ومفهوم حاك عنه(9) متحد به، وهو قول المحققين من المشائين، وهو المختار كما في النظم (إن الوجود عندنا أصيل). وثانيهما أن الأصل هو الماهية والوجود اعتباري. وهو مذهب شيخ الإشـراق شهاب الدين السهروردي  قدس سره  وهو المشار إليه بقولنا (دليل من خالفنا عليل) مثل أن الوجود لو كان حاصلاً في الأعيان، لكان موجوداً، فله أيضاً وجود، ولوجوده وجود إلى غير النهاية. وهو مزيف(10) بأن الوجود موجود بنفس ذاته لا بوجود آخر، فلا يذهب الأمر إلى غير النهاية.

(5) وذلك باطل؛ لأنهما ان كانا مستقلين فهو باطل لمخالفة الوجدان، وإن كان احدهما حال في الآخر فيكون لكل منهما وجود؛ لأن وجود الحال غير وجود المحل، فيكون للوجود وجود، وننقل الكلام إلى هذا الوجود فيلزم التسلسل.

(6) وهو العقل الأول، وهو باطل كما سيجيء.

(7) هو ذلك؛ لأن كلاً منهما متأصل في الوجود ]الخارج[، فكل منهما متحقق في الخارج، فهو له وجود، فلزم التسلسل.

(8) من اللوازم الفاسدة ]عدم صحة[ حمل أحدهما على الآخر؛ لأن كل منهما شـيء مباين للآخر.

(9) أي عن الوجود، فإذا قلت الحيوان الناطق فهو حاك عن الإنسان الموجود، وأما الذي ليس بموجود ]فالمفهوم غير حاك عنه[ فإنه ليس بحيوان ]ناطق[.

(10) أي باطل، وليعلم أن القائلين بأصالة الماهية على قسمين: بعضهم يقول أن الوجود اعتباري([30]) وليس موجوداً في الخارج، وبعضهم يقول أن الوجود نفسه متحقق في الخارج وهو صاحب الشوارق([31]).

وحاصل مذهبه ان الأشياء على قسمين:

منها ما هو موجود بوجوده في الخارج كالماهيات على رأيه. فالخارج ظـرف وجوده.

وقد أبطل الاستاذ السيد حسن([32]) هذا القول بأن قال: أنا لا نعقل وجود نفس الشـيء في الخارج؛ لأن الشـيء أما متحقق في الخارج، أو غير متحقق فيه، فالأول موجود فيه دون الثاني، وكذا الوجود.

فإن قلت: قد ذكر القوم أموراً نفسها في الخارج، لا وجودها، كالإضافات والاعتباريات.

قلنا: هذا اصطلاح منهم على أن الذي ليس له وجود في الخارج، بل الموجود منشأ انتزاعه يسمّى نفسه في الخارج، وإن كان هو موجوداً فيسمّى موجوداً في الخارج.

ومنها ما يكون الخارج ظرفاً لأنفسها، لا لوجودها كالوجود، فإن الخارج ظرف لنفس الوجود، لا لوجود الوجود، وإلا لزم التسلسل.

وقس عليه سائر أدلته المذكورة بأجوبتها في المطولات. ولا نطيل هذا المختصـر بذكرها(11). ثمّ أشـرنا إلى بعض أدلة المذهب المنصور، وهي ستة: الأول قولنا (لأنه منبع كل شـرف) حتى قال الحكماء مسألة أن الوجود خير(12) بديهية. ومعلوم أنه لا شـرف ولا خير في المفهوم الاعتباري(13).

والثاني قولنا (والفرق بين نحوي الكون) أي الكون الخارجي والكون الذهني (يفي) بإثبات المطلوب.

بيانه: أن الماهية في الوجود الخارجي يترتب عليها الآثار
المطلوبة منها وفي الوجود الذهني(14) بخلافه، فلو لم

 

(11) وملاكها التسلسل، وهو مدفوع بما ذكرناه.

(12) قد يعرضه الشـر من جهة العدم كالزنا، فإن وجوده خير، وعرض له الشـر من جهة زوال كمال النفس به، ووجود ]الشمر[ خير، والشـر عرض له من جهة ازهاق روح الامام الحسين  عليه السلام   ولذا هو أوجب كون الامام الحسين  عليه السلام   في الجنّة بمنزلة النبي صلى الله عليه واله وسلم  وتحصيل الثواب للباكين عليه، وهو أمر بديهي، حتى أن المتكلمين والحكماء اتفقوا عليه، وبعضهم استدل عليه من أن وجود كل شيء يلائم ذاته([33])، فهو ليس شـراً على ذاته([34])، وكذا يلائم علته، وكذا بالنسبة إلى وجود آخر فهو ليس شـراً. نعم يكون شـراً بالنسبة إلى اعدام وجود شـيء، أو عدم كمال وجوده من علم أو قدرة، وحينئذٍ الشـرّية تعرض عليه، فمعنى الخير حينئذٍ هو ما لائم الذات، وطلبته الاشياء بفطرتها، والوجود تطلبه الحيوانات والحجر والنبات كما سيجيء.

(13) الذي ليس له تحصّل في الخارج.

(14) الظلّي للوجود الخارجي، وإلا فالموجودات الذهنية على رأي الحكماء([35]) تتلبّس بصور محسوسة، كما في حالة النوم والموت والاغماء، فلذا تستلذ برؤية المحبوب في
 

يكن الوجود متحققاً(15) بل المتحقق هي الماهية وهي محفوظة في الوجودين بلا تفاوت لم يكن فرق بين الخارجي والذهني(16) والتالي(17) باطل(18) فالمقدم(19) مثله.

والثالث(20) قولنا (كذا) يفي بإثبات المطلوب (لزوم السبق) بالذات (في العلية) أي في كون شـيء علّة لشـيء (مع عدم) جواز (التشكيك في الماهية).

الرؤيا، وتفر من النار هناك.

(15) أي في الخارج.

(16) لأن الماهية هي منشأ الانتزاع للوجود الخارجي ]بناءاً على أصالتها[، وهي موجودة في الذهن بنفسها كما سيحقق فيما بعد([36]).

فالوجود الخارجي ثابت للماهية لتحقق منشأ انتزاعه، فيلزم أن يكون الوجود الذهني عين الوجود الخارجي؛ لأن منشأ انتزاعهما واحد، فإذا وجدت في الخارج فهي موجودة في الذهن؛ لأن منشأ انتزاع الوجود الذهني وهو الماهية موجود، فلينتزع عنه. نعم إذا قلنا أنّ الوجود هو الاصيل والماهية اعتبارية فنقول الوجود الخارجي مرتبة من مراتب الوجود، والوجود الذهني مرتبة من مراتبه، وهو ليس منتزعا من الماهية.

(17) وهو عدم كون فرق بين الوجود الذهني أو الخارجي.

(18) لأن الفرق بينهما واضح؛ لأن آثار هذا غير آثار ذاك.

(19) وهو كون الماهية هي الاصل باطل.

(20) قبل الخوض في بيان هذا الدليل، يحتاج إلى تقديم مقدّمة:

وهي أن القائلين بأصالة الوجود يقولون لا تشكيك في الماهية، وإنما التشكيك في الوجود، وأن له مراتب([37]).

بيانه: أنه يجب تقدم العلة على المعلول(21) ولا يجوز التشكيك فـي الماهية، فإذا كانتا(22) من نوع واحد أو جنس واحـد كما في علّية نار لنار(23) أو علّية الهيولى والصورة للجسم، أو العقل الأول للثاني(24) وكان الوجود اعتبارياً، لزم كون الماهية النوعية النارية مثلاً في أنها نار(25) متقدّمة، والماهية النارية في أنها

والقائلين بأصالة الماهية على قولين: الأكثر قائلون بأنه لا تشكيك في الماهية؛ وإنما التشكيك في عوارضها، وبعضهم قال بالتشكيك بالماهية([38]).فهذا الدليل لا يكون رداً إلاّ على القائلين بأصالة الماهية، مع أن التشكيك لا يكون فيها([39]).

(21) وهما عبارة عن الماهية على القول بأصالتها، والوجود اعتباري.

(22) أي العلة والمعلول.

(23) أعلم أنّ المفيض للوجود هو الله عز وجل  لا غيره. نعم قد يحصل الوجود للماهية، كالنار تحصل الوجود لنار أخرى، وكالبناء يحصل الوجود للبيت، وأما الوجود فالذي صنعه هو الله عز وجل .

(24) أي للعقل الثاني.

(25) بما هي علة.

نار مؤخرة(26) والماهية الجنسية الجوهرية في أنها جوهر متقدمة بما هي في العلة(27) وهي في أنها جوهر متأخرة بما هي في المعلول(28) فيلزم التشكيك في الذاتي(29).

وقد جمع جم غفير منهم(30) بين اعتبارية الوجود ونفي التشكيك في الماهية، وعلى القول بأصالته(31). فالمتقدم والمتأخر(32) وإن كانا ماهية، لكن ما فيه التقدّم والتأخر هو الوجود الحقيقي.

(26) بما هي معلولة، فالتقدم بالعلية والمعلولية إنما كان في الماهية، لأنها هي التي كان أحدهما علّة للآخر، وأما الوجود فاعتباري، فلا يكون علّة للماهية.

(27) وهي الهيولى والصورة والعقل الأول.

(28) وهو الجسم والعقل الثاني.

(29) وهو الماهية على رأي القائلين بأصالتها.

(30) اي مِنَ القائلين بأصالة الماهية.

(31) أي اصالة الوجود.

(32) أي الذي به حصل تقدّم الماهية هو الوجود، وحاصله: أن التشكيك([40]) إنما وقع في الوجود على القول بأصالته؛ لأنه هو العلة وهو المعلول، لا الماهية لأنها اعتبارية، فلما وقع فصارت متقدمة ومتأخرة، والتشكيك إنما وقع في الوجود دون الماهية، ترشح عليها التقدم والتأخر، فهي مشككة بالعرض والمجاز([41]).

والرابع(33) قولنا (كون المراتب) أي مراتب الشديـد والضعيف الغير
 

(33) هذا الدليل مبني على اربع مقدمات:

الأولى: أنّ الاشتداد حركة من الضعيف الى القوي، كحركة البرودة التي تكون في الماء إلى اشدها حتّى يجمد الماء، وكذا الحرارة تتحرك إلى أن تصل إلى الغليان.

الثانية: الكم المتصل، هو القابلُ عند الوهم إلى التجزّء إلى أجزاء غير متناهية، والموجود فيه حد مشترك قابل لأن تفرضه أولاً لهذا القسم، أو آخر لهذا القسم كالخط، فإنه أحد نقاطه الوسطية، كما يمكن للوهم ان يفرضها بداية لقسمِه الثاني، وقابل لأن يفرضها نهاية للقسم الأول.

الثالثة: الاشتداد لما كان حركة؛ كان من الكم المتصل، والدليل على ذلك أن الحركة منطبقة على الزمان، فهي لا تكون إلا مع الزمان؛ لأنها لا توجد إلا معه، وهي منطبقة مع المسافة؛ لأنها لا توجد إلا معها، والمسافة منطبقة على الجسم، فإذا كان كذلك؛ فالحركة لو كانت كماً مُنفصلاً، فهي مركّبة من أجزاء لا تتجزأ، فالجزء الأخير منطبق على جزء من الزمان، وعلى جزء من المسافة فلابد أن يكون الجزء من الزمان والجزء من المسافة جزءاً لا يتجزأ، وإلا فلا ينطبق عليهما الجزء من الحركة، فيلزم أن يكون الزمان والمسافة متركّبين من جزءٍ لا يتجزأ، وذلك باطل كما سيجيء، فالاشتداد كم متصل.

الرابعة: أن الماهية (على قولهم)([42]) لا يكون فيها شدة وضعف، إنما الاختلاف في

المتناهية كما دلّ(34) عليه قولنا (في الاشتداد) لأن الاشتداد حركة، والحركة متصلة، وكل متصل يمكن أن يفرض فيه حدود(35) غير متناهية (أنواعا) لكل منها ماهية متحصّلة (استنار للمراد)(36).

الانواع، فتكون ماهية أخرى، ويستدلون على ذلك بأن الاشتداد أما في العوارض؛ فحينئذٍ لا اشتداد في الماهية، أو أن يكون الاشتداد في الماهية، فحينئذٍ تكون ماهيات متعددة كالبياض.

(34) أي على هذا القيد، وهو الغير المتناهية.

(35) أي اجزاء.

(36) هذا الدليل الرابع بيانه مبني على مقدّمات:

أحدها: أن الاشتداد في الماهيات حركة من الضعيف إلى القوي.

ثانيها: أن الحركة كم متصل، والكم المتصل قُرر في محله ليس له أجزاء خارجاً، بل هو قابل في الذهن للانقسام إلى أجزاء لا تتناهى، إذ كل ما فُرض تجزئته كمّاً مقدار، فالعقل يجوّز انقسام ذلك المقدار إلى أجزاء أخرى، وهلم جرا إلى (أن) ينقطع الفرض.

ثالثها: أن الماهيات ليست بنفسها قابلة للاشتداد؛ لأن الشديد منها إن كانت شدته بوجود أمر داخل في الماهية وجزء منها، كان الضعيف فاقداً له، وكان الضعيف ماهية أخرى، وإلاّ لزم تخلف الذاتي عن ذاته. وإن كانت شدته بأمر خارج عن الماهية، فلم يكن الاشتداد في الماهية، بل في غيرها.

رابعا: أن الاشتداد لا يكون في الأمر الاعتباري([43]) إذ ليس الاعتبار قابِلاً للشدة والضعف.

إذا عرفت ذلك فنقول:

إذا كانت الماهية اصيلة والوجود أعتبارياً، كان الاشتداد في الماهية للمقدّمة الرابعة، ولابدّ أن يكون اشتدادها بتبدل الماهية بأخرى للمقدمة الثالثة، ولابدّ أن تكون الماهيات المتبدلة لا تتناهى للمقدمة الثانية؛ لأن الماهيات إذا كانت هي الأصل، كانت
 

بيانه: أن مراتب الشديد والضعيف في الاشتداد كالاستحالة(37) أنواع متخالفة عندهم. وتلك المراتب غير متناهية حسب قول المتصل انقسامات غير متناهية.

فلو كان الوجود اعتبارياً، كان في الوحدة(38) والكثرة تابعاً للمنتزع منه،
 

أجزاء الحركة، والحركة كم متصل أجزائه لا تتناهى، فيلزم وجود ما لا يتناهى في أمر مُتَناهٍ للمقدمة الخامسة؛ لأن الوجود اعتباري منشؤه الماهية، وهي كانت لا تتناهى.

فإنه كل مرتبة منه ماهية ونوع، غير مرتبة الآخر، فحينئذٍ يتوجه الاشكال: أن البياض لو أخذ في الشدة، فيلزم أن يكون هناك ماهيات غير متناهية؛ لأن الاشتداد حركة، فهو كم متصل، والكم المتصل مركّب من اجزاء لا تتناهى فالاشتداد مركّب من ماهيات لا تتناهى، ولا يمكن أن تقول أنها وهمية، لأنكم جعلتم هذا الاشتداد الموجود هو عبارة عن الماهيات، فهي موجودة، وأيضاً بناؤكم على اصالة الماهيات وإنها هي الموجودة، فيلزم وجود ما لا يتناهى من الماهيات في شـيء متناهي، ويلزم أن يكون الكم المتصل كما نفصلا، وذلك كلّه باطل.

وأما على القول بأصالة الوجود فنقول: إن الوجود خيط مستمر بين مراتب الاشتداد، وليس عبارة عن وجودات مستمرة، ولكن هذا الاشكال ليس بصحيح؛ لأن القائلين بأصالة الماهية يقولون الاشتداد في نفس الماهية، لأنه هناك ماهيات كما زعم ذلك شيخ الاشـراق([44]).

فالمقدمة الرابعة ليست مسلّمة عند الخصم ولا عندنا؛ لأنا نقول: بأن الاشتداد يكون في الوجود لا في الماهية، نعم يكون هذا رداً على مَنْ قال بالمقدمة الرابعة من الخصم.

(37) التي هي حركة من ماهية إلى أخرى.

(38) أي كان الوجود واحداً أو كثيراً تابع للماهيات؛ لأنه منتزع منها
 

أعني الماهيات، وهي هنا غير متناهية متأصلة، كان أنواع غير متناهية بالفعل، محصورة بين حاصـرين المبدأ والمنتهى، بخلاف ما إذا كان للوجود حقيقة.

فإنه كخيط ينظم شتاتها(39) ولا ينفصم به متفرقاتها، فكان هنا أمر واحد كما في الممتدات القارة(40) أو غير القارة(41) حيث إن كثرتها(42) بالقوة(43).

والخامس قولنا (كيف) لا يكون الوجود أصلاً في التحقق (وبالكون) المراد به(44) ما يرادف الوجود (عـن استواء) أي استواء نسبة الوجود والعدم متعلق
 

على رأيهم([45]).

(39) أي شتات الماهيات، وحيث إنا سنبرهن على وحدة الوجود([46])، فلا
 يلزم تعدد الوجود حينئذٍ، ويمكنك أن تفرض له حدوداً، وكلّ واحد منها تنزع منه ماهية.

(40) كالخط

(41) كالزمان.

(42) أي كثرة أجزائها.

(43) أي بالوهم. ]وقد[ ذكر الاستاذ السيد حسن: أن المقدمة الرابعة لذلك الاشكال لا يلزم ذكرها حتّى يتوجه الاشكال، بل نقول: لو كان هناك اشتداد في الماهية أو في عوارضها، فلو اخذت الماهية أو عوارضها في الاشتداد؛ فحينئذٍ تكون اشخاص لها غير متناهية بين حاضـرين، وأما على القول بأصالة الوجود فالوجود واحد، لما سيجيء من وحدة الوجود.

(44) الكون له معنيان:

الأول: ما ذكره المصنف([47]).

بقولنا (قد خرجت قاطبة الأشياء) أي الماهيات إذ الشـيء(45) بمعنى الشـيء(46) وجوده(47) وهو الماهية.

وبيان هذا الوجه بحيث يدفع توهم المصادرة(48) أنه باتفاق الفريقين
 

والثاني: هو عالم الفساد.

فإن العوالم ثلاثة([48]): عالم الابداع وهو عالم العقول، وعالم الاختراع، وعالم الفساد وهو العالم المادي، وهو نحن.

(45) هذا تعليل إلى تفسير الاشياء بالماهية، وأن المراد بها هو الماهيات.

(46) أحترز عن الشـيء المساوق للوجود.

(47) أي المفاض على وجوده، الاشاءة والإرادة.

(48) وذلك أن هذا الدليل كان صدر المتألهين([49]) يذكره أول الأدلة على أصالة الوجود بهذه الصورة:

وهي أن خروج الماهيات عن الاستواء بالوجود، يدل على أصالة الوجود،
 

الماهية من حيث هي ليست إلا هي، وكانت بذاتها متساوية النسبة إلى الوجود والعدم، ولو كان الوجود اعتبارياً، فما المخرج لها عن الاستواء؟ وبمَ صارت مستحقة لحمل موجود؟ فإن ضم معدوم(49) إلى معدوم لا يصير مناط الموجودية.

وقول الخصم: إن الماهية من حيث هي، وإن كانت في حد الاستـواء،
إلا أنها من حيثية مكتسبة(50) من الجاعل بعد الانتساب(51) إليه
صارت مصداقاً لحمل الموجود، خال عن التحصيل(52) إذ بعد الانتساب،
إن تفاوتت حالها(53) فما به التفاوت هو الوجود، وإن تحاشى
الخصم عن اسمـه وكانت تلك الإضـافة إشـراقية(54) لا مقولية،

 

والماهية اعتبارية. فأشكل عليه: بأن هذا مصادرة على المطلوب؛ لأن المصادرة هو أن يكون الدليل عين المدعى، أو يكون الدليل مبني على المدعى، وهاهنا كذلك، لأن خروج الماهيات عن الاستواء بالوجود، متوقفة على أصالة الوجود لحمل الوجود بعدما كانت معدومة.

(49) هذا جواب اشكال، وهو أنها صارت موجودة بضم مفهوم الوجود الاعتباري إليها، فأجاب: بأن مفهوم الوجود على رأيكم اعتباري عدمي، وهي كانت معدومة، فضم معدوم إلى معدوم يزيد العدم.

(50) وهي المجعولية.

(51) أي انتساب الماهية إليه، أي الاتصال به على نحو اتصال العلة بالمعلول.

(52) هذا خبر قوله: (وقول الخصم) وهو قول الملا جلال الدين الدواني ذكره في شـرح التجريد([50]).

(53) أي حال الماهية.

(54) الاشارة عائدة للحيثية المكتسبة من الجاعل، أي إضافة وجود المعلول ونسبته للذات المقدسة اضافة اشـراقية([51])، وليعلم أن الاضافة على قسمين:

لأنها اعتبارية(55) كالوجود الاعتباري(56) وإن لم تتفاوت(57) ومع هذا(58) كانت مستحقة لحمل موجود، لـزم الانقلاب(59) وإن لم تستحق، كانت باقية على الاستواء، هذا خلف(60).

]القسم[ الأول المقولية: وهي التي تقوم بين شيئين، ووجودها موقوف على فرض وجودها، كالأبوة والبنوة التي هي اعتبارية.

والقسم الثاني الاشـراقية: وهي التي تكون متوقفة على أحد الطرفين، ويوجد الطرف الثاني بوجودها كالوجود، فإنها مفاض على الاشياء، وهو موقوف على وجود الباري، والطرف الثاني موجود بوجود هذه الإضافة الاشـراقية كالنور، فإنها مفاض على الاشياء، ويوجد الطرف الثاني- وهو المتنور- بوجود تلك الاضافة، وكذلك الفيض على الاشياء، أي من العلة إلى المعلول.

(55) هذا تعليل إلى كون تلك الاضافة اشـراقية لا مقولية. وقوله (أنها) أي لأن الاضافة المقولية.

(56) على قول الاشـراقيين القائلين بأصالة الماهية.

(57) أي الماهيات بعد الانتساب إلى الذات المقدسة.

(58) أي ومع عدم تفاوتها بعد الانتساب.

(59) أي انقلاب الماهية إلى الوجود؛ لأنا فرضنا أن الماهية لا يكون فيها تفاوت، وهي تستحق لحمل الوجود، لزم أن تكون الماهية عين الوجود، ولزم أن يكون الممكن عين الواجب، وذلك لأن الواجب ما انتزع من نفس الوجود من ذاته ونفسه- بعد فرض عدم التفاوت- فيلزم انتزاع الوجود من نفس الماهية، فتكون واجبة الوجود.

(60) لأن بقائها على الاستواء، يخالف ما فرضناه من أنها مستحقة لحمل الوجود عليها.

والسادس قولنا (لو لم يؤصل) الوجود (وحدة ما حصلت(61) إذ غيره) وهو الماهية(62) لأن أصالتها(63) محل النزاع مثار كثرة(64). أتت(65).

وإذا كان كذلك (ما وحد الحق ولا كلمته) ولا صفاته (إلا بما) أي بحقيقة الوجود الذي (الوحدة دارت معه).

بيانه:(66) أنه لو لم يكن الوجود أصيلاً، لم يحصل وحدة أصلاً،
لأن الماهية مثار الكثرة، وفطرتها الاختلاف، فإن الماهيات بذواتها
مختلفات(67) ومتكثرات، وتثير غبار الكثرة في الوجود(68). فإن الوجود(69) (يتكثر نوع تكثر(70) بتكثر الموضوعـات، كما أن الوجود مركز يدور

 

(61) فلا يصح حينئذٍ الحمل؛ لأنه لابد من الاتحاد في الوجود وفيه، أي ومن بين الماهيات لم تحصل، لأن الماهيات متعددة، والوجود منتزع منها، فهو متعدد بتعددها، ولا وحدة بين الواجبين، ولا بين الصفات.

(62) لما كان غير الوجود العدم والماهية، بين المراد بالغير هاهنا.

(63) هذا تعليل الى كون المراد بالغير هو الماهية لا العدم، وايضا هناك دليل آخر على ان المراد بالغير هو الماهية، وهو تأنيث (أتت).

(64) أي محل التكثّر.

(65) أنّثها مع كون الضمير عائد إلى غيره، لتأول الغير بالكثرة.

(66) أي بيان هذين البيتين.

(67) لما تجد من اختلاف مفاهيمها، فماهيات الجنس غير ماهية الفصل، وكل واحد منها مغاير لماهية النوع، أي ومن بين الماهيات لم تحصل؛ لأن الماهيات متعددة، والوجود منتزع منها، فهو متعدد بتعددها، ولا وحدة بين الواجبين ولا بين الصفات.

(68) لأنه على رأيهم اعتباري، فهو تابع للمنتزع منه، فإن كان واحداً صار واحداً، وإن كان متعدداً صار متعدداً.

(69) تعليل إلى نشـر غبار الكثرة.

(70) لأن الوجود له نوعان في التكثر: الأول التكثر بحسب المراتب، والثاني التكثر بحسب الموضوعات أي الماهيات.

عليه فلك الوحدة(71).

وإذا لم يحصل وحدة، لم يحصل الاتحاد الذي هو الهوهوية(72) كالإنسان كاتب، والكاتب ضاحك(73) إذا المفروض أن جهة الوحدة(74) وهي الوجود اعتبارية(75) والأصل هو شيئية ماهية الإنسان ومفهوم الكاتب والضاحك.

والمفاهيم ذاتيها الاختلاف(76) وتصحح الغيرية(77) وأين أحدها من الآخر لا الهوهوية(78) ولم يتم(79) مسألة التوحيد التي هي أس
 

(71) أي أينما كان الشـيء موجوداً كان واحداً، وهذا معنى أن الشـيء لا يتشخّص حتى يوجد، والوجود إن ضعف ضعفت الوحدة، وإن قوى قويت، فإن الواحد وجوده قوي فوحدته قوية، بخلاف ألف من حيث هو ألف، فوجوده ضعيف، كذلك كونه واحداً ليس بالألف ضعيف.

(72) هو الحمل.

(73) لوجود الجوهر مع العرض، ووجود العرض مع العرض.

(74) أي جهة اتحاد الوجودين بين الموضوع والمحمول.

(75) أي جهة الاتحاد اعتبارية، لما كان هذا الدليل مبنياً على مقدمتين:

الأولى: هي أن الماهية مثار الكثرة.

والثانية: أن الوحدة اعتبارية تابعة للوجود؛ لأنه جهة لها، فأشار إلى المقدمة الثانية بتلك العبارة.

(76) فالوجود حيث إنه اعتباري تابع للمنتزع منه، وحيث إنه متكثر فالوجود متكثر ومتعدد، فلم يكن هناك وحدة حتّى يَصِحّ الحمل.

(77) أي وذات المفاهيم تقتضي التغاير.

(78) عطف على تصحح الغيرية.

(79) أي لما كان مقتضى قولهم انتفاء الوحدة، رتب عليه لازمان باطلان:

الأول: عدم صحة الحمل؛ سواء كان بالشائع أو بالحمل الأولي، وكلام ملا صدرا([52]) يشعر بانتفاء الأول دون الثاني، ولكن الاصح أن الثاني ينتفي أيضاً؛ لأنه يعتبر
 

المسائل(80) لا توحيد الذات(81) لأنه إذا كـانت الماهية أصلاً لا يكـون بين الواجبين لأنه إذا كان الوجود اعتبارياً، لا يمكن أن يحكم العقل بأن مفاهيم
 

فيه اتحاد الوجود الذهني كالإنسان إنسان، فإذا قلنا أن الوجود اعتباري، صار الوجود الذهني متعدداً، فلا يوجد، فلا يصح الحمل.

والثاني: عدم تمامية مسألة التوحيد.

(80) أي مسائل الحكمة.

(81) وذلك أنهم استدلوا([53]) على وحدة الواجب وأنه واحد: بأنه لو كان اثنين كان مشتركين في وجوب الوجود، وما به الاشتراك لا يكون به الامتياز، فإن لم يكن بينهما تمايز لزم الخلف، وإن كان لزم التركيب في كل واحد منهما، فيكون مركباً مما به الامتياز ومما به الاشتراك، والتركيب يلزم الاحتياج في المركب إلى اجزاءه، والاحتياج من شأن الممكن، لا من شأن الواجب، وهذا الدليل هو الشائع بين المتقدمين والمتأخرين([54])، وعليه بنوا مسألة التوحيد.

فعلى القول بأصالة الماهية لا يكون هذا الدليل([55])
 

العلم والإرادة والقدرة وغيرها من الصفات الحقيقية(82) واحدة، ولا هي مع الذات المقدسة الوجوبية واحدة، إذ المفروض أن لا جهة وحدة، هي الوجود فيها، حتى تكون هي في مقام وجودها واحدة، وفي مرتبة مفاهيمها متغايرة كل مع الآخر.

والكل مع الذات المقدسة الموصوفة بها، لأنها أيضاً على هذا التقدير ماهية

صحيحاً([56])؛ لأن المفروض أن ذات كل واحد من الواجبين ماهية مستقلة، فليس هناك شـيء مشترك بينهما؛ لأن الوجود أمر اعتباري، والمنتزع منه متعدد فهو متعدد، فالذي فرضتموه مشتركاً ليس بمشترك.

المفروضين ما به الاشتراك، حتى يتركّب كل منهما مما به الاشتراك وما به الامتياز، لأن المفروض أن ذاتهما الماهية والماهيات متخالفات بالذات.

فلم يستقم استدلالهم على التوحيد بلزوم التركيب، ولا توحيد
الصفات.

أما على القول بأصالة الوجود، فالدليل يتم؛ لأن الوجود الذي فرضناه مشترك ليس باعتباري حتّى يتعدد بتعدد الماهية، بل هو أمر واحد، لما سنبين من وحدة الوجود، فلا بد حينئذٍ أن تكون الماهية مركبة.

ولذا قال: آغا حسين الخوانساري في حاشيته على الشفاء([57]) بأن توحيد
الباري مستفاد من قوله [تعالى]: [قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ]([58]) لما كان قائلاً بأصالة
الماهية.

(82) وهي التي تكون صفات للذات، وأما الاضافية وهي القائمة بين شيئين وهي صفات الأفعال كالقادريّة والعالميّة والخالقيّة ونحوها.

من الماهيات، فيلزم الكثرة(83) حسب كثرة الصفات مع الذات، ولا توحيد
فعل الله وكلمته(84) لأنه على هذا لم يكن الصوادر إلا الماهيات المتخالفة،
التي لكل منها جواب(85) عند السؤال عنه بما هو، ويقـال في حقهـا(86)
أين المجرد(87) من المادي، وأين السماء من الأرض، وأين الإنسان من الفرس وهكذا. فأين وجه(88) الله الواحد المشار إليه بقوله تعالى [فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ]، ومعلوم أن وجه الواحد واحد(89) وأنى كلمة كن الواحدة، المدلول عليها بقوله تعالى [وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ] بخلاف ما إذا كان الوجود الذي يدور
عليه الوحدة، بل هي عينه أصيلاً، فإنه يتوافق فيه المتخالفات، ويتشارك

 

(83) بخلاف ما لو قلنا أن الوجود أصيل، فيكون وجودها واحداً، وهي متحدة؛ لكون وجودها واحداً، وإن كانت مفاهيمها مختلفة.

(84) هذا عطف تفسير؛ لأن كلمة الله عز وجل  هي فعله، وهذا معنى أن المسيح كلمة
الله عز وجل ، أي فعله، وسيجيء أن الله عز وجل  أفعاله واحدة، وهذا معنى الوجه في قوله تعالى [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ]([59]) أي فعله، وهذا معنى كلمة كن، والواحد فإن معناه حقيقة - بالنسبة إلى الذات المقدّسة - هو الفعل الواحد، وذلك الفعل هو الوجود، وهو العقل الأول، وهو نور محمد صلى الله عليه واله وسلم : وهو فيء وجوده، وهناك دليل عقلي على وحدة أفعاله، وهو أنه واحد، والواحد لا يصدر منه متعدد.

(85) ليس للأخرى يقع جواباً.

(86) من حيث التغاير وعدم الاتحاد.

(87) كالعقل والنفس، فهي ليست متحدة مع أنها أفعال لله عز وجل .

(88) أي فعل الله عز وجل .

(89) هذا دفع اشكال: وهو أنه من أين عرفت أن وجه الله عز وجل  واحد.

فأجاب بما ترى أن الله عز وجل  واحد، فلابد أن يكون وجهه واحداً.

فيه المتمايزات، وهو الجهة النورانية(90) التي انطمس فيها الظلمات، وهو كلمته ومشيته ورحمته، وغيرها من الصفات الفعلية(91).

(90) للممكن جهتان: إحْدَهُما نورانية وهي الوجود، والثانية الظلمة وهي التي تُعَيّنُ جهة الوجود.

(91) كالإفاضة والإحسان، فإنها كلها عبارة عن الوجود، فثبت أن كل الأشياء وجود، والماهيات اعتبارية.


 

 [3]

غرر في اشتراك الوجود

يعطي اشْتراكُهُ صُلوحَ المُقْسـمِ
 

 

كذلك اتّحادُ معنى العَدَمِ
 

وأنّهُ ليسَ اعتقادُهُ ارتَفَعْ
 

 

إذا التَّعيُّنُ اعتقادُهُ امتَنَعْ
 

وأن كُلاً آيةُ الجليلِ
 

 

وَخَصْمُنا قَدْ قالَ بالتَّعْـطيلِ
 

مِمّا بهِ أَيَّـدَ الادِّعاءا
 

 

أنْ جَعلهُ قافيةً إيْطـاءا
 


 

 [3]

غرر في اشتراك الوجود(1)

هذه المسألة أيضا من أمهات(2) المسائل الحكمية، ومنها يستنبط(3) حقيقة مذهب الفهلويين الذي سيجي‏ء ذكره، فإنه إذا كان مفهوم الوجود مشتركاً فيه لجميع الأشياء ومعلوم أن مفهوماً واحداً لا يتنزع مـن حقـائق متبايـنة بمـا
 

(1) المراد بالاشتراك: يعني هل الذي قلنا بأصالته مفهومه مشترك أم ليس بمشترك، سواء كان يسمّى ذلك المفهوم وجودا، أو حصولاً، أو غير ذلك من الاسماء، فليس النزاع في الوضع، وإلا لاستدل بصحة السلب أو بالتبادر.

بل النزاع أن الوجود هل هو واحد، وهذه الاشياء مراتبه كالضوء، فإن ]كان[ له مراتب فهو مشترك معنوي، وأن الوجود مختلف، وأن هذا الوجود غير ذلك الوجود، وأن كلاً منهما حقيقة غير الآخر.

(2) كما أن أصالة الوجود كذلك.

(3) أعلم أن القائلين بالتوحيد([60]):

تارة يقولون بتوحيد الوجوب، وأن الواجب هو الله عز وجل  لا غيره، وهذا أغلب الشرائع متفقة عليه. وتارة يقولون بتوحيد الخالقية، بمعنى أن الخالق هو الله عز وجل وحده. والمخالف في ذلك المعتزلة([61]) حيث قالوا: إن العبد أيضاً يخلق، وأنه يصنع هذه الأشياء من قيام وقعود([62])، وكذا الثنوية([63]).

وتارة يقولون بتوحيد الوجود([64])، يعني أن الوجود واحد، بمعنى أن وجود الباري واحد([65])، وهذه الوجودات كلّها وجود الباري، فليس هناك وجود وراء وجود الباري، وهذا مذهب الفهلوي([66]) الذي يذهب إليه المؤلف([67])، وهذا مبني على أن
 

 

هي متباينة لم يكن الوجودات حقائق متباينة، بل مراتب حقيقة(4)
مقولة بالتشكيك، والدليل عليه(5) من وجوه:

 

مفهوم الوجود مشترك معنوي([68])، وإلاّ لو كان مشتركاً لفظياً لما كانت حقائقه متفقة، ولم يكن الوجود واحداً، بل أمور متباينة([69]).

(4) كالضوء فإن له مراتب، وهو مقول بالتشكيك على افراده([70]).

(5) أي على هذا المطلب قيل: أن هذه الأدلة كلها منبهات، لأن المسألة بديهية
لأن كل أحد لا ينكر على أن بين الموجودات شـيئاً مشتركاً، ليس موجوداً بينها
وبين العدم، وذلك الشـيء هو الوجود، فمهوم الوجود واحد، مشترك اشتراكاً معنوياً([71]).

الأول ما أشير إليه بقولنا (يعطي اشتراكه) أي اشتراك الوجود معنى (صلوح المقسم) بأن يقسم الوجود إلى وجود الواجب ووجود الممكن، ووجود الممكن إلى وجود الجوهر ووجود العرض، وهكذا. والمقسم لا بد وأن يكون مشتركاً(6) بين الأقسام.

(6) لأن المقسم هو ضم حصة إلى شـيء، فيحصل قسم، ثمّ ضم حصة أخرى إليه، فيحصل قسم، فحينئذٍ المقسم مفهوم مشترك بين القسمين، فيكون الوجود مفهوماً مشتركاً بين القسمين، وهذا ليس نزاعاً في الوضع حتّى يقال الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز، بل المراد تصوير الجامع، وأن مفهوم الوجود مشترك بين جميع الموجودات.

والثاني ما أشير إليه بقولنا (كذلك) أي يعطي اشتراكه(7) (اتحاد معنى العدم) إذ لا تمايز في العدم والوجود نقيضه ونقيض الواحد واحد(8) وإلا(9) ارتفع النقيضان.

(و) الثالث (أنه ليس اعتقاده) أي اعتقاد الوجود (ارتفع إذا) أي حين (التعين)(10) كالجوهريّة أو العرضيّة، وهو كلفظ الخصوصية(11) في قول صاحب حكمة العين(12) (وإلا لزال(13) اعتقاد الوجود بزوال اعتقاد الخصوصية)
 

(7) أي اشتراك الوجود.

(8) فالوجود واحد؛ لأنه نقيض العدم.

(9) أي وإن لم يكن واحداً أرتفع النقيضان؛ لأنه إذا ثبت الثالث ارتفعا، بل يكونان حينئذٍ ضدين.

(10) أي تعين الوجود بأنه جوهر أو عرض أو واجب([72]).

(11) أي لفظ التعيّن في البيت، كلفظ الخصوصية في كتاب الشيخ الرئيس([73]) في أن معناهما واحد، والمراد بهما واحد.

(12) هو الشيخ الرئيس([74]).

(13) هذا مقول القول، أي وأن لم يكن الوجود مشتركاً معنوياً، لزال اعتقاد
الوجود.

(اعتقاده)(14) مبتدأ خبره (امتنع) والجملة خبر للتعين.تقريره: أنا إذا أقمنا الدليل على أن العالم لا بد له من مؤثر موجود، اعتقدنا وأيقنا بوجود المؤثر، ثم لو حصل لنا التردّد في أنه واجب أو جوهر أو عرض، لم يقدح ذلك التردد في الاعتقاد المذكور.

فإذا اعتقدنا أنه واجب، ثمّ بدل ذلك الاعتقاد باعتقاد أنه ممكـن ارتفع الاعتقاد بأنه واجب، ولا يرتفع الاعتقاد بأنه موجود. فلولا اشتراكه، لارتفع الاعتقاد بكونه موجوداً بارتفاع اعتقاد أنه واجب، والتالي باطل فالمقدّم مثله.

(و) الرابع (أن كلا) من الموجودات الآفاقية(15) والأنفسية(16) (آية الجليل) جل جلاله وعلامته، كما قال في كتابه المجيد [سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ]. وعلامة الشـي‏ء لا تباينه من جميع الوجوه، بل يكون كالفـيء من الشـي‏ء(17). وهـل يكون(18) الظلمة آية النـور والظل آية الحرور(19) فلو لم
 

(14) أي اعتقاد التعيّن.

(15) وهي الاشياء التي ما عدا الأنفس الناطقة.

(16) وهي الاشياء التي لها نفس ناطقة([75])، وهي نفس البشـر والأولياء، وأنفس الأفلاك([76]).

(17) في أنه له سنخية مع الشـيء، وهو أن صورته عين صورة الشـيء، ويدل على الشـيء.

(18) هذا استفهام إنكاري.

(19) أي والليل علامة ]لغروب[ الشمس([77]).

يكن الوجود مشتركاً بين الموجـودات لما كانت آياته تعالى(20).

والحال أن الموجودات بما هي موجودات(21)
آيات له تعالى، مسطورة(22) في كتابه التكويني(23) الآفاقي

 

(20) لأنها لابد وأن تكون بينها وبينه نحو سنخية، وليس لله ماهية حتّى تكون
السنخية بالماهية، فلابد أن تكون السنخية بالوجود، فهي حيث إنه دالة عليه فهي فيها سنخية وهي الوجود.

وهذا الدليل يدل على أصالة الوجود؛ لأنه لو لم يكن أصيلاً لما كان بينها وبينه سنخية؛ لأنه لم يكن وجود في البين حتّى تكون سنخية، ويدل على وحدة الوجود، وأن الوجود واحد، وإلا لم تكن سنخية في البين، ويدل على أن مفهوم الوجود واحد، وذلك لأنه إذا دل على أن حقيقة الوجود واحد، فيكون مفهوم الوجود واحداً؛ لأن الشـيء الواحد ينتزع منه شـيء واحد، وإذا كان مشتركاً أي حقيقة واحدة مشتركة، فالمفهوم المنتزع أيضاً مشترك.

(21) أما بما انها ماهيات فلا تدل عليه؛ لأنه ليس له تعالى ماهية.

(22) هذه فائدة استطرادية وقعت، وإلا فالدليل تام.

(23) كل شـيء له أربعة وجودات([78]):

وجود لفظي، ووجود كتبي، ووجود ذهني، ووجود واقعي([79]).

فإذا عرفت هذا فنقول: القرآن له أيضاً أربعة وجودات، الأول لفظي وهو حال النطق به، وكتبي وهو المكتوب، وذهني وهو المعاني المفهومة منه وهو نفس محمدصلى الله عليه واله وسلم  وكذا كل مؤلف فإن وجوده الواقعي نفس مؤلفه.

فالقرآن المجيد وجوده الواقعي نفس محمدصلى الله عليه واله وسلم : التي في العقل الاول([80])، وهي
 

 

وكتابه التكويني الأنفـسي(24) كما ذكر في مواضع(25)
من كتابه التدويني(26) الموافق لهما(27)

 

ما اشتملت على كل شـيء، لأنها خلق منها كل شيء.

قال: (أول ما خلق نوري، ثمّ خلق من نوري جميع الأشياء)([81]) نور محمد صلى الله عليه واله وسلم  ونفسه، كان كل شيء موجود فيه، وإليه اشار [وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ]([82]) يريد نفس محمدصلى الله عليه واله وسلم ([83]) كذا ذكره الاستاذ السيد حسن. وقوله التكويني ]اي[ الواقعي.

(24) الذي هو مشتمل على أحوال النفوس، قيل والكتاب الآفاقي موجود في كتابه الأنفسـي؛ لأن الأنفس الناطقة فيها أولياء، وهم عالمون بالآفاق، فإذا كتب عنهم لابد أن يكتب عن أحوالهم وعن علومهم، وعلمهم حضوري، فيكتب نفس الأشياء في الكتاب الانفسـي.

(25) حيث قال [تعالى]: [وَلا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ]([84]).

(26) وهو المكتوب.

(27) أي التدويني، والموافق للكتاب الآفاقي والأنفسـي، إذ هو يحكي عنهما وإلا لزم فيه الكذب، وهو كتاب كريم لا ريب فيه.

 

موافقة الوجود الكتبي واللفظي للوجود الذهني والعيني(28).

(و) الخامس ان (خصمنا) كأبي الحسن الأشعري(29) وأبي الحسين
البصـري وكثير من معاصـرينا(30) من غير أهل النظر، النافين
للاشتراك المعنوي، حذراً من المشابهة والسنخية(31) بين العلّة والمعلول

 

(28) أي الخارجي.

(29) بعض الخصم([85]) له من يقول بنفي الاشتراك المعنوي بين كل الموجودات،
وبعضهم من يقول بنفي الاشتراك بين الموجودات الممكنة، وبين الواجب، وأما الوجود بين الممكنات فمشترك معنوي.

(30) كالشيخ أحمد الإحسائي([86])، وصاحب الفصول([87]).

(31) هذا عطف تفسير، والمراد بالسنخية هي ان المعلول يشتمل على امر موجود في العلة، وذلك الأمر هو الذي افيض من العلة على المعلول، فجملة من القوم أنكروا هذا المطلب، وقالوا: لو كان هناك سنخية بين المعلول والعلة ومشابهة، لزم أن يكون بين الله عز وجل وبين معلولاته مشابهة، والحال أنه يقول:[لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ]([88]) وكذا يستفاد من الرواية عن الرضا  عليه السلام  : (أنا نشترك مع الله عز وجل في الاسم فقط)([89]) بمعنى يطلق على إنسان رحيم، ويطلق عليه رحيم فلو قالوا بالاشتراك المعنوي في الوجود، لزمهم القول بالسنخية والمشابهة بين الله عز وجل ومعلولاته، ففراراً عن هذا قالوا ليس هناك اشتراك([90]).

لكن التحقيق وجوب السنخية بين العلة والمعلول، وذلك لدليلين:

أحدهما: لزوم الترجيح بلا مرجح، إذ أنه لم يكن بين هذا المعلول مع تلك العلة مناسبة، بل نسبة المعلول إليها كنسبته إلى شـيء آخر، فجعل هذا علة دون ذاك، يلزمه الترجيح بلا من مرجح([91]).

الثاني: إن فاقد الشـيء لا يعطيه، فلابد أن تكون العلّة لها شـيء تعطيه للمعلول، فإذا كان كذلك فالمعلول مشارك لها في ذلك الـشيء، مشابه لها في ذلك، وهذا هو معنى السنخيّة.

 

والحال أن السنخية كسنخية الشي‏ء والفي‏ء(32) من شـرائط العلية والمعلولية (قد قال بالتعطيل)(33) أي عن معرفة ذاته تعالى وصفاته.

لأنا إذا قلنا إنه موجود، وفهمنا منه ذلك المفهوم البديهي الواحد في
جميع المصاديق(34) وإن كان بعض مصاديقه(35) فوق ما لا يتناهى(36)

 

وفيه: أن القدرة على ايجاد الشـيء كافية في العلّية، فإن المتكلم يوجد الكلام ولم يكن عنده، والشخص يوجد العدم، كالشمر يوجد عدم الروح عن الحسين  عليه السلام   مع أنه لا سنخية ولا وجدان.

وأما ]ما[ استدل به الخصم من الآية فمردود، بأن المراد بالمثل هو المماثل،
والمماثل غير المشابه؛ لأن المماثل هو الذي يكون مشابهاً للشيء من جميع الوجوه والمعلول لا يشترط فيه أن يكون مشابهاً للشـيء من جميع الوجوه، والسنخية بيننا وبين الله عز وجل هي الوجود.

وأما الخبر فالجواب عنه: أن المراد بالاسم هو المفهوم، ونظيره قوله  عليه السلام  : (من عبد الاسم فقد كفر)([92])، أي من عبد مفهوم الاسم، فيكون الخبر دليلاً لنا لا علينا.

(32) أي كمشابهة الشـيء وظلّه.

(33) هذا هو الدليل الخامس، والكلام الذي تقدّم عليه كان استطرادياً، وقوله (بالتعطيل) أي بتعطيل العقول عن معرفة ذاته، وهذا باطل؛ لأنه يلزم عبثية أرسال الرسل، والأمر بمعرفة الله عز وجل والتصديق بوجوده.

(34) هذا صفة للمفهوم، أي الواحد الغير المتعدد، الموجود في جميع المصاديق.

(35) أي مصاديق هذا المفهوم.

(36) قبل الخوض في هذه العبارة لابد لنا من ذكر أمور:

أحدها: إنّ العلة فوق المعلول، وليس المراد الفوقية الحسّية، بل المعنوية وهي علو المنزلة، فالله فوق العقل الأول.

الثاني: إنّ عدم التناهي شدة، هو عبارة أن تكون الماهية صـرفة، أي مشتملة على جميع المراتب لها، كالله عز وجل مشتمل على جميع مراتب الوجود، وإلا فمتى فقدت الماهية أحدى المراتب لم تكن صـرفة، بل مركّبة من عدم تلك المرتبة مع باقي المراتب، وعدم التناهي في الشدة لا يوجد إلا في الله عز وجل ، وأما باقي الاشياء فلم يوجد فيها عدم التناهي بحسب الشدة، والعقل الأول ليس ما لامتناهياً بحسب الشدة؛ لأنه غير مشتمل على مراتب الوجود بأجمعها؛ لأن منها وجوب الوجود، وهو غير مشتمل عليها.

الثالث: إنّ عدم التناهي بحسب المدة([93])، هو أن يكون هذا الشـيء موجوداً في جميع الأزمنة كالله عز وجل ، فإنه موجود في جميع الأزمنة.

وأعلم أن اطلاقهم أن الله عز وجل غير متناهٍ بحسب المدة لا يخلو من تسامح؛ لأن الله عز وجل ليس له زمان([94])، وكذا العقل الأول غير متناهٍ بحسب الزمان؛ لأن الله عز وجل - حسب مدعى الحكماء - علّة تامة لوجود العقل الأول، فهو قديم كالله عز وجل .

الرابع: إنّ عدم التناهي بحسب العدة، هو أن آثاره لا تتناهى، ولا شك إن الله عز وجل أثره العقل الأول، وهو حقيقة منبسطة مالئة للكون، غير متناهية وكذا العقل الأول غير متناهٍ؛ لأن الآثار التي تصدر منه لا تقف عند حدّ محدود كما سيجيء.

 

بما لا يتناهى(37) عدة ومدة(38) وشدة(39)
وغيره(40) كان محدوداً(41) وفي عين محدوديته(42)

 

الخامس: إن الله عز وجل ليس بما أنه غير متناهٍ بحسب المدة والعدة فوق العقل الأول؛ لأنه يلزم - إذا كان غير متناهٍ باعتبار كونه فوق العقل الأول علة وعلو - أن يكون له زمان غير متناهٍ قبل العقل الأول، وعلى رأي الحكماء أن العقل الأول ليس وجوده متأخر عن وجود المبدأ الفياض، بل قديم مثله. وأن يكون له آثار متقدمة على العقل الأول؛ لأنه فرضناه سابقاً عليه بحسب العدة، والحال أنهم فرضوا أنه لا آثار متقدّمة قبل العقل الأول([95]).

فإذا عرفت هذا، فحينئذٍ الله عز وجل فوق العقل الأول الذي لا يتناهى مدة وعدة، كما أن الله عز وجل لا يتناهى شدة.

(37) هذا راجع إلى الفوق، أي كما لا يتناهى ذلك، وبعض النسخ تكون بالباء، وحينئذٍ فهو متعلق بفوق، والباء للملابسة.

(38) وهذان تميزان للذي لا يتناهى للفوقي، لما ذكرناه في الأمر الخامس([96]).

(39) كان تميزاً للذي لا يتناهى الفوقي، بناء على ما قررناه في الأمر الثاني، ولكن المصنف عدل عن هذا الرأي([97])، ورغم أنه أيضاً غير متناهي بحسب الشدة؛ لأنه مجرد، والمجردات تتعاكس أنوارها، فالعقل الأول جامع لكل أنوار الوجود، فهو غير متناه.

ويشكل عليه بأنه: من جملة مراتب الوجود وجوب الوجود، وليس العقل الأول مُشْتَمِلاً عليها.

(40) أي وغير ذلك البعض من مصاديقه.

(41) لأنه عبارة عن وجود محدود.

(42) أي في حين محدوديته، وبعبارة أخرى وفي نفس محدوديته.

 

ظلاً وفيئاً(43) لا أصلاً وشيئاً(44)فقد جاء الاشتراك(45).

وهؤلاء يفرون منه ومن لوازمه(46) فرار المزكوم من رائحة المسك.

وإن لم نحمل(47) على ذلك المفهوم، بل على أنه مصداق لمقابل تلك الطبيعة ونقيضها، ونقيض الوجود هو العدم، لزم تعطيل العالم عن المبدأ الموجود، نعوذ بالله منه. وإن لم نفهم(48) شيئاً، فقد عطّلنا عقلنا عن المعرفة.

وكذا إذا قلنا(49) إنه ذات مذوّت الذوات(50) وإنه شـي‏ء مشـيّ‏ء الأشياء،
فإما أن نفهم اللاذات واللاشـي‏ء، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا،

 

(43) اطلق عنه المخلوقات الظليّة والفيئيّة، لوجود هذا الاطلاق في بعض الأخبار([98])، كما ذكر ذلك الاستاذ، وهو اطلاق مجازي، كما أن الظل مرتبة ضعيفة من الشـيء، كذلك نحن مرتبة ضعيفة من الوجود.

(44) بنفسه ليس متأصلاً بالوجود بحيث يكون موجوداً بنفسه. وقوله (وشيئاً) موجوداً بنفسه ]فأن[ المراد بالشـيء هو المقرر الثابت في الخارج، مستقلاً عن الوجود،
لا حصـر بمصطلح المتكلمين([99]).

(45) لأنهم قالوا بوجود مفهوم مشترك في المقام.

(46) أي لوازم القول بالاشتراك، وهي وحدة الوجود والسنخية وغيرها.

(47) أي وأن لم نحمل على ذلك المصداق وهو الله عز وجل المفهوم من الوجود، نحمل الوجود على الله عز وجل في قولنا (أنه موجود) بالمعنى المتعارف، فيكون المفهوم مفعول مجمل واسم اشارة، اشارة للمصداق المعدّ، الذي هو قول ما لا يتناهى.

(48) من الوجود عند حمله عليه، فقد عطلنا عقولنا عن معرفته، ويكون عبث أمر الأنبياء لنا، والتصديق بوجوده، وتفسير الأئمة لنا بعض صفاته.

(49) والحاصل أن المصنف أشار أن النزاع جاري في الوجود، وغيره من الأمور التي تطلق عليه وعلينا.

 (50) أي صانع الذوات.

وإما أن نعطّل(51) ومثله القول في الصفات، فإنا إذا قلنا إنه عالم أو يا عالم، بعنوان إجراء أسمائه الحسنى(52) في الأدعية والأوراد، إما أن يعني من ينكشف لديه الشـي‏ء، فقد جاء الاشتراك ولوازمه(53) أو لا، فقد جاء المحذورات الآخر. فعطلوا العقول(54) عن المعارف، والأذكار إلا عن مجرد لقلقة اللسان.

وبالجملة جميع ما سمعنا عن كثير من المعاصـرين مغالطة من باب اشتباه المفهوم بالمصداق(55).

والسادس([100]) ما أشير إليه بقولنا (مما به أيد الادعاء) أي دعوى الاشتراك المعنوي، ما نقله الفخر الرازي في شـرحه للإشارات عن القوم.

وهو (أن) مخفّفة عن المثقّلة (جعله) أي جعل الوجود (قافية) لأبيات (إيطاء) وهو تكرار القافية المعيب عند البلغاء، فدلّ على أن له معنى واحداً، ولو كان مشتركاً لفظياً لم يلزم من الجعل المذكور إيطاء، كما لو جعل لفظ العين قوافي الأبيات، بل ينبغي أن يحكم بالتحسين لأنه يصيّرها من باب تجنيس القافية المعدود من المحسنات البديعية.

(51) عقولنا وهو باطل، وأما أن نفهم منه ما كنا نفهمه عند اطلاقه على غيره، وهو المطلوب لنا.

(52) أي عند خطابه بها بأن نقول: ياعالم لا في صورة الاخبار، كما نقول هو العالم.

(53) وهي السنخية والوحدة.

(54) هذا بيان للمحذورات الأخر.

(55) فأفهم لماذا المصاديق متغايرة، تخيلوا أن مفهوم الوجود متغاير فيها، حيث يدعون أن وجوده غير وجودنا، فالذي يفهم من اطلاق الوجود عليه غير الذي يفهم من اطلاق الوجود علينا([101])، فأن هذا النزاع ليس جاري في الوجود فقط، بل في كل من الأسماء والصفات المشتركة بيننا وبينه.


 

 [4]

غرر في زيادة الوجود على الماهية

إنّ الوجودَ عارضُ الماهـيّةْ
 

 

تَصَوُّراً واتحدا هُوِيَّـةْ
 

لِصِحّةِ السَّلبِ على الكونِ فَقَـطْ
 

 

ولافتقارِ حَمْلِهِ إلى الوَسَطْ
 

وَلانْفِكاكٍ مِنْـهُ في التعقُّـلِ
 

 

ولاِتّحادِ الكُـلّ والتَّسلْسُلِ
 

والفردُ كالمُطْلقِ مِنْـهُ والحُصَصْ
 

 

زِيْـدَ عَلَيْها مُطْلَقاً عَمَّ وَخَصْ
 


 

 [4]

غرر في زيادة الوجود على الماهية

خلافا للأشعري، حيث يقول بعينيته لها ذهناً،
بمعنى أن المفهوم من أحدهما(1) عين المفهوم من الآخر،

 

(1) يعني أن المفهوم من الإنسان عين مفهوم وجوده، وهي الحيوانية الناطقة. واعلم أنه على القول بزيادة الوجود على الماهية([102])، تحصل عندنا فائدتان:

الأولى: أنه يندفع الإشكال على القاعدة الفرعية، وهي أن ثبوت شـيء لشـيء فرع لثبوت المثبت له. وحاصل الإشكال: أن هذه القاعدة في الهليّة المركّبة جارية، وأما في الهليّة البسيطة فليست جارية؛ لأن الموضوع فيها أن كان ثابتاً بالثبوت الأول لزم تقدم الشـيء على نفسه، وإن كان بثبوت آخر فتكون تنحل منه قضية بسيطة، ويجيء عين هذا الكلام. ولدفع هذا الإشكال أجوبة متعددة سيجيء ان شاء الله، ومن هنا يمكن أن يكون جواباً عن هذا الإشكال وأن نقول أن الوجود زائد على الماهية، وعارض لها في الذهن([103])، فيكون الموضوع في البسيطة موطنه الذهن لا الخارج؛ لأن التحليل إنما يكون في الذهن لا في الخارج، وهذا ثابت في موطنه، والوجود أثبت له.

والثانية: أن بعدما اثبت أن الوجود عارض الماهية، اندفع ما يقال لِمَ خلق الله عز وجل الحمار حماراً، وهذا ظلم للحمار، ولِمَ جعل الشقي شقي، وجَعله ظلمٌ، وإنما اندفع هذا؛ لأنه بعدما ثبتت زيادة الوجود على الماهية، فالله عز وجل عَلِمَ بهذه الماهيات قدماً وأزلاً من الأبد، وليس علمه حادث، فهي في علم الله عز وجل ثابتة وكل منها طالب للوجود من الله عز وجل ومعنى طلبه استحقاقه للوجود، فالله عز وجل ان يفيض عليه الوجود حيث هو يطلبه، وهو العدل، وهذا معنى ملأ عدله كل شـيء.

لأن المحققين(2) من الحكماء قالوا بزيادته عليها في الذهن لا في العين(3) بل ولا

في حاق الذهن(4) بل تحليـل وتعمل(5) من العقل، فإن الكون في الذهن(6) أيضاً وجود ذهني، كما أن الكون في الخارج وجود خارجي.

لكن العقل من شأنه أن يلاحظها وحدها، من غير ملاحظة شـي‏ء من الوجودين، بنحو عدم الاعتبار(7) لا اعتبار العدم.

وبعبارة أخرى بعد التعمل الشديد في تخلية الماهية عن مطلق
الوجود ليست الماهـية بالحمل الأولي(8) الـذاتي وجودا

 

(2) هذا تعليل إلى جعل النزاع([104]) في زيادة الوجود على الماهية في الذهن، لا في الخارج.

(3) هنا ما نافية، أي لا في العين، أي لا في الخارج.

(4) أي نفس الذهن، فإن الوجود الذهني متحد مع الماهية.

(5) أي عمل من العقل بأن يقول العقل: هذا الوجود وهذه الماهية، وإن كانت الماهية في هذه الصورة أيضاً موجودةً، فالماهية لها وجود في مرتبة التحليل، منفكة عن الوجود.

(6) هذا تعليل إلى أن زيادة الوجود ليس في حاق الذهن، وأن هي تكون عند التعمّل، لقوله الوجودين الذهني والخارجي.

(7) أي يلاحظ الماهية من غير ملاحظة الوجود معها، بل منفكّة عنه على نحو عدم اعتبار الوجود معها، بأن يلاحظها بنفسها، لا أنّه يلاحظها، ويعتبر عدم الوجوب معها، فأنه حينئذٍ تكون معدومة، لا أنها موجودة([105]).

(8) أي ليست الماهية في مقام التحليل، وإلا فهي اخصّ كهوية، والحمل الاولي حمل شـيء على شـيء متحدين مفهوماً، أي بعد التحليل ليس حمل الوجود عليها حملاً أولياً، بل من قبيل حمل العارض على المعروض.

وإن كانت بالحمل(9) الشائع الصناعي(10) وجودا.

وكذا التخلية(11) والتجريد. (إن الوجود عارض الماهية)(12)
عروضاً ذهنياً، يكفيه نفس شيئية الماهية، لا خارجياً(13) مقتضياً(14)
لوجود المعروض سابقاً (تصورا واتحدا هوية)(15) في الواقع. ثمّ
أشـرنا إلى أدلة أربعة على العروض. الأول قولنا (لصحة السلب)(16)

 

(9) أي وإن كانت الماهية.

(10) وهو حمل شـيء على شـيء مع الاتحاد في الخارج، والتغاير في المفهوم، والوجود هو متحد مع الماهية في الخارج، وأن كانا متغايرين في عالم الذهن، كحمل الجزء على الكل كـ(الإنسان حيوان)، والعارض على المعروض كقولنا (الانسان ضاحك).

(11) في أنها بعد التعمّل بالحمل الأولي، الماهية عند ]التفكر[ خالية عن الوجود، وبالحمل الشائع الماهية غير خالية عن الوجود، بل هي متحلّية به، وكذا بالحمل الأولي الماهية مجردة عن الوجود، وبالحمل الشائع الماهية مختلطة به، فهي بالحمل الأولي متخلية ومتجردة عن الوجود، وبالحمل الشائع غير متخلية وغير مجردة عن الوجود([106]).

(12) ولا يشترط وجودها، بخلاف المعقولات الثانية، فإنه يشترط في عروضها للماهيات في الذهن وجود الماهية، ولا يكفيه شيئية الماهية ونفس الماهية.

(13) أي لا عروضاً خارجياً، أي في الخارج.

(14) ذلك العروض الخارج، لوجود المعروض وهو الماهية، سابقاً ذلك الوجود على وجود العارض، وهو الوجود، كعروض السواد للماهية، فإنه عارض يقتضـي سابقية الماهية على السواد؛ لأنه عرض له خارجاً.

(15) أي ذاتاً في الواقع، وإن كان التعمّل يجعل كلاً على حدة.

(16) بأن يقال ماهية الإنسان الموجودة في العقل، وفي مقام التعمّل، ليست وجوداً.

المعهودة(17) بين القوم بجعل الإضافة واللام للعهد (على الكـون فقط)(18) أي يصح سلب الوجود عن الماهية ولا يصح سلبها(19) عن نفسها، ولا سلب ذاتياتها عنها(20). فليس عينا(21) ولا جزء لها(22). (و) الثاني قولنا (لافتقار
 

(17) وهي سلب اللفظ بمعناه المرتكز في الذهن أجمالاً عن معنىً.

(18) أي في الكون، بأن يكون الكون يصح سلبه عن الماهية.

(19) أي سلب الماهية عن نفسها، فهي ليست عين الوجود.

(20) لا يقال الإنسان ليس حيوان، فهو ليست جزء منها.

(21) كالاشعري([107]).

(22) خلافاً لبهمنيار([108]) واشكل على هذا الدليل بان صحة السلب، أن كان المراد به سلب الحمل الأولي، فهذا لا يثبت إلا أن العينية منتفية دون الجزئية؛ لأن حمل الجزء على الكل حملاً شائعاً صناعياً، وان اراد سلب الحمل الشائع الصناعي، فهو غير صحيح، لأنه يحمل عليه حملاً شائعاً صناعياً.

وأجيب: بأنه الحمل الشائع على قسمين:

الأول: حمل الجزء على الكل، كحمل الحيوان على الإنسان.

والثاني: حمل العارض على المعروض، كحمل الضاحك على الإنسـان وهو أراد سلب الحمل الأولي، والحمل الشائع الصناعي، الذي هو حمل الجزء على الكل، والوجود يحمل على الماهية، من قبيل حمل العارض على المعروض.

حمله)(23) أي حمل الوجود على الماهية (إلى الوسط)(24) أي ما يقرن(25) بقولنا، لأنه كما عرّفه الشيخ(26).

فقولنا العقل موجود مفتقر إلى الدليل. وحمل الماهية وذاتياتها غير مفتقر إليه، لأن ذاتي الشـي‏ء بين الثبوت له(27). فليس عيناً(28) ولا جزء لها (و)
 الثالث قولنا (لانفكاك) للماهية(29) - والتنكير(30) للنوعية(31) إشارة إلى

 

والعبارة الجامعة لكلا القسمين السابقين بأن يقال: صحة سلب الوجود عن الماهية من حيث هي، فحينئذٍ تنتفي العينية، وتنتفي الجزئية، ولا تنتفي العارضية؛ لأنا قلنا من حيث هي، نعم لو قلنا من حيث العروض لانتفت العارضية.

فالحاصل أن العبارة تنفي صحة حمل الوجود على نحو العينية والجزئية، وليس تنفيه على نحو العارضية، بل يحمل عليها على نحو حمل العارض على المعروض.

(23) حاصله: لو قلنا بأن الوجود عين الماهية، فإذا قلنا أن هذا الشـيء ماهيته كذا، ينبغي أن تقول أنه موجود؛ لأن ماهيته عين وجوده، فالقول بها قول بوجوده، وكذا لو كان جزءاً، فالقول بها قول بوجوده، لاستحالة وجود الكل بدون جزئه، والحال أنا نقول بالماهية وتختلف في اتصافها بالوجود، كما في العقل، فأنا نقول: بأن ماهيته جوهر بسيط مجرد، غير مقارن في فعله وذاته للمادة، مع أنهم اختلفوا في وجوده، مع الاتفاق على أن ماهيته ما ذكرناه.

(24) أي واسطة في الاثبات.

(25) كقولنا العالم حادث؛ لأنه متغير، زيد محموم؛ لأنه متعفن الاخلاط.

(26) بأن الوسط ما يقارن قولنا لأنه([109]).

(27) كالحيوانية والناطقية.

(28) أي الوجود ليس عيناً للماهية.

(29) عن الوجود.

(30) أي تنكير الأنفكاك.

(31) أي اشارة إلى نوع من الانفكاك، وهو الذي في العقل، لا الانفكاك الخارجي.

 

التحليل والتعمّل المذكورين-  (منه) أي من الوجود (في التعّقل) أي نعقل الماهية، كماهية المثلث(32) ونغفل عن وجودها الخارجي والذهني،
وغير المغفول(33) غير المغفول(34). فثبت زيادته عليها. (و) الرابع
قولنا(35) (لاتحاد الكل)(36) أي للزوم اتحاد كل الماهيات لو كان
الوجود عيناً لها، لأنه معنى(37) واحد، فيكون حمل الوجود
عليها وحمل بعضها على بعض حملاً أولياً- لأن الكلام في
العينية والمغايرة بحسب المفهـوم(38)- واللازم باطل(39)
بالضـرورة.

(32) فإنها بالاتفاق توجد في العقل، وكذا كل جسم تعليمي كالمربع، بخلاف ماهية الإنسان، فإنهم اختلفوا في وجودها في الذهن.

(33) كالماهية.

(34) أي مغاير للمغفول عنه كالوجود.

(35) هذا الدليل الرابع مشتمل على محذورين:

الأول: مترتب على القول بالعينية.

والثاني: مترتب على القول بالجزئية.

(36) هذا هو المحذور الذي يترتب على كون الوجود عين الماهية.

(37) أي لأن الوجود معنى واحد مشترك بين الماهيات، كما تقدّم البرهان
عليه([110]).

(38) ودعواكم أن الماهية ]عين[ الوجود([111])، وهو مشترك بينها، فتكون الماهيات متحدة بالمفهوم، فيلزم حمل بعضها على بعضها حملاً أولياً.

(39) أي حمل الوجود عليها، وحمل بعضها على بعضها حملاً أولياً، الذي هو عبارة عن أتحاد الكل في المفهوم.

وعلى هـذا التقرير(40) لا يمكن التزام هذا اللازم(41)
بناء على ما نسب(42) إلى جماعة من الصوفية من وحدة الوجود،

 

(40) هذه العبارة ذكرها المصنف، لدفع اشكال صاحب الشوارق على هذا الدليل([112])، وحاصل اشكاله: أن الالتزام باتحاد الكل غير باطل، بل قالوا به كما نسب إلى جماعة من الصوفية([113]) وحدة الوجود، بل هو الظاهر من كلام صاحب الأسفار في البحث عن العلة والمعلول([114])، ومن كلام المصنف في كتابه أسـرار الحكم([115]).

وقد أجاب صاحب المواقف([116]) عن هذا الدليل: بأن وحدة الوجود طوراً وراء طور العقل، ليس العقل يمكنه أدراكها إلاّ بالعلم الحضوري وبالمجاهدات النفسانية، فنحن ابناء الدليل وليست وحدة الوجود مما تثبت بالدليل، فهي باطلة. وحاصل دفع المصنف لأشكال صاحب الشوارق: أن ما نسب إلى الصوفية هو وحدة الوجود الحقيقي ومصداق الوجود، ونحن كلامنا في المفاهيم، هل هي متحدة أو غير متحدة،
وهم (الصوفية) قائلون باختلاف المفاهيم وعدم اتحادها، فأصلاً هذا الأشكال غير وارد.

(41) أي اتحاد كل المفاهيم([117]).

(42) أي ولو بنينا على ما نسب.

كما في الشوارق(43) لأن ما قالوا(44) في مقام وجودها الحقيقي، وأما في مقام شيئيات الماهيات والمفاهيم(45) فلا يمكنهم(46) التزام الاتحاد.

(و) لـزوم (التسلسـل)(47) لو كان الوجود جزء للماهية بيان اللزوم أنه على هذا كان لها(48) جزء آخر موجود، لامتناع تقوّم الموجود(49) بالمعدوم، فيلزم أن يكون الوجود على هذا التقدير جزءاً للجزء، وهكذا، فيلزم ذهاب أجزاء الماهية إلى غير النهاية فيمتنع تعقل ماهية من الماهيات بالكنه(50).

وهو باطل، لأنا نتصور كثيراً(51) من الماهيات بجميع ذاتياتها الأولية(52)

 

(43) أن هذا الدليل لا يتم على هذا البناء، فهذه العبارة رجعت للمنفي لا للنفي([118]).

(44) اي الصوفية([119]).

(45) عطف تفسير على شيئّيات الماهية.

(46) أي فلا يمكن للصوفية الالتزام باتحاد المفاهيم، لانا نجد بالوجدان مفهوم هذه الماهية غير مفهوم تلك الماهية.

(47) هذا هو محذور الجزئية.

(48) أي للماهية جزء آخر موجود غير الوجود.

(49) هذا تعليل إلى كون الجزء الآخر موجود، وإنما كان ممتنعاً لاستحالة كون العدم فصلاً؛ لأن الوجود هو كان مشتركاً، فلا يصح فيه الفصلية؛ لأن ما به الاشتراك لا يكون به الامتياز، فلابد أن يكون شـيء به الامتياز، والعدم لا يكون به الامتياز([120]).

(50) لأنه يلزم حضور ما لا نهاية له في الذهن.

(51) كالمثلث والماهيات الاصطلاحية والاعتبارية.

(52) وهي جنسها وفصلها، والذاتيات الثانوية هي جنس الجنس وفصله، كالإنسان على القول بأن حقيقته حيوان ناطق، فالحيوان ذاتي أولي، وكذا الناطق، والجسم الحساس المتحرك بالإرادة ذاتيات ثانوية.

والثانوية وإنكار ذلك مكابرة. وكون هذا تسلسلاً(53) إن كانت هذه الأجزاء المترتبة(54) خارجية(55) ظاهر، وأما إن كانت أجزاء عقلية، فلأنها متحدة
في الوجود(56) لا في مقام تجوهر ذواتها(57) فهي متمايزة بحسب نفس
الأمر(58).

كيف وهذا ملاك(59) سبقها بالتجوهر؟ هذا على قول القائلين
بأصالة الماهية، وأما على القول بأصالة الوجود، فنقول: اتحادها في الوجود(60)

(53) أي وكون المراد به هاهنا هو ذهاب أجزاء الماهية المترتبة إلى غير النهاية.

(54) في التقدم والتأخر؛ لأن بعضها كلٌ وبعضها جزءٌ، والجزء سابق على الكل، ومن ]هنا[ يظهر أن المراد بالتسلسل هاهنا هو ترتب اجزاء لا تتناهى.

(55) هذا لا يحتمل في المقام؛ لأن كلامنا في مفهومية الوجود أنها جزء من مفهوم الماهية أو لا، فليس الكلام في الوجود الخارجي، بل أنه قلنا إتحدا هوية، ولكن هذا مجاراة للخصم، وجميع ما يحتمل يذكر في رده.

(56) كالحيوان والناطق، فإن وجودها واحد.

(57) أي جوهرية ذاتهما، أي في ذاتها ونفسها في الحيوان والناطق، في ذاتهما يتغايران وفي ذاتهما سابقان على النوع، وكذا في الناطق سابق على الحيوان على القول بأنه علّة له، ولكن في الوجود واحد.

(58) أي في ذاتها.

(59) أي وتمايزها ملاك سبقها على النوع، وسيجيء تحقيق هذا السبق([121])، وإذا كان للماهية بحسب نفس الأمر أجزاء لا تتناهى، أعني كان لها أجزاء عقليـة فيلزم أن لا توجد ماهية بكنهها في الذهن، وهذا باطلٌ، على أن عدم تناهي أجزاء الماهية بحسب نفس الأمر باطل عندهم([122]).

(60) لما كان التسلسل في الاعتباريات ينقطع بانقطاع الاعتبار، فلذا لم يكن باطلاً،
 

ماهيات البسائط الخارجية، وأما في ماهيات المركبات الخارجية فهي(61) عن المواد والصور، والتفاوت بالاعتبار(62).

فإذا كانت(63) غير متناهية، يلزم
 

وحيث إنه على القول بأصالة الوجود فالماهية اعتبارية، وحينئذٍ أجزاءها المفهومية قابلة لان تنقطع بانقطاع الاعتبار، ولكن حيث إن الهيولى والصورة موجود ثاني في الخارج كما سيجيء، وأن كانت الماهية اعتبارية والجنس والفصل منتزعان من الهيولى والصورة، فحينئذٍ إذا كان الوجود جزء من مفهوم الماهية - وحيث إن المفهوم عبارة عن الجنس والفصل- فتكون للماهية أجناس وفصول لا تتناهى، فتكون للماهية هيوليات وصور لا تتناهى، فتكون أجزاء الماهية الخارجية لا تتناهى، وذلك باطل.

ولكن هذا جار في الماهية المركّبة([123]) دون البسيطة؛ لأنه ليس لها هيولى وصورة حتّى يكون لها جنس وفصل مأخوذاً فيهما الوجود، وقوله (فنقول اتحادها) أي إتحاد اجزاء الماهية في الوجود الخارجي، لا أنه يقول بعدمها، كأنياب الاغوال، بل وجودها اتحد مع الوجود.

(61) اي اجزاء للماهية الموجودة في الذهن.

(62) بمعنى أن المادة والصورة اعتبرا بشـرط لا ]الحمل[، والجنس والفصل- اللذان هما أجزاء الماهية الذهنية- اعتبرا لا بشـرط ]الحمل[، ولذا صحّ حمل كل منهما على الآخر، وحملهما على الماهية.

(63) أي الأجزاء الذهنية غير متناهية.

التسلسل(64) لا محالة ولزوم التسلسل في موضع ما يكفي في المحذورية(65) وفي تحقق الطبيعة(66). (والفرد) من الوجود(67) (كالمطلق منه) وهو مفهوم الوجود(68) المطلق (والحصص) وهي نفس المفهوم مضافاً(69) إلى ماهية ماهية(70) بحيث يكون الإضافة(71) داخلة والمضاف إليه خارجاً(72) (زيد عليها) أي على الماهية (مطلقا) تعميم في الفرد (عمّاً وخصّ) أي عاماً وخاصاً- بيان للإطلاق- والمراد بالعموم والخصوص هنا(73) السعة والضيق بحسب الوجود العيني(74) الغير المنافي للفردية.

وهذا كثير(75) الدور على ألسنتنا طبقاً لأهل الذوق، فيطلقون على الوجود
 

(64) في المواد والصور كما بينا([124]).

(65) من جزئية الوجود، ونحن كلامنا عام في جميع الماهيات، لا في بعض دون بعض، والأحكام العقلية لا تخصص.

(66) أي طبيعة التسلسل؛ لأن الطبيعة توجد بوجود فرد منها، وتنتفي بانتفاء جميع أفرادها، وحيث إن هذه الطبيعة على ذلك القول يلزم تحققها؛ وهي مستحيلة الوجود، فيستحيل تحققها.

(67) أعني مصداق الوجود.

(68) الذي هو (هست) في الفارسية.

(69) كوجود الإنسان، ووجود زيد، ووجود الفرس، فهذا الوجود حصة من حصص الوجود.

(70) هذا نظير علمته الحساب باباً باباْ.

(71) أي التقيد داخل، بحيث تكون الحصة هي الوجود المقيّد بكذا.

(72) أي القيد خارج، وهو عبارة عن الماهية المضاف إليها. وبعبارة أخرى أن الوجود المقيّد هو الحصة من مطلق، لا الوجود مع الماهية هو الحصة.

(73) في الفرد.

(74) أي المتعين أي الوجود الفردي.

(75) أي وعموم فردية الوجود وخصوصها كثير... الخ.

الحقيقي(76) الممتنع الصدق على كثيرين لفظ الكلي والعام والمطلق،ويعنون المحيط الواسع(77) وعلى نحو(78) من الوجود الحقيقي لفظ الخاص والمقيّد والجزئي، ويعنون المحدود المحاط(79).

ومن هذا القبيل(80) إطلاق الإشـراقيين لفظ الكلي على رب
النوع(81).

والمقصود(82) أن هاهنا ثلاثة أشياء كل منها مغاير للماهية(83) المفهوم العام البديهي من الوجود، وحصصه وأفراده التي هي(84) حقيقة الوجود(85) المنبسط

(76) أي مصداق الوجود لا مفهومه([125]).

(77) وهو وجود المبدأ الفياض المالئ عدله كل شـيء.

(78) أي ويطلقون على نحو.

(79) وهو وجود الأشياء الخارجي أو الذهني.

(80) أ ي ومن قبيل أطلاق الكلي على الفرد الواسع المحيط.

(81) أي على عقل النوع، فإنه واسع مع أنه فرد كما سيجيء([126]).

(82) من هذه الابيات.

(83) أي بلفظ المغاير اشارة إلى المراد بالزيادة في الأفراد المغايرة؛ لأن الوجود الحقيقي سنخ يقتضـي الإباء عن العدم، والماهيّة سنخ يقتضـي الإباءة، وليس المراد بزيادة الوجود في الأفراد هنا هو العروض، بل المغايرة، ولكن اتحدا هوية، ويجوز أن نريد بالزيادة في المقام العروض؛ لأنه لمّا كان الوجود المطلق عنوان لهذا الوجود، وصفنا الوجود المعنون بأحكام الوجود العنواني؛ لأن العنوان علّة للحاظ المعنون، جاز وصف المعنون ببعض أحكام العنوان، ومن احكامه العروض، فلذا هذا حكمه العروض.

(84) هذا صفة للأفراد.

(85) وهو الوجود ]الذي يسمّى بالفيض المقدّس، ما يقابل الفيض الاقدس[.

المسمّى بالفيض المقدّس، وأنحاء الوجودات الخاصة(86) التي بها يطرد الأعدام عن الماهيات. والأولان كما هما(87)زائدان على الماهية(88) كذلك زائدان على الثالث، وليسا ذاتيين له. إنما الذاتي هو المفهوم العام(89) للحصص. والأشاعرة في المقامات الثلاثة يقولون بالعينية، أي ليس هاهنا وجود عام، ولا حصص منه، ولا أفراد له، سوى الماهيات المتخالفة(90).

(86) وهي وجوداتنا.

(87) هذا مطلب خارج عن المقام تعرض إليه استطراداً. وقوله (والأولان) وهما الوجود المطلق وحصته.

(88) أي مفهوم الوجود وحصته عارضان للفرد.

(89) يريد أن المفهوم العام ذاتي للحصص من الوجود؛ لأن الحصص مركّبة من شيئين: مفهوم الوجود والتقيّد، فمفهوم الوجود ذاتي للحصص.

(90) كالفرس والبقر والإنسان.


 

 [5]

غرر في أن الحق تعالى إنيّة صرفة

وَالحَقُّ ماهِيَّتُـهُ إنِّيَّتُـهْ  
 

 

إذْ مقتضى العُرُوضِ مَعْلُوْلِيَّتُهْ
 

فَسابِقٌ مَعْ لاحِقٍ قَدِ اتّحَـدْ
 

 

أوْ لَمْ تَصِلْ سِلْسِلَةُ الكَونِ لِحَـدْ
 


 

 [5]

غرر في أن الحق تعالى إنية صرفة

(والحق) تعالى شأنه، قال المعلم الثاني: (يقال حق للقول المطابق(1) للمخبر عنه، إذا طابق القول، ويقال حق للموجود الحاصل بالفعل ويقال حق للموجود الذي لا سبيل للبطلان إليه(2).

والأول تعالى(3) حقٌ من جهة المخبر عنه(4) حقٌ من جهـة الوجود(5) حق من جهة أنه لا سبيل للبطلان إليه. لكنا إذا قلنا(6) إنه حق، فلأنه الواجب
 

(1) بفتح ]الباء[ ذكر المعلم الثاني في فصوص الحكم([127]) أن القول باعتبار مطابقته للواقع يسمّى (صدقاً) وباعتبار مطابقة الواقع له يسمّى (حقاً)([128]).

(2) أي لا سبيل للزوال إليه، أي يتطرّقه العدم، أعني أنه دائم.

(3) أراد الله عز وجل .

(4) بالوجود فيقال: الله عز وجل موجود.

(5) لأن وجوده فعلي.

(6) هذا من كلام المعلم الثاني أعني (الفارابي)([129]) وهذا معنى رابع للحقّ، يختصّ بذاته المقدّسة المتعالية، وأما تلك المعاني فلا تختص به. أما بالمعنى الأول فيطلق على القول، وأما المعنى الثاني فيطلق على وجوداتنا، وأما المعنى الثالث فيطلق على العقل الأول، فإنه على رأيهم قديم غير قابل للزوال، بخلاف هذا المعنى الرابع([130]).

الذي لا يخالطه بطلان وبه يجب وجود كل باطل(7). ألا كل شـيء ما خلا الله‏ باطل)(8)‏.انتهى.

(ماهيته) أي ما به هو هو(9) (إنيته)(10) إضافة الإنّية إليه تعالى إشارة إلى
أن المراد عينيّة وجوده الخاص(11) الذي به موجوديته لا الوجود المطلق

 

(7) أي وجوباً غيرياً.

(8) اشكل على أن هذا لا وجه للاستشهاد به، لأن ما خلا الله عز وجل من جملته العقل الأول. والجواب: أن المراد بالباطل هنا ما قابل الحقّ بالمعنى الرابع، وهو الذي يكون واجباً لا يخالطه باطل([131])، وبه يجب وجود كل باطل.

(9) للماهية تفسيران:

الأول: هو الذي تقدّم في أصالة الوجود، من أنه هو الواقع في جواب ما هو، أي الكلي الطبيعي.

الثاني: هو ما به الشـيء هو هو، وهذا أعم من الأول؛ لأن الأول يصدق
على الكلي الطبيعي فقط، والثاني على الكلي الطبيعي والوجود الصـرف؛ لأن الكلي الطبيعي بكليته الطبيعية كلي، كالإنسان بإنسانيته إنسان، وكذا الوجود بوجوديته وجود، ولكن الوجود لا يقع ماهيته في جواب ما هو، وإلا يلزم وجودها في الذهن.

(10) أي تحققه مأخوذ من (أن) المشبّهة.

(11) أي الحقيقي.

المشترك فيه(12) لأنه زائد في الجميع(13) عند الجميع(14) فهو صـرف(15) النور وبحت الوجود(16) الذي هو عين الوحدة الحقّة(17) والهوية الشخصية(18) (إذ مقتضـى العروض) لو كان وجوده عرضياً لماهيته بأن يكون شيئاً ووجوداً كما أن الممكن ماهية ووجود(19) (معلوليته) أي معلولية الوجود العارض، لأن
كل عرضـي معلّل، حتى إنه عرّف الذاتي بما لا يُعلّل والعرضـي بما
يُعلّل.

فوجوده(20) إما معلول لمعروضه، والعلة متقدّمة بالوجود على المعلول(21) وذلك الوجود الذي هو ملاك التقدّم، إما عين ذلك الوجود المعلول (فسابق) هو وجود المعروض (مع لاحق) هو الوجود العارض(قد اتحد) فيلزم تقدّم
 

(12) بفتح التاء.

(13) أي في جميع الموجودات، لما بينا أن الوجود المطلق - أعني مفهوم الوجود - زائد في جميع الماهيات.

(14) ما عدى الأشاعرة([132]) فإنهم لا يقولون إلاّ بالماهيّات، وليس عندهم هناك وجود.

(15) أي فالذات المقدسة.

(16) أي وصـرف الوجود.

(17) أعلم أن الماهية ذو وحدة؛ لأن الوحدة غير ذاتها، وحيث إن الواجب لا ماهية له- وهو صـرف الوجود- كان عين الوحدة، لا ذو وحدة([133]).

(18) الاضافة بيانية، ولو كان له ماهية لقيل ذي التشخّص.

(19) واتحدا خارجاً، وليس أحدهما عارضاً للآخر في الخارج، نعم في الذهن عارض مفهوم الوجود للماهية.

(20) أي وجود الحقّ تعالى.

(21) لأن فاقد الشـيء لا يعطيه، ولذا كان علّة الماهية ماهية، كلوازم الماهية،
 

 الشـيء(22) على نفسه، وإما غير ذلك الوجود(23) المعلول، فحينئذٍ
ننقل الكـلام إليـه(24) والفرض أن(25) الوجود عارض، وهو
أيضا معلول للمعروض(26) وهكذا(27) وإليه أشـرنا بقولنا (أو لم تصل سلسلة الكون) أي الوجود (لحدّ) أي إلى حدّ فيلزم التسلسل، وإما معلول لغير المعروض(28) فيلزم إمكانه(29) إذ المعلولية(30) للغير ينافي الواجبية(31). وإنما لم نتعرض له(32) لظهور بطلانه، ولك أن تدرجه في النظم(33) لأن ذلك الغير

 

كالزوجية للأربعة، فإن علّتها الماهية، وعلة العدم العدم، فلا بدّ هي متقدمة بوجودها على وجود معلولها، وكلامنا في العلّة هاهنا ما منه لا ما به، فنفس الماهية لا يمكن أن ]تؤثر[ بالوجود، فلا بدّ أن تؤثره وهي موجودة.

(22) الذي هو لازم فاسد لا أفسد منه، وبه بطل الدور.

(23) هذا عطف على قوله: أما عين ذلك الوجود.

(24) أي إلى هذا الوجود الثاني للمعروض.

(25) لأن الكلام إنما هو في رد القائلين بأن وجود ذاته ليس عين ذاته.

(26) لأنه كلامنا مع الخصم، على فرض أن المعروض هو المؤثر والعلة.

(27) أي ننقل الكلام إلى وجود هذا المعروض، فإن كان عين الأول لزم تقدم الشـيء على نفسه، وإن كان غيره لفرض أن المعروض هو المؤثر، فلابد أن يكون موجوداً، وهلم جرا، فيلزم تسلسل الوجودات، وذلك باطل.

(28) هذا عطف على قوله: إما معلول لمعروضه. وقوله (وإما معلول) أي الوجود.

(29) أي إمكان الواجب؛ لأنه كان محتاجاً إلى الغير.

(30) هذا تعليل إلى إمكانه.

(31) ويستدعي الإمكانيّة.

(32) أي وإنما لم نتعرض لهذا الشق الثاني وهو: وإما معلول لغير المعروض.

(33) أي ولك أن تدرج هذا الشق الثاني في النظم، بمعنى ]أن[ نجعل أحد ذينـك اللازمين الباطلين مترتباً على القول بالشق الثاني، كما إن كان احدهما مرتباً على القول بالشق الأول.

إما ممكن فيدور(34) ومفسدة الدور تقدّم الشـيء على نفسه، وإما واجب آخر فيتسلسل(35) لأن الكلام فيه كالكلام في الأول حيث(36) إن عينية الوجود للذات من خواص الواجب(37).

وبيان ذلك أن نقول: (إنّ ذلك الغير) إمّا ممكن فيلزم تقدم الشـيء على نفسه، وذلك لأن الواجب وجوده مستمد من الممكن، فالممكن متقدم على الواجب، والممكن مستمد من الواجب، فالواجب متقدّم على الممكن، فصار الممكن متقدماً على الواجب، والواجب متقدماً على الممكن، فلزم تقدّم الشـيء على نفسه، وصار حينئذٍ السابق وهو الممكن ]متحداً[ مع اللاحق وهو الممكن، وتوقف الشـيء على نفسه([134]).

وإمّا أن يكون واجباً فننقل الكلام إليه، فإن كان بواجب آخر، فأيضاً ننقل الكلام إليه، فتجيء سلسلة الواجبات.

(34) لأن الواجب متوقف عليه، وهو متوقف على الواجب، فيلزم تقدّم الشـيء على نفسه، وقد أشار الى هذا اللازم بقوله: فسابق مع لاحق قد اتحد.

(35) وأشار إلى هذا اللازم بقوله: أو اتصل سلسلة الكون لحد.

(36) هذا تعليل إلى أن الكلام في الثاني، عين الكلام في الأول.

(37) وليس من خواص الذات المقدّسة بخصوصها، بل المدعى العينية، يدعي في كل من وجدت فيه صفة وجوب الوجود، فحينئذٍ أن قلتم بأن واجب الوجود الثاني وجوده عين ذاته، فلم تفصلون، هناك ليس بعينه وهنا عينه، وإن لم تقولوا بأنه عينه يجري الكلام فيه كالأول.

قال الاستاذ السيد حسن (ادام الله علينا فيض علمه): أنّ صدر المتألهين أورد على هذا الدليل([135]): بأن الوجود عارض مفهوماً على الماهية في الذهن، وأما في الخارج فمتحدان، لا أن احدهما عارض على الآخر، ونحن كلامنا في وجود الحقّ الحقيقي والخارجي، هل هو عين ذاته أو لا؟ وهما في الخارج متحدان، فليس أحدهما عارضاً للآخر، فقابل لمنكر أن يقول أنهما متحدان في الخارج كوجود الممكن، فحينئذٍ ليس الوجود عارضاً حتى يقتضـي علّة، وتغايرهما كما في الممكن لا يستدعي العلّية. نعم العروض يستدعي العلية؛ ولكن ليس هنا عروض، فهذا الدليل باطل.

ثمّ قال: قد يتعجب السامع لهذا الدليل من المصنف؛ لأن المصنف شارح للإسفار، وردّ هذا الدليل مذكور فيها في مقامين.

وأجاب الأستاذ: بأن المصنف في حاشيته على الأسفار في الجزء الثاني([136]) أجاب عن رد هذا الدليل: بأنه إذا كان الوجود في ]الذهن[ عارض الماهية، والعقل مرتبة من الواقع فيكون الوجود في الواقع عارض الماهية، فيجيء الإشكال أن العروض يقتضـي العليّة...الخ.

واشكل عليه استاذنا: أن هذا لا يرفع الإشكال؛ لأن كلامنا في الوجود الحقيقي الخارجي لا في المفهوم، وهذا الدليل حينئذٍ ينفي عروض مفهوم الوجود للماهية.

والحقّ أن هذا الدليل غير صحيح، فلابد لنا من الاستدلال بغيره، وهناك أدلة كثيرة([137])، منها أنه لو لم يكن وجوده عين ماهيّته لزم التركّب، وهو من شأن الممكن لا الواجب. وأيضاً لو كان له ماهية، لزم أن يكون وجوده ناقصا؛ لأن الماهية هي تحدد الوجود. وتمنع بسطه.

 

 [6]

غرر في بيان الأقوال في وحدة حقيقة الوجود وكثرتها

الفَهْلَويّـوْنَ الوُجودُ عِنْدَهُـمْ
 

 

حقيقةٌ ذاتُ تَشَكُّكٍ تَعُـمْ
 

مَراتِباً([138]) غِنىً وَفَقْراً تَخْتَـلِفْ
 

 

كالنّورِ حَيْثُمـا تَقَوّى وَضَعُـفْ
 

وعِنْدَ مَشّائِيّـةٍ حَقائِقُ
 

 

تبايَنَتْ وولدي زاهِـقُ
 

لأنّ مَعْنىً واحِـدا لا يُنْتَـزَعْ
 

 

مِمّا لها توحّدٌ ما لَم يَقَعْ
 

كأنّ مِنْ ذوقِ التّألُّـهِ اقْتَنَصْ
 

 

مَنْ قال ما كان لَهُ سِوى الحِصَصْ
 

والحِصّةُ الكُلِّيْ مُقَيَّداً يَجِيْ
 

 

تقيدَ جُزءٍ وقيـدَ خارِجي
 


 

 [6]

غرر في بيان الأقوال في وحدة حقيقة الوجود وكثرتها(1)

(الفهلويون) من الحكماء، والفهلوي معرب البهلوي (الوجود عندهم
 

(1) (في بيان أقوال وعلّة الوجود)

قبل الخوض في بيان هذا المبحث، نحتاج إلى بيان أربع مقدّمات:

الأولى: أنه عندنا وحدة الواجب([139])، ووحدة الخلق، وقد نازع فيها الثنوية([140])، ووحدة الوجود([141]) وقد نوزع فيها.

الثانية: أن بعضهم قال: أن الله عز وجل وجوده غير وجودنا، وهذه وحدة الوجود العامية، ]الذي[ يقول ان الله عز وجل وجوده غير وجودنا، وزعم ملا جلال([142]) بأن الوجود واحد، وذلك أنه أدعى أن الله عز وجل هو المتصف بالوجود، ونحن ليس فينا الوجود، بل يقال لنا موجودين باعتبار نسبتنا إليه، كما يقال (تامر) نسبة للتمر، لا أنه فيه تمر، وهذه يقال لها وحدة الوجود الخاص؛ لأنه قال بها خاصة الناس، وهم بعض العلماء.

وزعم الفهلوييون([143]) - وهم أهل لسان الفرس، وكانوا في زمان المجوس - أن الوجود واحد، والموجود واحد، فهو كالبحر الواحد والنور الواحد، ولهم في هذا القول مشـربان:

الأول: هو مشـرب الفهلويين، وهو أن الوجود والموجود واحد، ولكن كان بينها تفاوت بالشدّة والضعف، والاحتياج وعدمه، كالنور كيف يختلف بالشدة والضعف، والبحر بالحلو والمالح، والصافي والكدر.

والثاني: وهو مشـرب الصوفيين من الوجود واحد، ولا تفاوت بينها، وقالوا هذا لا

حقيقـة ذات) أي صاحبة (تشكك تعم مراتبا) مفعول تعم (غنى وفقرا)(2) على سبيل التمثيل، فكذا شدّة وضعفا(3) وتقدّماً وتأخراً، وغير ذلك(4) (تختلف كالنور). يعني أن النور الحقيقي الذي هو حقيقة الوجود، إذا النور هو الظاهـر

يظهر إلا بالعلم الشهودي، وإلا فالعقل لا مسـرح له هنا، وقد استدلوا ببعض الآيات كقوله تعالى:[اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]([144])، [هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ]([145])، ولكن حيث إن هذا طور وراء طور العقل لابد لنا من التأويل فيها.

الثالثة: أن الماهيات قد تتفاوت بأنفسها كالأجناس، كالجوهر والكيف، وقد تتفاوت بالأجزاء كالنوع لجنس واحد، وقد تتفاوت بالأعراض والطوارئ كماهية الإنسان في زمان آدم وزماننا، فهذه اختلفت بحسب العوارض وهو الزمان، وهذه الاقسام متفق على صحتها، ولكن هناك قسم رابع، وهو أن الماهيات تتفاوت بالشدة والضعف، والعلية والمعلولية، والتقدم والتأخر لذاتها بذاتها، بمعنى الماهية واحدة، وتكون لها مراتب متفاوتة لا بعارض، بل بنفسها وحقيقتها، وهذا هو الذي قال به الاشـراقيون([146]) وأنكره المشاؤون، وهو كحقيقة الوجود والنور.

الرابعة: أن مذهب الفهلوي لم يُقم المصنف عليه دليلاً مستقلاً، حيث إنه لما أبطل المذاهب التي غيره، ثبت هو.

(2) بعض المراتب مستغنية عن المؤثر كالله عز وجل ، وبعضه مفتقرة إليه.

(3) كوجود الله عز وجل ووجودنا.

(4) كالعلية والمعلولية، وكمراتب الماهية.

بذاته المظهر لغيره، وهذا خاصية حقيقة الوجود(5) لكونها ظاهرة بذاتها
مظهرة لغيرها الذي هو ماهيات سماوات(6) الأرواح وأراضـي
الأشباح(7) كالنور الحسـي الذي هو أيضا طبيعة مشككة ذات مراتب
متفاوتة (حيثما تقوى)(8) ذلك النور الحسـي (وضعف).فالاختلاف
بين الأنوار(9) ليس اختلافاً نوعياً(10) بل بالقوة والضعف،

 

(5) لأنه ظاهر بنفسه ومظهر للماهيات، والنور عبارة عن الوجود، فلا يرد أن هذا غير مختص بالوجود.

(6) هذا صفة للغير.

(7) المراد بسموات الأرواح هي الاجسام المجردة كالعقول، وسمّيت سماء لأنها عالية، والمراد بالأراضـي الأشباح([147])، هي الأجسام السفلى، أي الغير المجردة.

(8) هذه الحيثية راجعة إلى النور، وهذا هو وجه الشبه، حيث يتفاوت ]بالقوة[ والضعف، فكذا الوجود له تفاوت([148]).

وللأستاذ دليل على هذا المذهب: هو الموجودات متفاوتة ومختلفة، فإن كانت بأنفسها لزم عدم السنخية بينها، وأن لا يكون مفهوم عام جامع لها، وقد اثبتنا أن الوجود مشترك بينها. وإن كانت بأجزائها فلزم تركّب الوجود؛ لأنها ليست إلا وجود، والوجود بسيط، وإن كان بأمر خارج عن الوجود، فلا يخلو إمّا أن يكون العدم أو الماهيات، ولا يجوز أن يكون العدم؛ لأن الاعدام لا تستدعي التميز - كما سيأتي - ولا الماهيات لأنها معدمة، فحينئذٍ انتزاع الماهية من هذا الوجود دون ذاك ترجيح بلا مرجح، فلابد أن تكون هناك مراتب للوجود، هي التي استدعت التمييز بين الموجودات، وصحة انتزاع الماهية من هذا الوجود دون هذا، وتلك المراتب ذاتية.

(9) الحسّية، اي المشبه بها.

(10) أي ليس الاختلاف بينها، أي كالاختلاف بين الانواع.

فإن المعتبر في النور(11) أن يكون ظاهراً بالذات مظهراً للغير. وهذا متحقق(12) في كل واحدة من مراتب الأشعة(13) والأظلة(14) فلا الضعف قادح في كون المرتبة الضعيفة نوراً، ولا القوة والشدّة(15) ولا التوسط شـرط أو مقوّمة(16) إلا للمرتبة الخاصة(17) بمعنى ما ليس بخارج(18) عنها أو قادحة(19).

فالقوي هو النور والمتوسط أيضا هو هو، وكذا الضعيف. فللنور عرض عريض(20) باعتبار مراتبه البسيطة، ولكل مرتبة(21) أيضاً عـرض باعتبـار إضافتها(22) إلى القوابل المتعددة.

(11) هذا دليل على أن الاختلاف في مراتب النور، لا أن النور حقائق متخالفة.

(12) فحيث إنه تحقق في كلها مفهوم حقيقة الظل، علم أنها ليست حقائق متباينة.

(13) هو النور الكامل الشديد.

(14) هو النور الحاصل مع الظل، وهو مرتبة ضعيفة.

(15) عطف تفسير.

(16) هذا راجع للقوة والشدّة والتوسط.

(17) أي لمرتبته، فالشدّة تقوي مرتبة الشدّة، والتوسط يقوي مرتبة التوسط.

(18) المقوم له تفسيران:

مقوم بمعنى جزء الذات، وهو الجنس والفصل.

ومقوم معناه ما ليس بخارج عن الذات.

وحينئذٍ النوع يكون مقوماً؛ لأنه مقوم لأفراده، لأنه ليس خارجاً عنها ولا جزءها، فكذا هاهنا الشدّة مقوّمة لمرتبتها، بمعنى أنها غير خارجة عن المرتبة، لا أنها جزء مرتبتها؛ لأن مراتب النور كلّها بسيطة.

(19) هذا عطف على مقومه.

(20) حقيقة واسعة عامة غير ضيقة.

(21) أيضاً عرض، أي سعة.

(22) كمرتبة من النور تضيفها إلى زجاجات متلونة، فهذه مرتبة من النور أيضاً، كان لها وسع من جهة كونها لها مراتب.

فكذلك حقيقة الوجود، ذات مراتب متفاوتة، بالشدّة والضعف والتقدّم والتأخر، وغيرها، بحسب أصل تلك الحقيقة (23). فإن كل مرتبة(24) من الوجود بسيط، من الوجود بسيط، ليس شديده (25) مركباً من أصل الحقيقة والشدّة، وكذا الضعيف(26) ليس إلا الوجود- والضعف عدمي- كالنور الضعيف حيث إنه غير مركّب من أصل النور والظلمة، لأنها عدم(27) وكالحركة البطيئة. حيث

واعلم أن تمثيل الوجود بالنور لا يخلو من إشكال؛ لأن النور تفاوت مراتبه([149]) إنما كان بحسب القوابل، فنور القمر المستفاد من الشمس، ونور الظل المستفاد منها كان ضعيفاً من جهة اختلاف القوابل، لا من جهة نفس النور، ولذا لو خلي النور في العالم بنفسه، لكان هذا النور واحدا لا تفاوت فيه، بخلاف الوجود؛ فإن الاختلاف فيه ليس بحسب القوابل، بل بذاته لذاته، ولكن يحتمل أنه متمثل به من جهة الاختلاف في الشدة والضعف، من جهة أنه حقيقة واحدة، كما أن الوجود كذلك.

(23) لا بحسب القوابل لها كالنور، فإنه بحسب القوابل وليس بسبب جزئها، بل نفس تلك الحقيقة، تارة متقدمة ومتأخرة([150]).

(24) هذا تعليل إلى كون الوجودات مراتباً، والاختلاف بحسب أصل تلك الحقيقة.

(25) مركّبة من أصل الحقيقة والشدة، ليس كل مرتبة شديدة، بل بعضها شديد، والشديد منها ليس مركباً من أصل الحقيقة والشدّة، بل الشدة مقوّمة له، بمعنى ليس بخارجة عنه، كالنوع ليس بخارجٍ، وليس جزءً.

(26) أي من المراتب.

(27) والوجود لا يتركّب مع العدم، وإلا لزم كون الشـيء موجوداً ومعدوماً([151]).

إنها غير مركّبة من الحركات والسكنات(28) بل قدر من الامتداد على هيئة خاصة.

كذا التقـدّم للوجود المتقدم ليس مقـوماً(29) وإلا
لتركّب(30) والوجود بسيط(31) ولا عارضاً(32) وإلا لكان
جائز التأخر(33) والحال أن جواز تأخره مساوق جواز الانقلاب(34)

 

(28) لأنه لو كانت مركبة منها، لزم تركب الشـيء من الوجود والعدم؛ لأن السكنات عدم الحركة.

(29) على نحو أنه جزء له؛ وإلا فهو مقوّم، بمعنى أنه غير خارج عن مرتبته كالنوع بالنسبة إلى افراده.

(30) أي الوجود المتقدم.

(31) أي والحال أن مطلق الوجود بسيط.

(32) أي ولا التقدم عارض للوجود المتقدم.

(33) أي لكان الوجود المتقدم يجوز أن يكون متأخراً؛ لأن العارض يجوز إنفكاكه، فيجوز أن تنقلب الماهية.

واشكلت على الاستاذ: من أنه يحتمل أن يكون من العوارض المستحيلة الانفكاك، فبانفكاكها تذهب الماهية، لا أنها تنقلب.

وأجاب: بأنه المراد بأنها عرض مفارق، أو تأثر بدليل آخر، وهو أنه ليس شـيء وراء الوجود إلا الماهية والعدم، والماهية ليس الشدّة والتقدّم شـيء منها، والشـيء لا يعرض لنفسه، فالشدّة داخلة في الوجود، مقوّمة لمرتبتها، بمعنى أنها ليست بخارجة ]عنها[، فكذا التقدّم.

(34) لأن الوجود المتقدم فيه ماهية، والوجود المتأخر فيه ماهية، فإذا جاز الانقلاب
 في الوجود جاز الانقلاب في الماهية، وسيجيء البرهان على عدم جواز الانقلاب في

بل عينه وإن لم يعتبر في أصل الحقيقة(35). وكذا التأخر(36) للوجود   المتأخر.وجميعها بما هي وجود(37) ومقيسة إلى العدم،
 

الماهيات([152]).

(35) هذا عطف على قوله ولا عارضاً، وإن وصلية، أي ليس بعارض، وإن لم
يعتبر في نفس حقيقة الوجود، بل اعتبر في مرتبة من مراتبها؛ لأنه لو أعتبر في نفس الحقيقة؛ لزم أن تكون جميع مراتب الوجود ]متقدّمة[، ولزم أن تكون المراتب كلّها متقدمة.

(36) ايضاً ليس مقوماً بنحو الجزئية؛ وإلا لزم التركّب، بل هو عدمي، وكذا ليس بعارض؛ وإلا لزم الانقلاب، وليس معتبراً في أصل الحقيقة؛ وإلا لزم تأخر جميع المراتب([153]).

(37) لما ذكر([154]) جهة اختلاف الوجود، أخذ في جهة اتحاده، وقوله (وجميعها)
 

كأشعة وأظلة(38) مقيسة إلى ظلمة بحتة، وبما هي مشتركات(39) في مفهوم  الوجود، وبما هي شـيء لم يتخلل(40) اللاشـي‏ء فيه، وبما أن ما به الامتياز في شيئية الوجود عين ما به(41) الاتفاق لبساطته(42) لا في شيئية الماهية(43) وبما أن هذه الكثرة من حيث الشدة(44) والضعف، والكمال والنقص، والتقدم والتأخر

مبتدأ خبره ترجع، أي وجميع مراتب الوجود.

(38) الوجود الواجب كالشعاع، ووجودنا كأظلة.

(39) أي وجمعيها بما هي مشتركات في مفهوم الوجود، والاشياء المتباينة لا تشترك في معنى واحد.

(40) أي وجميعها بما هي شـيء، لم يتخلل اللاشـيء فيه، لما بيّنا أن الوجود بسيط، ولأن الشـيء لا يتركّب من عدمه.

(41) وجميعها بما أن ما به الامتياز عين ما به الاتفاق، كما في الاعداد، فإن ما به الامتياز الواحد لا بشـرط، وهو ما به الافتراق، فإن الاعداد كلّها مركّبة منه على ما سيجيء، والعشـرة مع الستة مشتركة في الواحد لا بشـرط، ومفترقة عنها بأربعة، وهي ليست إلا الواحد لا بشـرط، وكذا الخط الطويل مع الخط القصير متفق في الامتداد الطولي، وممتاز عنه بالزائد عليه، وذلك الزائد أيضاً إمتداد طولي، كذا ورد في الحاشية([155]).

(42) لأنه لو كان ما به الامتياز غير ما به الاشتراك؛ لكان كل مرتبة منه مركّبة من شيئين متغايرين.

(43) فإن ما به الامتياز غير ما به الاشتراك، فإن الأول الفصل، والثاني
الجنس.

(44) أي وجميعها بما ]أنّ[ هذه الكثرة من الشدة...الخ، تؤكد انها ما كانت تؤكد الوحدة، لأنها كلّما كثرت مراتب الوجود اتسعت نطاق الوحدة، وكلما قلّت مراتب
 

تؤكد الوحدة التي هي حق الوحدة(45) وإن لم تكن الكثرة التي من حيث الإضافة إلى الماهيات الإمكانية كذلك(46) ترجع(47) إلى أصل واحد(48) وسنخ فارد وحدة ليست مـن جنس الوحدات(49) المشهورة.

الوجود ضعفت وحدته، لضعف نطاقها.

(45) أي الوحدة، وسيجيء الكلام في الوحدة أنها على قسمين:

منها أن تكون الوحدة عين الذات، وهي تسمّى (الوحدة الحقّة) كما في الوجود، فإنها عين الذات. ومنها أن تكون خارجة عن الذات، كوحدة الماهية، والجنس والفصل، فإنها ذات وحدة.

والوحدة الحقّة على قسمين: (ظليّة) وهي وجودنا، و(حقيقية) وهي وحدة الواجب.

(46) أي تؤكد الوحدة؛ لأن الماهية تحدد الوجود وتمنع سعته وتوجب ظلمته.

(47) خبر قوله وجميعها.

(48) أي إلى حقيقة واحدة، وسنخ واحد، والسنخية أعلى من المثلية؛ لأن السنخية تكون في فرد واحد له مراتب متعددة، بخلاف المثلية إنما تكون في فردين.

(49) لأنها ليست من وحدة الجنس ولا النوع ولا الفصل، ولا الوحدة بما ]هي[ المقابلة للأثنين، بل معنى وحدة الوجود أنه ليس شـيء في العالم غيره؛ لأن الماهيات منتزعة منه وتابعة له، بل هي ملحقة بالعدم، والعدم عبارة عن البطلان، فلا يصح أن
يكون شـيء وراء الوجود في الكون، وربما يشكل على مذهب الفهلوي بأنه جعلتم الوجود مراتباً، وجعلتم الله عز وجل مرتبة منه، فيلزم تحديد الواجب، وفقدانه لباقي المراتب([156]).

والجواب: أن هذا ناشئ من عدم الفهم، وإلا فالله عز وجل مرتبة جامعة لجميع المراتب، كيف وفاقد الشـيء لا يعطيه، نعم تلك المراتب فيها حدود، والحدود نقص؛ لأنها أعدام، فلذا لم توجد تلك الحدود في الذات المقدّسة، وإن شئت فاعتبر ذلك في النور الشديد، فإنه فيه مرتبة نور الظل.

 

(و) الوجود (عند) طائفة (مشائية) من الحكماء (حقائق تباينت)(50) صفة لحقـائق، بتمـام ذواتها(51) البسيطة، لا بالفصـول(52)- ليلزم التركيب(53) ويكون الوجود المطلق جنساً - ولا بالمصنّفات والمشخّصات(54)- ليكون نوعاً- بل المطلق عرضـي لازم لها، بمعنى أنه خارج محمول، لا أنه عرضـي بمعنى المحمول بالضميمة. (وهو) أي هذا المذهب (لدي زاهق) باطل (لأن معنى واحدا لا ينتزع مما) أي من أشياء (لها توحّد ما) إبهامية (لم يقع). بيان ذلك:
 

(50) أي الوجودات حقائق متباينة([157]).

(51) متعلق بتباينت، وهو القسم الأول من التباين الذي تقدّم سابقاً.

(52) أي ليس الوجودات لها جنس، وهو الوجود المطلق، ولها فصول متخالفة، هي التي ميزت بعض الحقائق عن بعضها؛ لأن الوجود بسيط لا جزء له في الذهن ولا في الخارج كما سيجيء البرهان عليه.

(53) أي لتركيب الوجود في الذهن؛ لأن الفصل والجنس من الأجزاء الذهنية، وسيجيء أن الوجود ليس متركّباً لا في الذهن ولا في الخارج، على أنه لو كان للوجود جنس وفصل، لوجد في الذهن بحقيقته؛ لأن الجنس والفصل من الأجزاء الذهنية، ومتى وجدا في الذهن وجدت الحقيقة، والوجود لا يمكن أن يوجد في الذهن، وإلا إنقلب الذهن خارجاً.

(54) أي وليس حقائق الوجود متباينة بالأصناف والمشخصات، كالأفراد لنوع واحد كزيد وعمرو، فإنهما تباينا بالأصناف، وهو كون هذا رومي وذلك نجفي، وبالهيئة الحاصلة لعمر وغير الهيئة الحاصلة لزيد؛ لأنه لو كانت حقائق الوجودات متباينة بالأصناف والمشخصات؛ لكان الوجود المطلق هو النوع فيلزم أن يوجد في الذهن؛ لأن النوعية أنما تعرض للأشياء في الذهن، والحال إنا بيّنا أن الوجود لا يمكن أن يوجد في الذهن، ولا التمايز بعين ما به الاشتراك؛ لأن الاشدّية والاضعفيّة والكمال والنقصان:

- إن كانت عين المراتب من الوجود؛ لزم أن تكون تلك المراتب حقائق متباينة.

- وإن كان اجزاؤها؛ لزم أن يكون الوجود مركّباً.

- وإن كانت اعراضاً، فليس هناك تفاوت بالوجود بل بأعراضه، وهذا باطل؛ لأنه لا شـيء وراءه حتى يعرض له على أنه يلزم الانقلاب.

هذا دليل المشائين([158])، وهم موافقون لنا في كون التمايز لا بالأجزاء ولا بالأعراض، ومخالفون لنا في كون أن ما به التمايز عين ما به التفاوت، ولكن الحق ما ذكرناه من أنّ ما به التمايز عين ما به الاشتراك.

والجواب عن دليلهم: أنه ما كان بهذه الحيطة والسعة، وليس محدوداً بحدّ، بل هو لا يتناهى مدة وشدة وعدة، قابل لأن يتحد ببعض المراتب، وتكون مرتبة لجزء، ومرتبة اخرى لجزئه، نعم حيث إن الماهيات ليس لها سعة واحاطة بالأشياء، لذلك كان ما به الأشتراك غير ما به الافتراق، ونحن نُسلّم هذا في الماهيات، والمراتب والحدود هي وجود، لا أنها غير وجود.

وربما اشكل المشاؤون على مذهب الفهلويين: بأنه يلزم تأثير الشـيء بنفسه؛ لأن الأشياء كلّها متفقة وسنخ واحد.

والجواب: أن الاختلاف في المراتب كاف في تصحيح المعلولية والعلية، وقوله (بل المطلق عرضـي) أي الوجود المطلق عرضي لحقائق الوجودات، وذلك أن العرض له إطلاقان:

الأول: في باب الجوهر والعرض، حينئذٍ المراد به ما كان قائم بالغير، ويطلق العرض في باب الكليات، وحينئذٍ المراد به ما هو خارج عن الذات، ويحمل عليها ولو كان جوهراً، فالحيوان عرض في باب الكليات؛ لأنه يحمل على الناطق، وهو خارج عن الناطق، وبينهما عموم وخصوص من وجه لاجتماعهما في الاسود، ويفترق الذي في باب الجوهر في السواد والبياض، فإنه عرض في باب الجوهر، وليس عرضاً في باب الكليات؛ لأنه لا يحمل، ويفترق الثاني في الحيوان؛ فإنه عرض في باب الكليات، وليس عرضاً في باب الجوهر.

والعرض في باب الكليات قسمين:

خارج المحمول: وهو الخارج عن الذات الذي يحمل عليها، وليس له وجود وراء وجود الموضوع، ومنتزع منه، كالوحدة والشيئية، وكذا كل المعقولات الثانية، والوجود المطلق على رأي المشائين([159]) من هذا القبيل؛ لأنه الوجود المطلق محمول على هذه الحقائق المتباينة، ومنتزع منها.

وعندنا محمول بالضميمة: وهو الخارج عن الذات الذي له بإزاء في الخارج، وله وجود غير وجود الموضوع، كالأبيض؛ فإنه يحمل على الموضوع، وله بإزاء في الخارج.

واعلم أنّه على مذهب المشائين لم تنحل شبهة ابن كمونة([160])؛ لأنه يمكنه دعوى وجودين بسيطين، فليس هناك ما به الاشتراك، وأما على رأي الفهلويين فتنحل لأنه وجودان واجبان، ليس أحدهما إلا أكمل والآخر أنقص، وإلاّ لو كانا من جميع الجهات متوافقين، كانا شـيئاً واحداً، فيكون أحدهما علة والآخر معلول، ولم تكن سنخية، فيلزم أن يكون فاقد الشـيء يعطيه، ولم تكن الوجودات آية له، ولم يكن العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول، كذا في الحاشية([161]).

ولذا صدر المتألهين([162]) أوّل مذهبهم بأن المراد: أن تفاوت الوجودات بالماهيـات؛
 

أنه لو انتزع مفهوم واحد من أشياء متخالفة بما هي متخالفة بلا جهة وحدة هي بالحقيقة مصداقه، لكان الواحد كثيـراً والـتالي باطل بالضـرورة، فالمقدّم مثله.

بيان الملازمة: أنه حينئذٍ يكون المصداق والمحكي عنه بذلك المفهوم الواحد(55) تلك الجهات الكثيرة المكثّرة(56).

إن قلت: لا نسلم بطلان التالي وادعاء الضـرورة فيه غير مسموع(57) والسند(58) ان الواحد الجنسـي(59) عين الكثير النوعي(60) والواحد
 

لأنها مثار الكثرة، فسـرى الحكم للوجود بالعرض.

وقوله: (بلا جهة وحدة هي بالحقيقة) أي بلا أتحاد بينها، وأعلم أنه سيجيء
أن المتخالفات والمتباينات إذا كانت بينها جهة وحدة في الحقيقة، فالمفهوم
الصادق عليها مصداقه الواقعي هي جهة الوحدة، وتلك الحصص التي هي متحدة مصداقه.

(55) أي المفهوم الواحد لمّا كان متنزعاً من هذه الكثرة، فهو منطبق عليها، فيكون المفهوم الواحد عين الأشياء المتخالفة، والاشياء المتخالفة عين الواحد، وهذا باطل.

(56) اسم فاعل، اي التي توجب الكثرة.

(57) أي غير مقبول.

(58) أي والمستند في عدم تسليم بطلان التالي.

(59) كالحيوان.

(60) كالإنسان والفرس والحمار... الخ.

النوعي(61) عين الكثير العددي(62). قلـت: فرق بين أن يكون الواحد عين الكثير(63) وبين أن يكون تحته الكثير(64) والسند من هذا القبيل(65).

إن قلت: أليس يحمل النوع على الأفراد مثلاً والحمل هو الاتحاد في الوجود؟(66).

قلت: بلى ولكن الموضوع في الحقيقة جهة الوحدة (67) في الأفراد، فإن جهات الكثرة في أفراد الإنسان مثلاً، هي العوارض، كالكم والكيف والوضع وغيرها، ومعلوم أن كل شيء في نفسه ليس إلا نفسه(68).

وأيضا لو انتزع مفهوم واحد(69) من المتخالفات، بما
هي متخالفات فإما أن يعتبر هذه الخصوصية(70) في صدقه،
لم يصدق على الذي له خصوصية أخرى، مما تحته، وإما
أن يعتبر الأخرى، لم يصدق على ما له هذه، وإن اعتبر المجموع(71)

 

(61) كالإنسان.

(62) كزيد وعمرو وخالد... الخ.

(63) كالمفهوم المنتزع عن نفس الكثير.

(64) بأن ينتزع من شـيء واحد، ولكن هذا الواحد تعرض له الكثرة كالإنسان، فإنه ينتزع من الإنسانية الموجودة في الأفراد، وهذه الإنسانية عرضت لها الكثرة، بأن صارت زيداً، وأخرى عمرَ، وأخرى خالداً.

(65) منتزع عن الكثيرين، وعين الكثيرين حتّى يكون سند العدم صحيحاً.

(66) فالنوع الواحد متحد مع الكثرة من الأفراد، فالواحد يمكن أن يكون عين الكثرة.

(67) كالإنسانية.

(68) فالكم لا يكون إنساناً، ولا الكيف يكون إنساناً، فلابد أن يكون الموضوع هو جهة الوحدة، أعني الإنسانية.

(69) هذا دليل ثاني على أن الواحد لا يكون عين الكثرة.

(70) بعينها أو على سبيل عدم التعين، وحينئذٍ الذي يصدق عليه المفهوم لا يعلم ما هو.

(71) أي مجموع الخصوصيات المتخالفة.

فلا وجود له سوى كل واحدة(72) واحدة، وعلى تقدير(73) وجود على حدة له، يكون الواحد عين الكثير(74). ثمّ كيف يكون(75) لحقيقتين مختلفتين ماهية
 

(72) أي ليس وجود المجموع إلاّ وجود أفراده، فإذا انتزع مفهوم واحد منه، لزم اتحاد الواحد مع الكثير.

(73) أي مع التنزّل أن للمجموع وجوداً على حدة، غير وجود الأفراد، وحينئذٍ أيضاً يلزم أن يكون الواحد عين المتكثر؛ لأن المجموع ليس إلاّ الافراد والأجزاء.

(74) هذا جواب الى قوله وان اعتبر المجموع.

(75) هذا دليل ثاني على عدم اعتبار المجموع.

وبيانه: أن الفرق بين الماهية والحقيقة بالاعتبار، بمعنى أن المفهوم إن وجد في الذهن فيسمّى (الماهية) وإن وجد في الخارج فيسمّى (الحقيقة) فالمفهوم الواحد لو انتزع من المجموع؛ فيلزم أن تكون الماهية واحدة، والحقائق كثيرة لتلك الماهية، والحال أنه لا فرق بينهما إلاّ بالاعتبار في الخارج والذهن.

ولكن هذا الدليل أخصّ من المدعى؛ لأن المدعى أن مطلق المفهوم الواحد لا ينتزع من المجموع، سواء أكان مفهوما عنوانياً كالمعقولات الثانية مثل الشيء، والكلية كالوجود؛ لأن المفهوم العنواني: هو عبارة عن الذي لم يكن ذاتياً للأفراد ولا عرضاً، والوجود كذلك، كما أن المعقولات الثانية كذلك، سواء أكان المفهوم ماهوياً ]أو لا[.

وهذا الدليل إنما يجري في المفهوم الماهوي لا في المفهوم العنواني، نعم ]هو[ قابل لإجرائه في مفهوم الوجود؛ لأنه كمفهوم الماهوي؛ لأنه حكاية عن ذات الوجود لا عن عارضه، فنسبة مفهوم الوجود إلى حقيقته، نسبة مفهوم الإنسان إلى الإنسان الخارجي، بحيث لو كان الوجود يوجد في الذهن، لوجد له هذا المفهوم، فمفهوم الوجود من اللوازم المنتزعة من ذات الملزوم.

وهذا المطلب: وهو عدم تفاوت الماهية والحقيقة إلا في الاعتبار، يمكن أن يجعل دليلاً مستقلاً على عدم إمكان انتزاع مفهوم واحد من اشياء متخالفة؛ لأنه يلزم أن تكون الماهية واحدة والحقائق متعددة، والحال أنه لا فرق بينها إلا في الاعتبار، وهذا قابل لأن نسـريه في مفهوم الوجود؛ لأنه كما بيّنا أنه مثل مفهوم الماهية في الملاك، فلا يمكن أن
 

واحدة ولا تفاوت بين الماهية والحقيقة إلا باعتبار وعاء الذهن والخارج؟ بل مجرد هذا(76) كاف في إبطال مذهب المشائية، لأن مفهوم الوجود كالماهية(77) لحقيقته(78) وإن كانت الخصوصيات ملغاة، فالقدر المشترك هو المحكي عنه وهو واحد.

وأما صدر المتألهين  قدس سره  فقد جعل في الأسفار، والمبدأ والمعاد، وغيرهما، هذا الحكم، أعني عدم جواز انتزاع مفهوم واحد من حقائق متخالفة من حيث التخالف من الفطريات(79). (كان من) مذهب منسوب، على زعم المحقق الدواني، إلى(ذوق التأله)(80) أي التوغل في العلم الإلهي(81) فالتاء للمبالغة، كما في التطبّب، إذ زيادة المباني تدل على زيادة المعاني (اقتنص) وأخذ (من قال) من المتكلمين(82) (ما) نافية (كان له) أي للوجود أفراد حقيقية(83)
 

يختلف مع ما في الخارج.

(76) أي عدم الاختلاف بين الماهية والحقيقة إلاّ بالاعتبار.

(77) أي مثل مفهوم الماهية، قد بيّنا في الحاشية المتقدمة وجه المثليّة.

(78) أي لحقيقة الوجود، وهذا متعلق بقوله: مفهوم الوجود.

(79) فلا يحتاج إلى دليل([163]).

(80) أي أن القائل بهذه المقالة، قد اخذها من القول المنسوب لملا جلال الدواني([164]).

(81) أي التعمّق في العلم الالهي، والحكمة الإلهيّة.

(82) أي يرجع قول المتكلمين([165]) إلى القول الصادر من الرجال الذين دخلوا في العلم الإلهي، وتوغلوا فيه وصار لهم ذوق فيه.

(83) أي خارجية.

متخالفة بالذات(84) أو بالمراتب(85) الكمالية والنقصية (سوى الحصص) التي هي(86) مفهوم الوجود المطلق المتفاوت عندهم، بمجرد عارض الإضافة إلى ماهية ماهية. فالوجود عندهم(87) اعتباري(88).

والحصص الذهنية(89) كبياض هذا الثلج وذاك وذلك في الخارج(90)
 

(84) كما قال المشاؤون.

(85) كما قال الفهلويون.

(86) هذا ]نعت[ للحصص.

(87) أي عند المتكلمين، هذا وأراد أن يفرق بين مذهب الفهلويين والمشائين والمتكلمين([166]).

(88) لأنهم جعلوه عبارة عن الحصص، وليس له أفراد في الخارج، وقد تقدّم أن الحصص في الوجود هي عبارة عن أن تكون الاضافة داخلة، والمضاف إليه خارجاً، أي التقيد داخل، والتقيد متى ما كان معتبراً في الشـيء، يكون ذلك الشـيء ذهنياً؛ لأن التقييد ذهني.

(89) مبتدأ خبره كبياض الثلج.

(90) اشارة إلى أن التشابه بين حصص الوجود، وبياض هذا الثلج، وذلك في الاختلاف بحسب المضاف إليه، فإن البياض كما أنه اختلف بالإضافة إلى هذا الثلج وذاك- وإن كان هو حقيقة واحدة - كذلك الوجود اختلف بالإضافة إلى هذه الماهية وتلك، وإن كان المشبّه موجوداً في الذهن، والمشبّه به في الخارج؛ لأن البياض موجود في الخارج، فلهذا قيّد المشبّه وهو الحصص بالذهنية، وقيّد البياض بالخارج، فحينئذٍ يكون الغاية من التشبيه الاختلاف بحسب المضاف إليه، هذا إذا جعلت القيد في الخارج راجعاً إلى البياض، وأمّا إذا جعلته راجعاً للثلج واردت بالبياض الحصص، فيكون البياض حصصه، فيكون موجوداً في الذهن، فيتفق المشبّه والمشبّه به في الوجود الذهني.

حيث إنها متماثلة(91)متفقة في اللوازم. والأفراد الخارجية(92) المتخالفة على
مذهب المشائين، كالأجناس العالية المتفاوتة بنفس ذواتها(93)
البسيطة.

والمراتب الخارجية(94) على مذهب الفهلويين كمـراتب الأنـوار المتفاوتة كما في النظم(95).

وقدّ أشـرنا في هذا البيت إلى قولين: أحدهما المذهب المنسوب إلى أذواق المتألهين القائلين بوحدة الوجود وكثرة الموجود، بمعنى المنسوب(96)
إلى الوجود(97). فإنهم قالوا: حقيقة الوجود قائمة بذاتها وهي واحدة، لا تكثر

(91) هذا وجه الشبه بين الحصص الذهنية وهذا البياض وذاك، أي أن الوجودات متماثلة في ذاتها، وكذا البياض للثلج متماثل في الحقيقة، وكذا بياض الثلج متفق في لوازمه، كذا الوجود المضاف للحصص متفق في لوازمه. إذا جعل المتكلمون له لازماً، كأن يجعلوا طرد العدم لازماً له، فالحاصل أن المتكلمين لم يجعلوا أفراداً للوجود، بل جعلوا له حصصاً.

(92) هذا مبتدأ خبره كالأجناس العالية، فالمشاؤون([167]) قائلون بالأفراد المتخالفة دون المتكلمين.

(93) هذا بيان وجه الشبه.

(94) مبتدأ خبره كمراتب الأنوار، فالفهلويون([168]) يقولون أن هذه الوجودات وجود واحد، وهي متخالفة في المراتب. فظهر الفرق بين المذاهب الثلاثة.

(95) المتقدّم سابقاً، وهو قوله كالنور حيثما تقوى وضعف.

(96) هذا تفسير الى كثرة الموجود.

(97) وهي الذات المقدّسة.

فيها بوجه من الوجوه(98) وإنما التكثّر في الماهيات المنسوبة إلى الوجود، وليس للوجود قيام بالماهيات وعروض لها، وإطلاق الموجود على تلك الحقيقة(99) بمعنى أنها نفس الوجود، وعلى الماهيات بمعنى أنها المنسوبة إلى الوجود، مثل المشمس(100) واللابن والتامر ونحوها. وهذا المذهب وإن ارتضاه جم غفير لكنه عندنا غير صحيح(101) لأنهم حيث قالوا بأصالة الماهية، يلزم عليهم(102) القول بالثاني للوجود، وأن في دار التحقق سنخين وأصلين(103).

وأما نحن فنعتقد أن ذوق التأله يقتضـي سنخاً واحداً وأصلاً فارداً، لأصالة الوجود واعتبارية الماهية، إذ الشيئية منحصـرة(104) فيهما، والأمر في
الأصالة يدور عليهما(105). فإذا بطل أصالة الثاني(106) تعيّن أصالة الأول. فالمضاف إليه(107) هو الوجود، والإضافة(108) إشـراقية(109) هي الوجود،

 

(98) ولا الأفراد، ولا المراتب، ولا الحصص.

(99) وهي الذات المقدّسة.

(100) في قولهم الماء المشّمس، أي المنسوب إلى الشمس.

(101) لأنه اثبتنا أن هذا المفهوم يطلق على الممكنات، والواجب بمعنى واحد، وبيّنا أن كل ممكن زوج تركيبي من الماهية والوجود.

(102) أي بأصالة الوجود، للوجود الذي على رأيهم هو الوحدة، التي لا تكثّر فيها.

(103) وجود وماهية، والحال إنا بيّنا سابقاً: أن الأدلة التي اقمناها على اصالة الوجود عامّة، لوجود الواجب ولوجود الماهية، فليس في دار التحقق إلاّ أصلاً واحداً.

(104) أي إمّا شيئية الوجود، أو شيئية الماهية.

(105) أي على أصالة شيئية الوجود، أو شيئية الماهية.

(106) أي أصالة الماهية.

(107) على رأي المصنف، أي المنسوب إليه الوجود، هذا جرياً على ذوق المتأله، واراد بالمضاف إليه هو الواجب.

(108) إي الاشـراق من الذات المقدّسة علينا بالوجود.

(109) أي التي يوجد المضاف بوجودها.

والمضاف(110) أيضاً أنحاء الوجودات(111) التي هي المتعلقات
بنفسها(112) المتدليّات(113) بذاتها بالمرتبة(114) الغير المتناهية في
شدة النورية(115). بل اصطلحنا(116) على تسميتها(117)
بالتعلّقات والروابط المحضة، لا أنها أشياء لها التعلق(118)

 

(110) أي وهو وجود الماهيات، وهو منسوب إلى الماهيات.

(111) أي مراتبها.

(112) بالذات المقدّسة، لا بواسطة شـيء من الأشياء.

(113) هذا تفسير إلى المتعلّقات.

(114) وهو الله عز وجل وهذا متعلق بالمتعلّقات.

(115) هذا متعلق بالمتناهية.

(116) في بعض كلامه اصطلح على أن يسمّى أنحاء الوجود.

(117) أي تسمية أنحاء الوجود.

(118) كما لو أنه يفهم هذا المعنى لو عبّرنا بالمتعلّقات، هذا وربما زعم بعضهم
أن القائلين بمذهب ذوق التأله قائلون باعتبارية الماهية، فلا يلزم أن يكون في دار التحقق سنخية، ولكن هذا لا وجه له لتصـريحهم بأن الماهية أصل كما ذكره صدر المتألهين في اسفاره([169])، وحينئذٍ يرد عليهم ما يرد على الوحدة الصوفية، وهو أن الماهية إذا كانت اعتبارية لابدّ لها من منشأ انتزاع، وليس في دار التحقق مرتبة قابلة للانتزاع منها، إلا من وجود واجب الوجود، ولا وجود غيره، وحيث إنها ناقصة، فلا [بد] أن تنزع من مرتبة ناقصة، فيلزم أن تكون مرتبته ناقصة، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

ويلزم أن يكون لوجوده حدّ حتى تنتزع منه الماهية، ولا حدّ لوجوده؛ لأنه يـلزم أن يكون ماهية، بل يكون له ماهيات لكثرة الماهيات، وكلّها منتزعة منه، وحيث أن وجود الماهيات ممكن، ووجود الواجب واجب، لزم اجتماع المتقابلين بالذات في
 

والربط(119). وثانيهما قول المتكلمين(120) المذكور. ولما كان هذا بظاهره باطلاً أردنا تأويله بإرجاعه إلى الأول(121) بتنزيل جميع ما قالوا في المفهوم على الحقيقة، بأن يكون مرادهم بكون الوجود مفهوماً واحداً كون حقيقته واحدة(122) كما في ذلك المذهب المنسوب إلى أذواق المتألهين، ومرادهم بحصصه(123) التجليات(124) التي لا تستلزم تكثراً في المتجلي(125) إلا في
 

وجود واجب الوجود، ولزم أن تكون العلة عين المعلول.

(119) بل أنحاء الوجودات هي نفسها عبارة عن الربط والاضافة والتعلّق،
والوجود المنبسط والوجود السعي لا شيء وراءها، كالنور الذي اخترقه والصادر منه نور.

 

(120) المذكور سابقاً، وهو أن الوجود ليس له فرد في الخارج، وإن في دار التحقق ماهيات، واجباً كان أو ممكن.

(121) وهو قول ذوق التأله، على نحو يكون إرجاع فاسد إلى فاسد، وحيث إن المتكلمين القائلين بهذا القول من الكبار الذين لا يصدر منهم هذا القول([170])، لذلك أرجعه إلى هذا القول، وإن كان فاسداً أيضاً، إلا أنه أقرب إلى الصواب من ذاك قوله بتنزيل جميع ما قالوا في المفهوم على الحقيقة، بأن تقول أنهم أرادوا بمفهوم الوجود حقيقة الوجود، أي الوجود الخارجي([171]).

(122) وهي الذات المقدّسة.

(123) أي حصص مفهوم الوجود.

(124) أي الظهورات للواجب، وهو الظهور في الماهيات على نحو (النسبة) كما أنّ ذوق المتألهة يقولون بظهور الواجب وحقيقة الوجود في الماهيات لنسبتها له.

(125) ]بكسر[ اللام من المتجلَّي، والمراد به حقيقة الوجود، أي واجب الوجود.


 

النسب(126) كما قالوا(127) لا تكثر في مفهوم الوجود(128) إلا بمجرد عارض الإضافة(129).

وكما أن الحصّة نفس ذلك المفهوم الواحد مع إضافة إلى خصوصية(130) داخلة بما هي(131) إضافة(132) لا بما هي مستقلة(133) في اللحاظ، لأنها حينئذٍ تصير طرفاً(134) هذا خلف(135). كذلك معنونها(136) أعني الحصّة الحقيقية(137) التي
 

(126) لأن ذوق المتأله يقول: الحقيقة واحدة ولها مظاهر متعددة، ولا تستلزم تلك الظهورات تكثراً؛ لأن ظهورها على نحو النسبة إليها، نعم تلك الظهورات تستدعي كثرة النسب.

(127) عرض المصنف تطبيق قول المتكلمين على ذوق التأله.

(128) وحيث بيّنا أن المـراد بالمفهوم هو الحقيقة، فيكون معناه: لا تكثر في حقيقة الوجود إلا بمجرد النسب، وهذا عين قول ذوق التأله.

(129) أي النسبة.

(130) وهي الماهية الشخصية أو الكلية.

(131) أي الاضافة داخلة، أعني النسبة داخلة، وهذا تقدّم كلّه.

(132) أي نسبة، أي معنىً حرفياً، وملحوظةً مع الغير، وحالة له، كما هو شأن المعنى الحرفي.

(133) أي لا بأن الاضافة ملحوظة مستقلة؛ لأنها حينئذٍ تصير قيداً، فتحتاج إلى تقيد ونسبة، وهذا خلاف الفرض من أنها هي نسبة، بأن يكون هكذا مفهوم الوجود المقيد بالإضافة إلى ماهية، فتصير الاضافة قيداً وطرفاً، وهذه الاضافة غير معتبرة في الحصة، بل المعتبرة فيها هي التي بالمعنى الحرفي.

(134) إذ المعنى الحرفي يصير اسماً، يتوجه الالتفات إليه.

(135) لأن المعتبر في الحصة هو المعنى الحرفي، والرابطة بين القيد والمقيد، لا التي هي قيد.

(136) هذا خبر أن في قوله (وكما أن الحصة) أي الذي جعلت الحصة عنواناً له عند المتكلمين بحسب الارجاع.

(137) وهذا تفسير لمعنون الحصة.

هي نفس حقيقة الوجود(138) مع إضافة إشـراقية(139) وتجل ذاتي(140) بما هي ربط(141) محض، بحيث لا يخلو(142) في اللحاظ عن الحقيقة. (والحصة)(143) هي (الكلي مقيدا يجي) مقصور(144) لضـرورة الشعر (تقيد جزء) بما هو تقيد لا بما هو قيد(145) (وقيد خارجي)(146).

فالحصة لا تغاير نفس الكلي إلا بالاعتبـار(147)؛ لأن(148) القيد خارج
 

(138) وهو الله عز وجل تعالى على رأيهم.

(139) أراد هاهنا بالإضافة الاشـراقية، لا المعنى المصطلح عليه بينهم، وهي المقابلة للمقولية، فإن ذوق التأله لا يقول بها، بل المراد بالإضافة هاهنا هي النسبة ووصفها بالاشـراقية؛ لأنها توجب أن تكون الماهية ظاهرة ومشـرقة، وتخرجها عن ظلمة العدم، فلا يرد ما ذكره بعض المحشين([172]).

(140) في حقيقة الوجود والذات المقدّسة.

(141) أي تلك الاضافة الاشراقية، أي غير مستقلة بنفسها، وملحوظة استقلالاً، بل بما أنها عبارة عن التقييد الكائن بين الحقيقة والماهيات.

(142) هذا بيان للربط المحض، هذا الربط عند لحاظه لحاظ حقيقة الوجود، بل لابد عند لحاظه من لحاظ حقيقة الوجود، كما هو شأن المعنى الحرفي من أنه لابد في لحاظه من لحاظ متعلّقه، وكما في حصة الوجود؛ فإنه لا يخلو لحاظ الربط فيها من لحاظ مفهوم الوجود.

(143) هذا تفسير للحصص الواقعة في البيت المتقدم.

(144) لأنه اصله يجيء، فحذف الهمزة.

(145) أي غير مستقل في اللحاظ، كما لو لوحظ مستقلاً.

(146) وهو الذي اضيف المقيد، أعني الكلي إليه.

(147) وذلك لان الكلي لم يعتبر ويلحظ معه التقيد، بخلاف الحصة، فإنها الكلي الذي لوحظ معه التقيد.

(148) هذا بيان لوجه عدم التغاير بينهما.

والتقييد بما هو تقييد، وإن كان داخلاً، إلا أنه أمر اعتباري لا حكم له في نفسه(149) بل لا نفسية له بهذه الحيثية(150).

(149) أي نفس التقيّد لا حكم له ولا يحكم عليه بأنه هو أو ليس هو؛ لأنه كان آلة للحاظ الغير وربطاً محضاً، فكيف يصح الحكم عليه في ذاته، فلا يحكم عليه بشيء.

(150) وهي من حيث إنه تقيد وربط محض، أي لا ذات للتقيد قائمة بنفسها حتّى يصح الحكم عليه بأنه هو أو ليس بهو من حيث إنه تقييد، بل هو الآلة لملاحظة حالة الغير، فهو قائم بالغير.

 

[7]

غرر في الوجود الذهني

للشي‏ءِ غَيرَ الكَوْنِ في الأعيانِ
 

 

كونٌ بِنفسهِ لدى الأذهانِ
 

لِلْحُكْمِ إيجاباً على المعـدومِ
 

 

ولاِنْتزاعِ الشيءِ ذِي العُمومِ
 

صَرْفُ الحقِيقةِ الذي ما كَثُرا
 

 

مِنْ دُوْنِ مُنْضَمّاتِها العَقْلُ يَـرى
 

والذات في أَنْحا الوجوداتِ حُفِظْ
 

 

جَمْعُ المقَابِلَيْنِ مِنْهُ قَدْ لُحِـظْ
 

فَجَوْهَرٌ مَعْ عَرَضٍ كَيْفَ اجْتَمَـعْ
 

 

أَمْ كَيفَ تَحْتَ الكَيفِ كُلٌّ قَدْ وَقَـعْ
 

فَأنكَرَ الذِّهْنِيَّ قَوْمٌ مُطْلَقـا
 

 

بَعْضٌ قِياماً مِنْ حُصُولٍ فَرّقـا
 

وَقِيْلَ بالأَشباح الاَشْيا انْطَبَعَتْ
 

 

وقِيْلَ بالأنْفُسِ وَهْيَ انْقَلَبَـتْ
 

وقِيْلَ بالتّشْبِيْهِ والمُسامَحَةْ
 

 

تسميةٌ بالكَيْفِ عَنْهُمْ مُفْصِحَةْ
 

بِحَمْلِ ذَاتِ صُوْرَةٍ مَقُوْلَـةْ
 

 

وَحْدَتُها مَعْ عـاقلٍ مقولَـةْ
 

 

 

 

قال الاستاذ قبل الخوض فيه لابدّ من تقديم مقدّمات:

الأولى: أنّ محل النزاع ليس في العلم، بل المنكرون للوجود الذهني([173]) قائلون بالعلم، وأنه عندهم المعلومات منقسمة إلى تصور وتصديق، غاية ما في الباب يفسرون العلم بالإضافة بين العالم والمعلوم، ويقولون ليست الاشياء موجودة في الذهن، وليس لها وجود وراء الوجود الخارجي، وأما القائلون بالوجود الذهني فمرادهم: أن الاشياء لها وجود في انفسنا، كما لها وجود في الخارج، فبعضهم يجعل حصول تلك الاشياء أو انفسها هي العلم، وبعضهم يجعل العلم هو الاضافة كما تقدم([174]).

الثانية: أن القائل بأصالة الماهية لا يمكنه القول بالوجود الذهني؛ لأنه على رأيه تكون الماهيات هي المترتبة عليها الآثار، فلو وجدت الماهية في الذهن يلزم ترتب الآثار الخارجية عليها في الذهن، وذلك باطل بالحس. وكذا القائل بالوحدة الصـرفة لا يمكنه القول بالوجود الذهني؛ لأن الاشياء كلّها وجود واحد لا مرتبة له، فلا يمكن وجودها في الذهن؛ والا لزم انقلاب الذهن الى الخارج، فالذي له حق النزاع هو القائل بأن الوجود مراتب متعددة، والقائل بأن الاشياء وجودات متباينة بالذات.

الثالثة: أن هذه المسألة تنفع في المعاد الجسماني.

الرابعة: أن لا نزاع في أن حقيقة الوجود الخارجي لا يمكن أن توجد في الذهن، وإلاّ لزم الانقلاب.

 

 [7]

غرر في الوجود الذهني

(للشـيء)(1) أي الماهية (غير الكون في الأعيان) وهو الوجود الذي يترتب عليه الآثار(2) المطلوبة منه(3) (كون بنفسه) وماهيته(4).

هذا إشارة إلى ما هو التحقيق من أن الأشياء تحصل بأنفسها(5) (لدى
الأذهان) وهو الوجود الذي لا يترتب(6) عليه تلك الآثار(7). لم نقل في
الأذهان للإشارة إلى أن قيام الأشياء بها(8) قيام صدوري(9) لا حلولي كقيام

 

(1) أي الماهية خارج الوجود الخارجي.

(2) ويقال له الوجود الخارجي، والوجود العيني، والوجود الأصيل.

(3) أي المطلوب من الوجود الخارجي.

(4) عطف تفسير على نفسه، أي كون بنفس ذلك الشـي وماهيته، أي له وراء وجوده الخارجي وجود بنفسه وبماهيته.

(5) لا بأشباحها في الذهن([175]).

(6) أي الآثار المترتبة على الوجود الخارجي، ويقال له الوجود الذهني (في الذهن) والوجود الظليّ، والوجود الغير الأصيل، كذا ذكره بعض المحشين([176]).

(7) ما لم يقوى بالموت أو الفناء أو النوم، فإنه إذا قوى بهذه الثلاث فيترتب عليه الآثار الخارجية، بل تكون أقوى.

(8) أي بالأذهان.

(9) قيام الفعل بالفاعل لا كقيام الفعل بالمفعول، بمعنى أن النفس والذهن خالقة للأشياء فيها، وموجودة لها هناك، وهذا لا ينافي ما ذكر من أن فاعل الوجود هو الله عز وجل لا غيره؛ لأن النفس هو فاعل ما به لا منه، والفاعل للوجود ما منه هو الله عز وجل فقط، وأما الذي ما به وبسببه يحصل الوجود فهذا كثير، ومن جملته النفس والذهن.

الأشياء بالمبادئ العالية(10) ولا سيما مبدأ المبادي(11). ثمّ أشـرنا إلى وجوه من الأدلة. الأول قولنا (للحكم إيجابا) أي نحكم حكماً إيجابيا (على المعدوم) أي ما لا وجود له في الخارج، كقولنا بحر من زيبق بارد بالطبع، واجتماع النقيضين مغاير لاجتماع الضدين. وثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له.

وإذ ليس المثبت له هنا في الخارج ففي الذهن(12).

(و) الثاني قولنا (لانتزاع الشـيء ذي العموم) أي نتصور مفهومات(13) تتصف بالكلية والعموم، بحذف ما به الامتياز عنها(14)
 

(10) وهي نفوس الافلاك والعقول، فإن الاشياء قائمة بها قيام صدوري، لأنها تصدر منها بعض الاشياء، وهو قائم بها.

(11) وهو الذات المقدّسة، فإن جميع هذه المخلوقات قائمة قيام صدور؛ لأنها صادرة منه.

(12) واجتماع النقيضين، والبحر المذكور كلّها اثبتت لها أحكام، وقاعدة ثبوت شـيء لشـيء فرع لثبوت المثبت له مسلّمة عند الخصم، وحيث إنه لا وجود لهذين الموضوعين في الخارج، فهما موجودان في الذهن، فثبت الوجود الذهني.

وأشكل على هذا الدليل: بأنه إن هذه الموضوعات إنما حكمه عليها لوجودها في المبادئ العالية، ونحن كلامنا في أن الاشياء توجد في انفسنا، أو لا. فهذا الدليل لا يثبت المطلوب. وأجاب صاحب الشوارق([177]) بجواب لم يرتضه الاستاذ واجاب: بأن حكمنا عليها إمّا مع الالتفات إلى وجودها في تلك المبادئ، أو لا. وإمّا مع عدم الالتفات فلا يصح الحكم؛ لأنه هناك عندك شيء، وإن كان مع الالتفات بأن أدركتها وبلغتها وصلت إليها، فليس طريق الوصل إليك بها إلا أن توجدها نفسك، عندها ويصح حينئذٍ الحكم إليها، وإلا فلا يمكن بالالتفات الحكم؛ لأنها غير محيطة بها.

(13) كالإنسان والفرس.

(14) أي بدون مشخصاتها.

والتصور(15) إشارة عقلية، والمعدوم المطلق(16) لا يشار إليه مطلقاً(17)
فهي بنحو الكلية موجودة، وإذ ليس في الخارج- لأن كل ما يـوجد في الخارج جزئي- ففي الذهن(18).

والثالث قولنا (صـرف الحقيقة)(19) أية حقيقة كانت(20) (الذي)
صفة صـرف(21) (ما) نافية (كثرا)(22) - الألف للإطلاق- (من دون
منضماتها) أي غرائبها(23) وأجانبها(24) كالمادة ولواحقها(25) (العقل يرى) أي

 

(15) حاصله ما يرده بهذا: أن هذه المفهومات التي تتصف بالكلية المنطقية ليست معدومة مطلقاً؛ لأن المعدوم لا يتصور، وليست في الخارج؛ لأن الذي يوجد فيه يكون شخصياً لا كلياً، وأما أن يكون له شيئية الماهية فقط، لا موجود ولا معدوم كما تقول المعتزلة([178]) وهو باطل كما سيجيء، فلابد أن يكون موجوداً في الذهن، فثبت المطلوب.

(16) فليست تلك المفهومات معدومة مطلقاً.

(17) أي لا بالإشارة الحسية ولا العقلية.

(18) أي فوجودها في الذهن.

(19) المراد بالصـرف هو الخالص، أي الحقيقة الخالصة من عدم كل مرتبة من مراتبها، بحيث كل مرتبة منها اوجدت، جاءت فيها تلك الحقيقة، وهي صادقة على جميع مراتبها، فالصـرف هنا هو الحقيقة الصادقة على أفرادها المفروضة لها كالإنسان.

(20) ما عدا حقيقة الوجود، فإنه بيّنا أن الكلام ليس فيها، بل في الماهيات؛ لأنها تجـيء في الذهن دون حقيقة الوجود.

(21) أي تعريف إلى صـرف الحقيقة.

(22) أي ما كثر صـرف الحقيقة، أي الحقيقة الخالصة لا تكثّر فيها.

(23) أي الخارجة عن ذاتياتها.

(24) أي والاجانب عن الحقيقة، وهذا عطف تفسير.

(25) كالمقدار والأين والوضع والكيف ونحوها.

يعرف، فصـرف الحقيقة مفعول يرى قدم عليه. والحاصل أن صـرف
كل حقيقة بإسقاط إضافته عن كل ما هو غيره من الشوائب الأجنبـية،
واحد(26) كالبياض فإنه إذا أسقط عنه الموضوعات(27) من الثلج
والعاج والقطن وغيرها، واللواحق من الزمان والمكان والجهة(28)
وغيرها مما لحقه بالذات(29) أو بالعرض(30) كان واحداً(31) إذ لا ميز في الشـيء(32) فهو بهذا النحو(33) من الوحدة الجامعة لما هو من سنخه، المحذوف عنها(34) ما هو من غرائبه(35) موجود بوجود وسيع(36) وإذ ليس في الخارج(37)

(26) خبر قوله فصـرف كل حقيقة، أي الحقيقة الصـرفة واحدة، أي الحقيقة المتوحدة والمتفردة التي ليست مع اشياء أُخر.

(27) أي المواد؛ لأن مادة العرض هو موضوعه ومحلّه.

(28) المراد بها الجهات الست، وان كان يوجد فيها.

(29) كالمقدار للبياض، فإنه لحقه بالذات.

(30) اي بواسطة الجسم كالمكان والزمان، فإنه لما كان الجسم في مكان، كان البياض فيه، وكذا لما كان الجسم في زمان، كان البياض فيه.

(31) هذا جواب إذا، أي كان البياض واحداً، أي صـرف الحقيقة.

(32) فلا تكثّر فيه، بل الشـيء الصـرف واحد لا يمارسه العدم.

(33) أي فالبياض بهذا النحو من الوحدة الجامعة، تلك الوحدة لكل ما هو من سنخ البياض، بحيث أينما وجد مقدار خردلة من البياض، فهذا البياض يصدق عليه، فهذا البياض المتصور لا يتناهى؛ لأن كل مرتبة فرضتها له صدق عليه.

(34) هذا صفة للوحدة.

(35) أي من غرائب حقيقة البياض، أي الخارج عن حقيقة البياض.

(36) هذا خبر قوله (فهو بهذا النحو) الذي يوجد فيه:

- تارة بوجود ضيق، وهي الجزئيات، اذا وجدت فانه تكون في وجه واحد.

- وتارة بوجود وسيع، وهو وجود الكليات؛ لأنها تصدق على كثيرين.

(37) اي هذا الوجود الوسيع ليس في الخارج.

لأنه فيه(38) بنعت الكثرة والاختلاط ففي صقع(39) شامخ(40) من الذهن.

وهذه الوجوه الثلاثة(41) فروقها جلية، لأن بعضها يثبت المطلوب من مسلك موضوعية الموجبة(42) وبعضها من مسلك الكلية(43) وبعضها من مسلك الوحدة(44) وأيضا بعضها من مسلك التصديق(45) وبعضها من مسلك التصور(46). ولأن مباديها مختلفة، فإن مؤنة قاعدة الفرعية لا تحتاج إليها فيما عدا الأول(47) وكذا مبادى‏ء الآخرين(48) فلا وجه لقول المحقق اللاهيجي 
في الشوارق، بعد نقل مسلك الكلية عن المواقف وشـرح المقاصد، إن

 

(38) أي لأنه في الخارج ينعت بالكثرة، فلا يكون له أفراد كثيرة، والحالة أنه فرضناه واحداً، ويكون هذا الوجود مختلطاً بالغير، والحالة أنه فرضناه مجرداً عن الغير، وقطعاً ليس بمعدوم مطلقاً؛ لأنه متصور، فهو مشار إليه بالإشارة الحسيّة.

(39) أي جهة، وهي التعقل؛ لأنها هي التي يوجد فيها الوجود الوسيع.

(40) أي وسيع عالي؛ لأن هذه الجهة هي التي توجد فيها الوجودات الوسيعة لا غيرها من المراتب.

(41) التي ذكرها لإثبات المطلوب.

(42) وهو الوجه الأول، حيث إنه كان مبتنياً على أن ثبوت شـيء لشـيء فرع لثبوت المثبت له.

(43) وهو الدليل الثاني: حيث إنه ذكرنا أن الشـي المعدوم كلي، وليس موجوداً في الخارج، فلابدّ أن يكون موجوداً في الذهن.

(44) وهو الدليل الثالث.

(45) وهو الدليل الأول.

(46) وهو الدليل الثاني والثالث.

(47) وهو الثاني أو الثالث، ولذا لو لم تثبت قاعدة الفرعية، فالدليل الثاني والثالث يتم.

(48) وهي الثاني والثالث، أمّا مبدأ الثاني فهو: أن المعدوم مطلقاً لا يشار إليه مطلقاً، وأما مبدأ الثالث وهو: أنه بإسقاط الشوائب الاجنبية كان واحداً.

هذا داخل في الوجه الذي تمسك فيه(49) بالحكم الإيجابي على المعدوم.

(والذات)(50) أي الماهية وذاتياتها (في أنحا الوجودات) الخارجية والذهنية(51) عالية كانت أو سافلة (حفظ)(52) كما اشتهر بينهم أن الذاتي لا يختلف(53) ولا يتخلف(54). فهذا حكم صدقه العقل ولكن عارضه ونازعه أن (جمع المقابلين منه) أي من انحفاظ الذات والذاتي (قد لحظ) ولزم بنظر العقل أيضاً، وهو محال.

(فجوهر مع عرض كيف اجتمع)؟ هذا تعيين للمتقابلين(55).

بيان اللزوم(56) أن الحقائق الجوهرية بناء على أن الجوهر(57) جنس لها
 

(49) وهو الوجه الأول الذي مبدؤه القاعدة الفرعية([179]).

(50) هذا اشارة الى إشكالين مهمين([180]) على الوجود الذهني كما سيذكرهما لك.

(51) فإن الموجودات الذهنية: تارة توجد في النفوس السماوية والعقول الكلية، وهذه على أنحاء الوجودات. وتارة توجد في طرف الخارج وفي الذهن، وهذا نحو من الوجود، لكنه نحو سافل.

(52) هذا خبر والذات، أي والذات حفظت في اتحاد الوجودات خارجاً وذهناً، والنفوس الكلية السماوية والعقول.

(53) أي ينقلب.

(54) اي لم يأتِ.

(55) اللَذَين لزم أجتماعهما من الحكم بوجود الذات في انحاء الوجودات.

(56) إعلم أن هذا الاشكال يثبت اجتماع الجوهر والعرض فقط، بخلاف الاشكال الثاني؛ فإنه يثبت أن المقولات التسع كلّها مندرجة تحت الكيف.

(57) وأما على القول بأن الجوهر عرض لها فلا يرد هذا الاشكال؛ لأنه إذا كان

وقد تقرّر انحفاظ الذاتيات في أنحاء الوجودات كما تسوق إليه أدلة الوجود الذهني(58) يجب أن تكون(59) جواهر أينما وجدت(60) وغير حالّة(61) حيثما تحققت فكيف جاز أن تكون حالّـة كما هو مذهبهم(62) في الذهن(63) وهو محل مستغن عنها في وجوده والحال في المستغني عرض؟ (أم) – منقطعة(64) بمعنى بل- (كيف تحت) مقولة (الكيف كل) من المقولات التسع (قد وقع)؟ هذا إشكال آخر أصعب(65) من الأول.

الجوهر عرضاً وقد اجتمع مع العرض، والعرض يجتمع مع مطلق العرض، كالكيف يجتمع مع العرض في السواد، فإنه يصدق عليه كيف وعرض، وهذا لا مانع منه؛ لأنه لا تقابل بين الكيف والعرض، فكذا إذا قلنا الجوهر عرض، فإذا اجتمع مع العرض لا مانع منه؛ لأنه حينئذٍ لا تقابل بينهما.

(58) حيث نقول إن الشـيء موجود بذاتياته في الذهن، على أنه لو كان الشـيء غير موجود في الذهن بذاتياته وليس هو حينئذٍ موجوداً فيه، بل غيره؛ لأن شيئية الشـيء بذاتياته، فإذا لم يوجد بذاتياته، فلا يوجد بنفسه.

(59) أي الحقائق الجوهرية.

(60) لأن جوهريته حينئذٍ ذاتية لها.

(61) أي الحقائق الجوهرية؛ لأنها لو كانت حالّة في محل، أي محتاجة إلى محل وهو غير محتاج إليها، كانت عرضاً، والحالّة قد ذكرنا أنها جوهر، والجوهر جنس لها، وهو مقابل للعرض.

(62) أي مذهب القائلين بالوجود الذهني، لا المصنف، فإنه قائل بالصدور لا بالحلول.

(63) أي أن تكون الحقائق الجوهرية حالّة في الذهن، وحينئذٍ اجتمع المتقابلات في الجوهر؛ لأنه ذاتي فهو موجود معها. والعرض؛ لأنها حالّة في الذهن، والذهن مستغنٍ عن الحقائق الجوهرية، والحال في المستعني عرض.

(64) هذا شـروع في الإشكال الثاني، وهو مبني على مقدمة: من أن المقولات التسعة جنس الى ما تحتها، فالكيف جنس إلى ما تحته، وكذا غيره من المقولات.

(65) سيجيء وجه الاصعبية.

بيانه: أن القوم قد عدّوا العلم كيفاً نفسانياً، والعلم عين المعلوم بالذات(66) والمعلوم بالذات قد يكون جوهراً وقد يكون كمّا ًوقد يكون مقولة أخرى، فيلزم اندراج جميع المقولات في الكيف(67). وإنما قلنا هذا أصعب من الأول لأن العرض عرض عام(68) للمقولات التسع العرضية، لكونه من العروض، وهو وجودها في الموضوعات(69).

فليس كثير إشكال(70) في كون الجوهر الذهني عرضاً إذ لا يصير
 

(66) الصورة الذهنية للشـيء معلومة بالذات، والشـيء الخارجي معلوم بالعرض؛ لأنه بواسطة الصورة علم، وليس العلم إلا عبارة عن تلك الصورة الحاصلة، فالعلم عين المعلوم بالذات

(67) وذلك لأنها كلّها تكون معلومة، وحينئذٍ تتصف بالكيف، وحينئذٍ يكون الكيف جزءاً من حقيقتها، والحالة أن الجوهرية أيضاً جزءٌ من حقيقتها، وكذا الكم، فيجتمع المتقابلان في شـيء واحد، وذلك باطل اشد البطلان.

(68) وليس جنساً لها.

(69) ربمّا يشكل أن العروض هو الطرو والحلول، فلا وجه لتفسيره بالوجود في الموضوعات.

والجواب: أنّ الطرو والحلول ليس له وجود وراء وجود العوارض في
محلها.

قلنا: أن العروض هو وجودها في الموضوعات، والوجود للشـيء بعد تمام ماهيته، فكان الوجود زائداً على الماهية، فالعرضية زائدة على الماهية، فهي زائدة على الكم والكيف وسائر المقولات. فظهر أن العرض ليس جنساً إلى ما تحته، بل عارضاً عليها.

ومما يؤيد أن العرض عرض عام للمقولات التسعة، أن المقولات التسعة أجناس عالية، ولو كان العرض جنساً لها لما كانت اجناس عالية.

(70) أي ليس هناك اشكال عظيم في كون الجوهر الموجود في الذهن عرضاً، بل أنه
قد أجيب عن الإشكال الأول- كما سيجـيء- بأن الجوهر إن وجد في الخارج كانت الجوهرية تقتضي الاستغناء عن المحل، وأن وجد في الذهن لم تقتض ذلك،

 

جنساً له(71) بخلاف الكيف، فإنه جنس عال. فإذا كانت الصورة العلمية جوهراً كالإنسان والفـرس أو كمّاً أو وضعاً، كالسطح أو الانتصاب، لزم أن يكون شـيء واحد(72) مندرجاً تحت مقولتين(73) ومجنّساً بجنسين في مرتبة واحدة(74) بحسب ذاته، وإذا كانت(75) كيفاً محسوساً مثلاً، كالسواد، لزم أن يكون شـيء واحد كيفاً محسوساً وكيفاً نفسانياً معاً.

فهذا الإشكال جعل العقول حيارى والأفهام صـرعى، فاختار كل مهربا.

(فأنكر) الوجود (الذهني) فراراً من هذا ونظائره (قوم)
 من المتكلمين (مطلقا) وإن كان بنحو الشبح، وجعلوا العلم بالشـيء

 

بل يكون عرضاً، فحينئذٍ قابل لأن يكون الشـيء جوهراً بإعتبار استغنائه عن المحل في الخارج، وعرضاً بإعتبار احتياجه إلى المحل في الذهن، فقابل لأن يكون الشـيء جوهراً وعرضاً باعتبارين، ولا منافاة بينهما، وليس هناك جمع بين المتقابلين؛ لأن كلاً منهما كان باعتبار، وإنما المنافاة لو اجتمعا على شـيء واحد، كما لو كان العرض جنساً، فحينئذٍ يلزم أن يجتمعا في شـيء واحد دائماً أمران متقابلان، العرض والجوهر في كل من انحاء الوجودات.

وكما بيّنا في الحاشية السابقة، من أنه قابل لأن يكون الجوهر عرضاً، اجاب عنه بعضهم.

(71) أي إذ لا يصير العرض جنساً للجوهر، وحينئذٍ قابل أن يكون الجوهر
الذهني عرضاً. نعم لو كان العرض جنساً، كان كثير إشكال اجتماع الجوهر والعرض؛ لأنهما متقابلان، فكيف يجتمعان في شـيء واحد، وجزء من حقيقة شيء واحد.

(72) كصورة الإنسان، فإنها جنسها الجوهر، وهي أيضاً كيف؛ لأن المعلوم بالذات كيف، فهذه كيف وجوهر.

(73) احدهما الكيف والآخر أحد المقولات التسعة.

(74) وهي مرتبة الوجود الذهني.

(75) أي الصورة العلمية.

مجرد الإضافة(76).

ويبطله العلم بالمعدوم(77) وعلم النفس بذاته. (بعض) وهو الفاضل القوشجي (قياما) بالذهن (من حصول) فيه(78) في التنكير(79) الذي للتنويع إشارة إلى ما اصطلح عليه(80) (فرقا) فقال: إن في الذهن عند تصورنا الجوهر أمرين: أحدهما ماهيـة موجودة فـي الذهن وهو معلوم وكلي وجوهر، وهو غير قائم بالذهن ناعتاً له(81) بل حاصل فيه حصول الشـيء في الزمان والمكان(82)
 

(76) بين العالم والمعلوم([181]).

(77) فإنه لا إضافة بينهما؛ لاستحالة الاضافة بالقياس إلى المعدوم، وكذا استحالة تحقق إضافة الشـيء إلى نفسه، وذلك لأن الاضافة تستدعي تحقق الطرفين، وليس في المقام كذلك.

(78) أي في الذهن.

(79) قياماً وحصولاً.

(80) الفاضل القوشجي([182])، وهو أنه اراد هنا بالقيام حصول شـيء في الذهن على نحو الاحتياج إليه، واراد بالحصول هنا وجود شـيء في الذهن، لا على نحو الاحتياج إليه، كوجود الشـيء في الزمان والمكان.

(81) أي وغير ناعت للذهن بالعلم، وغير واصف له، أي الذهن ينعت بالعلم، ليس بهذا الشـيء الحاصل في الذهن، بل ينعت من جهة حصول صورة وشبح فيه، مطابقاً لهذا الموجود في الذهن، فحينئذٍ ينعت بالعلم ويوصف به.

(82) فإن الشـيء الحاصل فيها ليس بحال.

وثانيهما موجود خارجي(83) وعلم وجزئي وعرض
قائـم بالذهن من الكيفيات النفسانية(84)

 

(83) وهو الصورة والشبح الذي حصل من صورة الشـيء الموجودة في الذهن، وحيث إن هذا الشبح قائم بالذهن، وحالّ فيه حلول العرض بمعروضه، والذهن موجود في الخارج، فهذا أيضاً موجود في الخارج؛ لأن هذا الشبح عارض للذهن، فوجوده تابع لوجود الذهن، والذهن موجود في الخارج، فهذا أيضاً موجود في الخارج، وهذا الشبح هو العلم، لا تلك الصورة الحاصلة في الذهن.

(84) على الوجود الذهني اشكلوا أربعة إشكالات([183]):

الأول: يلزم أن يكون الجوهر عرضاً، وقد تقدّم الكلام عليه.

والثاني: يلزم أن تكون جميع المقولات مندرجة تحت مقولة الكيف، وقد تقدّم الكلام ايضاً فيه.

والثالث: يلزم أن يكون العلم عين المعلوم على القول بالوجود الذهني؛ لأن العلم هو الوجود ذهناً، وحيث إنكم قلتم بوجود الاشياء بأنفسها في الذهن، فالشـيء الواحد علم ومعلوم، والحالة أن العلم غير المعلوم، ولذا للعلم حكم، وللمعلوم حكم آخر، لا يكون كل منهما ثابتاً للآخر، فإن العلم بالكفر لا يوجب وصف الإنسان بالكفر، ولو كان العلم عين المعلوم؛ لزم أن يكون العلم بالكفر كفر، والله عز وجل عالم بالعالم، وعلمه عين ذاته، فيلزم أن يكون الله عز وجل عين ذاته العالم بناءاً على أن العلم عين المعلوم.

والرابع: هو أن يكون الكلي جزئي، وذلك لأنه بعدما وجد الكلي في الذهن احتاج إلى موضوع، والشـيء إذا احتاج إلى موضوع تشخّص، ولذا قيل: الشـيء إذا وجد تشخّص، وفي عبارة المصنف ذكر ثلاثة إشكالات وأهمل الثاني.

والأصح: أنه بقوله (وعرض قائم بالذهن من الكيفيات النفسانية)، اشار إلى الإشكال الأول والثاني، لأن المحذور فيهما إنما كان لزوم العرضية للجوهر والكيف للمقولات الباقية، وإلى المحذور الأول اشار بالعرض، وإلى الثاني بقوله أي الكيفيات النفسانية.

والجواب: عن هذا الإشكال دفعه الفاضل القوشجي([184]) بما ذكره من أن الموجود في الذهن شيئان، فالحاصل في الذهن هو الجوهر، وهو المعلوم، وهو الكلي، وهو الكم ونحوه. والقائم في الذهن هو الكيف، وهو العلم، وهو الجزئي، فتغاير الكلي والجزئي والعلم والمعلوم، وأما المصنف فالإشكالان الأولان سيجيء دفعه لهما.

وأمّا الإشكال الثالث فأجاب عنه في حاشيته([185]): أن العلم والمعلوم بالذات متحدان ذاتاً ومختلفان اعتباراً، فالشـيء الحاصل في الذهن - باعتبار وجوده فيه وحصوله فيه- علم، من حيث هو علم، وهذا نظير تغاير الوجود والماهية، فإنهما متحدان ذاتاً مختلفان بالاعتبار، فمن حيث الحدود ماهية، ومن حيث التحقق في الخارج وجود.

وأما الإشكال الرابع: فجوابه على رأي المصنف كما ذكره في الحاشية([186])، في
أن الكلي في الذهن وإن كان جزئياً، إلا أنه إذا قيس إلى الأشخاص الخارجية

 

فحينئذٍ لا يرد إشكال(85).

إنما الإشكال من جهة كون شـيء واحد جوهراً(86) وعرضاً، أو علماً ومعلوماً، أو كلياً وجزئياً انتهـى. وتصويره(87) أنـه إذا فرض مشكل(88) محفوفاً بمرآة من بلور أو ماء من جميع الجوانب، بحيث انطبع صورته(89) فيها(90) فهاهنا أمران:

أحدهما شيء ليس قائماً بالمرآة، ولكنه فيها وهو الصورة.

وثانيهما شـيء قائم بالمرآة، وهو نفس الصورة المنطبعة.
فقس عليه ما في مرآة الذهن. هذا مذهبه(91)

 

والذهنية - باعتبار الصدق عليها - فهو الكلي، وباعتبار وجوده في الذهن جزئي.

(85) لأنه ثبت شيئان في الذهن، أحدهما علم والآخر معلوم، واحدهما كلي والآخر جزئي، وأحدهما عرض والآخر جوهر، واحدهما كيف والآخر أحد باقي المقولات التسعة.

(86) أي الإشكال الذي كان يرد هو: كان الشيء الواحد جوهراً وعرضاً، وعليه ترتب ذلك المحذور الفاسد، وهو كيف يجتمع الجوهر والعرض، وبعدما اثبتنا أن هناك شيئين في الذهن، احدهما جوهر والآخر عرضاً، فلا إشكال حينئذٍ وارد؛ لأن لا محذور في كون شيئين موجودين في موضوع واحد، أحدهما جوهر والآخر عرض، وكذا الكلام في باقي الإشكالات.

(87) أي تصوير مذهب الفاضل القوشجي.

(88) أي له شكل.

(89) أي صورة هذا الشكل.

(90) أي في المرآة، أو في الماء، ومثّل بعض شارحي السُلّم بالضياء في غرفة فقال: هناك شـيء حاصل في الغرفة وهو نفس الضياء، وشـيء حالّ في الغرفة وهو نفس الضياء، وشـيء حال في الغرفة وهو النور الحاصل من الضياء، ثمّ قال: وهذا التمثيل أولى من غيره.

(91) فتلخص من عنده، يوجد الشـيء في الخارج، ويحصل في الذهن، ويقوم شبحه
 

وفيه ما فيه(92). (وقيل) والقائل جماعة من الحكماء (بالأشباح) لا
بالأنفس (الأشياء انطبعت) في الذهن، فلا يلزم كون شـي‏ء واحدٍ جوهراً

 

الحاصل من تلك الصورة في الذهن.

(92) وذلك بأن يقال: إن أراد الفاضل المذكور بالتغاير بين هذين الشيئين في الذهن التغاير الاعتباري، فهذا لا يدفع إشكال الجوهر والعرض، وإندارج المقولات التسعة تحت الكيف؛ لإن هذه أمور ذاتية لا تختلف باختلاف الاعتبار، والشـيء باقٍ على وحدانيته، فلزوم اجتماع الأمرين المتقابلين في شـيء واحد باقٍ على حالته، وإن أراد أنهما متغايران بالذات كما هو ظاهر عبارة هذا القائل، وكذا المصنف في الحاشية([187]) رد على هذا الوجه الثاني لا الأول، فيردّ عليه:

أولاً: أنه هذا مخالف للضـرورة والوجدان.

وثانياً: إحداث قولٍ ثالث بلا بينة ولا برهان؛ لأن الحكماء منهم من قال بحصول الأشياء بأشباحها في الذهن، ومنهم من قال بحصولها بأنفسها في الذهن، ولم يقل أحد بأن الأشياء توجد بأشباحها وانفسها في الذهن، ولا داعي إلى هذا الالتزام، مع إمكان دفعه بغير هذا الالتزام.

وثالثاً: يلزمه أن يقول: تكون النفس فعّالة لما هو عقل بالفعل؛ لأن هذه الصورة الموجودة في النفس الغير القائمة بها عقل بالفعل، لما تقرر عند الحكماء أن كل مجرد قائم بذاته فهو عقل عاقل لذاته، ومعقول لذاته، فهذه الصورة عقل عاقل معقول.

ولا يمكن القول بحصول هذه الصورة من دون مدخلية للنفس في حصولها فيها، وإلا لِمَ حصلت في تلك دون هذه، فهذه الصورة التي حصلت للنفس بإدراكها إياها، لابد أن يكون للنفس علّية بالقياس إليها، أما أن تكون النفس علّة فاعلية لها
 

وعرضاً، أو جوهراً وكيفاً مثلاً، لأن بقاء الذاتي في نحوي الوجود، فرع بقاء ذي الذاتي. وعلى القول بالشبح لا يحصل بنفسه(93) وماهيته في الذهن. وأنت خبير(94) بأن الوجوه الدالة على ثبوت الوجود الذهني، إنما دلالتها على وجود حقائق(95) الأشياء وماهياتها في الذهن، لا ما يغايرها في الماهية(96) ويوافقها في
 

أو مادية([188]) أو غائية أو صورية، لا سبيل إلى كونها علة غائية أو صورية؛ لأنه بعدما أثبتنا أنها عقل، والعقل أتمّ وأشـرف من النفس؛ لأنه هو الذي أخرج النفس من القوّة إلى الكمال، حيث صيّرها مدركة، فكيف يكون الانقص غاية للأشـرف أو صورة له، فلا يمكن أن تكون النفس صورة أو غاية للصورة الحاصلة فيها، وأيضاً لا سبيل إلى كونها علّة مادية؛ لأنه باعتراف الفاضل أنها غير قائمة بالنفس.

فتعيّن كونها علّة فاعلية لهذه الصورة، التي هي عقل، وحيث إن قلنا أنها اشـرف، والنفس أقل مرتبة منها؛ لأن النفس في قوس النزول لا في قوس الصعود، فلا يمكن أن يتأثر الأنقص في الأعلى، فلا تؤثر النفس في الصورة مطلقاً.

ورابعاً: هذا قوله بحدوث العقل وتجدده، هو خلاف ما تقرّر عندهـم، وقد قرّر هذه الإشكالات على هذا الفاضل في حاشية الشوارق فراجع([189]).

(93) أي ذي الذاتي لا يحصل بذاته ونفسه، فحينئذٍ ذاتياته لا تحصل، بل يوجد ظله الحاكي عنه كحكاية اللفظ والكتابة، إلا أن محاكاة الالفاظ والكتابة بحسب الوضع، وتلك الاشباح بحسب الطبيعة.

(94) هذا جواب عن القول بالأشباح([190]) في دفع الإشكال.

(95) لأن مفادها أن الشـيء لو لم يوجد في الذهن لكان كذا وكذا.

(96) كما لو قلنا الشبح، فإن ماهيته غير ماهية الشـيء، فلم يكن الشـيء موجوداً في الذهن، ولم يكن للماهية نحوان من الوجود الذهني والخارجي، بل كان لها وجود
 

بعض الأعراض(97) كما لا يخفى.

(وقيل) والقائل هو السيد السند صدر الدين(98) انطبعت الأشياء في الذهن (بالأنفس) أي بأنفسها وماهياتها (وهي) أي والحال أن أنفس الماهيات
 

خارجي فقط.

ومن المفاسد العظيمة على القول بالشبح لزوم كون المعلوم جهالة؛ لأن العلم بالشيء انكشافه بما هو عليه، وإذا لم يوجد شـيء من مقوّماته، لم يكن هذه الماهية تلك الماهية، فلم ينكشف الشـيء بما هو عليه، إذا لم يوجد بنفسه في الذهن، وقد وجّه القول بالشبح اللاهيجي([191]): أن الماهية وإن كانت موجودة بنفسها، إلا إنه بالوجود الذهني، فهي شبح للماهية بوجودها الخارجي، كذا في الحاشية للمصنف([192]).

(97) كالكم والهيئة.

(98) والقائل السيد السند الصدر([193])، حاصل مذهبه: أن الماهية لها وجودان، وهي
 

(انقلبت) وقد بين مذهبه هذا القائل بعد تمهيد مقدّمة بأنه، لما كانت موجودية الماهية متقدّمة على نفسها(99) فمع قطع النظر عن الوجود، لا يكون هناك ماهية أصلا. فإذا تبدل الوجود بأن يصير الموجود الخارجي والوجود الذهني
 

تختلف بذاتياتها وتنقلب بحسبهما، فماهية الإنسان هي المردّدة بين الوجود الخارجي والوجود الذهني، وهي في الخارج جوهر وفي الذهن عـرض، ففي الخارج لها ذاتيات، وهي في الذهن تنقلب تلك الذاتيات، قالوا الجوهر يكون عرضاً، والكم كيفاً، فماهية زيد وجدت بذاتياتها الذهنية، ومع ذاك أندفع الاشكالان المذكوران.

(99) أي نفس الماهية، لأنها قبل الوجود لم تكن ماهية، وبعد الوجود صارت ماهية. فموجودية الماهية سابقة على نفس الماهية، والمراد بالتقدّم هنا التقدّم بالأحقيّة، يعني تحقق الشـيء وحصوله من حيث هو موجود، اولى وأحسن وأحقّ بالحصول من حيث هو ماهية.

قال المصنف في الحاشية على الأسفار([194]): وهذا الكتاب لعلك تقول كيف يقول السيد بهذا، وهو يقول بأصالة الماهية واعتبارية الوجود، وأقول قد كان متصلباً في ذلك، حيث أدعى أصالة الماهية حتّى في الواجب، وكان يقول: إذا اقترن مفهوم الموجود مع الماهية وجودات، وليس عندنا وجود أصلاً.

ثمّ قال المصنف فأقول: مراده تقدّم الماهيّة الخارجة عن استواء الطرفين، المستحقة لحمل الموجود عليها، باكتسابها حيثية المجعولية على الماهيّة من حيث هي هي تقدّماً
 

والخارجي مختلفان بالحقيقة(100).

موجوداً في الذهن، لا استبعاد أن يتبدل الماهية(101) أيضا. فإذا وجد الشـيء في الخارج، كانت له ماهية، إما جوهر أو كم، أو من مقولة أخرى.

وإذا تبدل الوجود، ووجد في الذهن، انقلبت ماهيته(102) وصارت من مقولة الكيف. وعند هذا اندفع الإشكالات، إذ مدار الجميع على أن الموجود الذهني باق على حقيقته الخارجية.

بالأحقّية، وبعبارة ]اخرى[ نفس الماهية المتحدة مع مفهوم الموجود، متقدّمة على الماهية التي لم تتحد، لكن المناسب لأصالة الماهية أن يقول: الماهية متقدّمة
على الوجود بالتجوهر كما يقول السيد الداماد، والمحقق الدواني، والمحقق اللاهجي([195]).

اقول: هو ليس قولاً بأصالة الماهية، لان حقيقة الاصالة اقتضاء الاسّية في البناء العقلائي على الاشياء، لتكون هي المنطلق والمرتكز للبناء، الا اني ارى انه قول بالتقدّم الرتبي للقائلين بالتجوهر، فلا يصح الوجود العبثي اللاادراكي، فحقيقة الاشياء ادراكها قبل وجودها، والا كان وجوداً عبثياً. نعم لا اقول بأصالتها، بل الوجود هو الاصيل الذي يبتني عليه اللوازم الذاتية والعرضية، واعتقد النزاع لفظي.

(100) إلى هنا تمت المقدّمة.

(101) لما بيّنا في المقدمة من أن الماهية من حيث هي تابعة للماهية الموجودة، فقابل لأن تختلف الماهية من حيث هي باعتبار الوجودين، بخلاف ما لو قلنا أن الماهية هي المتقدّمة وليست بتابعة، فحينئذٍ يستبعد تبدلها بتبدل الوجود.

(102) وحينئذٍ فالأشياء توجد في الذهن بماهياتها، غاية ما في الباب أنه لا ماهية، إن كانت في الخارج فهي تلك ذواتها، وإن كانت في الذهن فهي ذواتها منقلبة عن تلك، وحينئذٍ زيد وجود بماهيته، ونفسه في الذهن.

أقول: مدار إشكال(103) كون شـي‏ء واحد جزئياً وكلّياً ليس عليه(104).

ثمّ أورد على نفسه أن هذا هو القول بالشبح(105). وأجـاب
بأنه ليس للشـيء، بالنظـر إلى ذاتـه بذاته حقيقة معينة(106) بل الموجود

 

 

فكأنه يجعل ماهية زيد هو الماهية التابعة للوجود الخارجي والذهني.

(103) هذا اشكال على السيد السند([196]).

(104) أي على كون الوجود الذهني باق على حقيقته الخارجية، قال المصنف في الحاشية([197]): إذ مدار جزئيته على كون الموضوع من جملة المشخّصات، ومدار كلّيته، على أن كل شيء في العقل يحذف غرائبه، سواء كان نفس الموجود الخارجي، أو شبحه، أو منقلبه.

(105) لأن القائلين بالشبح يقولون بأنه يوجد شـيء حاكٍ مخالف في الحقيقة للوجود الخارجي.

(106) كما هو قول القائلين بالشبح من أن له حقيقة معينة، وهذا مخالف لها حاكي عنها، فهو شبحها، وعلى رأي السيد فليس لها حقيقة معينة حتّى يكون لخالقها وشبحها، بل على رأيه أن لها إبهاماً، مثل أنه الأمر الدائر ]بين[ الجوهر والكيف، فتكون إما هذه حقيقة وإما تلك، فإن وجد في الخارج فتلك حقيقته، وإن وجد في الذهن فتلك حقيقته.

 

الخارجي(107) بحيث إذا وجد في الذهن، انقلب كيفاً، وإذا وجدت الكيفية الذهنية في الخارج، كانت عين المعلوم الخارجي.

ثمّ أورد سؤالاً آخر، بأنه إنما يتصور هذا الانقلاب لو كان بين الموجود الذهني والخارجي مادة مشتركة(108) كما قرّروا الأمر في الهيولى المبهمة(109) وليس كذلك(110).

وأجاب بأنه أنما استدعى الانقلاب مادة، لو كان انقلاب أمر في صفته(111) أو صورته(112) وأما انقلاب نفس الحقيقة بتمامها إلى حقيقة أخرى فلا.

(107) نظر لهذا المطلب المصنف في الحاشية([198])، بأن قال مثل ما يقال في تفسير الكلي بالمطابق للكثيرين، مع أن المطابق مجرد، والكثيرون ماديون، وبينهما غاية البعد.

أن المراد بالمطابقة: أنه لو حصل الكلي في الخارج كان عين الأفراد، ولو حصلت الافراد في العقل كانت عين الكلي المجرد، إذا يحذف غرائبها تكون عينه.

(108) بين المنقلب والمنقلب إليه، وبرهنوا على ذلك بأنه لو لم تكن مادة مشتركة لم يقل هذا منقلب عن ذاك دون هذا، أو لم يقل أن كلاً منهما حقيقة بنفسه، فلابد
من وجود مادة مشتركة.

(109) حيث قال: أن الهيولى تنقلب صورتها إلى صورة نوعية أخرى، كما في هيولى الماء، فتارة تصير ماءً، وتارة هواءً، وتارة ناراً، والمشترك بين هذه العناصـر الثلاث هو الهيولى المبهمة الصورة.

(110) أي والموجود الذهني والخارجي ليس بينهما أمر مشترك، بل صار كل منهما تحت جنس غير الجنس الأول، كما لو صار للشـيء هيولى غير الهيولى الأولى، فلم يكن هناك أمر مشترك يصح الأنقلاب.

(111) كما لو انقلب الجسم الاسود إلى البياض، فهناك شيء مشترك وهو الجسم.

(112) كما إن انقلبت صورة الماء إلى صورة الهواء، وصورة الهواء إلى صورة النار، فهنا أيضاً يراد أمراً مشتركاً.

نعم يفرض العقل لتصوير هذا الانقلاب أمرا مبهما عامّاً(113). هذا مذهب هذا السيد  قدس سره  وهو بظاهره سخيف(114) لأنه قائل بأصالة الماهية. وأنى للماهية هذا العرض العريض(115) مع كونها مثار الاختلاف، وعدم وجود
مادة مشتركة(116) كما اعترف به في الانقلاب الذاتي؟

 

ويشكل عليه: أنه ليس ترجح لأن يقال هذا منقلب من ذاك، على أن يقال أنهما حقيقتان برأسهما، إذ ليس فيهما مادة مشتركة، فلِمَ تقول هذه تلك.

(113) للموجود في الذهن والخارج، مثل الممكن والأمر والشـيء، ولا يخفى أن كل واحد منها من المعقولات الثانية، ولا يحاذيه شـيء في الخارج مشترك بينهما، بل هي أمور اعتبارية، فلم يكن شيـئاً باقياً في الاحوال.

(114) أتى بلفظ الظاهر للإشارة على أنه له توجيه تندفع به تلك الإشكالات، كما ذكره ملا صدرا في الوجود الذهني من أسفاره([199]).

(115) أي تكون ماهية واحدة مقولة بالتشكيك، فتارة تكون لها مرتبة الجوهرية، وأخرى مرتبة العرضية، مع كونها مثار الاختلاف ومنشأ للتعدد، وعدم وجود
مادة مشتركة حتّى تقول هذه الماهية هي تلك، فمع هذه الأمور الثلاث كيف يقال أنهما ماهية واحدة، ولشخص واحد، مع القول بأن الذاتيات مختلفة، فلابد أن
يقال أن هناك ماهيتين مختلفتين، وحينئذٍ لا علقة بينهما توجب العلاقة، وماهية الإنسان واحدة منهما، فأما أن يقول هي الخارجية فقط والذهنية فقط، وأما أن لا تكون موجودة في الخارج إن كانت ذهنية، وإلا فليس موجود في الذهن إن كانت ذهنية.

(116) فلا يكون لها مراتب، بل لابدّ وأن تكون لها مرتبة واحدة.

وأشكل الأستاذ على هذا الجواب بما حاصله: أنه يظهر من هذا الجواب بأنه لو كان للماهية هذا العرض العريض لصحّ مذهبه، والحالة هو غير صحيح؛ لأنه باعترافه يقول بالانقلاب، وجعل الانقلاب جزءاً من دليله، ولم يجعل الاشتراك، وفي هذا نظر.

نعم هذا(117) حق طلق للوجود، لكونه مقولاً بالتشكيك على مراتب فيها أصل محفوظ، وسنخ باق. لكنه  قدس سره  لا يقول بأصالته(118).

(وقيل) والقائل هو المحقق الدواني (بالتشبيه والمسامحة)- متعلق بمفصحة-(تسمية) أي تسمية العلم (بالكيف عنهم) أي عن الحكماء (مفصحة)
أي مروية. فعند المحقق إطلاق القوم لفظ الكيف عـلى الصور العلمية
من الجوهر ومن سائر المقـولات ما عدا الكيف(119)
أنما هو على المسامحة تشبيهاً للأمور الذهنية(120) بالحقائق الكيفية الخارجية. وأما في الحقيقة، فالعلم لمّا كان متحداً بالذات مع المعلوم بالذات(121) كان من مقولة

(117) أي العرض العريض، والتشكيك وجود المراتب، إنما هو حق طلق الوجود، أي مطلق الوجود.

(118) أشكل الاستاذ عليه: بأن هو ظاهره هذا الجواب، أنه لو قال بأصالة الوجود فصحيح مذهبه، والحالة أنه لو قال ايضاً ]بعدم أصالته[ لم يكن صحيحاً؛ لأن الكلام في الماهيات، هل يمكن وجودها في الذهن بذاتياتها أم لا، ولا دخل في هذا المذهب لأصالة الوجود.

(119) لأنه على نظر الدواني([200]) أن الصورة العلمية تابعة للمعلوم الخارجي، فإذا كانت الصورة العلمية للكيف، فإطلاق الكيف عليها صحيح؛ لأنها تابع.

(120) ووجه الشبه أن الصورة العلمية غير قابلة للقسمة، محتاجة إلى المحل والمحل مستغن عنها، وليس لها إضافة إلى أمر من الأمور، فاستحقت أن يطلق عليها لفظ الكيف تسامحاً، ولأجل المشابهة، لا أنها كيف واقعاً.

(121) والمعلوم بالذات هو الصورة الذهنية، وهو مطابق للمعلوم بالعرض وهو الأمر الخارجي، فهما مثلان، والامران المتماثلان مشتركان بالماهية واللازم.

قال المصنف في الحاشية([201]) ممثلاً لذلك: إن العلم بالشمس شمس أخرى، ولذا يقال

 

المعلوم(122) فـلا يلزم اندراج شي‏ء واحد تحت مقولتين(123).

وأما جوهرية شـيء واحد وعرضيته، فليس فيه عنده إشكال، لأن العرض كما مر من العروض، وهو الحلول، وهو نحو من الوجود(124) والوجود
 

العلم بالشـيء الصورة الحاصلة عند العقل، ويقال صورة الشـيء ماهيته.

(122) أي كان العلم من مقول المعلوم بالعرض لما بينا من أنهما متماثلان، فاللازم والذاتي لاحدهما عين اللازم والذاتي للآخر.

فإن كان جوهراً، فجوهر، وإن كماً فكم، وإن كيفاً فكيف، وهكذا.

(123) إن قلت: قد ذكرتم أن الصورة العلمية فيها حد الكيف، ومفهومه من أنه القائم في محل من دون إضافة، غير قابل للقسمة، فهي كيف.

قلت: هذا الإشكال وارد على مذهب الدواني([202])؛ لأنه على رأيه أن هذه المقولات مأخوذ فيها الوجود الخارجي، وذلك لأنه يقول أنهم قسّموا الموجود الخارجي إلى قسمين: واجب وممكن، والممكن إلى المقولات التسعة والجوهر، فهذه التسعة والجوهر جعل مقسمها الوجود الخارجي، فالكيف معناه هو الشيء الذي إذا وجد في الخارج يكون قائماً في محل، من دون إضافة، غير قابل للقسمة، وصورة الجوهر
ليست كذلك،فصورة الإنسان ليست إذا وجدت في الخارج تحتاج إلى محل، وكذا الجوهر هي الشيء الذي إذا وجد في الخارج لا يحتاج إلى محل، ومتقوّم بذاته، وهذا ينطبق على صورة الإنسان، فهي جوهر لا كيف، وكذا سائر المقولات، فالصورة تابعة، ولا يصدق عليها تعريف الكيف، نعم يصدق على صورة الكيف؛ لإنها اذا وجدت في الخارج تكون محتاجة إلى المحل، غير قابلة للقسمة ولا النسبة.

(124) وهو الوجود الرابطي، والوجود يكون بعد تمام الماهية زائداً عليها، فلا
يكون العرض المطلق ذاتياً للماهية، بل ]هو[ خارج محمول عليها، فلا يلزم أن
ليس ذاتياً للماهية، فمفهوم العرض يصدق على المقولات العرضية(125) وعلى الجوهر الذهني، صدق العرض العام على المعروض.

ولا منافاة بين كون الشـيء جوهراً ذهنياً، بمعنى أنه ماهية، حقّ وجودها في الأعيان أن لا يكون في الموضوع، وبين كونه عرضاً خارجياً(126) لا في مقام ذاتـه(127).

(بحمل ذات)(128) أي بالحمل الأولي الذاتي (صورة) علمية من كل ممكن
 

تتركّب ماهية عند وجودها في الذهن من أمرين متباينين.

(125) أي التسعة.

(126) أي موجوداً فعلاً في موضوع.

(127) أي كونه عرضاً لا في مقام ذاته، بل بالعرض، وعارض عليه العرضية، وليست جزءً لذاته.

ويبطل هذا الجواب: أن الصور الذهنية بلحاظها إلى الوجودات الخارجية تسمّى ذهنية، وإلاّ باللحاظ إلى نفسها تكون خارجية؛ لأنها موجودة في النفس، والنفس خارجية، فهي موجودة في الخارج، ورتبت عليها آثارها وهو العلم، فهي أيضاً في نفسها جوهر وكم ونحوها، مع أنها محتاجة إلى محل، فهي في الخارج بالنسبة إلى نفسها، وهي محتاجة إلى محل في الخارج، فيلزم الاشكال المذكور.

وإذا قلت: أنها كيف، فعرضيها ذاتية لها، وفي مقام ذاتها.

وأيضاً يرد عليه: من أن الصور العلمية ليست تندرج تحت أيّة مقولة من المقولات من حيث هي، كما سنحققه في مذهب ملا صدرا([203])، والمصنف لم يبطل هذا الجواب؛ لأنه يظهر الجواب عنه من كلام ملا صدرا؛ لأنه في جوابه عن الإشكالين يختار أحد شقيه.

(128) هذا مذهب ملا صدرا([204])، وله في الجواب عن هذين الإشكالين مسالك ثلاث:

الأول: أن الصور الذهنية ليست قائمة في الذهن قيام حلول، بل قيام صدور،
 

 

(مقولة) من المقولات، جوهر أو كم أو كيف أو غيرها. وأما بالحمل الشائع فهي كيف ولا منافاة لاختلاف الحمل، كما أن الجزئي جزئي بأحد الحملين.

وليـس بجـزئي بالآخر. ولذا اعتبر في التناقض وحدة الحمل أيضاً وراء الوحدات الثمان. وهذا طريقة صدر المتألهين  قدس سره .

فليست بكيف؛ لأنها ليست حالّة في الذهن، كالصور المناميّة عندما يراها النائم، أما في مثل الصور الجزئية فواضح صدورها من النفس، وأما الكليات المعقولة فهي عندما تلاحظ رب النوع ويتجلى لها، يصدر منها صورة ومفهوم له.

والثاني: أنه بالنسبة إلى الصور الجزئية صدور، وبالنسبة إلى المعقولات الكلية من قبيل مشاهدات رب النوع، لا أنه تأتي صورة له وتصدر عنها صورة، بل يظهر رب النوع للنفس عند إدراكها للكليات.

وسيجيء مسلك ثالث له، وهذا جواب له، مع البناء على أن الصور العلمية حالّة في النفس، والنفس محل لها، وإلا فهذه المسالك الثلاث المذكورة كافية في الجواب، فهذا الجواب مع عدم البناء على هذه المسالك.

وحاصل هذا الجواب: ولمّا كان محصّل الإشكالين لزوم التناقض؛ لأنه على هذا
تارة يقال له جوهر وغير جوهر، وكيف وغير كيف، لذلك محصل جوابه منع التناقض، بل كونه جوهراً وليس بجوهر، وكيفاً وليس بكيف، وذلك أنهم اشترطوا في وجود التناقض شـرطاً تاسعاً وهو وحدة المحل، إن ذاتي فذاتي وإن شائع فشائع، مستدلين على ذلك: بأن الجزئي يصح حمل الجزئي عليه، ويصح سلبه عنه، ومع ذلك فلا تناقض؛ لأنه في صورة الحمل يكون حملاً أولياً، من قبيل حمل الشـيء على نفسه، وصورة سلب الجزئية عنه يكون من قبيل سلب الحمل الشائع، وذلك لأن الجزئي ليس بجزئي بالحمل الشائع؛ لأنه بالحمل الشائع من افراد الكلي لا الجزئي، والصورة الذهنية من حيث هي ليست فرداً لأية مقولة من المقولات، ولا تحمل عليها بالحمل الشائع، بل هي كم أو كيف بحسب ذاتها، ويحمل عليها ذات لا بالحمل الشائع، وأما من حيث وجودها في الذهن فهو كيف بالحمل الشائع، وليست فرداً لغيره، وحينئذٍ فقولنا للصورة الذهنية جوهر أي ذاتاً وليست بجوهر، أي بالحمل الشائع، وهلم جرا.

فقال في مبحث الوجود الذهني من الأسفار: إن الطبائع
الكلية(129) العقلية، من حيث كلّيتها(130) ومعقوليتها(131) لا تدخل
تحت مقولة من المقولات(132) ومن حيث وجودها في النفس، أي
وجـود(133) حالة(134) أو ملكة(135) في النفس تصير مظهراً أو مصدراً لها(136)

 

(129) هذا مذكور على سبيل التمثيل، وإلا فالطبائع الجزئية العقلية كصورة زيد وعمر فهي جوهر ذاتاً، وليست بالحمل الشائع جوهراً، بل كيف وعرض.

(130) أي كونها كلياً طبيعياً لا من حيث جزئيتها، وهو كونها موجودة في الذهن.

(131) أي كونها مفهومهاً من المفاهيم.

(132) أي لا تندرج، ولا يحمل عليها بالحمل الشائع الصناعي، أي مقولة من المقولات.

(133) صفة لقوله وجودها في النفس، وهو بمنزلة قولنا مطلقاً.

(134) أخذ في تفصيل الوجودت النفسانية، وأنه لا تفاوت بينها في هذا الحكم، فهي الصورة الغير الراسخة.

(135) هي الصورة الراسخة.

(136) أعلم أن صدر المتألهين لما رأى أن الصور الكلية لا تتغير ولا تتبدل، بل
 

هي على حالة واحدة، فهي لا يمكن انتزاعها من الأمور الجزئية لتغيرها، وعدم ثباتها على حالة واحدة، فهي مباينة للجزئيات، والكليات أعظم مرتبة منها، فلا يمكن انتزاع الكليات منها، بل التزم أن هناك أمرا موجودا في الخارج لكل نوع، غير متغير على حالة واحدة، ولكنه وسيع يسمّى رب النوع([205])، فللإنسان رب النوع وللفرس كذلك، وهو مرتبته تحت العقول، والنفس عند ملاحظته تظهر منه([206]) صورة تحل في النفس، وهي أيضاً مثله وسيعة كائنة على حالة واحدة، ولما كان لها وجود سعي يحاكي النفس (النفس الناطقة)، لم نقل بأن الصورة للكلي مصدراً للنفس، بل يعبر بالظهور أو بكونها من صقع النفس، كما أن العقول من حيث إن لها وجود سعي،
 

تحت مقولة الكيف(137).

ثمّ شـرع  قدس سره  في سد ثغوره(138) بما خلاصته(139):

أن الجوهر وإن أخذ في طبيعة نوعه كالإنسان، وكذا الكم في طبيعة نوعه كالسطح، فقد حددا(140) بما اشتمل عليهما(141) وكذا في بواقي الأجناس والأنواع(142).

يقال لها أنها من صقع الواجب، لا أنها صادرة من الواجب، ولمّا كانت الصور الجزئية هي متغيرة كتغير الجزئيات، قيل بأن النفس تصدرها عند ملاحظتها للجزئيات، ولمّا لم يكن لها وجود سعي، قيل أن النفس تخلق تلك الصور وتصدرها.

فأتضح أن النفس الناطقة تكون مُظِهرة([207]) للصور الكلية لا مصدرة لها، وبالنسبة إلى الصورة الجزئية مصدرة لها وخالقة لها، وعلى كلٍ فتلك الصور المظهرة والمصدرة حالّة في النفس، وهي من حيث وجودها كيف وعرض.

(137) أي مندرجة تحت مقولة الكيف، ويحمل عليها الكيف حملاً شائعاً صناعياً([208]).

(138) أي في الدفع عما يرد عليه.

(139) هذا تقرير الإشكال عليه.

(140) أي الإنسان والسطح، والفاء في فقد لتعليل الأخذ والبرهان على الأخذ.

(141) أي بشـيء إشتمل على الجوهر والكم.

(142) في أنه الأنواع أخذ فيها الأجناس.

كيف؟ ولو لم تؤخذ فيه(143) لم يكن الأشخاص أيضاً جواهر(144) أو كميات أو غيرهمـا، بالحقيقة، وبالحمل الشائع، مع أنها كذلك(145).

لكنه غير مجد(146) لأن مجرد أخذ مفهوم جنسـي في مفهوم نوعي لا يوجب اندراج ذلك النوع في ذلك الجنس، كاندراج الشخص تحت الطبيعة، ولا حمله شائعاً، عليه إذ لم يكن أزيد من صدق ذلك الجنس على نفسه، حيث لا يوجب

(143) أي لو لم تأخذ الاجناس في الأنواع، هذا دليل ثاني على أخذ الأجناس في الأنواع، وأن الجوهر مأخوذ في طبيعة نوعه كالإنسان، وكذا الكم أخذ في طبيعة نوعه كالسطح.

(144) لأنه ليس الأشخاص إلاّ التشخّص العارضـي والطبيعة، فليس الجوهرية جزء من التشخّص؛ لأنه عارض والجوهرية ذاتية، والمفروض أنه ليس بجزء للطبيعة، فهو ليس بجزء من الأشخاص ولا مأخوذ فيها، وذلك باطل؛ لحمله على الأشخاص حملاً شائعاً، فهولابدّ وأن يكون مأخوذاً في الطبيعة، وإذا أخذ فيها فلابدّ أن يحمل على الطبيعة حملاً شائعاً؛ لأن مناط الحمل الشائع الأخذ في الشـيء، وقد اثبتنا أخذه فيها، فالجوهرية تحمل على طبيعة الإنسان حملاً شائعاً، سواء وجدت في الذهن أو في الخارج، فيجتمع الحملان الشائعان - الجوهرية والكيف في الذهن - على طبيعة واحدة، فعاد الإشكال جذعاً.

(145) أي تحمل بالحمل الشائع على الأشخاص، فيعلم أخذها في الطبيعة، وأخذها في الطبيعة يكفي لصحة الحمل الشائع الصناعي، ففي مرتبة الذهن يحمل على الطبيعة الجوهرية مثلاً، والكيف وكل ذلك بالحمل الشائع، وهذا هو الإشكال المذكور سابقاً.

(146) هذا جواب هذا الإشكال، وحاصل هذا الجواب أن حمل الشـيء الذاتي على شيء آخر حملاً شائعاً صناعياً يُشتـرط فيه شرطان([209]):

الأول: الأخذ فيه حقيقة ذلك الشـيء.

الثاني: ترتب آثاره عليه، فالجوهرية وإن أخذت في الإنسان الذهني، ولكن آثار
 

كونه فرداً من نفسه. بل الاندراج الموجب لذلك أن يترتب على المندرج آثار تلك الطبيعة المندرج فيها(147) كما يقال: السطح كم متصل قار منقسم في الجهتين(148). فيكون السطح باعتبار كميته قابلاً للانقسام، وباعتبار اتصاله ذا حد(149) مشترك، وباعتبار قراره ذا أجزاء مجتمعة في الوجود. وترتب الآثار مشروط بالوجود العيني، كما في الشخص الخارجي من السطح. وأما طبيعة السطح المعقولة فلا يترتب عليها تلك الآثار كما لا يخفى. نعم مفاهيمها(150) لا تنفك عنها.

أقول: الملاك كل الملاك(151) فيما ذكره  قدس سره  اعتبارية الماهيات
المعبّر عنها بالكليات الطبيعية. فهي مع قطع النظر عن الوجود،

 

الجوهرية لا تترتب عليها في مرتبة الذهن، بل من القيام بذاته، نعم إذا وجد في الخارج ترتبت تلك الآثار عليه، فلذا يحمل على الإنسان حملاً شائعاً، فالمشكل توهم أن صـرف الأخذ يكفي في الحمل الشائع، ولكن هذا خطأ كما بيّنا. نعم أن صـرف الأخذ يقتضـي الحمل الأولي.

قال الاستاذ: فزيد الموجود في الذهن يحمل عليه الجوهرية حملاً أولياً، لا حملاً شائعاً.

(147) بفتح الراء.

(148) أي الطول والعرض.

(149) أي مشترك بين القسمين، بأن يكون صالحاً لهذا القسم ولذلك القسم، ولا شك أن السطح - أي مقداراً منه- هو صالح لأن يكون حداً لهذا القسم، وحداً لذلك، وسيجيء تفصيل هذا.

(150) أي مفاهيم تلك الآثار لا تنفك عن تلك الطبائع المعقولة.

(151) وبيان ذلك: أن ما ذكره صدر المتألهين([210]) من شـرط الحمل الشائع ترتب الآثار،

ليست إلا مفهوم الجوهر(152) أو مفهوم الكم
وغيرهما لا حقائقها(153) وكذا في أنواعها(154).
والوجود وإن لم يكن(155) جوهراً ولا عرضاً، لكنه ما به(156)

 

وهي إنما تترتب بالوجود العيني، إنما يصح إن قلنا بأصالة الوجود، وأنه هو منشأ الآثار وترتبها، وحينئذٍ المقولات لا تحمل على أفرادها بالحمل الشائع إذا وجدت الأفراد في الذهن؛ لأنها لم يترتب عليها آثارها في عالم الذهن، وإنما تترتب بالوجود الخارجي، ولكنا إذا قلنا بأصالة الماهية وإعتبارية الوجود، فتكون الماهية هي منشأ الآثار، وهي بنفسها موجودة في الذهن، وحينئذٍ فيصح حمل المقولات على الأفراد الذهنية حملاً شائعاً؛ لأن منشأ الآثار حينئذٍ موجود في الذهن.

(152) ولا يحمل عليها إلاّ بالحمل الأولي لا الشائع.

(153) أي لا حقائق الجوهر أو الكم، إذ الحقيقة باعتبار الوجود العيني للماهية.

(154) أي أنواع الكم والجوهر وباقي المقولات، فهي في نفسها ليست إلا مفاهيمها، وليست بحقائق، إذ ليست متصفة بالوجود الخارجي.

(155) حاصله دفع إشكال، وهو أن الوجود ليس بجوهر ولا عرض، فكيف به تترتب آثار الجوهر والاعراض، وتظهر به.

فإجاب: بأنه وإن لم يكن كذلك، لكنه به ظهور الماهيات والآثار وآثارها، وهو كالنور فإنه ليس بلون من الألوان، ولكن به تظهر الألوان.

(156) أي بسببه تظهر الماهيات.

للقوم نزاع في أنه هل للماهية لوازم أم لا، ملا جلال([211]) ذهب إلى الثاني من أنه ليس للماهية لوازم، وإنما هي كلّها لوازم الوجود.

ظهـور الماهيات وآثارها. إن قلت:(157) تلك الماهيات، وإن لم تكن موجودة بالوجود الخارجي، لكنها موجودة بالوجود الذهني، لأن الكلام في الكلي العقلي(158). قلت: نعم(159) ولكن هذا الوجود(160) لها تبعاً وتطفلاً(161) لأن هذا

 

ومختار أستاذنا محتجّاً على ذلك: من أن الشـيء الذي يحمل على شـيء آخر لابد وأن يكون، إما بالذات حمله له، أو بالعرض، واللوازم والآثار هي عوارض الماهية، فهي لابد وأن تحمل عليها، فإما أن يكون حملها عليها بالذات أو بالعرض، والواسطة لا سبيل إلى القول بكون حملها عليها بالذات؛ لأن الماهية في نفسها ليست إلا هي، أو أجزائها، فالذي يحمل عليها بالذات أجزاؤها ونفسها، والآثار خارجة عنها، فليس حملها عليها بالذات، فلابد أن تكون عارضة للوجود حقيقة، وبالعرض تنسب إلى الماهية بواسطة الوجود؛ لأنه هو منشأ كل شـيء، فاللوازم حينئذٍ لازم لخصوص الوجود الخارجي أو الذهني، أو لكليهما كالزوجية للأربعة.

والمصنف رأيه أن هناك لوازماً للماهية، غاية ما في الباب إنما تكون في عين الوجود الخارجي أو الذهني، لا كما يذهب إليه ملا جلال من أنه بشـرط الوجود، والعبارة المتقدمة كما هو مفاد الباء ظاهرها أن الوجود سبب للآثار.

(157) حاصله أنكم زعمتم أن الوجود الخاص ما به ظهور الماهيات، وترتب الآثار والماهية عند الذهن موجودة بوجود خاص لها، يعبر عنه بالذهني، فينبغي أن تحمل عليها المقولات بالحمل الشائع، لترتب الأثر عليها، لاتصافها بالوجود الخاص.

(158) المراد بالكلي العقلي هو الموجود في الذهن، سواء كان شخصياً أو كلياً.

(159) حاصل الجواب: أن الوجود الذهني ليس وجوداً خاصاً للماهية، بل هو وجود للنفس، والماهيات الذهنية موجودة تبعاً لوجود النفس، كالصور في المرآة موجودة تبعاً لوجود المرآة، وليس لها وجود خاص، فلذا لا يترتب عليه الآثار، فإذن لم يكن للصور الذهنية وجود خاص.

قلنا: لا يترتب عليه الأثار، فاذا لم يكن للصور الذهنية وجود خاص، فلا معنى لحمل المقولات عليها حملاً شائعاً. وقوله (قلت نعم) أي موجودة بالوجود الذهني.

(160) أي الوجود الذهني.

(161) عطف تفسير.

الوجود للنفس حقيقة، وما به يترتب(162) على الماهيات آثارها هو الوجود الخاص(163).

وهذا نظير الماهيات(164) والأعيان الثـابتة(165) في
 

(162) أي والوجود الذي يترتب بسببه.

(163) أي الوجود الذي يكون للماهية، لا لغيرها.

(164) أي الموجودات الذهنية نظير الماهيات... الخ.

(165) أعلم أن واجب الوجود:

- تارة يلحظ مجرداً عن الأسماء والصفات، ويسمّى (مبدأ المبادئ) و(غيب الغيوب) و(مرتبة اللاهوت)، وحينئذٍ لا يمكن أن يشار إليه، وليس له اسم.

- وتارة يُلْحظَ مع كماله، فتنتزع منه اسماء الصفات كالعلم والقدرة والدوام ونحوها، وأيضاً تنتزع اسماءه كالعالم والقادر والدائم، وهذه المرتبة تسمّى (الفيض الأقدس)([212]) وتسمّى (مرتبة اللاهوت).

قال العرفاء: ولما أراد الله عز وجل أن يظهر نفسه، جعل لكل صفة مظهراً، فزعموا أن الفلك مظهر للدائم الرفيع، والمظهر الكامل له هو الإنسان، ولذا قيل انه مظهر لفظ الله عز وجل ، فجميع الطبائع مظهر لأسمائه وصفاته، فالطبائع ثابتة في علم الله عز وجل تبعاً لوجود صفاته وأسمائه؛ لأنها تقتضـي تلك الطبائع، فالماهيات في العلم الربوبي موجودة، ولكن وجودها ليس خاصاً لها، بل تابعاً لوجود الأسماء والصفات، وقوله (والأعيان الثابتة)([213]) عطف تفسير على الماهيات.

نشأة(166) العلم الربوبي(167) حيث إنها مع وجودها تبعاً لوجود الأسماء والصفات معدومات(168) بمعنى أنها ليست موجودة بوجوداتها الخـاصّة الخارجية. فليس في ذلك المقام الشامخ حيوان وإنسان، ولا عقل ولا نفس، يصدق عليها عنواناتها بالحمل الشائع(169).إن قلت: فعلى هذا(170) لم يكن للشـي‏ء نحوان من الوجود.

قلت: قد أشـرنا(171) إلى أن الوجود الذهني لها تبعا. وأدلة الوجود الذهني لا تثبت أزيد من هذا.

وقد أوردنا في تعاليقنا على الأسفار(172) أن ما ذكر يصحّ في كليات الجواهر

(166) أي في عالم.

(167) أي الإلهي.

(168) هذا معنى كون الماهيات في علم الله عز وجل معدومة.

(169) نعم هناك، اي في العلم الربوبي، حيوان وإنسان وعقل ونفس، يصدق عليها عنواناتها بالحمل الأولي.

(170) أي بناء على كون الماهيات في الذهن ليس لها وجود خاص، إنما هو وجود للنفس.

(171) أن قلت المتقدّم.

(172) حاصل هذا الإشكال: أن الصور الجزئية كصورة زيد وعمر تحمل عليها الماهيات بالحمل الشائع، وحينئذٍ فيحمل الكيف عليها شائعاً، والجوهر عليها شائعاً،

والأعراض التي في العقل، وأما الصورة الجزئية التي في الخيال(173) من الإنسان(174) مثلاً، فهو جوهر(175) وإنسان بالحمل الشائع. وناهيك في ذلك قولهم: إن لكل طبيعة أفرادا ذهنية. والفرد مصداق الطبيعة بالحمل الشائع. والجواب أنه لا يتفاوت الأمر(176) فإن هذا الوجود أيضاً ليس وجود الطبيعة(177).

فذلك الإنسان(178) الذي في الخيال ليس فرد الإنسان(179) ولا الجوهر، بل ذلك الوجود أيضاً إشـراق من النفس وظهور له(180) كما في ذلك الوجود(181) الإحاطي(182) الـذي للكـلي العقـلي. والماهيـة قـد علـمت حـالها(183).

فالإشكال باق على حاله([214]).

(173) والمراد بالصور الخيالية هي التي تكتسـي قوّة في النوم والبرزخ.

(174) أي من صور جزئيات الإنسان.

(175) أي فالصور التي في الخيال جوهر، ومن هنا يظهر أن العبارة الصحيحة (فهي جوهر) الا اللهم باعتبار الخبر.

(176) بين الصور العقلية والصور الخيالية.

(177) الخاص.

(178) أي فذلك الجزئي من الإنسان.

(179) حيث إنه لا يترتب عليه الآثار الخارجية.

(180) أي وظهور للنفس، والعبارة الصحيحة أن يقول لها.

(181) فإنه أيضاً وجود للنفس وظهور لها.

(182) أي الوسيع.

(183) فالصور الذهنية لما علمنا أن الوجود ليس لها، فلا يكون منشئاً لترتب الآثار عليها، فلا يكون الحمل شائعاً من جهة الوجود، وأيضاً ليس من جهـة الماهية يقتضـي أن يكون الحمل شائعا، لما ثبت أنها اعتبارية، وليست منشأ لترتب الآثار،
وبالجملة(184) صحة هذه السلوب على وجود تلك الصور العلمية، لأنهـا فوق الجوهرية وغيرها، لا لأنها دونها.

إن قلت:(185) إذا كانت المقولات المعقولات كيفا بالذات، كان مفهوم الكيف
 

وقوله (الماهية قد علمت حالها) من أنها اعتبارية، وليست منشأ لترتب الآثار.

(184) حاصله: أن سلب الماهية عن الصور الذهنية، لا لكونها بهذا الوجود الذهني أقل مرتبة منها عند الوجود الخارجي الخاصّ، بل هي في الوجود الذهني أشـرف منها في الوجود الخاص الخارجي؛ لأن هذا الوجود للنفس التي وجودها أشـرف الوجودات ما عـدا الله عز وجل ، فالماهيّة إذا اتصفت بوجود النفس فهي أشـرف من وجودها الخارجي؛ لأنه وجودٌ لها، لا للنفس، وهو أخسّ من وجودها النفسـي، وهذا كالأعيان الثابتة في العلم الربوبي.

وأعلم أن هذا الذي ذكره المصنف من شـرفية الماهية عند وجودها في الذهن، ينافي ما ذكره صدر المتألهين([215]) في الشق الثاني من أنها كيف من حيث وجودها في الذهن، فإن وجود الكيف أضعف من وجود الجوهر، وأخس منه.

إلا اللهم أن يقال أن قوله (بالجملة) ذكره على مسلكه، حيث إنه كما سيجيء يختار هذا الشق ويبطل الشق الثاني، وحينئذٍ فيصح قوله وبالجملة.

(185) لمّا سدّ ثغور الشق الأول وهو: أن تلك الصور ليست تصدق عليها مقولاتها بالحمل الشائع، أخذ يسدّ ثغور الشق الثاني، وهو أنها يحمل عليها الكيف بالحمل الشائع.

وحاصل هذا الإشكال: أنه بعد فرض أن الكيف يحمل عليها، فإما أن يكون
ذاتياً لها، فيلزم المحذور السابق من اجتماع الكيف وتلك المقولة الأخرى، لأن
تلك المقولة داخلة في ذات تلك الماهية، والكيف أيضاً داخل في ذاتها، فيلزم
أن يوجد المفهومان المتقابلان في ذاك الشـيء، وإن كانت تلك الصور كيف بالعرض، فلابد وأن ينتهي إلى ما بالذات، أي إلى ما يكون بالذات كيف، وليس وراء
الصور في الذهن إلا الوجود، الوجود لا جوهر ولا عرض، فليزم أن يكون ما

 

مأخوذاً فيها كأخذ كل طبيعة في فردها، ومفاهيم المقولات أيضاً إما نفسها(186) أو جزؤها، فلزم اجتماع المتقابلين. وإذا كانت كيفاً بالعرض كمـا قـال فيما بعد هذا الكلام(187) فما هذا الكيف بالذات؟ فإن كان الوجود كما في قوله: ومن حيث وجودها في النفس، وكما في عبارة تلميذه في الشوارق، فالوجود ليس بجوهر ولا عرض.

بالعرض بدون ما بالذات.

(186) أي نفس تلك المعقولات، أو جزء تلك المعقولات.

(187) أي بعد الكلام على دفع الإشكال([216]) على الوجود الذهني، حيث قال: ومن حيث وجودها في الذهن، فمن يقول الكيف لا أن الكيف ذاتي لها.

فلابد أن ينتهي إلى ما بالذات.

قلنا:(188)وجود تلك الماهيات(189) كونها وتحققها.

وليس المراد من قوله، من حيث وجودها ذلك الوجود،(190) بل لعله وجود خاص له ماهية خاصة، هي ماهية العلم. وذلك الوجود الخاص ظهورها على النفس(191) وهذا كمال ثان لوجود تلك الصور، ووجود آخر، لأن وجودها في الخارج كان متحققاً(192) ولم يكن هذا الوجود(193).

فماهية العلم كيف بالذات، وتلك الصور المعلومة كيف بالعرض.

ولكن بعد اللتيا والتي(194) لست أفتي بكون العلم كيفاً حقيقة وإن أصـرّ هذا

(188) حاصل هذا الجواب: أن الصور لها كمال أوّل وهو تحققها، وهو كما أنه في الذهن كذلك في الخارج، ولها كمال ثاني وهو ظهورها للنفس، ووجود خاص مشتمل على ماهية هي ماهية العلم، وهي كيف بالذات، وهذا الكمال الثاني متحد مع الكمال الأول، بمعنى أنه وجود واحد للصور ولماهية العلم، فالصور بواسطة العلم قيل أنها كيف، فمراد صدر المتألهين([217]) يقول: من حيث الوجود، أي من حيث الماهية التي اشتمل عليها هذا الوجود الخاص، وتلك الماهية هي ماهية العلم.

(189) أي في الذهن.

(190) أي الكون، والتحقق في الذهن والنفس.

(191) أي ظهور الصور على النفس وتجلّيها لها.

(192) أي وجود الصور في الخارج، هذا تقليل لكون هذا الظهور كمالاً ثانياً. وحاصله: أن وجود الصور في الذهن مثله، كان وجودها في الخارج، وحيث إن الوجود في الخارج لم يكن مترتباً عليه ظهورها للنفس، ولم يحصل به ظهورها للنفس، يعلم أن ظهورها وتجليها كمال ثاني غير الوجود في الذهن.

(193) أي التجلي، فيعلم أن الوجود في الذهن أيضاً غير هذا التجلي والظهور، وإن هذا الظهور كمال ثاني.

(194) حاصله الرد على الظهور، كمال ثاني غير التحقق، وأبطال كون العلم من
 

الحكيم المتأله عليه في كتبه، لأن وجود تلك الصور في نفسه(195) ووجودها للنفس واحد(196). وليس ذلك الوجود(197) والظهور(198) للنفس ضميمة تزيد عـلى وجـودها،تكون هي كيفـاً(199) في النفس لأن وجودها(200) الخارجي(201) لم يبق بكليته(202) وماهياتها في أنفسها كل من مقولة خاصة(203) وباعتبار وجودها الذهني لا جوهر ولا عرض.وظهورها لدى النفس(204) ليس سوى تلك
 

مقولة الكيف.

(195) الضمير عائد للوجود.

(196) فليس الظهور كمالاً ثانياً وراء التحقق في النفس.

(197) أي وجود الصور للنفس وتجليها لها.

(198) عطف تفسير قوله (على وجودها) أي وجود النفس.

(199) أي تكون تلك الضميمة كيفاً للنفس.

(200) هذا دليل على الدعوى الأولى، ومعللة، لكون هناك كمال ثاني، وهو قوله (لأن وجود تلك الصور في نفسه...الخ) وأيضاً دليل على الدعوى المبطلة لدعوى كون العلم كيفاً، وهي قوله (وليس ذلك الوجود والظهور... الخ).

(201) أي وجود الصور والمعقولات.

(202) لأنها موجودة في الذهن.

(203) تحمل عليها بالحمل الأولي، لا الشائع كما ذكرنا.

(204) إعلم أنّ الفرق بين الظهور لدى النفس، والظهور للنفس، أن الأول يكون نسبة الظهور إلى النفس نسبة الظرفية، والثاني: نسبة الفعل للفاعل.

وعلى الأول لا يكون الظهور إضافة. على الثاني: يكون اضافة. والاستاذ قال أن الأول من قبيل الحيثيّة، والثاني من قبيل المشـروطة.

قال في الحاشية([218]) هذا جواب عمّا مر في توجيه الكيفية: من إن ذلك الوجود
 

الماهية(205) وذلك الوجود(206) إذ ظهور الشـي‏ء ليس أمراً ينضم إليه(207) وإلا، لكان ظهور نفسه(208) وليس هنا أمر آخر(209) والكيف من المحمولات بالضميمة(210).

والظهور والوجود للنفس لو كان نسبة مقولية(211) كان مـاهية
العلم إضافة(212) لا كيفاً. وإذا كان(213) إضافة إشـراقية(214) من النفس كان(215) وجوداً(216).

الخاصّ ظهورها على النفس، وهو الكمال، الثاني بأن المراد بالظهور إما الظهور لدى النفس، وإما الظهور للنفس، وكل منهما وجود تبعي للنفس.

(205) المعقولة.

(206) الذهني.

(207) بل يتحد مع الشيء، ويكونان شـيئاً واحداً.

(208) أي لو كان الظهور انضمـامياً، لكان الظهور ظهور ذاته، لا ظهور ذلك الشـيء.

(209) أي وليس في النفس أمر آخر غير تلك الماهيات والوجود، وقد بيّنا أن الماهيات هي في أنفسها من كل مقولة، والوجود لا جوهر ولا عرض، والكيف من المحمولات التي لها ما بإزاء في الخارج، ولذا قيل من المحمول بالضميمة، وهاهنا لم يكن للنفس شـيء ينضم إليها عند تعقلها للأشياء يكون هو العلم، ومن مقولة الكيف.

(210) ولم يكن عند الوجود الذهني ضميمة حتّى تكون كيفاً.

(211) أي نسبة الظهور للنفس نسبة مقولية، أي بين الصورة، والنفس تندرج تحت مقولة من المقولات وهي الاضافة، كنسبة الأبوة والفوقية للسماء، فإنها نسبة تندرج تحت مقولة من المقولات، وهي الاضافة.

(212) لأنها عبارة عن تلك النسبة، وهي الظهور القائم بين الصور والنفس.

(213) أي الظهور للنفس.

(214) أي وجود من النفس للصور، كالوجود من الله عز وجل علينا، فإنه إضافة اشراقية.

(215) أي العلم.

(216) من النفس مقيداً بتلك.

فالعلم(217) نور وظهور(218) وهما وجود، والوجود ليس ماهية(219). فالحق أن كون العلم كيفاً أو الصور المعلومة بالذات كيفيات أنما هو على سبيل التشبيه. فكما أن فيض الله المقدّس(220) أعني الوجود المنبسط لا جوهر ولا
 

(217) هذا تفريع على كون العلم اضافة اشـراقية.

(218) للصور.

(219) فالعلم أيضاً ليس ماهية، بل هو عبارة عن ذاك الوجود للصور.

(220) ذكر أهل العرفان([219]) أن حقيقة الوجود الواجب - مع قطع النظر عن جميع الصفات والاسماء - هو المسمّى بـ(الحضـرة الأحديّة) و(الهويّة الصـرفة) و(غيب الغيوب) و(الكنز المخفي) و(الغيب المصون) و(منقطع الاشارات) و(مقام لا اسم له ولا رسم).

ثم أنّ الله عز وجل أراد ظهور نفسه وتجلّيها كما ورد: (كنت كنز مخفياً فأردت أن أعرف فخلقت الخلائق)([220]) فله ظهوره، صفاتي واسمائي، والفرق بينهما كالفرق بين المشتق والمبدأ، فالرحمن اسم والصفة الرحمة، ولكل من هذه الصفات والاسماء
ماهية تكون لها مظهراً، حتّى قالوا: (أن الإنسان مظهر للفظ الله عز وجل )([221]) فلذا قيل: إن

عرض، ومع ذلك انبسط على جميع ماهيات الجواهر والأعراض وكذا فيضه الأقدس الذي يظهر به(221) بوحدته(222) كل التعينات(223) في المرتبة الواحدية، لا هو كيف ولا التعينات، فكذلك إشـراق النفس المنبسط على كل الماهيات
\

الماهيات ثابتة في نشأة العلم الربوبي، وهذا هو الظهور الأول على الأعيـان، ويسمّى هذا الظهور بـ(الحضـرة الواحديّة) و(عالم الأسماء) و(برزخ البرازخ) و(مقام الجمع) و(التجلّي الاسمائي) و(الفيض الأقدّس) و(صبح الأزل العماء) و(النشأة العلمية).

ثمّ له ظهور ثاني على الماهيات الممكنة، وتجلٍ ثانٍ عليها، وهو في كلٍ بحسبه، وينال كل ما يستحقه، وله اطلاق وارسال وكلية وانبساط، وهذا الظهور الثاني يسمّى (الفيض المقدّس) و(النفس الرحمانيّ) و(الحقّ المخلوق به) و(الرحمة الواسعة) و(الحقيقة المحمدية المطلقة) و(مادة المواد) و(المحبة) و(المشيئة الافعالية) و(نور السماوات والأرض).

قالوا: ولهذا الفيض([222]) المنبسط على الماهيات والظهور الثاني مراتب ودرجات، مُرَتّبة بحسب العليّة والمعلوليّة.

فأول منازل هذه المرتبة العقول، وهذه مرتبة الجبروت، وبعدها مرتبة النفوس، وهي عالم الملكوت، وبعدها مرتبة الطبائع الجسمانيّة الماديّة من الأطلس وما في جوفه، وهي عالم الناسوت، وهي آخر سلسلة النزول([223]).

(221) الضمير عائد للفيض الأقدس.

(222) الضمير أيضاً راجع للفيض الأقدس.

(223) أي الماهيات بالظهور الأوليّ.

المعلومة لها(224) ليس بجوهر ولا عرض، فليس كيفاً وهو علم(225) ولا الماهيات المنبسط عليها إشـراقها كيفيات، وهي معلومات(226). وبالجملة أخذت من كل مذهبي صدر المتألهين والمحقق الدواني شيئاً، وتركت شيئا.

أما المأخوذ من الأول(227) فكون الصور العلمية بالحمل الأولي مقـولات لا بالشـائع. وأما المتروك فكونها كيفـاً بالشائـع.

وأما المأخوذ من الثاني(228) فكونها كيفاً تشبيهاً.

وأما المتروك فكونها مندرجة تحت المقولات حقيقة، فجوهرها جوهر حقيقي، وكمّها كم حقيقي، وهكذا.

ولهذا(229) سكت في المتن(230) عن كون الصور العلمية كيفاً بالشائع. وليعذرني إخواني في الخروج عن طور هذا الشـرح من الاختصار لكون هذه المسألة من العويصات(231).

(224) أي للنفس.

(225) أي والاشـراق علم.

(226) أي والماهيات معلومات.

(227) وهو مذهب صدر المتألهين.

(228) وهو الدواني([224]).

(229) لما أختار كون الصور بالحمل الشائع.

(230) عند ذكر رأي صدر المتألهين.

(231) قال استاذنا العلامة: أن قوله أن العلم اضافة اشراقية ينافي ما ذكره
سابقاً من ]كون[ وجود الصور تبعياً؛ لأن الاضافة الاشـراقية تكون في الوجود الخاص.

وأيضاً يشكل عليه: لو كانت الصور موجودةً بوجود النفس، لما قويت عند المنام وحصل منها الأثر!.

 (وحدتها)(232) أي وحدة الصورة المعقولة بالذات (مع عاقل مقولة)
 

فالأولى في الجواب أن يقال: أنها ضعيفة الوجود في النفس، ولذا لم تصدق عليها المقولات بالحمل الشائع، وأما عند المنام فتقوى، فيصدق عليها مقولاتها بالحمل الشائع.

ثمّ ذكر الاستاذ أن ]دليل المصنف[ على هذا الجواب هو بطلان باقي الأجوبة.

قلنا: كان دليله هو اصح الأدلّة.

قال الاستاذ: ويمكن تصحيح قول صدر المتألهين، بأن الصور توجد في مرتبة من النفس، وهذا الوجود يكون وجوداً للصور ولماهية العلم، وليس هناك وجودان كما توهم المصنف.

(232) هذا جواب أيضاً عن الوجود الذهني.

وحاصله: أن المعقول يتحد مع العاقل، وليس المراد أن المعقول يصير عين ذات العاقل، فإن هذا لا يقول به أحد، وكذا ليس المراد أن المعقول بالعرض عين العاقل، لوضوح اثنينيتهما، وكذا ليس المراد أن ماهية العاقل عين المعقول واحدة، لوضوح اختلافهما بالماهية، بل المراد أن المعقول بالذات - أي الصورة الذهنية - تكون مع ذات العاقل موجودة بوجود واحد، ومن هنا يظهر لك فيما قاله الشيخ الرئيس([225]) من الاشكالات على هذا، فإن معظمها يرجع إلى ظنه، أن المراد بالاتحاد اتحاد العاقل مع المعقول بالعرض، أعني الذات الخارجية، وهذا أول من قاله فورفريوس([226])
 

ومعتقدة(233) لفرفوريوس الذي هو من أعاظم المشائين.

والمعتمد في إثبات مطلبه(234) ما نقل عن إسكندر(235) مـن باب اتحاد

صاحب مؤلف الكليات الخمس، أي باب ايساغوجي.

(233) أي وحدة الصورة وجوداً مع العاقل، معتقدة لفرفوريوس([227]).

(234) قال: والمعتمد؛ لأنه في نظره أن دليل صدر المتألهين على إثبات هذا المطلب فاسد كما سيجيء.

(235) قال بعض المحشين([228]) هو الاسكندر الافروديسي([229])، وهو غير اسكندر 
 

المادة والصورة(236) فـإن النفس في مقام العقل الهيولاني مادة المعقولات وهي صور له.

الرومي([230])، وذكر استاذنا أنه متأخر عن فرفوريوس.

(236) حاصل هذا الدليل: أن النفس في أول تعلقها بالبدن، لا تعلم بشيء سوى علمها بذاتها، وتسمّى هذه المرتبة (العقل الهيولاني) وأن تدرجت بالنمو، بحيث أدركت المحسوسات بطريق الحس سمّيت (العقل بالملكة) وإن تدرجت، فأخذت تكرر النظريات بواسطة الحسّيات والأمور البديهية سميّت (العقل الاستعدادي) وإن أدركت الأمور النظرية بمجرد ملاحظتها، وإنكشفت لها الحقائق سميّت (العقل بالفعل) وحيث إن النفس للطافتها وتجردها كانت هي هيولى المعقولات النفسانيّة، والمعقولات صور لها، والصورة متحدة مع الهيولى وجوداً، فهي متحدة مع الصورة
 

وأما مسلك التضايف(237) الذي سلكه صدر المتألهين في المشاعر
 

الذي توجهت إليه وتصورته، الحاصل أنها لو لم تتحد لما صارت هذه مراتب لوجود العقل، بل هي تكون عوارض.

أشكل الاستاذ على المصنف: بأنه هذا يتم إذا قلنا بأن التركيب بين الصورة والهيولى إتحادي([231])، أما إذا قلنا انضمامي فلا يتم هذا التقريب؛ لأنه هناك وجودان وليس وجود واحد للصورة الهيولى، والمصنف قائل بأن الصورة والمادة مركبان تركيباً انضمامياً([232])، فلا يتم هذا الدليل على رأيه، فلا وجه لقوله والمعتمد.

(237) هذا برهان على إتحاد العاقل والمعقول بالذات لصدر المتألهين([233])، وهو مبني على مقدمتين:

الأولى: أن المعقولات بالذات سواء كان حضورياً كعلم الواجب المتعال بالغير، أو
 

وغيره(238) لإثبات هذا المطلب، فغير تام، لما ذكرنا في تعاليق الأسفار(239).

حصولياً كعلم النفس بالاغيار، أما علم الشـيء بنفسه، فقطعاً هناك إتحد العاقل والمعقول،لابدّ ان يكون لازم وجوده المعقولية، ولا شأن له إلا شأن المدرَكية والمعقولية، بل أن المعقولية ووجوده في نفسه واحد، فالمعقولية ذاتية لوجوده لا لماهيته؛ لأن الذاتي هو الثابت للشـيء، مع قطع النظر عن جميع الأغيار.

وبعبارة أخرى أنّ المعقول بالذات عند ملاحظة وجوده في نفسه، يكون عنوان المعقولية ثابتاً له.

الثانية: أن المتضايفين متكافئان، بمعنى أنهما يوجدان معاً، ويعدمان معاً، فلا يمكن وجود أحدهما بدون الآخر.

فإذا عرفت هذا فنقول: قد عرفت أن المعقول بالذات بالنظر إلى وجوده، ثابتة له المعقولية، فلو تكن العاقلية ثابتة له، لزم وجود أحد المتضايفين بدون الآخر، ولزم تصوّره وحده، وهذا يرفع التكافؤ المقرّر عندهم، فلابد أن يكون المعقول بالذات في نفسه عاقلا ومعقولا، وقد اثبت بالبراهين أن هناك عاقلاً، فصار العاقل والمعقول بالذات متحداً وجوداً، ومن تأمل في طرف هذا الدليل، لم يكن له شك في اتحاد العاقل والمعقول بالذات.

والمصنف ظن أن المقدّمة الثانية هي الدليل على الاتحاد، فاشكل على صدر المتألهين بما حاصله([234]): أن تكافؤ المتضايفين لا يكون دليلاً على اتحاد العاقل والمعقول، إذ التكافؤ في المرتبة - الذي هو من أحكام التضايف - لا يقتضـي أزيد من تحقق أحد المتضايفين مع الآخر، ولو بنحو المقارنة، لا مقدّماً ولا مؤخراً، ولا الاتحاد في الوجود، كيف والعلة مضايفة للمعلول، والمحرك للمتحرك، وهما متغايران.

(238) وهو الأسفار([235]).

(239) عند الكلام في المقصد الثالث([236]) عن بيان أنه الله تعالى عالم بذاته، وقد بيّنا أن
 

ومما يؤيد ذلك المطلب(240) هو أن الموجود في الخارج والموجود في
الذهن توأمان يرتضعان(241) بلبن واحد. فكما أن معنى الموجود في العين
ليس أن العين شـي‏ء(242) وزيد الموجود فيه شـي‏ء آخر كالظرف والمظروف، بل معناه أن وجوده نفس العينية(243) وأنه مرتبة من مراتب العين، فكذلك
ليس معنى(244) الموجود في الذهن أن الذهن أي النفس الناطقة شـي‏ء
وذلك الموجود فيها شـي‏ء آخر، بل المراد أنه مرتبة من مراتب
النفس.

الدليل تام، والمصنف لاحظ المقدمة الثانية، ولم يلاحظ الأولى، ويعلم أن المعقولية لازمة لوجود الصورة المعقولة في النفس.

(240) وهو الاتحاد.

(241) لكون كل واحد منهما عبارة عن الماهية والوجود، فما يثبت لأحدهما يثبت للآخر بحسب الحدس الصائب.

(242) محيطاً أي ليس أن الخارج شـيء، وإلاّ لكان الخارج محيطاً بالموجود فيه، وحينئذٍ يلزم أن محيط الخارج بالواجب وبالعقول؛ لأنها كلّها موجودة في الخارج، ولا يمكن احاطة شـيء به، على أنه يلزم تعدد القدماء؛ لأن الواجب موجود في الخارج أزلاً وأبداً.

(243) أي الخارجية، فهذا الموجود خارجي وخارج.

(244) ربما ينازع فيها بأن يقال: لا يلزم ذلك في الموجود في الذهن، وأنهما ليسا توأمين، وإن سلّمنا ذلك في الموجود بالخارج، فلما كانت هذه المقدّمة قابلة للنزاع، ذكر هذا الدليل بنحو المؤيد.

ثمّ قال الاستاذ: يمكن أن يجعل هذا المؤيد دليلاً، وذلك أن يستدل على
المقدّمة الثانية، وهي أن الموجود في الذهن مرتبة من مراتب النفس، كما استدللنا على المقدّمة الأولى بأن نقول:لو كانت النفس ظرفاً للموجود فيها، يلزم أن لا تتسع وتنمو بالمعلومات، فيكون نفس الحكيم، عين نفسه حال كونه صغيراً، لاستحالة نمو واتساع الظرف بالمظروف بهذا النحو، بل لا معنى لها، فلابد أن تكون هذه المعلومات مرتبة من النفس، فبزيادتها تزداد مراتبها، وتنمو وتتسع.

ثم إن مراد القائل باتحاد المدرك مع المدرك بالذات ليس نحو التجافي(245) عن المقام. بل يستعمـل ذلك فـي موضعين:

أحدهما في مقام الكثرة في الوحدة،بمعنى أن وجودات
 

ثمّ ذكر الاستاذ مؤيداً ثانياً، بيّنه المصنف في الحاشية([237]) وبناه على مقدّمات:

الأولى: أن كل مرتبة من هذا العالم معلومة للمرتبة التي أعلى منها، ولذا قيل عَلِمَ فأَوْجَدَ، فنحن علم لما كان في مرتبة أعلى.

الثانية: أن الشخص إذا كملت جنبته العلمية والعملية، يكون من
السابقين السابقين، وهذا عند الموت تلحق نفسه بالعقول، وتحيط بالعالم، والذي تقوى جنبته العلمية دون العملية فهذا في الجنة شـيئاً فشـيئاً تقوى صورته العلمية، وكذا لو كانت الجنبة العملية وضعفت الجنبة العلمية فأيضاً لم يحصل الدرجات العالية، ويقال لهم أصحاب اليمين، وأن ضعفت كلتا الجانبتين، فأولئك أصحاب الشمال.

إذا عرفت هذا فنقول: أن في عالم الآخرة صور صـرفة بدون هيولى ومادة، إذ لا استعداد هناك لصـيرورة الاشياء كلّها فعليات، فلا معنى للهيولى، ولا حاجة لها، فإذا كان كلّها صوراً وليس هناك هيولى واستعداد، وكلّها فعليات، فيشكل الأمر بأصحاب اليمين الذين تتدرج أفعالهم شـيئاً فشـيئاً، وتتدرج أفعالهم، والتدرج من شأن الهيولى والاستعدادات، لا من شأن الفعليات.

والجواب: أن اتحاد العقل بالصورة كان متدرجاً، فالتدرج صار ذاتياً لها،
ففي مرتبة التجرد تلك الصور توجد على التدريج، فالجواب أنحل بالقول
بالاتحاد.

(245) أي التنزيل من مقام ذاته، والانحطاط من محلّه، بل المدرك في محلّه ومرتبة ذاته، ويتحد مع المدرَك.

المدركات(246) منطويـة(247) فـي وجـود ذلك المـدرك بنحو أعلى(248)
كانطواء العقول التفصيلية في العقل البسيط الإجمالي. وثانيهما في
مقام الوحدة في الكثرة، بمعنى أن المدرك نوره
الفعلي انبسط على كل المدركات بلا تجاف عن مقامه

 

(246) بلفظ اسم المفعول، وقال وجودات؛ لأن نفس المدرَكات أمور اعتبارية تنتزع من تلك الوجودات، وهي مفاهيم مباينة للمدرَك، والمراد بالمدرَكات أعمّ من أن تكون معلومة بالعلم الحضوري كالقوى النفسانية، أو الحصولي كالصور.

(247) أي موجودة فيه، ومحتوي عليها وجود المدرَك، فوجود النفس مشتمل على وجودات المدرَكات، كالله تعالى مشتمل وجوده على وجودنا.

فإن قلت: النفس لو كان وجودها مشتمل على وجود المدرَكات، لزم أن نعلم بكل الاشياء، إذا هي موجودة في النفس، لا تطرأ وجودها فيها.

قلت: نعم كان ينبغي ذلك، ولكن هي موجودة فيها، ولكنا نعلم بها بالعلم البسيط، أي نعلم بالأشياء، ولكنا لا نعلم بأنا نعلم بالأشياء، نعم بالمجاهدات النفسانية يتمكن الإنسان أن يعلم بأنه يعلم بالأشياء (أتزعم انك جرم صغير وفيك أنطوى العالم الأكبر)([238])، وهذا المقام وإن كان صحيحاً في حـد ذاته، ولكنه لا يفيد هنا شـيئاً، إذ الكلام في الوجودات الذهنية، وهي بالنسبة للنفس من المقام الثاني الذي سيجيء ذكره، فنحن نسلّم صحة هذا المقام، وهو أن الوجودات الذهنية منطوية في وجود النفس، ولكن كلامنا في الوجودات الذهنية في مقام الإنتشار، وهو الذي سيجيء.

(248) أي أن تكون تلك الوجـودات في وجود النفس بنحـو اللف والبسط والوحدة،

الشامخ(249). بل كل مدرك متحد مع المدرك في مرتبته، فالمتخيل مع النفس في مرتبة الخيال، وهكذا حتى المعقول متحد مع العقل(250) في مرتبة الظهور بالمعقولات(251) المرسلة المحيطة(252) لا معه(253) في مرتبة السر والخفي.

فبالحقيقة المدرك(254) متحد بالنور الفعلي للمدرك
فـي الثاني(255) ولكن ذلك النـور الفعلي(256) لما كان كالمعنى

 

كذا في الحاشية([239]).

(249) أي بدون تنزّله عن محلّه، فالنفس في مرتبتها العالية تتحد في مقام النشـر والكثرة مع كل المدرَكات في مراتبها.

(250) أي النفس الناطقة.

(251) أي العلم بها وإدراكها.

(252) أي الامور الكلية، وحيث أنها مرسلة من كل قيد ومطلقة سُمّيت (مرسلة) وحيث إنها محيطة بكل الأفراد وصادقة على أفرادها، فهي محيطة بأفرادها، ولذا سميّت (محيطة).

(253) هذا عطف على قوله: كل مدرك متحد مع المدرَك في مرتبته، والمعنى أن العاقل يتحد مع المعقول في مرتبة المعقول، في مقام الكثرة والانتشار، لا في مرتبة العاقل نعم يتحد مع مرتبة العاقل في مقام اللف والوحدة والبساطة. وقوله(لا معه) أي لا متحد المدرِك مع المدرَك في مرتبة المدرك، ومن جملة مراتب المدرِك السـر والاخفى.

(254) بفتح الراء وهي الصور، والقوى بكسر الراء، وهو النفس الناطقة.

(255) أي في المقام الثاني، وهو مقام الكثرة والانتشار، قال الاستاذ وهو كوجود الله عز وجل أيضاً له تلك المقامات.

(256) هذا دفع اشكال وحاصل الإشكال: أن المدرَك أتحد مع النور الفعلي، ولم يتحد مع المدرك في هذا المقام الثاني، فليس كما تدعون من أنه اتحد العاقل بالمعقول، والمدرِك بالمدرَك في المقام الثاني.

 

 

الحرفي(257) بالنسبة إلى ذات المدرك(258) لا قوام ولا ظهور له(259) إلا بوجوده(260) وظهوره – وبين المراتب(261) أصل محفوظ وسنخ باق كالنفس-(262) يقال(263) اتحد المدرك بالمدرك.

وفي الموضعين ذلك الاتحاد بحسب الوجود. وأما المفاهيم(264) فهي مثار المغايرة وعليها مدار الكثرة.

وحاصل الدفع: أن هذا النور الذي هو فعل للمدرِك، هو كائن من وجود المدرِك، فهو وجود المدرِك، وهذا المدرَك اتحد مع هذا الوجود، فإتحاده واتصافه بوجود المدرِك، هو الذي استدعى لأن يقال إتحد العاقل والمعقول. وقوله (النور الفعلي) أي النور الذي هو فعل للمدرِك.

(257) من حيث إنه لا استقلال له، بل هو تعلّق صـرف بوجود النفس، واضافة
اشـراقية، وهو تجلي من صقع النفس.

(258) بكسر الراء.

(259) أي لا قوام لذلك النور الفعلي المتحد مع المدرَك، إلا بوجود المدرِك، فهو وجود المدرِك، إذ فاقد الشـيء لا يعطيه، فكان المدرَك والمدرِك وجودهما واحد.

(260) أي بوجود المدرِك.

(261) أي مراتب الظهورات والأنوار، التي هي للنفس المتحدة مع الصور.

(262) أي كوجود النفس، وهذه كاف تطبيق.

(263) هذا جواب لمّا.

(264) هذا دفع إشكال وهو: أنه لم كان الاتحاد في الوجود ولم يكن في المفهوم.

أجاب: بأن المفاهيم مثار الكثرة والتغاير، فليس بينها أتحاد.

فائدة تنفع في البحث هي أن العرفاء ذكروا للإنسان سبع لطائف([240]):

الطبع: وهو القوي المدبّر للجسم كالهاضمة والماسكة.

والنفس: وهي البخار اللطيف الذي يخرج من القلب، فيكون في البصـر الباصرة، وفي الإذن السامعة، وهلم جراً، وهذا هي الروح في السنة الاطباء، وهذه تفنى بفناء البدن.

والقلب: وهو المدرِك للأمور الكلية، وله مراتب ويسمّى العقل التفصيلي، وهو المنطوي في العقل البسيط كما ذكره الشارح.

الروح: هي حصول الملكة البسيطة الخلاقة للتفصيل، وتسمّى الاجتهاد.

السـر: وهو فناء النفس في العقل الأول.

والخفي: وهو فناء النفس في عالم الاسماء والصفات.

والأخفى: وهو فناء النفس في غيب الغيوب.


 

 [8]

غرر في تعريف المعقول الثاني وبيان اصطلاحين فيه

إنْ كانَ الاتِّصافُ كالعُرُوْضِ في
 

 

عَقْلِكَ فالمعقوْلَ بالثاني صِفِ
 

بما عُرُوْضُه بِعَقْلِنا ارْتَسَـمْ
 

 

في العَيْنِ أو فيهِ اتِّصافُهُ رُسِـمْ
 

فالمنطقيْ الأوّلُ كالْمُعَرِّفِ
 

 

ثانِيْهِما مُصْطَلَـحٌ للفلسفي
 

فَمِثْلُ شَيْئِيـةٍ أو إمكـانِ
 

 

مَعْقُوْلُ ثانٍ جا بِمَعنـى ثانِ
 

 

 

 

[8]

غرر في تعريف المعقول الثاني وبيان الاصطلاحين فيه(1)

(إن كان الاتصاف(2) كالعروض) أي الاتصاف بالمعقول(3) وعروضه كاتصاف الإنسان بالكلّية وعروضها له، كلاهما(4) (في عقلك فالمعقول بالثاني) أي بلفظ الثاني، والمراد بالثاني ما ليس في الدرجة الأولى(5) نظير الهيولى الثانية(6).

(1) أي اصطلاح المنطقي واصطلاح الفلسفي.

(2) هو التلبس بذلك الشيء، والعروض هو ثبوت شيء لشيء، وسيجيء الفرق بينهما.

(3) أي الثاني.

(4) أي الاتصاف والعروض.

(5) وليس المراد بالثاني ما كان في الدرجة الثانية، فإن النوعية كما في الحاشية([241]) معقول ثانٍ مع أنه معقول رابع، فإن الإنسان مثلاً إذا حذف مشخصاته بنظر العقل، فهو معقول أولي، وعرضه الكلية.

ثمّ إذا قاسه العقل إلى افراده، ورآه غير خارج عنها، طرأته الذاتية، وهي المعقول الثالث. ثمّ إذا لاحظ حمله على الكثرة المتفقة الحقيقة، طرأته النوعية، وهي المعقول الرابع.

(6) الهيولى كما سيجيء في الطبيعيات، إن كانت هي أول الهيولات كهيولى الفلك والعناصـر الأربعة، وإن كانت متفرعة على هيولى أخرى تسمّى هيولى ثانية، وإن كانت هيولى ثالثة فإن هيولى العناصـر أولى، ثمّ تكون هيولى العناصـر الخشب وهي الثانيـة، ثم ّالخشب يكون هيولى الباب وهي ثالثة، فالمراد بالثانية عبارة عمّا لم تكن في الدرجة الأولى.

ثمّ هو متعلق(7) بقولنا (صفي) الياء للإطلاق، فإنها تلحق إذا كان الرّوي مكسوراً، والساكن أيضاً ملحق به، لأنه يحرك بالكسـر.

فخرج من البيت(8) تعريف المعقول الثاني أنه العارض الذي عروضه للمعروض، واتصاف المعروض به كلاهما في العقل(9).

ثمّ بعد الفراغ عن بيان مفهوم المعقول الثاني باصطلاح المنطقي،
أشرنا إلى رسمه باصطلاح الحكيم(10) بقولنا (بما) متعلق برسم
في آخر البيت، أي رسم أيضاً بعارض(11) (عروضه بعقلنا)
أي في عقلنـا، متعلق بقولنا (ارتسم) سواء كـان اتصافه(12)

 

(7) أي قوله بالتالي.

(8) أي فاستخرج من البيت، واستنتج منه.

(9) أي العروض والاتصاف.

(10) أي الفيلسوف.

(11) اشار إلى أن (ما) عبارة عن العارض.

(12) أي في الخارج كالشيئية، فإنها عارضة عند العقل، والاتصاف بها في الخارج، والمراد بالاتصاف في الخارج أن يكون الوجود الرابطي للصفة في الخارج.

والمراد بالعروض في عقلنا؛ وهو أن يكون وجودها الرابطي ووجودها المحمول الناعتي في العقل، كذا في الحاشية([242]).

(في العين أو فيه(13)) أي في عقلنا (اتصافه) أي الاتصاف به(14) فهو من باب الحذف(15) والإيصال (رسم).

(فالمنطقي) أي المعقول الثاني المنطقي هو (الأول) من الرسمين (كالمعرّف) وسائر موضوعات مسائل المنطق، كالنوعيّة والجنسيّة والذاتيّة والعرضيّة والقضيّة والقياس، فعروض المعرفية للحيوان الناطق بالنسبة إلى الإنسان، واتصافه بها في العقل لأنه في الخارج(16) جزئي، والجزئي ليس معرفاً، فما في الخارج ذات الحيوان الناطق، لا وصف معرفيّته.

(ثانيهما) أي ثاني الرسمين (مصطلح للفلسفي) وهو أعمّ من الأول. وتوضيح المقـام(17) أن العـارض ثـلاثة أقسام: عارض يكون عروضه للمعروض واتصاف المعروض به في الخـارج كالسواد. وظاهر أنه معقول
أول بكلا الاصطلاحين. وعارض فيه كلاهما في العقل كالكلية.
وعارض عروضه العقل، ولكن الاتصاف به في الخارج، كالأبوة. فإنها
وإن لم يحاذها شـيء في الخارج كالكلّية، لكن اتصاف الأب به في الخارج. وكلاهما معقول ثان والأول المعقود(18) به من القضايا قضية ذهنية،

 

(13) من هنا يظهر لك أن المعقول الثاني برأي الحكيم أعمّ من المنطقي؛ لأنه يقال على المنطقي وهو الذي يكون العروض والاتصاف في العقل، وعلى غيره وهو الذي يكون العروض في العقل والاتصاف في الخارج.

(14) أي بالعارض.

(15) لأنه حذف حرف الجر، وأوصل قوله الاتصاف بالضمير.

(16) أي لأن الحيوان الناطق عند تحققه في الخارج جزئي.

(17) لكلا الرسمين المنطقي والفلسفي.

(18) أي العارض الأول الذي يكون عروضه واتصاف المعروض به في العقل،
 

والثاني المعقود به(19) منها قضية حقيقية، ووجه التسمية على الأول(20) ظاهر، لأنه إذا عقل عارضاً لا يعقل إلا عارضاً(21) لمعقول آخر، وأما على الثاني(22) فلأنه ما لم يتطرق تحليل العقل ولم يعقل معروض أولاً، لم يعقـل عـارض ثانياً.

فإنه إذا كان موضوع قضيّة تكون تلك القضيّة ذهنية، لعدم وجود أفراد موضوعها إلاّ في الذهن.

(19) وهو العارض الذي يكون عروضه في العقل، ولكن الاتصاف به في الخارج، فإذا كان موضوع قضية تكون حقيقية؛ لأنّه كان وجود أفرادها في الخارج.

(20) أي الاصطلاح المنطقي.

(21) أي إذا تصور هذا بوصف عارضيته، أي إذا تصور شـيئاً يصدق عليه ذلك العارض بالحمل الشائع، كما إذا تصورنا كلّية الإنسان فهي يصدق عليها الكلية، فلا يرد أن مفهوم الكلي عندما يتعقل بدون تعقل معروض.

(22) وهو المعقول الثاني الذي يكون العروض في العقل والاتصاف في الخارج، ولما كان المعروض متصفاً بالعارض خارجاً؛ فكيف يسمّى العارض معقولاً ثانياً بعد المعقول الأول، فذكر وجه التسميّة.

والحق الاستاذ هاهنا فائدتين:

الأولى: أن الوجود كما سيجيء رابط، وهو عبارة عن ثبوت شيء لشيء، وهو مفاد الهليّة المركّبة، وهو عبارة عن النسبة الحكمية في الموجبة.

ووجود رابطي وهو الوجود لشـيء، وهو وجود المحمول، حيث إنه يكون للموضوع، فالمعقول المنطقي هو أن يكون الوجود الرابط والرابطي كلاهما في العقل، والقسم الثاني من المعقول الفلسفي الوجود الرابط في الخارج، والرابطي في العقل.

فإن قلت: كيف يكون الوجود الرابط في الخارج، والحالة أن المعقول الثاني غير موجود في الخارج.

والجواب: أن لا يلزم تحقق المحمول في الخارج إذا كان ثبوته للشـيء في الخارج، فإن قولنا زيد لا حجر، فهو محمول على زيد، ومع ذلك هو عدم، وكذا زيد اعمى، فإن العمى ليس موجوداً في الخارج، كيف وهو عدم.

(فمثل شيئية أو إمكان معقول ثان جا بمعنى ثان)(23) يعني إذا عرفت عقد الاصطلاحين في المعقول الثاني، لا تختلط كما خلط بعضهم الاصطلاحين(24) في فهم كلام العلامة الطوسـي  رحمه الله . فإنه حيث(25) قال: الجوهريّة والعرضيّة والشيئيّة وغيرهـا من المعقولات الثانية أراد المعنى الثاني(26)
وتوهّم ذلك البعض أن لا معنى له(27) إلا المنطقي فقدح في كلامه(28).

الثانية: أن الاعتباري إذا اطلق مجرداً عن القرائن فيراد به المعقول الثاني المنطقي، ومع القرينة يراد به المعقول الفلسفي، وأما الفقهاء([243]) فإذا أطلقوا الاعتباري فيريدون ما يكون وجوده بسبب اعتبار المعتبر، كالملكية فإنها بسبب الشارع، وكذا الوضع باعتبار الواضع، حيث هو اعتبره، وغير ذلك.

(23) أي معقول ثاني بالمعنى الفلسفي.

(24) وهو القوشجي([244]).

(25) أي فإن العلامة الطوسـي K([245]).

(26) من معنى المعقول الثاني وهو الفلسفي.

(27) للمعقول الثاني.

(28) أي في كلام المحقق([246])؛ لأن الشيئية والجوهرية والعرضية لم تكن معقولات منطقية.

ثمّ إن اتصاف(29) الشيء الخاص(30) بالشيئيّة العامّة(31) في الخارج، ولكن عروضهـا له في الذهن، وإلا لزم التسلسل(32) وأن لا تكون من الأمور العامة(33). وكذا اتصاف الماهية الخارجية بالإمكان في الخارج، ولكن عروضه
 

(29) بعدما بيّن كلي المعقول الثاني، أخذ يستدل على كون ]بعض[ الأشياء من المعقولات الثانية، فذكر الشيّئيّة.

(30) أي الذي تحمل عليه الشيّئيّة حملاً شائعاً.

(31) أي مفهوم الشيء.

(32) أي ولو كانت الشيئية عارضة في الخارج لزم التسلسل؛ لأنه حينئذٍ تكون الشيئية موجودة في الخارج، وهي شـيء خاص حينئذٍ؛ لأن الشيئية العامة لا يمكن أن توجد؛ لأنها عبارة عن مفهوم الشـيء، وذلك الشيء الخاص أيضاً عارضة له الشيئية، فإن كانت في الذهن فهو المطلوب، وإلاّ فهي شـيء خاص أيضاً عارضة له الشيئية، وهلم جرا، فتذهب السلسلة.

وقد أشكل صاحب الشوراق([247]) على هذا بما محصله: أنه يمكن أن يقال أن الشيئية عارضة في الخارج، وهي شـيء خاص، وقولكم يلزم أن تكون عارضة له الشيئية، وهي أيضاً شـيء خاص، فيلزم التسلسل([248]).

نقول: ليس بلازم ذلك، فإن الشيئية عارضة في الخارج، وشيئيتها بذاتها، كما أن السواد عارض في الخارج، وسواديته بذاته، والاستاذ سلّم بوروده.

(33) هذا دليل ثاني على كون الشيئية عارضة في الذهن، وحاصله: أنه لو كانت عارضة في الخارج كالسواد، لكانت مخصوصة بالصدق على ذلك العارض، ولا تصدق على باقي الأمور من الماهيات والوجودات كالسواد، فإنه لا يصدق إلا على ذلك اللون، والحالة أن الشيئية من الأمور العامة الصادقة على كل شيء، وليست كالوجود.

لها في الذهن(34) إذ لا يحاذيه شيء(35) في الخارج لكونه سلب الضـرورتين،
ولأن لازم الماهية(36) اعتباري، وأيضا لو كان
عـروض الإمكان للماهية في الخارج، لزم إما التسلسل(37)

 

(34) أي ولكن عروض الإمكان لها في الذهن.

(35) هذا الدليل الأول على كون الامكان عارضا في الذهن للماهية وحاصله: أن الإمكان عدم، والعدم ليس موجوداً في الخارج. وقوله (إذ لا يحاذيه) أي ليس شيء يصدق عليه، ولا فرد له في الخارج.

(36) هذا دليل ثاني، وحاصله: أن الإمكان لازم للماهية من حيث هي هي، بقطع النظر عن الوجودين، وهي اعتبارية، فما يلزمها أولى بالاعتبار.

(37) اي لو كان هناك إمكان ثاني.

هذا دليل ثالث وبيانه: أنه لو فرض عروض الإمكان للماهية الممكنة في الخارج، فالماهية في مرتبة ذاتها، هل متصفة بالإمكان - غير ذلك الإمكان - أو متصفة بالامتناع أو الوجوب، أو غير متصفة بشيء من ذلك؟.

لا سبيل إلى الأول للزوم التسلسل؛ لأنه إن كان ذلك الإمكان الثاني عارض في الخارج، فأيضاً نعيد الكلام ونقول الماهية في مرتبة ذاتها ما هي. فإن كان أيضاً عارضاً عليها إمكان آخر، فأيضاً نسأل ما هي في مرتبة ذاتها، وهلم جرا، فيلزم التسلسل.

وأيضاً لا سبيل إلى القول بأنها في مرتبة ذاتها متصفة بالوجوب أو الامتناع؛ لأنه خلاف الفرض من أنها ممكنة.

ولا سبيل إلى القول بأنها خالية عن الوجوب والامتناع والإمكان؛ لأنه كما سيجيء أنه كل ماهية لا تخلو في الواقع عن هذه الثلاثة.

فإن قلت: إنه سيجيء تحقيقه أن الماهية من حيث هي ليست إلا هي فهي خالية.

الجواب: أن الماهية من حيث هي ليست موجودة ولا معدومة، ونحن كلامنا
في الماهية الموجودة، لو كان الإمكان عارضاً عليها خارجاً كعروض السواد
للجسم، فهي في مرتبة ذاتها في الواقع الذي هي لا تخلو فيه عن أن تكون ممكنة أو ممتنعة أو واجبة. فإذا قلنا أن الإمكان معقول ثاني، وهو عارض وليس شـيء يحاذيه

وإما الخلف (38) وإما خلو الشيء عن المواد الثلاث(39) والتوالي بأسرها فاسدة(40).

في الخارج،فيكون منتزعاً من مقام الذات، فلا يمكن أن تكون الذات في الواقع في مرتبة بدونه، لأنه انتزع منها.

(38) لو كانت الماهية الممكنة في مرتبة ذاتها واجبة أو ممتنعة.

(39) وهو أنه لو لم تتصف الماهية في مرتبة ذاتها لا بالوجوب والإمكان ولا الامتناع.

(40) كما بيّنا، وأعلم أنه استدل على أن الشيئية عارضة في الذهن، وكذا الإمكان، ولم يستدل على أنهما يتّصف بهما المعروض في الخارج؛ لأنه هذا أمر بديهي، لأن الإمكانية إنما هي ثابتة للأمور الخارجية، وكذا الشيئية، بخلاف المعرفية إنما تثبت للصور الذهنية، لا للأمور الخارجية.

 

 [9]

غرر في أن الوجود مطلق ومقيّد وكذا العدم

إنّ الوجودَ مَعَ مفهومِ العَدَمْ
 

 

كلاًّ مِنِ اطلاقٍ وتقييدٍ قَسَمْ
 


 

 [9]

غرر في أن الوجود مطلق ومقيّد وكذا العدم

(إن الوجود مع مفهوم العدم كّلاً) مفعول مقدّم(1) (من إطلاق وتقييد قسم) فالوجود المطلق ما هو المحمول في الهلية البسيطة(2) كالإنسان موجود، والمقيّد ما هو المحمول في الهلية المركّبة(3) كالإنسان كاتب. ورفـع هذين عدم مطلق(4) ومقيّد(5).

وفي تخصيص العدم بإضافة لفظ المفهوم إشارة إلى عدم اختصاص هذه القسمة في الوجود بمفهوم، بل جارية في حقيقته(6) كما هو مصطلح أهل الذوق(7). فيطلقون الوجود المطلق على ما لا يكون(8) محدوداً بحد خاص وهو حقيقة الوجود التي هي عين حيثية الإباء عن العدم وعين منشئية الآثار،
 

(1) لقوله: قسم.

(2) وهي التي يكون المحمول فيها نفس الوجود لا غيره، وهذا تقسيم لمفهوم الوجود، والمحمول يعتبر فيه المفهوم.

(3) وهي التي يكون فيها ثبوت شـيء لشـيء كالإنسان كاتب، فحمل على الإنسان الوجود المقيّد بالكتابة، وسمّيت هلية بسيطة، وهلية مركّبة، لوقوعها في جواب هل البسيط كـ(هل زيد موجود) وهل المركّبة كـ(هل زيد كاتب).

(4) كقولنا زيد معدوم.

(5) كالموجبة المعدولة المحمول، كقولنا (كل إنسان هو لا حجر).

(6) أي حقيقة الوجود، أي الوجود الحقيقي الذي يحمل عليه الوجود بالحمل الشائع، أعني الوجود الخارجي، بخلاف العدم، فإنه ليس له حقيقة، فالقسمة جارية في مفهومه فقط.

(7) هم العرفاء([249]).

(8) أي على الوجود الحقيقي.

الجامع لكل الوجودات بنحو أعلى وأبسط(9) والمقيّد على المحدود(10).

(9) وهو وجود الله عز وجل .

(10) وكوجود الإنسان المحدود بالماهية المخلوطة مع الأعدام.

 

 [10]

غرر في أحكام سلبية للوجود

ليسَ الوجودُ جوهراً ولا عَـرَضْ
 

 

عند اعتبارِ ذاتِهِ بَلْ بالْعَرَضْ
 

لا شي‏ءَ ضِدّهُ ولا ما مـاثَـلَهْ
 

 

وليسَ جُزءا وكذا لا جُزْءَ لَهْ
 

إذ قُلِبَ المُقَسّمُ مُقَوّمـا
 

 

أو القوامُ مِنْ نَقِيضٍ لَزِما
 


 

 [10]

غرر في أحكام سلبية للوجود

منها أنه (ليس الوجود جوهراً) لأن الجوهر(1) ماهية إذا وجدت في الخارج كانت لا في الموضوع، والوجود ليس بماهية (ولا عرض). وقف المنصوب بالسكون لغة(2).

وسلب العرضية لأجل أن لا موضوع له. كيـف والموضوع متقوّم بالوجود(3) نعم مفهومه(4) عرض، أي عرضـي بمعنى الخارج المحمول
 

قد تقدّمت الاحكام الثبوتية للوجود، وأخذنا الآن في الاحكام السلبية للوجود.

(1) للجوهر ثلاثة اطلاقات:

الأول: هو الموجود القائم بذاته، وبهذا المعنى يكون الوجود جوهراً؛ لأنه الموجود القائم بذاته، وليس قائماً بالماهية.

الثاني: هو الموجود لا في موضوع، وعلى هذا أيضاً الوجود جوهر؛ لأنه ليس بقائم في موضوع ومحتاج إلى محل.

والثالث: هو الماهية التي إذا وجدت في الخارج لا تكون في موضوع، وعلى هذا الوجود ليس بجوهر ]لأنه[؛ لأن ليس بماهية.

(2) المعروف أنها لغة ربيعة([250]).

(3) فكيف الوجود يتقوم به، للزوم توقف الشـيء على ما يتوقف عليه.

(4) إعلم أن مفهوم الوجود ليس عين حقيقة الوجود، وإلا لزم أن ينقلب الذهن خارجاً، ولا غير عارضه، إذ كل الاشياء وجود، بل هو منتزع منه ويحمل على الوجود ذاتاً، وعلى الماهية بالعرض، وهو من قبيل المعقول الثاني الفلسفي، أو ليس
 

لا المحمول بالضميمة (عند اعتبار ذاته)(5) أي ذات الوجود (بل بالعرض) أي بتبعية الماهيـات الجوهريّـة والعـرضيّة. فيكون الوجود الخاص(6) جوهراً بعين جوهريتها لا بجوهرية(7) أخرى، وعرضاً بعين عرضيتها لا بعرضية أخرى. بل يلحق الوجودات الخاصّة أحكام أخر للماهيات(8) لكن بالعرض.

شيء يحاذيه في الخارج والاتصاف به في الخارج، وقلنا من قبيل المعقول الثاني لأن معروضه - وهو حقيقة الوجود- لا يجيء في الذهن، فمفهوم الوجود خارج عن حقيقة الوجود والماهية، وهو يحمل عليها، وليس له مصداق ينضم.

(5) هذا ظرف إلى كون الوجود ليس جوهـراً ولا عـرضاً.

رق الزجاج ورقت الخمر
 

 

فتشابها وتشاكل الأمر
 

فكأنما خمر ولا قدح
 

 

وكأنما قدح ولا خمـر([251])
 

(6) أي الخارجي.

(7) أي أن الماهيات واسطة في العروض، وذو الواسطة في العروض يكون متصفاً بوصف الواسطة، كالحركة في السفينة للراكب فيها، فإن حركته عين حركة السفينة، بخلاف الواسطة في الثبوت، فحركته ليست عين حركتها، بل غيرها كحركة اليد للمفتاح، فإن حركة المفتاح ليست عين حركة اليد، بل كل حركة نفسه.

وقوله (جوهراً بعين جوهريتها) بأن سـرت جوهرية الماهية إلى وجود، فصار جوهراً بالعرض، لمكان الاتحاد بينهما، وفناء الماهية بالوجود.

قال في الحاشية([252]): فكما أن الماهية تتصف بالتحقق تبعاً للوجود، كذلك الوجود يتصف بأحكامها بالعرض.

(8) فيتصف بها الوجود عرضاً، كالضدية والمثلية والمخالفية والاحتياج إلى
ومنها أنه (لا شي‏ء ضده)(9) لأن الضدين أمران وجوديان(10) يتعاقبان على موضوع واحد، وبينهما غاية الخلاف، ويكونان داخلين تحت جنس قريب(11). والوجود ليس وجودياً(12) بل نفس الوجود، ولا موضوع(13) ولا جنس له، ولا غاية البعد والخلاف مع شي‏ء. ولذا تخلية الماهية عنه(14) تحليتها به. (ولا ما ماثله) لأن المثلين هما المتشاركان في الماهية ولوازمها، والوجود لا ماهية

 

الموضوع وغيرها.

(9) اعلم أن الشيئين المتغايرين، إما مثلان، وإما متخالفان، وإما متقابلان؛ لأنهما إن كانا يجتمعان كالحلاوة والسواد فهما المتخالفان، وإن كان لا يمكن اجتماعهما في موضوع واحد من جهة واحدة وزمان واحد، فإما أن يكون مشتركين في تمام الماهية كزيد وعمـر فهما المثلان، وإن لم يكونا مشتركين في تمام الماهية فهما المتقابلان.

والمتقابلان على أربعة أقسام: تقابل التضايف، والعدم والملكة، والإيجاب والسلب، والضديّن. هذا هو التقسيم المعروف عند الاصولين والحكماء([253]).

وهناك تقسيم آخر وهو أن الشيئين المتغايرين، أما ضدان، أو متماثلان، أو متخالفان، فيراد بالمتخالفين المتخالفان بالمعنى الأول، والايجاب والسلب، والتضايف، والعدم والملكة، وعلى هذا التقسيم الثاني بنوا هذا المبحث، ولذا قالوا لا ضد له ولا مثل له.

(10) أي يتصفان بالوجود.

(11) لأنهما إن كانا داخلين تحت جنس بعيد، قد يكونان متخالفين، كالحلاوة والسواد.

(12) أي يتصف بالوجود.

(13) للوجود، لما بيّنا من أن الموضوع متقوّم به.

(14) أي عن الوجود، قد تقدّم سابقاً أن الماهية إذا خُلّيت عن الوجود في الذهن، فهي محلاة به في الذهن بالوجود، ولذا قيل أن الوجود من شـرفه عند تجريد الماهية عنه في الذهن، فهي حينئذٍ متصفة به ذهناً، فالماهيات الملائمات له اشدّ الملائمة.

له نوعية أو غيرها(15) بل لا ثاني له(16) فضلاً عن الضـد والند، إذ لا ميز في صـرف الشيء. فكلما فرضته ثانياً له فهو هو، لا غيره.

(و) منها(17) أنه(18) (ليس جزءا) للشـيء ركّب منه ومن
غيره تركيباً حقيقياً(19) له وحدة حقيقية؛ لأن أجزاء المركّب الحقيقي

 

إلى هنا تم الدليل على كونه لا ضد له، وهذا الدليل كما يصلح لأن يكون دليلاً على أن حقيقة الوجود لا ضد له، فهو أيضاً يصلح لأن يكون دليلاً على أن مفهوم الوجود لا ضد له؛ لأنه ليس بينه وبين باقي المفاهيم - حتّى مفهوم العدم - غاية الخلاف، بل هو يحمل عليها.

(15) أي جنسية، وهذا دليل كما ينفي المماثل لحقيقة الوجود، كذلك ينفي المماثل.

(16) هذا دليل عام، ينفي عن حقيقة الوجود الضدية والمثلية والمقابل على سبيل العدم والملكة، والتضايف والتخالف، وحاصله: أن هذه الأحكام تقتضـي المغايرة بين الشيئين الوجوديين، والوجود الحقيقي ليس وجودياً، بل هو عين الوجود، وليس الوجود مغاير لوجودي آخر؛ لأن حقيقة الوجود وصـرفه كلّ أمر مغايرٍ له، فهو وجود وموجود في هذا البحر العظيم، وهو القاهر فليس هناك شـيء وجوديّ مغايرا له، نعم العدم مقابل لحقيقة الوجود تقابل الإيجاب والسلب، وأما مفهوم الوجود مع باقي المفاهيم فليس بينهما إلا التخالف بالمعنى الأخصّ، أعني كالسواد والحلاوة، فإنه ليس عين باقي المفاهيم، بل هو مجتمع معها، ومغاير لها، حتّى مع مفهوم العدم.

(17) أي ومن الاحكام السلبية.

(18) أي أن الوجود.

(19) وهو أن يكون للأجزاء بعد تركيبها وحدة حقيقية، وعلامة حصول الوحدة الحقيقية، أن يكون للمجموع أثر، لم يكن للأجزاء سابقاً، كالياقوت فإن له أثراً وهو المفرحية عند الرؤية، وهو لم يكن لأجزائه، وهي العناصـر المركّب منها، والمركّب الاعتباري هو أن لا يكون للمركّب أثر وراء أثر اجزائه، كالصلاة، فإن اثرها النهي عن الفحشاء، فإنّ ]كل جزء فيه ذلك[، ولكنه ليس شديداً كشدّة المجموع، فالأثر موجود في الجزء، ولكنه بنحو أضعف.

يجب أن يكون(20) بعضها حـالا في البعض(21) بل بعضها
منفعلاً عن البعض، كما في الممتزجات(22). والحلول(23)

 

وقد قيّد التركيب بالحقيقي إحترازاً عن التركيب الاعتباري، فإنّ الوجود قد وقع جزءاً من المركّب الاعتباري، حيث قيل أن الاشياء الموجودة مركّبة من الوجود والعدم؛ لأنه مشتمل على فعليته، ومعدومة منه فعلية الآخر، فالخل موجود فيه فعلية الخل، ومعدوم منه فعلية العسل، وباقي الاشياء، وسُمّي هذا القسم من التراكيب الاعتبارية بـ(شـر التراكيب)([254]) وذلك لأنه هو يستدعي تركيب شـيء مع شـيء، فالخل لما كان معدوماً منه فعلية العسل، احتجنا لأن نضمه مع العسل حتّى يكون سكنجبيلاً، فالوجود جزءٌ من شـر التراكيب الذي هو تركيب إعتباري.

(20) ليحصل الارتباط التام والاتحاد، فيكون التركيب حقيقياً لا اعتبارياً، والحكماء([255]) راعوا البداهة في كون بين الاجزاء ارتباط وحاجة.

واشكل عليهم: أن تركيب البسائط الخارجية لعدم اشتمالها على صورة ومادة كالسواد والبياض من الجنس والفصل حقيقياً، ولا ارتباط هناك، لأنه لا حلول ولا انفعال.

وأجيب([256]): أن الارتباط فيها من جهة علّية الفصل للجنس، والمعلول منفعل من علته، فبينهما انفعال.

(21) كحلول الصورة في الهيولى.

(22) هذا مثال للمنفعل بعضها عن بعض.

(23) أراد بالحلول، بأن الوجود بالنسبة إلى باقي الأجزاء لا يمكن أن يكون حالاً
في بعضها؛ لأنه يلزم أن يكون محتاجاً إلى المحل، والحالة أن المحل متقوم به، ولا يمكن أن يكون محلاً لجزء آخر؛ لأن المحل لجزء آخر محتاج هذا الجزء المحل إلى ذلك الجزء

 

والانفعال(24) على حقيقة الوجود، غير جائزين، بل يلزم الخلف(25) فإن الجزء الآخر والكل كلّها موجودة.

ثمّ إن في قولنا(26) ولاتحاد الكل والتسلسل، نفي جزئيته للماهية، وهاهنا مطلق. (وكذا لا جزء له)(27). ثمّ لما كان وجه السلوب الآخر(28) ظاهراً، لم نتعرض له بخلاف هذا. فأشـرنا إلى وجه سلب الأجزاء العقلية(29) عنه - حتى
 

الحال، أما في الوجود كالهيولى فإنها محل للصورة، وهي محتاجة لها في الوجود، فإن الهيولى لا توجد بدون الصورة.

وأما في التنوع كالجنس فإنه محل للفصل، وهو محتاج للفصل لأن يصير نوعاً.

وأما في التشخّص كالنوع فأنه محلٌّ للعوارض، ومحتاج إليها في التشخّص.

(24) أي لا يمكن أن يكون الوجود جزءاً منفعلاً لجزء آخر، إذ كل فاعل مؤثر متقوّم به، ولا يمكن أن يكون الوجود جزءاً فاعلاً، لكان أيضاً منفعلاً، لاحتياجه في التحقق إلى وجود ذلك الجزء الثاني، فإن الفصل علّة للجنس، والفصل محتاج إليه لأجل أن يتصف بذلك الجنس.

(25) هذا دليل ثاني على مدّعاه، وحاصله: أن أحد الأجزاء في المركّب أن يكون غير الآخر، وأن يكون المركّب غير المجموع، ولو فرضنا أن الوجود جزء فالمركّب أيضاً وجود، والجزء الاخر ايضاً وجود، فيكون كلّها موجوداً وفي حقيقة الوجود، فلا يكون جزءاً ثانياً مقابل الجزء الاول، فلا يكون جزءا ما فرضناه جزءاً.

(26) هذا دفع اشكال، وحاصل الاشكال: انه قد تقدّم في مبحث زيادة الوجود على الماهية ما يغني عن هذا البحث، فان هناك قد برهن بان الوجود ليس جزء للماهية بقوله (ولاتحاد الكل والتسلسل) وحاصل الدفع: ان ذاك مختص بنفي جزئية الوجود عن خصوص الماهية، وهذا المبحث ينفي جزئية الوجود عن كل شـيء.

(27) أي للوجود، أي كما ان الوجود ليس جزء، كذلك ليس له جزء.

(28) أي الدليل على الاحكام المسلوبة سابقاً واضح، لم يتعرض إليه بالنظم، بخلاف هذا الحكم السلبي، فإنه لم يكن ظاهراً، لذا تعرّض له في النظم.

(29) أي الجنس والفصل.

 

يلزم منه(30) سلب الأجزاء الخارجية، أعني المادة والصورة فإنهما(31) مأخذا الجنس والفصل، بل عينهما(32) والتفاوت بالاعتبار(33) ويلزم منه سلب الأجزاء المقدارية (34) لأن المقدار من لوازم الجسم. وإذ لا مـادة وصورة(35) فلا جسم ولا مقـدار- بقولنا:(36) إذ قلب(37) الفصل (المقسم) للوجود (مقوماً) له (أو القوام) أي التقوّم والتألف (من نقيض)(38) أو ممّا هو في قوة النقيض (لزما)(39).

بيان ذلك أنه لو كان لحقيقة الوجود جنس وفصل فجنسه أما الوجود، فيلزم الأول(40) إذ قدّ تقرّر أن كلا من الجنـس والفصل عارض للآخر،
 

(30) أي من سلب الأجزاء العقلية.

(31) هذا بيان لوجه اللزوم.

(32) فإذا سلب الجنس والفصل قد سلبت الصورة والمادة.

(33) أي والتفاوت بين الجنس والفصل وبين المادة والصور، فالجنس والفصل هما لا بشـرط، والمادة والصورة بشـرط لا، أي بشـرط عدم الحمل على المركّب.

(34) كالقطع الصغار من الخط والسطح والجسم.

(35) حيث إنهم اثبتوا المادة والصورة للجسم، فإذا انتفيا عُلم أن لا جسم، فلا مقدار، إذ ان المقدارية من عوارض الجسم.

(36) هذا متعلق بـ(اشـرنا إلى وجه سلب الاجزاء العقلية) حاصل هذا الدليل: أنه لو كان للوجود جنسٌ وفصل، فلا يخلو جنسه من أحد أمور ثلاثة: إما الوجود أو العدم أو الماهية، إذ ليس هناك أمر عام وراء هذا الثلاثة يصلح أن يكون جنساً للوجود، وقد أبطل المصنف كون كل واحد منها جنساً، فتعين أن لا جنسَ له، وما لا جنسَ له لا فصل له، فلا جنس ولا فصل للوجود، فليس له اجزاء عقلية.

(37) هذا يلزم لو جعل الوجود جنساً.

(38) هذا يلزم لو جعل العدم جنساً.

(39) هذا يلزم لو جعل الجنس هو الماهية.

(40) أي انقلاب الفصل المقسم للشـيء مقوّماً له، وهذا الانقلاب محال؛ لأنه يلزم تقدم

وحاجة الجنس إلى الفصل ليس في قوام ذاته(41) وماهيته، بل في
تحصّـله(42). ولذا فالفصـل(43) بالنسبة إلى الجنس مقسم،

 

الشـيء على نفسه، وذلك أن الماهية متقدّمة رتبة على وجودها، والفصل المقوم هو الذي تكون الماهية متوقف قوامها وذاتها عليه، فهو موجود مرتبة الماهية، والفصل المقسم هو الذي تحتاج إليه الماهية عند وجودها، لا في قوامها، فهو موجود في مرتبة الوجود والتحصّل، فهو متأخر رتبة عن الشـيء، فلو جعل مقوماً، لزم تقدّمه على مرتبة نفسه.

وقوله (إذ قد تقرر) هذا تعليل على لزوم الانقلاب، إذا جعل الوجود جنساً وقوله (انّ كّلاً من الجنس والفصل عارض للآخر)، أي أن جنس الماهية وفصلها، كل منهما يعرض للآخـر ولكن الجنس عرض عام للفصل، كما أن الفصل عرض خاص للجنس، فليس احدهما ذاتياً للآخر، فلا يكون أحدهما مقوّماً إلى الآخر.

(41) لما بينّا من أن الفصل عارض على الجنس([257]).

(42) أي بل في وجوده؛ لأن الفصل علّة للجنس كما سيجيء.

(43) أي ولكن الفصل علّة لتحصيل الجنس، ووجود حصة منه في الخارج سمّي الفصل بالنسبة إلى الجنس مقسّماً؛ لأنه يقسمه حيث يأخذ حصة منه، وليس التقسيم إلا ضم حصص للإقسام.

لا مقوم(44) وذلك أنما يتصور(45) في الجنس الذي ماهيته غير الوجود، وأما الجنس الذي هو عينه(46) فمفيد إنيته(47) مفيـد ماهيته(48). وهـذا هو القلب(49)
 

(44) أي وليس فصل الماهية مقوماً لجنسها، أي ليس داخلاً في ذاته، ويكون جزءا منه.

(45) أي تقسيم الفصل إلى الجنس إنما يتصور في غير الجنس الذي ماهيته غير الوجود، أما الجنس الذي هو عين الوجود وماهيته هي الوجود، فالفصل حينئذٍ مقوم لماهية هذا الجنس، إذ ماهية هذا عبارة ]عن[ عين وجوده، وجوده لا يكون بدون الفصل، إذ الجنس محتاج في وجوده للفصل، فيكون هذا الفصل مقوّماً ومقسّماً للجنس.

(46) أي عين الوجود.

(47) أي تحقّقه ووجوده.

(48) إذْ المفروض أن ماهيته هي الوجود البحت، فيكون الفصل مقوّماً لماهية الجنس، والحالة كما ذكرناه أن الفصل بالنسبة إلى جنسه مقسم، فكيف يكون مقوّماً.

(49) إذْ القلب هو عبارة عن أن يكون الفصل مفيد الأنية، والوجود هو المقوم أعني مفيد الماهية.

وأشكل استاذنا (حفظه الله) بأنه لا بأس بالانقلاب في صورة يكون الجنس ماهيته عين التحقق، والدليل الذي أقاموه على استحالة الانقلاب إنما هو في الماهية لا في الوجود؛ لأن الجنس الذي ماهيته عين التحقّق، ليس هناك فيه مرتبتان، ماهية وتحقق، هما شيء واحد ومرتبة واحدة، فلا مانع من أن يكون الفصل حينئذٍ مقوّما ومقسّماً.

وأجاب بما حاصله: أن هذا المطلب مبني على وحدة الوجود، إذ مع التسليم بها يكون الوجود حقيقة، فلو كان مركّباً من جنس هو الوجود وفصل، فالوجود الذي هو الجنس، لابد وأن يكون مركّباً أيضاً من الجنس وهو الوجود، وعين ذلك الفصل، والجنس مقدّم رتبة على الماهية، فيكون فصلاً واحداً، كما أنه مقوّم للجنس، محصّل له ومقوم له، ويلزم الانقلاب، وحينئذٍ يكون باطلاً، لحصول تقدّم الشـيء على نفسه، أما على القول بأن الوجود حقائق متباينة، فلا يصح هذا القول، إذْ يمكن أن يقال أن ماهية هذا الوجود مركّبة من جنس هو الوجود وفصل، ولا يلزم أن يكون ذلك الوجود الذي هو الجنس مركّباً من هذا الجنس والفصل؛ لأنه عندهم
 

الذي ذكرنا(50).

وبمثل هذا(51) البيان ليس الوجود نوعاً أيضاً إذ النسبة بين المشخّص(52) والطبيعة النوعيّة النسبة(53). وأما غير الوجود(54) والغير(55) هو العدم، أو الماهية(56) وهذا هو اللازم الثاني(57).

الوجود حقائق متباينة، فيمكن أن يكون هذا الجنس مركّباً من جنس وفصل آخر.

(50) في المتن.

(51) البيان في منع كون الوجود نوعاً، وهذا مطلب ذكره المصنف استطراداً وحاصله: نفي النوعية عن الوجود، وكون الوجودات أفراداً له، وذلك لأن العوارض للنوع ليست مقوّمة له، بل هي مقيّدة، تحصله ووجوده، فلو صار النوع عبارة عن حقيقة الوجود، فتكون العوارض بالنسبة إلى النـوع مقوّمـة لأنها مقيدة وجوده، والمفروض أنه عبارة عن الوجود، فتكون مقومة له، فيلزم انقلاب المحصّل مقوّماً، وذلك باطل.

(52) وهو عبارة عن العوارض حيث إنها تشخّص النوع.

(53) هذا خبر قوله (اذ النسبة)، أي النسبة بين النوع، ومشخصه هي النسبة بين الجنس وفصله، فكما أن حاجة الجنس إلى الفصل ليست في تقوّمه، بل في تحصّله، كذلك حاجة النوع إلى المشخّص ليست في تقوّمه، بل في تحصّله.

(54) أي وأما أن يكون جنس الوجود غير الوجود.

(55) أي والذي هو غير الوجود يصلح لأن يكون جنساً له، ليس الماهية أو العدم، إذ ليس هناك شيء مغاير له وراءها.

(56) والعدم لا يصلح أن يكون جنساً للوجود، لأنه نقيض الوجود، وكذا الماهية لا تصلح أن تكون جنساً للوجود؛ لأنها في قوة النقيض، إذ هي عبارة عن اللاإقتضاء، والوجود عبارة عن اقتضاء التحقّق، فلا يمكن التركّب منهما.

(57) أي كون العدم أو الماهية جنساً للوجود، وهو اللازم الثاني الذي اشـرنا له في المتن بقولنا (أو القوام من نقيض، لزما تكثر الوجود بالماهيات، وأنه مقول بالتشكيك).

 

 [11]

غرر في أن تكثر الوجود بالماهيات وأنه مقول بالتشكيك

بِكَثْرَةِ الموضوعِ قَد تَكَثَّرا
 

 

وكونُهُ مُشَكَّكاً قد ظَهَـرا
 

المَيْزُ إما بِتَمامِ الذّاتِ
 

 

أو بَعْضِها أو جا بمُنْضَمّـاتِ
 

بالنقصِ والكَمالِ في الماهِيَّةْ
 

 

أيضاً يجوزُ عِنْدَ الاِشْراقِيَّةْ
 

كُلُّ المفاهيمِ على السَّـواءِ
 

 

في نفيِ تشكيكٍ على الأنحاءِ
 


 

 [11]

غرر في أن تكثر الوجود بالماهيات وأنه مقول بالتشكيك

(بكثرة الموضوع) والمراد به ما يقابل المحمول(1) ومصداقه(2) الماهية (قد تكثرا) أي الوجود، وإلا فالشـيء بنفسه لا يتثنى ولا يتكرر. (وكونه) أي كون الوجود (مشككا قد ظهرا) أي سابقاً عند قولنا الفهلويون إلى آخره. ثمّ لما خرج من هذا البيت أن في الوجود كثرتين: إحداهما كونه إنساناً(3) (وفرساً وشجراً وحجراً وغير ذلك، والثانية كونه مقدمـاً(4) ومؤخراً وشديداً وضعيفـاً ونحو ذلك، أردنا(5) أن نبين أن التكثّر على الوجه الثاني، ليس تكثراً في الحقيقة، ولا ينثلم به وحدة الطبيعة المشككة(6).

فقلنا من رأس(7) (الميز) بين كل
 

(1) في الهليّة البسيطة، احترازاً عن الموضوع بمعنى المحل.

(2) أي لفظ الموضوع الماهية، وكأن ما تقدّم اشارة إلى مفهومه.

(3) وهذه الكثرة بالموضوع وتسمّى (كثرة ظلمانية)([258])؛ لأنه الوجود يضعف بها، وتكون مرتبة ضعيفة، حيث يختلط معه العدم.

(4) وهذه الكثرة بالتشكيك، وتسمّى (الكثرة النوريّة)([259]) لأنها تؤكّد الوحدة لوفور الوجدان للفعليات، والكثرة أنما تنشأ من السلوب، وحيث إنه لا سلوب ولا فقدان يكون هذا الشيء واحداً، كذا اشار إليه في الحاشية([260]).

(5) هذا جواب لما.

(6) صفة للطبيعة.

(7) أي من أول المطلب.

شيئين(8) (إما بتمام الذات)كالأجناس العالية وأنواعها(9) كل مع الآخر(10) (أو بعضها) أي بعض الذات(11) كالإنسان والفرس (أو جاء
الميز بمنضمات) وعوارض غريبة(12) كزيد وعمرو. والمشـاؤن حصـروا أقسام التمايز في هذه الثلاثة، ولم يتفطنوا بقسم رابع تفطّن به الإشـراقيون، كما قلنا (بالنقص والكمال في) أصل (الماهية)(13) الواحدة وسنخها، بأن يكون الناقص والكامل كلاهما من تلك الحقيقة (أيضا يجوز عند) الطائفة (الإشراقية)(14)

 

(8) هذا شـروع في أقسام التمايز.

(9) أي نوع هذا الجنس العالي، ونوع ذلك الجنس العالي الآخر، كالإنسان الذي ]هو[ نوع الجوهر، والسواد الذي ]هو[ نوع الكيف.

(10) أي كل من الأجناس العالية مع الجنس العالي الآخر، وكلُّ نوع من جنس عالم مع نوع من جنس عالم آخر، فإن بينها التمايز بحسب الذات.

(11) لو كان نوعان من جنس واحد.

(12) هذا عطف تفسير.

(13) أي في نفسها، واراد بالماهية ما به الشـيء هو هو، لتشمل حقيقة الوجود وباقي الماهيات.

(14) وأعلم أنك إن أردت الاطلاع على حقيقة الحال، فاستمع إلى ما نتلوه لك:

أن الإشـراقيين([261]) اثبتوا قسماً رابعاً، وهو أن الماهية -أعني ما يقع في جواب ما هو- قابل لأن يقع بها التمايز بين شيئين كلاهما من تلك الحقيقة، على نحو النقص والكمال.

واشكل عليهم المشّاؤون([262]) بما حاصله: أن الكمال الحاصل في ذلك الـشـيء والنقص الحاصل في الآخر؛ إن كان نفسه ماهية ذلك الشـيء - والنقص نفس ماهية
 

كما بيّنا في حقيقة الوجود(15). فالميّز بين هذا الناقص(16) وهذا الكامل ليس بتمام ذاتيهما بأن يكونا ماهيتين، ولا بالفصول، إذ كانا بسيطين(17)، ولا بالعوارض، إلا لكان متواطئاً، هذا خلف(18) بل بكمال من نفس الحقيقة، ونقص كذلك بأن يكون الناقص ولكامل ممتازين بتمام ذاتيهما البسيطتين، لا
 

الآخر- فالتمايز في الماهية، وإن كان النقص والكمال جزء الماهية فالتمايز بالبعض، وإن كان النقص والكمال عارضين، فالتمايز بالعوارض، فلا يكون الاشتراك في نفس الماهية والتمايز بها.

وأجاب الإشـراقيّون([263]): أن هذا جائز أن يكون الاشتراك بشـيء والتمايز به، فإن الخطّين ]اللذين[ أحدهما قصير ]والآخر طويل[، فأنهما يتساويان في الخطية، ويتفاوتان بالخطية أيضاً.

وأما أهل الحكمة المتعالية([264])، فاختاروا جزءً من قول المشّائين وهو عدم التفاوت بالماهيات، وجزءً من قول الاشـراقيين وهو أن هذا القسم الرابع - اعني ما به الاشتراك به الأمتياز - اثبتوه في الوجود، والمصنف أولاً عمّم المطلب، ثمّ بعد ذلك نفى هذا القسم من التمايز في الماهية، التي تقع في جواب ما هو.

والسـر في اختيار أهل الحكمة المتعالية كون هذا القسم من التمايز مخصوصاً في الوجود، أن أهل الحكمة المتعالية نظرهم أن الوجود أصل والماهية اعتبارية، فلا يتم فيها الأزيديّة، والأنقصيّة، والاشديّة، والاضعفيّة، إذ لا أثر يترتب عليها.

والاشـراقيين حيث إنهم يرون أن الوجود أعتباري والماهية اصيلة، فلا يمكن الاختلاف في الوجود بالاضعفيّة والاشدّية، أذْ هو اعتباري، ولا شدة في الاعتباري.

(15) عند قوله (كونه مشكّكاً قد ظهرا).

(16) من حقيقة الوجود.

(17) لأنهما من ماهية الوجود.

(18) لفرض الاختلاف بالتشكيك.

بأن يكونا ماهيتين، بل بأن يكونا ماهية واحدة مقولة بالتشكيك. فالخطان(19) المتفاوتان بكمالية الخط ونقصه، ما زاد به(20) أحدهما عـلى الآخـر(21) هو كمـا ساوى بـه(22) في الحقيقة(23).

وكما علمت أن الوجود مشكك، فاعلم أن (كل المفاهيم) والماهيات حتى مفهوم الوجود، من حيث هو، لا من حيث الحكاية(24) عن المعنون (على السواء في نفي تشكيك) عنها (على أنحاء) بأجمعها من الأوليّة والآخريّة والأولويّة وخلافها، والأشديّة(25) والأضعفيّة والأزيديّة(26) والأنقصية والأكثريّة(27) والأقليّة.

(19) هذا تنظير إلى الوجود في كون ما به النقص والكمال، هو نفس ما به الاشتراك.

(20) هذا خبر قوله فالخطان.

(21) وهو الامتداد الطولي والخطيّة.

(22) أي الزائد هو الذي تساويا فيه من الامتداد الطولي والخطية، فإنها تساويا فيه وأفترقا.

(23) هذا وجه الشبه في أن حقيقتهما واحدة، قال الاستاذ نحن ارباب الحكمة المتعالية([265]) نقول هذا التشكيك بالوجود الخاص، وأما المشّاؤون فيقولون بالماهية.

(24) فإنه من هذه الحيثية يكون فانٍ في المعنون، وغير المقصود بالذات، فيكون حكمه حكم المعنون، وليس له حكم على حدةٍ.

(25) هذا في الكيف.

(26) هذا في الكم المتصل.

(27) هذا في الكم المنفصل.

 

 [12]

غرر في أن المعدوم ليس بشـيء

وشروع في بعض أحكام العدم والمعدوم

ما لَيْسَ مَوْجُوْداً يكونُ لَيْسـا
 

 

قد ساوق الشَّيءُ لَدَيْنا الأَيْسـا
 

وَجَعَلَ المعتزليْ الثبوتَ عَـمْ
 

 

مِن الوجودِ ومن النفيِ العَدَمْ
 

في النفيِ والثبوتِ ينفي وَسَـطا
 

 

وَقَوْلُهُمْ بالحالِ كانَ شَطَـطا
 

بِصِفَةِ المَوجودِ لا مَوْجُـوْدَةْ
 

 

كانَت ولا معدومةً محـدودةْ
 

نَفْيُ ثبوتٍ مَعْهُما مرادفـة
 

 

وَشُبُهاتُ خَصْمِنا مُزَيّفَةْ
 


 

 [12]

غرر في أن المعدوم ليس بشـيء

وشروع في بعض أحكام العدم والمعدوم

(ما) أي ماهية (ليس موجودا يكون ليسا) صـرفاً، فليس ثابتاً قبل وجوده أيضاً، خلافاً للمعتزلة(1) حيث يقولون: إن الماهية في حال العدم
 

(1) هنا ثلاثة نزاعات، ادرجها المصنف بهذه الابيات واشار إليها:

]النزاع[ الأول: هل الماهيات الممكنة التي لم توجد، هل هي ثابتة أو معدومة، فالمعتزلة([266]) يقولون بأنها ثابتة وليست موجودة ولا معدومة، ونحن نقول أنها معدومة، مع الاتفاق فيما بيننا ]على[ أن الماهيات الممتنعة كشـريك الباري ليست ثابتة. قال المصنف: في الحاشية([267]) والذي دعاهم إلى ذلك أمران:

الأول: أن الماهية في حال العدم موصوفة بالإمكان، وهو سلب الضـرورة عن الوجود والعدم، وهي في حال الوجود ضـرورية الوجود، وفي حال العدم ضـرورية العدم، فلابد أن تكون ثابتة، لا موجودة ولا معدومة حتى يصح سلب الضـرورتين.

والجواب: أنه يكفي في ثبوت الإمكان لها، سلب الضـرورتين عنها في مرتبة ذاتها عند العقل.

والثاني: تصحيح علم الواجب، فإن علمه أزلي، وإذا لم يكن في الأزل وجود الأشياء وهو علمه إحاطي، يلزم جهله تعالى، وليست هي موجودة فيه، وإلا لزم أن تكون الماهيات قديمة، فلابد أن تكون ليست موجودة ولا معدومة، وهي ثابتة، والله عز وجل محيط بها، ولا يلزم تعدد القديم، إذ الممتنع وجود قديم سوى الله عز وجل لا ثبوته.

والجواب: أنه سيأتي اثبات علمه أزلاً، من دون حاجة إلى القول بثبوت المعدمات.

إن قلت: ليس المعتزلة قائلين بذلك فقط، بل العرفاء أيضاً قالوا بذلك، حيث
 

ثابتة، وليست موجودة بوجه من الوجوه(2). (قد ساوق الشيء) أي الماهية(3) (لدينا) معاشـر الحكماء (الأيسا) الألف للإطلاق، والأيس هو الوجود. (و) لكن (جعل المعتزلي الثبوت عمّ) أي أعـمّ (مـن الوجـود(4) ومـن النفي العدم) أي وجعل العدم أعمّ من النفي(5).

يقولون بثبوت الماهيات في العلم الربوبي، ويسمّونها الأعيان الثابتة.

قلنا: هم يقولون بوجود الماهيات تبعاً وتطفّلاً، أما المعتزلة فينكرون وجودها بأي نحو كان تبعاً أو تطفّلاً.

النزاع الثاني: أن المعتزلة([268]) يزعمون أن الشيئية أعمّ من الوجود، فالماهيات الممكنة المعدومة هي شـيء، وأما الحكماء([269]) فعلى رأيهم أن الشيئية مساوقة للوجود، أي متحدة مصداقاً معه، فأينما صدق الوجود صدقت هي، وأينما انتفى انتفت.

النزاع الثالث: في أن بعض المعتزلة([270]) اثبت واسطة بين الوجود والعدم وسمّاها الحال، وعلى رأي الحكماء أن الواسطة غير موجوده بينهما.

(2) لا تطفلاً، أي لا بالوجود العلمي ولا الخارجي.

(3) أراد بالماهية ما به الشـيء هو هو، يشمل الماهية بمعنى الكلي والوجود، والمراد أن الشـيء الذي يصدق على الماهية والوجود ساوق الوجود، بمعنى إينما صدق الوجود على أمر - سواء كان ماهية أو وجود - صدق الشـيء عليه وبالعكس، وفسـّره الاستاذ ]بان المراد من الشيئية[ الماهية، وأنها ليست هي العدم، وإلا فلا معنى للمساوقة ولا الوجود، إذ لا معنى لمساوقة الوجود للوجود، بل المراد بها الماهية، أي أينما حلّت الماهية حل الوجود، إذ هي اعتبارية، فهي تابعة للوجود وليس الوجود تابعاً لها، فلذا لا تصدق على الواجب الشيئية، هو شيء لا كالأشياء.

(4) لصدقه على الماهيات الممكنة المعدومة دون الوجود.

(5) لأن النفي لا يصدق إلا على الماهيات المعدومة الممتنعة كشـريك الباري، وأما على

فالمعدوم أي الماهية الممكنة، عنده(6) ثابت وليس بموجود وكذا ليس بمنفي. والمعدوم الممتنع عنده منفي، وليس بثابت. والفطرة السليمة(7) تكفي في مؤنة إبطال هذا القول.

ثمّ إن بعض المعتزلة قال بتحقق الواسطة بين الموجود(8) والمعدوم، وسمّاها حالاً. وأطلق عليها الثابت، وبنفي الواسطة(9) بين الثابت والمنفـي كما قلنا (في النفي والثبوت ينفي) المعتـزلي (وسطـا(10). وقولهم بالحال كان شططا). أي عدولا عن الصـراط المستقيم.

(بصفة الموجود لا موجودة كانت) تلك الصفة (ولا معدومة) كانت (محدودة) به يتعلق قولنا بصفة، أي الحال محدودة ومعرفة عندهم بصفة كذا كذا.

فقولهم صفة أرادوا بها المعنى الانتزاعي القائم بالغير، مثل والقادرية والأبوّة وسائر الإضافات، لا المعنى القائم بالغير مطلقاً(11) كما هو معناها
 

الماهيات الممكنة المعدومة فلا يصدق النفي، ويصدق العدم على كلا القسمين.

(6) أي عند المعتزلي.

(7) إذ بعد ملاحظة أن الوجود معناه تحقق الماهية، والثبوت معناه تحقق الماهية
فهما مترادفان، وإذاً بعد ملاحظة أن العدم عبارة عن عدم تحقق الماهية،
والنفي عبارة عن عدم تحققها، فهما مترادفان، والذي ينازع فليس عنده فطرة
سليمة.

(8) أما الفرقة الأولى فلم تقل بالواسطة بينهما، بل ذكرت للمعدوم قسمين: ثابت ومنفي.

(9) أي وقال بنفي الواسطة... الخ، ومعنى الثابت عنده هو الماهيات الموجودة، والاحوال التي غير موجودة، ومعنى المنفي هو ما عدا ذلك.

(10) ويقول به في الوجود والعدم.

(11) أي ]سواء كان[ انتزاعياً أو انضمامياً كالسواد.

المتعارف(12) عند المتكلمين.

فالـذات المقابلـة(13) للمعنيين أيضاً له معنيان. واحترزوا بإضافة الصفة إلى الموجود عن صفات المعدوم(14) فإنها صفة للثابت، لا للموجود، وبقولهم لا موجودة عن الصفات الوجودية(15) للموجود، وبقولهم لا معدومة عن الصفات السلبية(16). فبقي في الحد مثل الانتزاعيات الغير المعتبر في مفهومها(17) السلب من صفات الموجودات.

واعترض الكاتبي على هذا الحد بأنه لا يصح على مذهب المعتزلة، لأنهم جعلوا الجوهـرية من الأحوال، مع أنها حاصلة للذات في حالتي الوجود والعدم.

(12) الضمير يعود إلى التعريف الثاني([271]).

(13) لما كانت الصفة تقابلها الذات، فإذا جوّزنا في الصفة معنيان، فلابد للذات
من معنيين، مغاير كل منهما لما قابله من معنى الصفة، فهي إذا قابلت الصفة
بالمعنى الأول؛ يكون المراد بها ما ليس بالمعنى الانتزاعي القائم بالغير، فحينئذٍ
تصدق الذات على السواد، ولأنه ليس معنى انتزاعياً قائماً بالغير. وإذا قابله
الصفة بالمعنى الثاني، فيكون معناها ما ليس بمعنى قائم بالغير، فتصدق على الجواهر فقط.

(14) كصفات الثابتات الازلية على القول بها، مثل الامكان والجوهرية والعرضية الثابتة لتلك الاشياء المعدومة.

(15) كالسواد لهذا الجسم.

(16) كاللاحمرة والعمى والفقر.

(17) أي غير داخل في مفهومها السلب، كالمعقولات الثانية الفلسفية كالإمكان والكلية.

وأجاب عنه شارح المواقف بأن المراد بكونه صفة للموجود أن يكون صفة له في الجملة، لا أنه يكون صفة له دائماً. وأيضاً هذا(18) على مذهب من قال: بأن المعدوم ثابت ومتصف بالأحوال حال العدم.

وأما على مذهب من لم يقل: المعدوم ثابت، أو قال به ولم يقل باتصافهبالأحوال، فالاعتراض ساقط عن أصله(19).

ثمّ أشـرنا إلى بطلان هذا القول بقولنا (نفي ثبوت)(20) إما من قبيل التعداد(21) وإما من قبيل إسقاط العاطف(22) للضـرورة (معهما) أي مع العدم والوجود (مرادفة) عقلاً(23) واصطلاحاً(24) كما همـا كذلك لغةً(25)
وعرفاً(26).

(18) أي هذا التعريف المذكور.

(19) إذ حينئذٍ لا يرى إن الجوهرية حال.

(20) هذا رد على قول المعتزلة بالماهيات الثابتة([272])، ورد على قول بعضهم أن هناك واسطة بين الوجود والعدم تسمّى بـ(الحال).

(21) كما تقول للمحاسب، ثوب، دار، مسجد، فنفي ثبوت التعداد.

(22) واصله نفي وثبوت.

(23) إذ الاصل هو الوجود، والعدم في نقيضه، إذ معناه عدم الوجود، فلا يخلو منهما شيء، وليس الثبوت إلا التحقق، وهو عبارة عن الوجود، والعدم معناه عدم الوجود وهو النفي.

(24) عند المتكلمين والحكماء، حتى إذا اطلق الوجود فُهِمَ منه الثبوت، وكذا إذا اطلق العدم فُهِمَ منه النفي، وبالعكس.

(25) كما تشهد به الكتب اللغوية.

(26) كما هو المتبادر عند الإطلاق.

إفراده(27) على تقدير العطف باعتبار كل واحد(28) وتأنيثه باعتبار أن المصدر(29) جائز الوجهين، ويحتمل(30) أن يكون المرادفة مصدراً(31) أي النفي والثبـوت يصاحبهمـا المرادفـة مع العدم والوجـود.

والحاصل أنه كما أن الواسطة بين المنفي والثابت غير معقولة(32) كذلك بين المعدوم والموجود للترادف. (وشبهات خصمنا) في باب الحال، بل في باب ثبوت المعدوم (مزيفة) مردودة.

فمن شبهات ثبوت المعدوم أنه مخبر عنه، وكل مخبر عنه فهو شي‏ء. الجواب:

أن المراد بالموضوع في الصغرى، إن كان المعدوم المطلق، فلا يخبر عنه، وإن كان المعدوم في الخارج، فالإخبار عنه(33) لوجوده في الذهن.

ومن شبهات إثبات الحال، أن الوجود ليس بموجود، وإلا لساوى غيره
في الوجود، فيزيد وجوده عليه، ويتسلسل(34) ولا بمعدوم، وإلا اتصف

 

(27) اي افراد مرادفة. حاصله دفع إشكال، هو أنه مرادفه خبر عن نفي ثبوت، فينبغي أن يثنيها ويقول مرادفان، وأيضاً لِمَ أَنَّثَ (مرادفة)، مع أنها خبر عن نفي وثبوت وهو مذكر، فأجاب بما ترى.

(28) فيكون المعنى كل واحد من النفي والثبوت مع الوجود والعدم مرادفة، فلوحظ الوحدة عند الاخبار.

(29) وهو نفي وثبوت.

(30) وأما بناء على ما تقدّم فهي اسم فاعل.

(31) وحينئذٍ تكون فاعل فعل محذوف، كما قدّره المصنف، دل عليه بسياق الكلام.

(32) على كلا المذهبين الذين قالا بهما المعتزلة سابقاً، فإنهم لم يقولوا بالواسطة بين المنفي والثابت اصلاً، والجواب: أن المراد بالموضوع مضافاً إلى أن الدليل لو سلم، يثبت أن الممتنع ثابت أيضاً.

(33) بان يقال أن عدم زيد ليس بعلّة لعدم بكر.

(34) بان يكون لوجود الثاني أيضاً وجود، وذلك الوجود الثالث أيضاً موجود، وهلم جرا.

بنقيضه(35). والجواب: من وجوه الأول أن الوجود موجود ولكن بنفس ذاته(36) والثاني أنه معدوم(37) بمعنى أنه ليس بذي وجود(38) ولا يتصف
 

(35) فيلزم اجتماع المتناقضين.

(36) كملحية الملح.

(37) حاصل هذا الجواب الثاني، إنا نختار الشق الثاني، وهو أن الوجود معدوم، وقولكم أنه يلزم أن يكون الشيء متصفاً بفعله، قلنا لا يلزم ذلك، وبيان عدم لزومه: أنه قد تقدّم أنه يشترط وحدة الحمل في التناقض، علاوة على الوحدات الثمانية.

فإذا عرفت ذلك فنقول: الحمل الشائع قسمان: حمل مواطأة وهو حمل هو هو، وحمل اشتقاق وهو حمل ذي هو، وحمل الاشتقاق تارة يكون بإتيان ذي بأن يقال زيد ذو حركة، وتارة يأتي بلفظ المشتق ويريدون به ذي هو، فيكون حمل اشتقاق، كما لو قلنا زيد متحرك واردنا به ذي حركة، كما أنه قد يراد به حمل المواطأة، ويكون المعنى زيد هو المتحرك، ويصدق عليه المتحرك، وقد يسمّون حمل المواطأة حمل، على لأن مفاده صدق المحمول على الذات الموضوعية، ويسمّون حمل الاشتقاق حمل في؛ لأن مفاده ان الموضوع في المحمول، فزيد ذي حركة معناه زيد في الحركة.

فإذا عرفت هذا فنقول: من شـرط التناقض الاتحاد في اقسام الحمل، كما أنه
اشترط الاتحاد فيه، ولذا لم يكن من التناقض قولنا الحركة حركة، والحركة ليس
بذي حركة، حيث إن الأول حمل مواطأة، والثاني الحمل فيه أشتقاق، نعم لو
قلنا هذه الحركة حركة وليست بحركة صار تناقض، لأن الحمل في كليهما
حمل مواطأة، كذلك ما نحن فيه، فإن المعدوم المحمول على الوجود، المـراد به
ليس ذا وجود، وهذا ليس بنقيض؛ لأنه حمل إشتقاق، والوجود وجود بحمل المواطأة، فلا تناقض، نعم النقيض للوجود هو العدم واللاوجود، لأنك إذا قلت الوجود عدم أو لاوجود؛ كان حملهما عليه بحمل المواطأة، فهما نقيضان لقولنا الوجود وجود.

(38) خبره بذلك؛ لأن الوجود مقدّم، بمعنى أنه يصدق عليه العدم نقيض للوجود وجود.

بنقيضه، لأن نقيض الوجود هو العدم أو اللاوجود، لا المعدوم(39)
أو اللاموجود(40) والثالث النقض بوجود الواجب(41) تعالى، والرابع
قلب الدليل عليهم، لأن الوجود لو كان حالاً، والحال صفة للموجود، لزم أن يكون الماهيـة قبـل الوجود موجـودة، ويتسلسـل اللهم إلا أن يقال إنه صفة للموجود بهذا الوجود، أو يقال الوجود عندهم انتزاعي، والحال
صفة انتزاعية، والاتصاف بالصفة الانتزاعية لا يستلزم للموصوف تقدّماً بالوجود(42).

ومنها: أن الكلي الذي له جزئيات متحققة في الخارج كالإنسان، ليس بموجود، وإلا لكان مشخّصاً لا كلياً، ولا بمعدوم، وإلا لما كان جزءاً لموجود كزيد(43).

والجواب: أن الكلي موجود. قولكم فيكون مشخّصاً. قلنا الطبيعي لا يأبى عن الشخصية، فإنه نفس الطبيعة التي يعرضها الكلية في نشأة الذهن(44) ولا

 

(39) الذي بمعنى ليس ذا وجود.

(40) الذي بمعنى ليس بذي وجود.

(41) فإنهم يعترفون بأن وجوده موجود وليس بحال، فإنه يقال لهم أن وجود الواجب موجود، فهو له وجود ثاني، هل أنه معدوم أو موجود؟

أن قلتم: أنه معدوم لزم اتصاف الشـيء بنقيضه، وإن كان موجوداً فلا وجود ثالث وهكذا.

(42) بل بالتجوهر، نظير إتصاف الماهية بالإمكان والشيئية، فإن التقدم في موصوفهما بالتجوهر، كذا ذكر في الحاشية([273]).

(43) لاستحالة تقوم الموجود بالمعدوم.

(44) أي في عالم الذهن، فإن اريد بالذهن اذهان السافلة، كان تسمية الكلي الطبيعي

سيّما(45)أنه اللابشـرط(46) الذي هو مقسم للمطلقة(47) والمخلوطة(48) والمجردة(49). أو نقول: إنه معدوم ولا يلزم تقوّم الموجـود بالمعـدوم، لأنه ليس جـزءاً له في الخـارج(50).

ومنها: أن جنس الماهيات(51) الحقيقية العرضية، كلونية السواد، ليس بمعدوم، وإلا لتقوّم الموجود بالمعدوم، ولا بموجود(52) وإلا، لزم قيام العرض
 

حال وجوده في الخارج بالكلي بعلاقة الأول، كما في ]قوله تعالى[ [إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا]([274])، أي ما يؤل إلى الخمر، وإنْ أراد بالذهن الاذهان العالية كالعقل، كان تسميته بالكلي حال وجوده في الخارج بعلاقة الكينونة، كما ]في قوله تعالى[ [وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ]([275])، أي ما كانوا يتامى اعطوهم أموالهم.

(45) أي ولا سيما أن الكلي الذي له جزئيات محققة في الخارج، أي الكلي الطبيعي.

(46) الذي يجتمع مع الف شـرط.

(47) هو الماهية اللابشـرط القسمي، أي بشـرط عدم اجتماعها مع كل شرط وجودي أو عدم.

(48) هي الماهية بشرط شيء.

(49) هي الماهية بشـرط لا.

(50) أي الكلي معدوم في الخارج، وليس جزءاً خارجياً للشخص الخارج، بل هو جزء ذهني كالجنس والفصل، اللذين هما جزآن للألوان في الذهن، وليس جزآن لها في الخارج، إذ هي بسائط في الخارج، فاللونية والمفرقية اللذان هما جنس وفصل للبياض، هما معدومان في الخارج لبساطة البياض، بل هما جزآن في الذهن.

(51) وكذا فصل لها.

(52) فهو حال منتزع من الذات، كالكلي الطبيعي على رأيهم.

بالعرض، لأن التركيب الحقيقي على قيام الأجزاء بعضها ببعض(53). والجواب: أن الأعراض بسائط خارجية، فلا تقوّم فيها في الخارج(54) حتى لو كانت اللونية معدومة في الخارج، لزم تقوّم الموجود بالمعـدوم. وأيضا قيام العرض بالعرض جـائز(55).

(53) والجنس كما بيّنا قائم بالفصل؛ لأنه عارض له، والفصل عارض للحمل، فقام العرض بالعرض، وهو باطل.

(54) بأجزاء خارجية، نعم لها أجزاء ذهنية بعضها متقوّم.

(55) كقيام الحرارة بالحركة الشديدة، نعم قيام العرض بالعرض غير جائز في صورة لو لم تنتهِ إلى عرض قائم بجوهر هو باطل، وإلا فلا مانع من قيام العرض بالعرض.

 

 [13]

غرر في عدم التمايز والعلية في الاعدام

لا مَيْزَ في الأعدامِ مِنْ  حَيْثُ العَدَم
 

 

وَهْوَ لها إذا بِوَهْم تَرْتَسِمْ
 

كَذاكَ في الأعدامِ لا عِلِّيّـةْ
 

 

وإنْ بِها فاهوْا فَتَقْرِيْبِـيَّةْ
 


 

 [13]

غرر في عدم التمايز والعلية في الأعدام

(لا ميز في الأعدام(1) من حيث العدم وهو) أي الميّز (لها) أي للأعدام (إذا بوهم) أي في وهم (ترتسم)(2) تلك الأعدام. وارتسامها في الوهم باعتبار الإضافة إلى الملكات، فيتصور ملكات متمايزة ووجودات متخالفة، وتضيف إليها مفهوم العدم، فيحصل عنده أعدام متمايزة في الأحكام(3). وأما مع قطع النظر عن ذلك(4) فـلا يتميّز عـدم عن عـدم،وإلا لكان فـي كل شـي‏ء(5) أعدام غير متناهية. (كذاك في الأعدام لا علّية) حقيقية ـ وإن كانت لعدم في عدم(6)
 

(1) إذ لا وجود له في الخارج، وإلا لزم اتصاف الشـيء بنفسه، فتأمل.

(2) إنما جعل الميّز في الوهم؛ لأن العدم بالنسبة إلى الماهيات يكون جزئياً، فلا وجود له إلا في الوهم.

(3) فيقال عدم هذا علة لعدم ذاك، وعدم هذا يلازم عدم ذاك.

(4) أي عن تلك الملكات والماهيات التي اضيف إليها العدم.

(5) أي إن لم يكن تمايزها بالنظر إلى الملكات بل بنفسها لكان في كل شـيء اعدام غير متناهية. وقوله لكان في كل شيء هذا يشير به إلى دليل ملا صدرا([276]) على نفي التمايز بين الاعدام من حيث هي.

وحاصله: يلزم أن يكون للشيء الواحد صفات وسلوب متسلسلة؛ لأنه عدمه، وعدم عدمه، وهلم جرا، فلو قلنا أنها من حيث هي، لزم امر متعدد لشيء واحد ومتسلسل، ولكن لوقلنا إنها ليس تميزها من حيث هي، فهي شيء، والاعتبار تارة يضيفه إلى هذا وإلى ذاك، وهناك دليل آخر على ذلك، وهو أن العدم نفي صرف لا اشارة له اصلاً، وكل ما هو متميز فله وجود وتحصّل لا محالة، فتكون الاعدام موجودة ومتحصّلة، فيلزم اتصاف الشيء بما يعانده.

(6) بأن يكون أحد العدمين علّة للآخر حقيقة، فضلاً عن أن يكون العدم
 

(وإن بها) أي بالعلية (فاهوا) أي نطقوا كقولهم(7) عدم العلة علة لعدم المعلول (فتقريبية) أي قول على سبيل التقريب والمجاز(8) فإن الحكم بالعلية عليها بتشابه الملكات(9).

فإذا قيل: عدم الغيم علّة لعدم المطر، فهو باعتبار أن الغيم علّة المطر، فبالحقيقة قيل: لم يتحقق العلية التي كانت بين الوجودين. وهذا كما يجري أحكام الموجبات على السوالب في القضايا، فيقال سالبة حملية(10) أو شـرطية متصلة أو منفصلة أو غيرها(11). كل ذلك بتشابه الموجبات.

علّة للوجود.

(7) قد قال ذلك المحقق الطوسـي([277]).

(8) عطف تفسير على التقريب. والعلاقة أن الملكات لمّا وقعت بينها العلّية والعدم لما اضيف إليها، صار علّة ومعلولاً، وإلا فالعلّة هي المؤثرة، والمعلول هو المتأثر، والأعدام لا تأثر ولا تأثير فيها.

(9) هذه علاقة المجاز، وحاصلها كما ذكرناه: أن الاعدام لما اضيفت إلى الملكات صارت علّة ومعلولاً؛ لأنها صارت شبيهة بالملكة بواسطة الاضافة

(10) والحال أن السالبة هي سلب الحمل فيها، ولكنها لما شابهت الموجبة الحملية في الأطراف أُطلق عليها حملية.

(11) كعنادية ولزومية واتفاقية.

 

 [14]

غرر في أن المعدوم لا يعاد بعينه

إعادةُ المعدومِ مِمّا امتَنَعا
 

 

وَبَعْضُهُمْ فيهِ الضَّرُوْرَةَ ادَّعـى
 

فإنّهُ على جَوازِها حَتَـمْ
 

 

في الشخصِ تَجْويْز تخلّل العَدَمْ
 

وجاز أن يُوْجَدَ ما يُمـاثِلُهْ
 

 

مُسْتَأْنَفاً وسَلبَ مَيْـزٍ يَبْطِلُـهْ
 

والعَوْدُ عَادَ عَيْنَ الابْتِـداءِ
 

 

وليسَ بالِغـاً إلى انتِهاءِ
 

ما ضَرَّ أنَّ الجسمَ غِبَّ ما فنَـى
 

 

هُوَ المُعادُ في المَعـادِ قولُنـا
 

وإمتناعُها لأَمْرٍ لازمِ
 

 

ومعنى الامكانِ خِلافِ الجازمِ
 

في مثل ذر في بُقْعَةِ الإمكانِ
 

 

ما لم يَذُدْهُ قائِمُ البرهـانِ
 


 

 [14]

غرر في أن المعدوم لا يعاد بعينه

اختلفوا في جواز إعادة المعدوم وعدمه. فأكثر المتكلمين على الأول والحكماء وجماعة من المتكلمين على الثاني، وهو الحق كما قلنا إن (إعادة المعدوم) بعينه(1) - فإن محل النزاع إعادته مع جميع مشخّصاته وعـوارضه-  فهي (مـمـا امتنعـا).

فلا تكرار(2) في تجليه(3) تعالى وفي كل آن له شأن جديد(4)
 

هذه مسألة مستقلة وليس لها ربط في مبحث المعاد، فلا ينفي إنكارها من جهة أن القول بها ينفي المعاد، ]و[ سيشير إليه المصنف، ومن هنا يظهر لك غلطية المتكلمين([278])، حيث أنكروا هذه المسألة، ظناً منهم بأنه يوجب القول بها أنكار المعاد.

(1) إعلم أن أعادة المعدوم تارة يراد بها اعادة ماهيته الشخصية، وأما الوجود فمتغاير مع الوجود الأول. وتارة يراد بها أعادة الماهية الشخصية، ووجودها الأولي بأن تكون الماهية والوجود عين الماهية الاصلية والوجود الأصلي، والأدلة التي يذكرها المصنف نافية للإعادة بكلا معنييها.

(2) أخذ يؤيد هذا المصنف([279]) بكلمات العرفاء والقرآن والعرف.

(3) أي تجلي الخالق لا تكرار فيه، فلو أعيد المعدوم بنفسه، صار هناك تكرار للتجلّي، فهذه الكلمة بهذا المعنى تصحح قولنا.

(4) هذا مقتبس من قوله:[كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ]([280]) والمراد بالآن هي الوجودات والتصورات للأشياء، وهي شؤونه، فلو كان المعدوم يعاد بعينه، لزم أن لا يكون في كل آن شأن جديد؛ لكون في بعض الآنات شأن عتيق.

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ(5). وفي كل شـي‏ء لـه آيـة(6) تـدل عـلى أنه واحـد. (وبعضهم) كالشيخ الرئيس (فيه) أي في الامتناع (الضـرورة) والبداهة (ادعى). واستحسن الإمام الرازي(7) دعوى(8) الضـرورة.

(5) كل شيء من هذه الموجودات هو مظهر لصفة من صفات الله عز وجل ، أو لاسم من اسمائه، حتّى قيل إن الإنسان الكامل مظهر للاسم (الله عز وجل )([281])، فاسم (يامن ليس كمثله شيء) مظهر هذه الآنات الموجودات، فإنه ليس مثل لواحد منها شيء.

فلو قلنا (أنه يعاد) لزم أن لا تكون هذه الوجودات مظهـراً لهذا الاسم، فإنه ثبت لها مثل، وحيث إنه لا مثل لها في الآن الثاني -كما هو مقتضـى المظهريّة- فلا عين له([282]).

(6) أي في كل شـيء له علامة ومظهريّة بأنه لا مثل له، فهذا هو معنى البيت، فلو قلنا بالإعادة لزم اثبات المثلية، فالبيت مفاده مفاد الآية فراجعها.

(7) مع أنه يُعبّر عنه برئيس المشككين([283]).

(8) القائل أن القول بإعادة المعدوم نظير الطفر في المكان، فكأنها طفرة في الزمان؛ لأنه يلزم وجود الشـيء في الزمان المتأخر من دون وجوده الزمان المتوسط، والطفرة باطلة عندنا([284]) كما سيجيء.

والقائلون بنظرية المطلق(9) استدلوا عليه بوجوه:

منها: ما أشـرنا إليه بقولنا: (فإنه) الضمير للشأن (على جوازها) أي على تقدير جواز الإعادة (حتم في الشخص) المعاد (تجويز تخلل العدم) وهو بديهي البطلان(10). كيف؟ وهو تقدّم الشـيء على نفسه بالزمان، وهو بحذاء(11) تقدّم الشـيء على نفسه بالذات. (و) منها: أنه على تقدير جواز الإعادة (جاز أن يوجد ما يماثله) أي يماثل المعاد(12) من جميع الوجوه (مستأنفا) أي ابتداء،
 

(9) والقائلون ببداهة المطلب كصاحب المواقف([285])، استدل عليه بوجوه، الأول من الوجوه التي ذكرها المصنف، وأشكل التفتازاني([286]) عليهم: بان بداهة الدليل لا يستلزم بداهة المدعى، وهذا الدليل وإن كانت مقدّماته بديهية، لكن لا يستلزم بداهة هذه الدعوى.

(10) إذ أن الوجود مساوق للوحدة والتشخّص، والعدم هو الموجب للاثنينية وبطلان الوحدة، فاذا تخلل العدم بين الشخص ]ونفسه[، لزم أن يكون شخصين، إذ العدم ليس إلا بطلان صـرف للماهية الشخصية ولوجودها، فإذا بطل هذا الشـيء وذهب، فلا وجه لان يكون ما يأتي هو عينه، إذ أنه ذاك انعدم.

(11) لأنه إذا تقدّم بالزمان عليه، فقد تقدّم بالرتبة وبالذات، بل قيل هو أعظم بطلاناً من التقدّم بالذات، إذ التقدّم بالذات لا يدرك إلا بالبرهان، بخلاف التقدم بالزمان، فإنه يدرك بأدنى تنبه.

(12) وحاصل هذا الدليل([287]): أنه لو عدم الشـيء ثمّ وجد ثانياً، فحينئذٍ ممكن أن

 

لأن حكم الأمثال(13) فيمـا يجوز وفيما لا يجوز واحد (و) الحال أن
 

يوجد ابتداءًا مماثل في الماهية والعوارض لمعاد، فحينئذٍ أيهما تحكم بأنه هو المعاد السابق، لا يجوز أن تقول كلاهما عود له، وإلا لزم أن يكون الشخص شخصين، والهوية الواحدة هويتين.

وإن قلت: هذا عود لذاك، لزم الترجيح بلا مرجح؛ لأن يكون هذا عوداً وذاك ليس بعود للسابق.

(13) زعم بعضهم([288]) أن هذا تعليل إلى قوله جاز أن يوجد، والأصح أنه تعليل
 

(سلب ميزٍ(14) يبطله) أي يبطل أن يوجد مثله(15) ابتداء.ووجه عدم الامتياز بينهما(16) أن المفروض اشتراكهما في الماهية وجميع العوارض، فلم يكن أحدهما مستحقاً لأن يكون معاداً لشـيء، والآخر لأن يكون حادثاً جديداً، بل إما أن يكون كل واحد(17) منهما معاداً(18) أو كـل واحـد منهمـا جديـداً(19) نعم(20) لو كان تقرر الماهية مُنفكة عن الوجود جائزاً، وكان الوجود(21) كأمر طار عليها، جاز اختلافهما في الحكم(22) لكنه محال(23).

إلى تفسير المماثلة بكونها من جميع الوجوه.

(14) أي الامتياز بين المعاد والمثل المستأنف.

(15) فأيضاً لا يمكن الاعادة، حيث إن حكم الامثال واحد، أي أن عدم الامتياز يبطل وجود المثل المقارن للمعاد، للزوم الترجيح بلا مرجح، فكذلك المعاد يبطل وجوده مع المثل الذي هو ممكن الوجود، إذ يلزم الترجيح بلا مرجح.

(16) أي بين المستأنف والمعاد.

(17) وإلا لزم الترجيح بلا مرجح.

(18) وهو باطل، إذ المفروض سابقاً ماهية واحدة وتشخص واحد.

(19) وهو المطلوب.

(20) حاصله: أنه على رأي المعتزلة([289]) يمكن أن نقول هذا معاد وذاك مستأنف، وذلك لأنهم يقولون بأن الماهيات ثابتة، فإذا كان كذلك، فالماهية الشخصية التي قد خلع الوجود الأول منها، ثمّ اكتست الوجود الثاني، وما بينهما تكون هي ثابتة، هي التي تكون معادة، والتي لم تكن كذلك تكون هي المستأنفة، فيحصل التميز واقعاً، وتلك يقال لها أنها معادة، ولا يقال للثانية مستأنفة.

(21) هذا عطف تفسير.

(22) بأن هذه عود وتلك مستأنفة.

(23) أي تقرر الماهية محال، بل هي تابعة للوجود، ولا شـيء وراءه لأصالته.

(و) منها: أنه على تقدير جواز إعادة المعدوم بعينه
(العود عاد) أي صـار (عيـن الابتداء) إذ المفـروض(24) أن
الهـوية(25) بعينهـا هي المبتدئة، ولأن الزمان(26) من المشخصات،

 

(24) لما كان هذا الدليل يرجع إلى مقدمتين:

احدهما: أن المعاد يكون عين المبتدأ على تقدير الايجاد.

والثاني: أن هذا باطل، فاستدل على المقدمة الأولى بثلاثة أدلة، ثمّ أستدل على كون المعاد عين الابتداء باطل.

(25) أي الماهية الشخصية ووجودها، هذا دليل أول على المقدّمة الأولى، أعني أنه لو جاز الاعادة، لزم أن يكون المعاد عين المبتدأ.

(26) من المشخّصات، فإذا عاد الشـيء عاد زمانه الذي كان فيه، فيعود الزمان المبتدأ، فيصير المعاد مبتدأ لحلوله في الزمان الأول.

وربما اشكل على كون الزمان من المشخصات بحكاية معروفة للشيخ أبي علي مع تلميذه بهمنيار([290])، وذلك أن بهمنيار كان مصـراً على كون الزمان مشخّصاً، فقال استاذه: إن كان الأمر على ما تزعم، فلا يلزم مني الجواب، لأني غير من كان يباحثك، وأنت أيضاً غير الذي تباحثني.

قال الاستاذ والحق مع بهمنيار؛ لأن المراد بالزمان - الذي هو مشخّص - هو مجموع زمانه من أوله إلى آخره، ويميّز عن السابق عليه واللاحق، فالذي عمّر مائة سنة الزمان المشخص له هو نفس المائة سنة، لا كل يوم يوم، ولذا إذا قيل الزيدان إيهما عُمّر منهما؟ فيقال في الجواب: ذاك في زمان كذا، وهذا في زمان كذا، فلوا عِيد الموجود في زمان أول؛ لزم أن يعاد زمانه معه.

وأما حكاية الشيخ مع تلميذه، أن تلميذه كان مصـرّاً مطالباً للشيخ على بقاء الذات والهوية، فالشيخ قال له إن لم تكن الذات باقية فلم تطالبني بالجواب، وأنا غير الذي سألته وأنت غير السائل، لا كما اشتبه المتكلّمون من ]أنّ[ هذا الحديث وقع في
 

أو لأنه أيضاً يعدم(27) ويجوز إعادته، فإذا عاد الزمان المبتدأ،
صدق على المعاد أنه مبتدأ لكونه موجوداً في الزمان المبتدأ، فيلـزم
الانقلاب(28) والخلـف أو اجتماع(29) المتقابلين في الهوية الواحدة.
(و) منها: أنه على تقدير جواز إعادة المعدوم بعينه (ليس) عدد نفس العود(30)

الزمان، كيف والشيخ معترف بكون الزمان من المشخّصات كما نقل عنه الاستاذ. نعم يمكن أن يكون المتكلمون نفوا عنه هذه الحكاية، لاتحاد الملاك في كون الزمان من المشخّصات، وبقاء الذات. وقوله (ولأن الزمان من المشخّصات) هذا دليل ثاني على المقدّمة الأولى.

(27) سواء قلنا أنه من المشخصات أم لا، وحينئذٍ إذا عدم جاز عوده؛ لأن الاحكام العقلية لا تخصيص فيها، فإذا أُعيد مع المعدوم لزم كون ذلك المعاد في الزمان المبتدأ، فهو مبتدأ حينئذٍ، وهذا هو الدليل الثالث على المقدّمة الأولى.

(28) وهذا برهان للمقدمة الثانية، وهي بطلان كون المبتدأ عين المعاد.

وحاصل هذا البرهان أن يقال: أنه لو كان المبتدأ عين المعاد، فهذه الهوية الواحدة - التي اعيدت - إما أن تكون مبتدأه أو معادة، لا جائز أن تكون مبتدأه؛ لأنه خلاف الفرض إذ فرضت أنها معاده، ولا جائز أن تكون معاده لأنه يلزم الانقلاب، إذ أنها هي مبتدأة كيف تكون هي معادة، فيلزم إنقلاب الإبتداء عوداً، وهو انقلاب الضد إلى آخر، وهذا مستحيل، نظير استحـالة انقلاب الجوهر الخارجي كيفاً ذهنياً - الذي زعمه السيد([291]) في الوجود الذهني - وقد بيّنا بطلانه، فهذا الانقلاب أيضاً باطل بالبرهان المتقدّم الذي أبطلنا به قول السيد في الوجود الذهني، ولا جائز أن تكون مبتدأة ومعادة؛ لأنه يلزم اجتماع المتقابلين في محل واحد.

(29) جَعَلَ اجتماع المتقابلين قسماً، والخلف والانقلاب قسماً على حده؛ لأنه في صورة الخلف والانقلاب يثبت إما أن الهوية معادة أو مبتدأة، فيثبت واحد منهما، وإما في صورة اجتماع المتقابلين فيثبتان كلاهما.

(30) المراد بالعود هو فعل الاعادة، والمعاد وهو الذي وقع عليه العود، فقد
 

(بالغاً إلى انتهاء) إذ حينئذً لم يكن(31) فرق بين العود الأول وبيـن الثاني(32) والثالث والرابـع وهكـذا حتى يتعيّن الوقوف(33) على مرتبة. فإن ما فرض عوداً أولاً ليس حالة إلا كما يفرض ثانياً أو غيره(34) كما لم يكن فرق بين حالة الابتداء وحالة العود.

وكذا ليس عدد المعاد(35) بالغا إلى انتهاء من وجهين: أحدهما أنه حين إعادة ذات شخصية، يلـزم أن يعاد جميع ما يتوقف(36) عليه من علّةٍ وشـرطٍ ومعدّ وغيرها، وعلة العلة وشـرط الشـرط ومعدّ المعدّ وهكذا، حتى يعود الاستعدادات بجملتها، والأدوار الفلكية والأوضاع الكوكبيّة برمّتها،
 

يكون العود واحداً ولكن المعاد كثير، كما لو اعيد مقدار كثير دفعة واحدة، وقد يكون العود كثيراً والمعاد واحداً، كما لو أعيد الشـيء الواحد ]مرّاتٍ[ متعددة.

(31) هذا تعليل إلى كون أنه على تقدير اعادة المعدوم، ليس عدد العود بالغاً إلى انتهاء.

(32) فلا وجه للوقوف على مرتبة من العود، إذ لا مخصص لها لفرض تساويها مع غيرها، فالوقوف عليها ترجيح بلا مرجح، فيذهب العود إلى غـير النهايـة والحالة أنه ليس كذلك، إذ الخصم إنما يقول بالإعادة مرتين أو واحدة، على اختلاف الرأيين في البعث من أنه هناك بعث واحد أو إثنان.

(33) هذا متعلق بـ(يكن) والمعنى لم يكن فرق، فكيف يتعين الوقوف على مرتبة، إذ يلزم تخصيص هذه المرتبة بلا مخصص، فيلزم عليه عود غير متناهٍ، وهو لا يقول به الخصم. وأيضاً يلزم ترجيح بلا مرجح، إذ لا مرجح لأن يكون هذا العود أولاً ويكون الثاني كافياً.

(34) وهو ثالثاً ورابعاً.                             

(35) أي وعلى تقدير جواز إعادة المعدوم، كذلك يكون المعاد اشياءً كثيرة غير متناهية.

(36) وأعلم أنه قد ذكر الحكماء([292]) أن العلة التامة لا تنفك عن المعلول، بحيث إذا
 

بل جملة ما سبقت في السلسلة الطولية(37) والعرضية(38). واللازم باطل بالضـرورة.

وثانيهما: أنه لو جاز إعادة المعدوم، لجاز إعادة الزمان(39). ولو أعيد الزمان لزم التسلسل، إذ لا فرق بين الزمان المبتدأ والزمان المعاد، إلا بأن هذا في
 

وُجِدَتْ وُجِدَ، ولهذا قيل أن الحوادث ليست معلولة الله عز وجل ؛ لأنه يلزم أن تكون قديمة لقدمه تعالى، أو يكون الله عز وجل حادثاً، وإلا لانفكت العلة التامة عن معلولها، بل كل حادث، العلة الفاعلية له هو القديم، وهناك حوادث متقدمة عليه جعلته مستدعياً للوجود، كالأب بالنسبة إلى أبنه، وكذا الأم، واعطاء الدراهم للعقد على أمه والمجامعة، وكل حادث فرضته فهو لابد أن يكون قبله حوادث لا تتناهى؛ لأنه لو كان ذلك الحادث المفروض معلولاً للقديم على نحو يكون القديم علة تامة له لزم ما ذكرنا، فلابد ]ان يكون هو[ معلولاً لحادث آخر، وداخل في إيجاده حادث آخر، ولذا نُقل في الاخبار([293]) قبل هذا العالم ألوف من العوالم لا تحصـى، وكل حادث له ربط بألوف ألوف من العوالم، وقد زعموا أن كل عالم متقدّم مُعد للعالم اللاحق، فإذا اعيد شخص، لزم اعادته بجميع متعلقاته، فلابدّ للإعادة زمان غير متناهٍ يعاد فيه تلك العوالم، لأنها كلّها كانت لها دخل في وجوده، والضرورة قاضية ببطلان هذا عند الاعادة، فلابد ]ان يكون[ المعاد ليس بعينه، وأيضاً الخصم يسلّم بأنه عند الإعادة لا يقتضـي أن يكون للإعادة زمان لا يتناهى.

(37) المراد بها الإفاضات الإلهية.

(38) المراد بها الناسوت أي عالم الأجسام.

(39) أما لكون الأحكام العقلية لا تخصيص فيها، وأما لأن الزمان من جملة المشخصات.

زمان لاحق وذاك في زمان سابق(40) فللزمان زمان، فيلزم إعادته ويتسلسل.

فإن قلت: سابقية(41) الزمان المبتدأ بنفس ذاته، لا بكونه في زمان آخر سابق.قلت: فعلى هذا لا يصدق عليه(42) المعاد، لأن السابقية ذاتية له. فلا تتخلف(43) ولا تصير لاحقية(44).

فقد نهض جواز مفارقة السابقية وطرو اللاحقية عليه المساوق لجواز كون الزمان في الزمان من فرض جواز الإعادة(45).

فهذه وجوه ثلاثة أشـرنا إليها بقولنا وليس بالغاً إلى انتهـاء(46).

(40) إذ لا تفاوت بالماهية؛ لأن الماهية واحدة، ولا بالوجود وصفات الوجود، إذ الوجود واحد، بل التفاوت بالقبليّة والبعديّة، أي السابقيّة واللاحقيّة لا غير. ومعنى القبليّة كون الشيء في زمان متقدّم، ومعنى البعديّة كون الشـيء في زمان متأخر، فلو أعيد الزمان المتقدم؛ لزم إعادة الزمان الذي حل فيه الزمان الأول؛ لأن امتيازه به وقوامه به، والزمان الثاني أيضاً له زمان؛ لأنه لابدّ أن يعاد، ولا فرق بينه وبين المعاد إلا بالسابقيّة، فله زمان وهلم جرا، فيلزم اعادة اشياء متسلسلة غير متناهية.

(41) أن الاشياء سبقها بالزمان، وأما الزمان فسبقه بذاته.

(42) أي لا يصدق على الزمان الذي وجد ثانياً.

(43) لاستحالة تخلف الذاتي.

(44) للزوم الانقلاب الذي هو باطل كما سيجيء.

(45) هذا متعلق بنهض، وأما إذا لم نقل بجواز الاعادة فنقول: الفارق بين الزمان هو السابقية واللاحقية الذاتية، ولا يلزم إعادة المعدوم بعينه.

(46) لأنه يجوز أن يكون اسم (ليس) العود أو المعاد بالوجهين.

(تنبيه)

ذكر استاذنا الأعظم أدام الله علينا أفاضات علمه: أن الدليل الأول على إعادة المعدوم المشار إليه بقوله (وليس بالغاً إلى انتهاء) إنما يتم على تقرير المصنف إذا كان الخصم يقول بأن العود يقف إلى حدّ ولا يتجاوزه، وأما إذا قال لا يقف إلى حدّ بل لا يتناهى، لا يكون هذا الدليل رداً عليه. وإن الدليل الثاني المستفاد أيضاً من تلك العبارة اذن يتم؛ اذا قال الخصم ان العود في زمان متناهٍ، وأما إذا قال الخصم أن
 

ثمّ لما كان عمدة دواعي المتكلم على إنكاره(47) ظنه مخالفته للقول بحشر الأجساد، الناطق بحقيته ألسنة جميع الشـرائع الحقة، أشـرنا إلى فساد هذا الظن فقلنا: (ما) نافية (ضـر أن الجسم غب) أي بعد (ما) مصدرية (فنى هو المعاد) بضم الميم (في المعاد) بفتح الميم، وأن مع اسمها وخبرها، في موضع فاعل ضـر و(قولنا) مفعوله لما سيأتي(48) في الفريدة الثالثة من المقصد السادس من إقامة البراهـين الوثيقة على أن البدن المحشور يوم النشور هو عين البدن الموجود في دار الغرور. (وامتناعها) أي امتناع الإعادة (لأمر لازم) إشارة إلى جواب استدلال القائلين بالجواز.

العود ليس في زمان متناهٍ، فحينئذٍ لا يرد ذاك الدليل عليه؛ لأنه يلتزم بإعادة أمر غير متناهٍ، ولا يشكل على هذا الدليل الثاني بأنه مبني على كون الحوادث لا تتناهى، والمتكلمون لا يقولون بذلك، فهو مخالف لمبناهم.

قلنا: إنه سيجيء أن مبناهم غير صحيح كما سيجيء.

وأيضاً قولنا: أن الزمان من المشخّصات أنه هو مشخّص، بل الوجود هو المشخّص، والزمان أمارة للتشخّص، فإذا أعيد المعدوم أعيد الزمان بما أنه أمارة للتشخّص.

(47) أي إنكار القول باستحالة إعادة المعدوم([294]).

(48) هذا بيان لوجه الضرر، وحيث أن وجه عدم الضـرر بعيد، و(تمر الآن خير من جراده) و(خير البر ما كان عاجله)([295]) لابدّ أن نبين وجه الضـرر بالبيان الذي ذكره الاستاذ وحاصله:

أن القول بالمعاد الروحاني قطعاً لا ينافي القول بعدم اعادة المعدوم بعينه، إذ الروح لا تفنى كما في الحديث (خلقتهم للبقاء لا للفناء)([296]) فهي غير معدومة حتّى يقال هذا المعدوم أعيد بنفسه أو بمثله، وأما المعاد الجسماني فقد كان القوم من الحكماء المتقدمين لم يقم برهان عليه عندهم، وإلى زمان الشيخ ابن سيـنا حتّى زعم الشيخ في بعض كتبه([297]) أنه كاف لنا في القول بالمعاد الجسماني التعبد بالشرائع الحقّة، ولكن صدر المتألهين([298]) أقام البرهان عليه، وأن الجسم يعاد بعينه.

وبعض مَنْ قال باستحالة اعادة المعدوم قال بأن الجسم يعاد بمثله، بمعنى أن
النفس باقية في عالم الدنيا، تخلع هذا البدن فيصير تراب، وهي باقية، ثمّ في عالم
الآخرة من ذلك التراب يصنع جسماً مماثلاً للجسم الدنيوي، وحينئذٍ تحل النفس به،
ولا يرد على هذا القول: كيف يعاقب هذا البدن الاخروي ولم يكن هو
المذنب.

قلنا: المذنب هو الروح والمتألم هو الروح، وهي باقية، وإلا فالبدن ليس له ألم أصلاً،
 

تقريره أنه لو امتنعت(49) فذلك إما لماهية المعدوم ولازمها، فيلزم أن لا يوجد

وهذا القول يمكن أن يرجع إلى الاعادة بعينه، بأن يكون الشخص هو الشخص الدنيوي وإن كان بينهما تميّز، كما أن الشخص في حال الطفولة عينه في حال الشيخوخة وإن كان بينهما تميّز، إلا أنه شخص واحد، بحيث الاحكام المترتبة عليه في حال الطفولة تترتب عليه في حال الشيخوخة، كما لو كان في حال البلوغ سـرق وبعد الشيخوخة قبض عليه حاكم الشـرع، فحينئذٍ يحدّه. فالشخص واحد، والسـر في ذاك: ان التشخّص إمّا أن يكون بكون النفس واحدة، أو بكون الوجود واحداً، فإن زيداً واحد وإن طرأ عليه ما طرأ من التبدلات بحسب أسنانه، فحيث أن النفس واحدة ولم تُفنَ، وأن عرض عليها أمور متبدلة والشخص واحد، وحينئذٍ في يوم القيامة أعيد بنفسه، وقد أيّد قوله هذا القائل بالمثل بقوله تعالى [عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ]([299]) فهذا القول بالمثل لا ينافي عدم إعادة المعدوم، وأما إذا قلنا أن هذا المعاد عين المعدوم، فأيضاً لا ينافي القول بالامتناع كما هو الحق، وذلك ان شيئية الشـيء بصورته، والصورة بعد الموت لا تعدم، نعم الهيولى تعدم وهي مرتبة النقص، وحيث إن ذلك العالم هو مرتبة الكمال، والوصول إلى الغاية تذهب الهيولى لأنها نقص صـرف، فتبقى الأشياء صور محضة، وتلك الصور شبيهة بالصورة في المرآت، إلا أن الصورة في المرآت غير قائمة بنفسها، وتلك الصور قائمة بنفسها، والصور في المرآت ليس فيها روح، وتلك فيها روح، ولو فرض أن روحك تعلّقت بتلك الصورة في المرآت الحاكية عن صورتك الهيولانية، لكنت هي، وصارت صورتك الهيولانية شبحاً، فليس في المعاد إلا الصور الصـرف، وهي اجسام وأرواح، وتذهب الهيولى عنها، كذا في الحاشية([300]).

(49) أي الاعادة ([301]).

 

ابتداء(50) وإما لعارضها المفارق، فالعارض يزول فيزول الامتناع(51).

وتقرير الجواب أن الامتناع لأمر لازم لا للماهية بل للهوية(52) أو لماهية الموجود بعد العدم(53).

(50) أي يلزم أن لا يوجد المعدوم إبتداء؛ لأن عود المعدوم عبارة عن وجوده
ثانياً، فإذا كانت الماهية أو لوازمها مقتضية لامتناع الوجود ثانياً، يلزم أن تكون مقتضية لامتناع الوجود إبتداء، فإن الأولية والثانوية لا أثر لهما في ذلك، بداهة أن مقتضـى ذات الشـيء ولازمه لا يتخلف بحسب الأزمنة، نعم إذا كان الموجود تدريجياً، فيجوز أن يتخلف ذاتي الشـيء أو لازمه كالزمان، فتأمل.

(51) فيجوز الاعادة، إذ أن العارض المفارق يجوز إنفكاكه عن الماهية، وحينئذٍ فيجوز الاعادة، وهو المطلوب.

(52) أي التشخّص.

(53) وذلك الامر الذي كان لازماً لأحد هذين الشيئين عدم، تخلل العدم بين الشيء الواحد الموجود بالوجود الواحد، لا كما قيل هو وصف العدم بعد الوجود، ولا يلزم من ذلك إمتناع الوجود إبتدءاً، إذ لم يكن شـيء موجود واحد تخلل العدم بينه، فلا يلزم تخلف مقتضـى لازم الماهية عنه، وهذا الشـيء اللازم للهوية أو المهية الموجودة، لا ينفك عنها حتّى يجوز الاعادة، فالإعادة ممتنعة. وهذا الجواب يمكن أن يكون المصنف أختار الشق الثاني به، وهو أن الامتناع للازم الماهية، تقولون يلزم أن لا توجد إبتداء.

قلنا: هو لازم للماهية الموجودة أو المتشخّصة، ولم تكن الماهية في الابتداء موجودة ولا متشخّصة، فلذا جاز الوجود،ويمكن أن اختار فيه أن الامتناع لأمر مفارق للماهية.

تقولون إذن يمكن الانفكاك فيجوز الاعادة.

قلنا: هو مفارق بالنسبة إلى الماهية من حيث هي هي، ولكن بعد وجودها أو
 

(ومعنى الإمكان خلاف) الاعتقاد (الجازم) أعني(54) الاحتمال (في مثل) قولهم (ذر في بقعة الإمكان ما) موصولة (لم يذده) أي لم يدفعـه (قائم البرهان) إشارة إلى جواب دليل آخر إقناعي(55) لهم. وهو أن الأصل فيما لا دليل على امتناعه ووجوبه هو الإمكان(56) كما قال الحكماء: كل ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان، ما لم يذدك عنه قائم البرهان. والجواب أن التمسك بالأصل بعد إقامة الدلائل على الامتنـاع أمر غريب، وبعد فيه ما فيه(57).

تشخصها صار لازماً لها، ويمكن أنه يُجْعَلَ هناك قسم رابع.

ويرد على الخصم: بأن القسمة غير حاصـرة، والقسم الرابع هو اللازم للماهية الموجودة أو للهوية.

(54) أ ي بالإمكان.

 (55) لا برهاني، إذ يشتمل على مقدّمات ظنية.

(56) الخاص، وكذا كلّما أطلق لفظ الإمكان مجرداً عن القرائن.

(57) قال في الحاشية([302]) ما ملخصه: أنه إن اُريد بكون هذا أصلاً، كونه كثيراً
راجحاً، فلا نسلّم كون الإمكان الذاتي أكثر وأرجح، فيما لا دليل على وجوبه وإحتماله.

وإن اريد أن الظن يلحق الشـيء الأعمّ الاغلب، والإمكان الذاتي هو الأعم الأغلب، فالمشكوك يلحق به. فنقول: إن الظن لا يغني في هذه المسائل، بل لابدّ من الاعتقاد والجزم فيها، على أن الحجية إنما قامت على خصوص بعض الموارد؛ وإن أريد بكونه أصلاً أنه لا يعدل عنه إلا لدليل، فليس شيء من الوجوب والإمكان كذلك.

ومعنى(58) ما قاله الحكماء أن ما لا دليل على وجوبه ولا على امتناعه لا ينبغي أن تنكروه، بل ذروه في سنبله وفي بقعة الاحتمال العقلي، لا أنه يعتقد إمكانه الذاتي.

(58) هذا إبطال ثالث لهذا الدليل، وهو أن مراد الحكماء([303]) بالإمكان هو الاحتمال، لا الإمكان الذاتي، فلا معنى للاستدلال بهذا.

 

 [15]

غرر في دفع شبهة المعدوم المطلق

لِعَقْلِنا اقتدارُ أنْ تَصـوّرا
 

 

عَدَمُه وغيرُه ويُخْبَرا
 

عنْ نفيِ مُطْلَقٍ بِلا إخـبارِ
 

 

وبامتناعٍ عن شريكِ البـارِيْ
 

وثابتٍ في الذّهنِ واللا ثابِـتِ
 

 

فِيْهِ عَنِ الشيءِ بِلا تَهافُتِ
 

فَما بِحَمْلِ الأوليْ شريكُ حَقْ
 

 

عدَّ بِحَمْلٍ شائعٍ مما خَلَقْ
 

وعدماً قِس أنّهُ ذاتاً عَـدَمْ
 

 

لكن ثبوتٌ حيثُ بالذهن ارتَسَمْ
 

 

 

 

[15]

غرر في دفع شبهة المعدوم المطلق

لما كان النفس الناطقة من عالم الملكوت(1) والقدرة (2) كان (لعقلنا(3) اقتدار أن تصورا عدمه) أي عدم نفسه، فيلزم اتصاف العقل بالوجود والعدم (و) عدم (غيره) من الموجودات الخارجية، فيلزم اتصافها حينئـذٍ(4) بالوجـود والعدم(5). (و) له اقتدار أن (يخبرا عن نفي مطلق) وعدم بحت.

وهذا(6) من إضافة الموصوف إلى الصفة. وقولنا (بلا إخبار) صلة(7) (لقولنا أن يخبرا. والمعدوم المطلق لا يخبر عنه أصلاً، وهذا إخبار عنه(8) بلا إخبار. (و) أن يخبر (بامتناع عن شـريك الباري) فيقول شـريك الباري ممتنع، مع أن الإخبار عن الشيء، يتوقف على تصوره، وكل ما يتقرر في عقل أو وهم، فهو
 

المصنف عنون هذا البحث بهذا العنوان، لاشتماله على هذه الشبهة المشهورة بين الحكماء، بخلاف باقي الشُبَه([304]).

(1) الذي هو عالم النفوس كما تقدّم، قد قال الاستاذ المراد به هو أعمّ من عالم الجبروت أي العقول، والملكوت أي النفوس والمثال.

(2) أي عالم القدرة، فهي مقتدرة على إيجاده، أي حقيقة فيها.

(3) الذي هو جزء من النفس.

(4) أي اتصاف الامور الخارجية حين تصوّر عدمها.

(5) إذ هي عند تصوّر عدمها موجودة في الذهن، وإلا فلا يمكن فرض نسبة العدم إليها.

(6) أي قولنا نفي مطلق.

(7) أي متعلق.

(8) فاجتمع النقيضان؛ لأن المعدوم المطلق حينئذٍ أُخبر عنه، ويناقضه عدم الاخبار عنه، فيلزم اجتماع النقيضين.

من الموجودات(9) ويحكم عليه(10) بالإمكان لا بالامتناع.

(وثابت) بالجر أي ويخبر بثابت (في الذهن واللاثابت فيه) أي في الذهن (عن الشـيء) متعلق بـ(يخبر) المقـدّر أي يخبر على سبيـل الانفصال الحقيقي عن الشـيء، بأنه إما ثابت في الذهن(11) أو لا ثابت فيه(12) مع استدعاء ذلك(13) تصور ما ليس بثابت(14) في الذهن المستلزم لثبوته في الذهن.

فيظهر مما ذكرنا أن في هذه كلّها تناقضاً وتهافتاً بحسب الظاهر. فأشـرنا إلى أن لا محذور في ذلك بقولنا: (بلا تهافت) أي في كل واحد (فما بحمل الأولي) الفاء للسببية(15) بيان لعدم التهافت (شـريك حق) سبحانه وتعـالى (عـد بحمل شائع مـمـا خلق).

(9) فحينئذٍ لزم اجتماع النقيضين وهو في شـريك الباري؛ لأنه موجود لوجوده في الذهن، ومعدوم للإخبار عنه بالممتنع.

(10) فعلى هذا أيضاً يلزم التناقض؛ لأنه يصدق على شـريك الباري - عند الحكم عليه بالامتناع - أنه ممكن، لوجوده في الذهن، وممتنع لأنه أخبر عنه بذلك.

(11) أي قابل لأن يثبت فيه، أو المراد بالذهن الذهن العالي، أي العقول كالماهيات، فإنها ثابتة في الذهن.

(12) كحقيقة الوجود، فإنها لا يمكن أن تأتي في ذهن ذاهن؛ وإلا لزم الانقلاب، والاشكال في هذا الشق لا غيره.

(13) أي استدعاء التقسيم.

(14) لاستحالة الحكم بالمجهول، والاقسام حكم على المقسم، فالشـيء الذي ليس بثابت بهذا العنوان ثابت في الذهن؛ لأنه وجد فيه، وأيضاً ليس بثابت؛ لأنه حكم عليه بأنه ليس بثابت، فالشـيء الذي ليس ثابتاً أجتمع فيه النقيضان.

(15) وحاصل الجواب عن تلك الإشكالات: أن ليس هناك تناقض لاختلاف الحملين.

فالإشكال الأول يرتفع: إذ أن العقل موجود بالحمل الشائع، ومعدوم بالحمل الأولي، إذ العدم الذي تصوره ليس عدماً بالحمل الشائع، إذ لا يترتب عليه آثار، أذ هو ليس من أفراد العدم، فهو عدم العقل بالحمل الأولي.

فكما أن الجزئي جزئي مفهوما ولكنه مصداق للكلي، فكذا شـريك الباري شـريك الباري مفهومـاً، وممكن مخلـوق للبـاري مصداقاً. ورأيت(16)
 

وكذا الإشكال الثاني: فإن الأمور الخارجية موجودة بالحمل الشائع لوجودها في الخارج، وهي معدومة بالحمل الأولي، إذ أن تصور عدمها ليس من أفراد العدم.

كذا الإشكال الثالث: فإن قولنا النفي المطلق لا يخبر عنه هو إخبار بالحمل الشائع، ولا اخبار عنه بالحمل الأولي، إذ هذا عين اللاإخبار عنه.

وكذا الإشكال الرابع: فإن صورة شـريك الباري، شـريك الباري مفهوماً وبالحمل الأولي، وهو ممتنع بحسب المفهوم، ولكن تلك الصورة مخلوقة للباري وأوجدها الباري، وهي ممكنة لا ممتنعة، كل ذا بالحمل الشائع.

وكذا الإشكال الخامس أيضاً إرتفع: إذ أن ما ليس بثابت هو ليس بثابت بالحمل الأولي، وثابت بالحمل الشائع.

فالإشكالات الخمسة كلّها ارتفعت، لكون الاختلاف في الحمل، ولذا اشار إليها إلى الرفع بالبيتين اللذين سيجيء الكلام فيهما.

(16) قيل هو الشيخ أحمد الأحسائي([305]).

من له حظّ من الذوقيات(17) ولا حظّ له من النظريات يقول: شـريك الباري
لا يتصور(18) وفرض المحال(19) محال. فيقال له ولأمثاله: لولا كنتم
مغالطين(20) ولم يختلط(21) عليكم المفهوم والمصداق، لدريتم(22) أن كل مفهوم تحقق في ذهن أو خارج، لم يخرج عن كونه ذلك المفهوم، ولم ينقلب حد ذاته(23) بل الوجود يبرزه على ما هو عليه. فالبياض إذا وجد فـي الخـارج أو في الذهن عاليـاً(24) كان أو سافلاً(25) لم يخرج عن كونه بياضاً(26) ولم ينقلب

 

(17) أي العرفانيات، وحاصل كلام هذا الشخص أن غرضه دفع هذه الإشكالات، وحاصله: أن هذه كلّها فروض للمحال، والمحال لا يمكن فرضه.

(18) أي يلزم وجوده وفرضه في الذهن.

(19) أي وجوده.

(20) فهذا إشكال أول على جواب هذا الشخص وحاصله: أن هذه مغالطة، إذ أن تصور المحال عبارة عن وجود مفهومه، وفرض المحال محال، أي فرض مصداقه ووجوده في الخارج هو المحال لا مفهومه، فاشتبه المصداق بالمفهوم، فالآثار المترتبة على المصداق وثَبَتْ على المفهوم.

(21) اشار إلى أن هذه المغالطة ناشئة من اشتباه المفهوم بالمصداق، وللمغالطة أنواع، من جملتها هذا النوع كما ذكره المصنف في المنطق.

(22) هذا هو الجواب الثاني عن إشكال ذلك الشخص.

(23) فحينئذٍ عندما يوجد المحال في الذهن لم يكن ممكناً.

(24) كأذهان المجردات كالعقول.

(25) كأذهاننا.

(26) بالحمل الأولي.

وجوداً(27) كما أن وجوده(28) لم يصـر بذاته بياضاً. فمفهومات المحال
وشـريك الباري(29) والمعدوم المطلق وغيرها كذلك؛ لا تنسلخ عن أنفسها. فإذا فرضتم مفهوم المحال، كيف يقال: فرضتم مفهوم الممكن(30) أو
مفهوم الواجب؟(31) وثبوت الشيء لنفسه(32) ضروري وسلبه عن نفسه
محـال.

(وعدما قس)(33) فإنه جزئي(34). آخر من هذه القاعدة(35) (أنه) في
 

(27) أي ولم ينقلب البياض وجوداً، بل هو مركّب من وجود وبياض([306]).

(28) أي وجود البياض لم يكن بياضاً، فليس أحدهما ينقلب إلى الآخر.

(29) أي ومفهوم شـريك الباري، ومفهوم المعدوم المطلق.

(30) فلا معنى لكلام الشيخ أحمد الأحسائي، إذ لم يفرض مفهوم الممكن، بل فرض مفهوم الممتنع، نعم هو ممكن بالحمل الشائع.

(31) هذا جاء به على سبيل التمثيل، وإلا لم يكن عندنا هناك مفهوم المحال يصدق عليه أنه مفهوم الواجب.

(32) الواو للحال، أي كيف يقال والحال أن ثبوت الشـيء لنفسه ضـروري كالامتناع، فشريك الباري الممتنع شـريك الباري الممتنع.

(33) أي قسه على شـريك الباري.

(34) هذا بيان لوجه القياس.

(35) وهي لزوم اجتماع المتناقضين، وذلك لأن العدم إذا تصور فهو عدم، ووجود لأنه موجود في الذهن، فأجاب أيضاً: بأنه لا تناقض لاختلاف الحملين، فهذا البيت اشارة إلى اشكال ودفعه.

موضع(36) التعليل(37) (ذاتا) أي مفهوماً (عدم لكن) ذلك العدم بالحمل الشائع (ثبوت حيث) تعليلي (بالذهن ارتسم).

(36) أي أتي بها في هذا المكان لأجل التعليل.

(37) أن حيث تعليلي إلى حمل الثبوت على العدم.

 

 [16]

غرر في بيان مناط الصدق في القضية

الحُكْمُ إنْ في خارجيةٍ صَدَقْ
 

 

مِثْلُ الحَقِيقِيَّةِ للعَيْنِ انْطَبَـقْ‏
 

وَحَقُّهُ مِنْ نِسْبَةٍ حُكْمِيَّةْ
 

 

طِبْقٌ لِنَفْسِ الأَمرِ في الذهنيّـةْ
 

بحَدِّ ذاتِ الشّيءِ نفسُ الأمرِ حـَدْ
 

 

وَعالم الأمْرِ وذا عقلٍ يُعَدْ
 

مِنْ خارجٍ أعَمّ إذ للـذِّهْنِ عَـمْ
 

 

كما من الذِّهْنيِّ مِنْ وَجْهٍ أَعَمْ
 

إذْ في صَوادقِ القضايا صُدِّقا
 

 

وفي كواذبِ وحَقٍّ فُرِّقا
 

 

 

 

[16]

غرر في بيان مناط الصدق في القضية

(الحكم(1) إن في) قضية (خارجية صدق. مثل) حكم القضيّة (الحقيقيـة) الصادقة (للعين(2) انطبـق وحقه(3) من نسبة(4) حكمية) تامة خبرية،
والتعبير بالحق(5) للإشارة إلى اتحاده بالذات(6) مع الصدق. فإن الصادق
هو الخبر المطابق بالكـسـر للواقع، والحق هو الخبر المطابق بالفتح للواقع

 

جرت عادة القوم أن يعقبوا بحث العدم بهذا البحث؛ لأن النسبة من الاعتباريات وهي معدومة.

فإن قلت: نسمعهم يقولون هذه النسبة خارجية، وتلك ذهنية.

قلنا: المراد أن الخارج ظرف نفس النسبة لا وجودها، كتعبيرهم عن الاعدام بالملكة الخارجية، أي أن الخارج ظرف نفسها، ومعنى كون الخارج ظرف لنفس الشـيء دون وجوده، والحالة أن الشـيء يرتفع عن المحل بارتفاع وجوده، هو أن هذه الاعدام لا يمكن أن تتصف بالوجود، والاعتباريات لا وجود لها، بل إنما هي موجودة بوجود المعتبر فيه، فهي في الحقيقة لا وجود لها، فهذان القسمان قيل فيهما: أن الخارج ظرف لنفسهما لا لوجودهما.

(1) أي النسبة الحكمية التي هي الوقوع أو اللاوقوع.

(2) أي للخارج إنطبق، أي صدق الحكم انطباقه للخارج، غاية ما في الباب، في الخارجية يكون إنطباقه للخارج المحقق، وفي الحقيقة يكون أنطباقه للخارج المحقق أو المقدّر؛ لأن الحكم فيها يعمّ المحقق والمقدر الحكم.

(3) أي وصدق الحكم، وهذا بيان لمناط صدق الحكم في القضية الذهنية.

(4) لفظ من هذا للسببية، أي صدق الحكم كائن بسبب نسبة حكمية في الذهنية، طبق نفس الأمر هذا إنْ قرأ وحقه بالضمير، وأما إنْ قرأ بالتاء التأنيث فمن للبيان.

(5) أي وإنما عبّرنا عن صدق الحكم في المتن بحقيّة الحكم، ولم نقل وصدقه.

(6) وإن اختلفا بالاعتبار، إذ أن الصدق هو مطابقة الخبر للواقع، والحق هو مطابقة الواقع للخبر.

(طبق(7) لنفس الأمر في الذهنية) متعلق بالنسبة(8) الحكمية.

وتلخيص المقام أن القضية قد تؤخذ خارجية، وهي التي حكم فيها على أفراد موضوعها الموجودة في الخارج محققة، كقولنا قتل من في الدار، وهلكت المواشـي نحوهمـا مما الحكم فيها مقصور على الأفراد المحققة الوجود. وقد تؤخذ ذهنية، وهي التي حكم فيها على الأفراد الذهنية فقط، كقولنا(9) الكلي إما ذاتي وإما عرضـي، والذاتي إما جنس وإما فصل. وقد تؤخذ حقيقية(10) وهي التي حكم فيها على الأفراد الموجودة في الخارج، محققة كانت أو مقدّرة، كقولنا: كل جسم متناه(11) أو متحيز أو منقسم إلى غير النهاية(12) إلى غير ذلك من القضايا(13) المستعملة في العلوم.

إذا عرفت هذا، فنقول: الصدق في الخارجية باعتبار مطابقة نسبتها لما في الخارج، وكذا في الحقيقية، إذ فيها أيضاً حكم على الموجودات الخارجية، ولكن

(7) هذا خبر قوله: وحقه.

(8) أي وصدق الحكم كائن، بسبب كون النسبة الحكمية في القضية الذهنية طِبْقاً لنفس الأمر.

(9) بل قيل: أن مسائل علم المنطق كلّها ذهنية، إذ موضوعاتها من المعقولات الثانية التي لم توجد في الخارج.

(10) وسمّاها بعض المتأخرين حقيقية خارجية، وجعل مقابلها الحقيقة الذهنية، وهي التي يكون الحكم فيها على الأفراد الموجودة في الذهن حالاً، والتي ستوجد فيه، وجعل القضايا بالمنطقية كلّها من هذا القبيل.

(11) في الابعاد الثلاثة.

(12) وهي ذرات صغار، وقد يسمونها الأجزاء الذيمقراطيسية([307]).

(13) الحقيقية، وأما الخارجية والذهنية فقليل استعمالها في العلوم.

محققة أو مقدرة(14). وأما الصدق في الذهنية فباعتبار مطابقة نسبتها لما في نفس الأمر، إذ لا خارج لها تطابقه.

وأما نفس الأمر، فقد أشـرنا إلى تعريفه بقولنا (بحدّ ذات الشـيء نفس الأمر حد) أي حد وعرف نفس الأمر بحد ذات الشـيء.

والمراد الذات هنا مقابل فرض الفارض. ويشمل مرتبة الماهية(15) والوجودين الخارجي والذهني. فكون الإنسان حيواناً في المرتبة(16) وموجوداً
في الخارج(17) أو الكلي موجوداً في الذهن، كلّها(18) من الأمور النفس الأمرية، إذ ليست بمجرد فرض الفارض، كالإنسان جماد(19). فالمراد بالأمر هو
الشيء نفسه. فإذا قيـل: الأربعة في نفس الأمـر كذا معناه أن الأربعة في حدّ
ذاتها كذا. فلفظ الأمر هنا من باب(20) وضع المظهر موضع المضمـر. ثم أشرنا إلى ما قيل إن نفس الأمر هو العقل الفعال(21) بقولنا (وعالم الأمـر وذا) أي ذلك

 

(14) وهي مطابقة للنسبة الخارجية المحققة أو المقدرة.

(15) لنا ثلاث مراتب: الوجود الخارجي، والوجود الذهني، والماهية من حيث هي، فهي لا موجودة ولا معدومة، ونفس الأمر([308]) يشمل هذه المراتب الثلاث.

(16) أي ثابت له في مرتبة الماهية.

(17) أي فكون الإنسان موجوداً ثابت في الخارج.

(18) أي كون الإنسان حيواناً في المرتبة، وكونه في الخارج، وكون الكلي موجوداً في الذهن، فإن كل هذه من الأمور موجودة في نفس الأمر.

(19) فإن الذهن فرض جمادية الإنسان، وليس أمراً ثابتاً في حدّ ذاته، وكذا سائر الكواكب.

(20) أي في نفسه، فالأمر عبارة عن الشـيء الذي أخبر عنه أنه في نفس الأمر.

(21) قال الاستاذ بعد الجدال معه ما ملخصه: أن العلماء متّفقون على كون الوجود في
 

العالم(22) (عقل) كلي(23) يعد أي و(يعد) نفس الأمر عند
 

نفس الأمر هو وجود الشـيء في نفسه، ولكن اختلفوا أن وجود الشـيء في نفسه المسمّى بوجود الشـيء في نفس الأمر، هل هو وجود الشـيء في حدّ ذاته، أو وجوده في العقل الفعال([309]).

ولذا المصنف يبطل القول بالوجود في العقل الفعّال، بل وجود الشـيء في عالم المادة لا شك بأنه وجود الشـيء في نفسه ونفس الأمر، وليس وجوده في العقل الفعال، فلا بد أن يراد به وجوده في حدّ ذاته، فإن وجود الشـيء في عالم المادة وجود له في حدّ ذاته، بدون اعتبار فرض فارض. والعقل الفعّال هو عند الحكماء العقل العاشـر([310])، وعند العرفاء هو رب النوع([311]).

(22) أي عالم الأمر، وسيجيء عالم العقل.

(23) أي محيط واسع منبسط، وليس المراد بالكلية الصدق على كثيرين، بل هو
 

البعض(24) عالم الأمر، وذلك العالم عقل(25) كل صغير(26) وكبير وبسيط ومركّب فيه مسّتطر(27).

والتعبير بالعبارتين(28) للإشارة إلى الاصطلاحين:

أحدهما اصطلاح أهل الله(29) حيث يعبرون عن عالم العقل بعالـــــــم الأمـر مقتبسين مـن الكتاب الإلهي [أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ](30).

جزئي، بل المراد بها ما ذكرنا من الاحاطة.

(24) كما نقل العلّامة عن الخواجة نصير الدين الطوسـي([312]) في شـرح التجريد ان المراد بنفس الامر هو العقل الفعّال.

(25) اي يسمّى بالعقل الفعّال.

(26) مبتدأ وخبره فيه مستطر.

(27) اي موجود فيه، اي في ذلك العالم الذي يسمّى (عالم الامر) و(عالم العقل الفعّال).

(28) وهما عالم الامر وعالم العقل.

(29) هم العرفاء الشامخون([313]).

(30) قال بعض الشارحين([314]): المراد بعالم الخلق عالم المحسوسات، ويقال له عالم الشهادة وعالم الملك وعالم الاجسام والعالم السفلي، والمراد بعالم الامر هو ما وراء المحسوسات، ويقال له عالم الغيب وعالم الملكوت وعالم الاوراح والعالم العلوي، فلما كان عالم العقل عبّر عنه الله تعالى في كتابه المجيد بالأمر، فلذا سمّاه
 

وهذا التعبيـر أنسب(31) لنفس الأمـر. وإنمـا عبّـر تعـالى عنه بالأمر(32) لوجهين: أحدهما من جهة اندكاك إنيته(33) واستهلاكه في نور الأحدية(34) إذ
 

العرفاء عالم الامر، وعلى هذا المعنى حمل قوله تعالى [قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي]([315]) اي من عالم المجردات.

(31) اي والتعبير بعالم الامر عن معنى نفس الامر، انسب من التعبير عنه بعالم العقل، والمناسب من جهة اللفظ، اذ حينئذٍ يشتمل هذا التعبير على لفظ الامر، دون الثاني، فيشترك مع المفسّـر في اللفظ، وايضاً حينئذٍ قولنا نفس الامر من وضع الظاهر موضع المظهر، الذي هو غير مستحسن عند علماء البيان، اذ حينئذٍ المراد بالأمر هو عالم العقل والمجردات، لا الشـيء نفسه، بخلاف التعبير بعالم العقل، فلا يشعر بذلك.

(32) أي عن عالم العقل وسائر المجردات.

والمصنف يريد أن يذكر فائدة مستطردة لا ربط لها بأصل المطلب، وهي:

أن الله عز وجل لِمَ عبّر في كتابه المجيد عن عالم العقل وسائر المجردات بالأمر. وذكر لذلك علّتين:

أحداهما: وهي الأولى مبنية على القول بأن عالم العقول وجودات بدون ماهية، وليست لها ماهية.

والثانية: مبنية على كون عالم العقول لها ماهية.

(33) أي وجوده، أعني وجود العقل الفعّال.

(34) هذا عطف تفسير، والنور الأحديّة هو نور الله تعالى، أي أن وجود العقل الفعّال مندك ومستهلك في وجوده تعالى، كاستهلاك نور القمر الذي هو مستفاد من نور الشمس في نور الشمس نهاراً.

بحيث لو سألته يقول: من رآني فقد رأى الله عز وجل ، كنور القمر بالنسبة إلى نور الشمس في النهار، بحيث لو رأيته فقد رأيت نور الشمس.

العقول(35) مطلقاً من صقع الربوبية(36).بـل الأنوار الأسفهبـدية(37) لا ماهيـة لها(38) على التحقيـق.

(35) مطلقاً العقل الفعّال وغيره من باقي العقول، وغرضه بهذا أن يبيّن ويستدل على أن العقول مندكة في النور الأحدي.

(36) أي من طرف وناحية وجهًة هي الربوبية، فهي وجود بَحْتٌ لا ماهية له ولا مادة، وليس في جهة الربوبية ماهيات ولا مواد، كيف والماهيات مثار الكثرة والمادة من شأن النواقص لا من شأن الكمال، ولذا قيل أن التجرد من المادة هي الغاية، ولا نقص فإذا لم يكن لها ماهية ولا مادة، فليس هناك شـيء يقتضـي المغايرة بينها وبين النور الأحدي، إذ الذي يقتضـي المغايرة والبينونة هو الماهية والمادة ولواحقها؛ من حركة وتحوّل وتحيّز وتحديد، فلا فرق بينه وبينها، فإذا لم يكن هناك فرق فثبت المدعى أنها مستهلكة ومندكة فيه، وهو المطلوب.

(37) التي هي أقل مرتبة من العقول، وقوله (فكيف بالعقول) وذكرها في المقام ليس الغرض منه إلا صـرف التأييد، لكون العقول لا ماهية لها.

هذا، ومعرب اسفهبد([316]) اي مدبّر الجسم، والمراد بها النفوس الناطقة.

(38) أي للعقول والأنوار الاسفهبدية، وإنما نفي الماهية فقط عن العقول، مع أن الحال يقتضـي أن ينفي المادة أيضاً، إذ ان نفي الماهية لا يستلزم نفي المادة، ولذا لا نقول بالاندكاك والاستهلاك في الانوار الاسفهبدية، إذ لها تعلّق بالمادة والأجسام، فنقول في الجواب: أن العقول مسلّم بينهم على أنه لا مادة لها، ويكاد يكون فيما بينهم من البديهيات، نعم نفي الماهية عنها مما وقع فيه النزاع والحيص والبيص، ولذا قال على التحقيق، وعلى هذا البناء أتي بالفاء التفريعية وقال فمناط...الخ.

فمناط البينونة(39) الذي هو المادة(40) في العقول فلا مادة.سواء كانت خارجية(41) أو عقلية(42) مفقود فيها(43).

فهي مجرد الوجود(44) الذي هو أمر الله وكلمة كن الوجودية النورية.

(39) أي التغاير بين الاشياء والنور الأحدي([317]).

(40) إذ أن الشـيء مع تجرده عن المادة بالمعنى الأعمّ، قصده المصنف يكون مشابهاً للذات المقدّسة، حتّى يكون لا فرق بينه وبينها إلا بالإمكان والوجود، إذ ان الشـيء مع مشابهة للشـيء الآخر من جهة، يكونان من تلك الجهة شـيئاً واحداً، والنور الأحدي لا فرق بينه وبين الأشياء، إلا بكونه لا مادة له - أي هيولى وصور- ولا ماهية، وواجب الوجود والعقول لا مادة لها - كما هو مسلّم عند من قال بها - ولا ماهية كما سيبرهن عليه هي ممكنة، فهي متحدة معه، والاختلاف بالوجوب والإمكان لا يضـر بالاتحاد.

(41) وهي التي يعبر عنها بالجسم، التي هي عبارة عن الصور والهيولى.

(42) وهي الماهية، فإنها يقال لها مادة عقلية.

(43) أي في العقول، وإنما جعلنا الضمير عائداً إلى العقول فقط دون الأنوار الاسفهبدية؛ لأنها غير مندكة بالنور الأحدي لتعلّقها بالمادة، أي الأجسام، وإن كان لا مادة عقلية لها، إذ لا ماهية، ولكنها لها مادة خارجية لتعلقها بها.

(44) فبعد أن ثبت أنها مستهلكة، حيث لا مادة عقلية ولا خارجية، فهي حينئذٍ مجرد الوجود المفاض من النور الأحدي، الذي هو أمر الله عز وجل ، إذ أن الله عز وجل ليس له الألفاظ، بل أن أوامره هي أفعاله، وحيث إن أمره ليس هو الماهيات، إذ أن الماهيات غير مخلوقة له كما سيجيء، فليس أمره إلا الوجود البحت الذي هو عبارة عن العقول، والعقول منها افيض عليها الوجود، فلما كانت العقول هي أمر الله عز وجل لذلك عبّر عنها الله تعالى في كتابه بلفظ الامر.

وثانيهما(45) أنه وإن كان(46) ذا ماهية(47) يوجد بمجرد أمر الله
وتوجه كلمـة كن إليه من دون مؤنة زائـدة من مادة وتخصّص استعداد(48) فيكفيه(49) مجرد إمكانه الذاتي.

والآخر(50) اصطلاح الحكماء حيث يعبرون بالعقل عن المفارقات المحضة(51).

وهذه العبارة(52) أيضا كثيرالدور في لسان الشريعة.

(45) هذا هو التعليل الثاني لتعبير الله عز وجل عن العقل بالأمر، وهو مبني على أن لها ماهية كما هو المشهور.

(46) أي إن العقل أو الأمر والشأن.

(47) حاصله: أن الماهيات عند وجودها، لابدّ من أن تكون هناك مادة مستعدة لقبول صورة تلك الماهية النوعية، وأن يكون وجودها ممكناً بالإمكان الذاتي، ولكن العقول على تقدير أن يكون لها ماهية، فلا يحتاج وجودها إلى مادة متصفة بالاستعداد، بل يكفي في مجرد وجودها إلى الإمكان الذاتي، وكلمة (كن) الوجود به، ولا تحتاج إلى مادة هناك مستعدة لقبول صورتها كما سيجيء.

(48) في المادة، أي أن يكون استعداد مخصوص لماهياتها، كسائر الاستعدادات المختصة بكل ماهية ماهية، فإن استعداد المادة للإنسانية غير استعدادها للفرسية.

(49) أي يكفي وجود العقل، فكلمة (كن) قائمة مقام الاستعداد المادي، فلما كان في العقل كذلك، بأن استغنى بأمر (كن) عن استعداد المادة في العقل، عبّر عنه بالأمر.

(50) والآخر اصطلاح، أي والتعبير الآخر عن نفس الأمر بالعقل هو اصطلاح الحكماء([318]).

(51) للمادة الخارجية، أي المجردات المحضة، أي التي لا تعلق لها بالمادة أصلا، وهذه هي العقول، وأما المفارقات الغير المحضة، بمعنى أنها لها افتراق عن المادة ليس إفتراقاً محضاً، بل لها تعلّق واتصال بها، وهذه هي النفوس، فإنها لا ماديات كالحجر، ولا مفارقات للمادة تماماً، بل لها تعلّق بالمادة كما سيجيء أيضاً.

(52) أي العقل كثير الوجود في لسان الـشـرع كما ورد: (إن الله أول ما خلق العقل،
 

ويمكن أن(53) يجعل يعدّ(54) من العدّ بمعنى الحسبان(55) لا الحساب، تنبيها على أولوية المعنى الأول(56) لأن ظهور الشيء بوجود تجردي(57) أو مادي(58)
 

ثمّ قال له: اقبل فاقبل، ثمّ قال له: أدبر فادبر، ثمّ قال: وعزتي وجلالي ما خلقت أشـرف منك)([319]) وغير ذلك، فليراجع كتب الاخبار([320]).

(53) هذا شـروع في الإشكال على من فسـّر نفس الأمر بأنه العقل الفعّال، ويمكن أن يجري هذا الإشكال على من فسّـر نفس الأمر بعلم الله عز وجل .

وحاصل هذا الإشكال: أن وجود زيد في عالم المادة وجود في نفس الأمر، وليس وجوداً في عالم العقل الفعّال، أو علم الله عز وجل ، إذ المفروض أن وجوده المادي في حدّ نفسه لا يفيد كونه في علم الله عز وجل ، أو في العقل الفعّال، فهو وجود في حدّ ذات الشـيء، وليس وجوداً في علم الله عز وجل أو العقل الفعّال.

(54) أي الموجودة في النظم.

(55) أي الظن، معناه أنه ظن بعضهم هذا التفسير في نفس الأمر، وحينئذٍ أي أنه ليس بمتين لورود هذا الإشكال المذكور، فتكون (يعدّ) في البيت إشارة إلى الإشكال المذكور.

(56) لنفس الأمر، وعبّر بالأولوية من أن المقام يقتضي أن يقول والصواب؛ لأن الأولوية قد تستعمل للتعيّن، كأولوية أوُلي الأرحام.

ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بما اوردته على الاستاذ في مجلس درسه: من أن الشـيء أي وجود فرضته له فهو موجود في علم الله عز وجل والعقل الفعّال.

(57) كظهور الله عز وجل ووجوده.

(58) كوجودنا في عالم الجسم، فوجود الشـيء في نفس الأمر هو وجوده في نفس
ذاته التجردي أو المادي، فمعنى المطابقة لنفس الامر: هو المطابقة لذلك الوجود
وكونه(59) عند شيء، مادة(60) كان أو لوحاً عالياً نوريّاً خارج(61) عن نفسه. ثمّ بيّنا النسبة بين نفس الأمر(62) والخارج والذهن بقولنا (من خارج أعم) أي

 

الثابت له في حد ذاته، مادياً كان أو تجردياً.

(59) أي كون ظهور الشـيء ووجوده.

(60) أي وجود الشـيء المرهون بالمادة أو اللوح المحفوظ، خارج هذا عن وجوده في نفسه، إذ هو تقييد لوجوده في نفسه، فقولكم وجود النفس الأمري هو الوجود عند العقل الفعّال لم يكن له معنى، إذ الوجود عند العقل الفعّال هو وجود الشـيء ليس في نفسه، بل وجود الشـيء بقيد كونه في العقل الفعّال، فالنفس الأمر هو الوجود بطور الماهية اللابشـرط.

(61) عن نفسه أي عن وجوده في نفسه.

(62) توضيح هذا المقام: أن النسبة بين الخارجي والنفس الأمري والذهني - أعني الواقع في نفس الأمر - والخارج والذهن، فنقول كل نسبة كانت متحققة في الخارج، فهي متحقّقة في نفس الأمر، إذ هي حينئذٍ موجودة بدون فرض فارض، وليس كلّما تحققت النسبة في نفس الأمر تحققت في الخارج، كما لو كانت ذهنية لا توجد في الخارج، كجنسية الحيوان وكلّية الإنسان، فبين الخارج ونفس الأمري عموم مطلق، والعموم في جانب النفس الأمري، وأما النسبة بين الذهني ونفس الأمري عموم وخصوص من وجه، فإنهما يجتمعان في زوجية الأربعة، إذ هذه النسبة موجودة في نفس الأمر بدون فرض فارض، وهي توجد في الذهن، وكذا جنسية الحيوان، وتوجد النسبة الذهنية بدون أن تكون نفس الأمـرية في الكواذب، كزوجية الخمسة، فإنها ليست موجودة في حدّ ذاتها، بل بفرض الفارض، وهي موجودة في الذهن دون نفس الأمر، وتوجد النسبة النفس الأمرية بدون أن توجد الذهنية، كوجود الله تعالى، فإنه لا يوجد في ذهن ذاهن كما قرر في محلّه، وبين الخارجية والذهنية عموم من وجه، لاجتماعهما في زوجية الأربعة، إذا يصدق عليها نسبة خارجية، وأيضاً كنسبة ذهنية لوجودها في الذهن والخارج.

وتتفرد الذهنية عن الخارجية في الكواذب، فإنها نسبة موجودة في الذهن
دون الخارج، وتتفرد الخارجية عن الذهنية كما في وجود الله تعالى، فإنها
نسبة خارجية لا ذهنية.

فظهرت النسبة بين الخارجي والذهني ونفس الأمري، ومنه يعلم النسبة بين الخارج والذهن ونفس الأمر، إذ ما يكون من النسبة بين المشتقات تكون بين مبادئها، فبين الخارج ونفس الأمر عموم مطلق، وبين الذهن ونفس الأمر عموم من وجه، يجتمعان في زوجية الأربعة.

ويفترق الذهن في الكواذب ونفس الأمر في وجوده تعالى، وبين الذهن والخارج أيضاً عموم من وجه، لاجتماعهما في زوجية الأربعة، ويفرق الذهني في الكواذب، ويفترق الخارج في وجوده تعالى.

فإن قلت: إن بين الذهن والخارج تباين، إذ لا يصدق أحدهما على ما يصدق عليه الآخر، ولا نسلم أن النسبة الواقعة بين المشتقين لابد من وجودها بين المبدئين، كيف وبين الناطق والضاحك تساوي، والحالة أن بين الضحك والنطق لم يكن تساوي، بل بينهما التباين.

لنا: إن النسب تارة تعتبر بحسب الصدق، بأن يصدق هذا على أفراد ذاك، أو لا، وتارة بحسب التحقق، بمعنى أن هذا يتحقق مع ذاك، كما هو حال النسب بين القضايا والدلالات الثلاث، فإنه لا تصدق احداهما على ما صدق عليه الآخر، بل المراد أنهما يتحققان دفعة واحدة.

فكذا قولنا أن المشتق إذا كان بينه وبين مشتق آخر نسبة؛ كان بين مبدئيهما تلك النسبة، أي بحسب التحقق، وإن كان بين المشتقين تلك النسبة بحسب الصدق، فبين الناطق والضاحك النسبة بحسب الصدق، وبين الضحك والنطق النسبة بحسب التحقق، إذ كلّما تحقق النطق بالقوّة في مورد، تحقق الضحك بالقوة في ذلك المورد، بل من الواضح إن الاتصاف بالمشتق يستدعي وجود مبدأه فيه، فاذا فرضنا في جميع الموارد، اجتمع المبدئان بحسب التحقق في جميعها وهلم جرا، فالمراد بكون هذه المبادئ الثلاثة أعني الخارج ونفس الأمر والذهن، بينها النسب الموجودة بين المشتقات، منها أن تكون بحسب التحقق لا بحسب الصدق، ولا شك أنها بحسب التحقق تكون بينها تلك النسب هذا.

واعلم أن المحقق الداماد([321]) ادعى أن بين نفس الأمر والذهن عموماً مطلقاً ببرهانين:

الأول: أن الموجود في الذهن سواء كان من الكواذب أو غيرها موصوف بالإمكان، إذ هو ممكن الوجود في الذهن لا واجب، والإمكان من الصفات الواقعية، فالموصوف به لابد وأن يكون واقعي، إذ أن الصفة تابعة للموصوف، فلو لم يكن الموصوف واقعياً لم تكن الصفة واقعية، فالموصوف بالإمكان لابد وأن يكون واقعياً، وإلا لزم أن يكون الإمكان غير واقعي، وهذا خلف.

فالموجود في الذهن يكون واقعياً ونفس الأمري.

الثاني: أن النفس وقواها الإدراكيّة كلّها نفس الامرية، فما وجد فيها وما تعلّقت به هو أيضاً نفس الأمري، فالكواذب موجودة في نفس الأمر، فيصدق نفس الأمر على الذهن، لكون كل ما وجد فيه فهو نفس الأمري.

وللقوم أجوبة عن هذين الإشكالين، والاصح في الجواب إن يقال:

أنه عندنا معلوم بالذات وهو الصورة الذهنية، ومعلوم بالعرض وهو
الأمر الخارجي، إذ هو معلوم بواسطة الصورة الموجودة في الذهن، ومناط
الصدق في المعلوم بالذات الذي يمكن أن يكون له معلوم بالعرض، إن يطابق
المعلوم بالذات للمعلوم بالعرض، فإذا لم يكن للمعلوم بالذات أمر بالخارج يطابقه كذب.

فإذا عرفت هذا فنقول: أن الكواذب لها جهتان: جهة وجودها الذهني، وبهذا موجودة في نفس الأمر وتتصف بالإمكان، إذ أن وجودها في الذهن أمر واقعي ثابت.

والجهة الثانية: جهة عدم مطابقتها للواقع، وفي هذه الجهة يقال لها كاذبة، ولا تتصف بالإمكان، وليست متحقّقة في الواقع، فلا تكون نفس الأمرية، كذا قرره الاستاذ، فافهم.

نفس الأمر - حذف لأن الكلام قد كان فيه- أعمّ مطلقاً من الخارج (إذ للذهن عمّ)(63) فكل ما هو في الخارج فهو في نفس الأمر من غير عكس(64) (كما) أن نفس الأمر (من الذهني من وجه أعمّ).

ثمّ ذكرنا مادة الاجتماع والافتراق(65) بقولنا (إذ في صوادق القضايا) كقولنا الأربعـة زوج (صدقا) أي اجتمـع نفس(66) الأمر والذهني (وفي) قضايا (كواذب و) في (حق) مطلق عز اسمه (فرقا). ففي الكواذب مثل: الأربعة فرد، يتحقق الذهني لا النفس الأمري. وفي الحق تعالى يصدق النفس الأمري، لا الذهني، لكونه خارجياً صـرفاً لا يحيط به عقل ولا وهم. ومن هذا ظهر(67) النسبة بين الخارج والذهن(68) أيضاً. والتعبير بالذهن مرة وبالذهني أخرى للإشارة إلى جريان هـذه النسب بعينها في ذوات النسـب(69).

(63) أي شمل نفس الأمر الذهن، في موارد لم يتحقق فيها الخارج، كجنسية الحيوان وكلّيته، وغير ذلك من المعقولات الثانية.

(64) لما بينا من أن نفس الأمر يشمل موارد لم يشملها الخارج، كما في بعض الموارد الذهنية كجنسية الحيوان.

(65) لنفس الأمر والذهن.

(66) إذ هي موجودة في كليهما.

(67) أي من بيان النسبة بين الذهن ونفس الأمر، مع التمثيل للمادة الاجتماع والافتراق ظهر النسبة...الخ.

(68) وهي العموم من وجه.

(69) فسّـره المصنف بتفسيرين في الحاشية([322]) بما حاصله: أن النسب الجارية بين الخارج والذهن ونفس الأمر، كذلك جارية هي بين صاحبات النسب، أي التي اشتملت على النسبة إلى هذه الأمور الثلاثة، وهن الخارجي والذهني والنفـسـي الأمري، ويمكن أن يعكس، أي كما أن النسب واقعة في هذه الأوصاف، وهي الخارجي والذهني والنفس الأمر؛ كذلك جارية في الذوات، وهي الخارج ونفس الأمر والذهن.


 

 [17]

غرر في الجعـل

لِلرَّبْطِ والنفسيْ الوجودُ إذْ قَسَـمْ
 

 

فالجَعْلُ للتأليفِ والبسيـطِ عَمْ
 

في عَرَضِيٍّ قد بَدا مُفارِقا
 

 

لا غَيْرَ بالْجَعْلِ المُؤَلَّفِ انْطِـقا
 

في كَوْنِ ماهِيَّةَ أو وُجُودِ أوْ
 

 

صَيرُوْرَةٍ مَجْعـولاً اقْـوالاً رَوَوْا
 

وَعُـزِيَ الأولُ للإشْراقِيْ
 

 

وَقَدْ مَشى المَشّاءُ نَحْـوَ الباقي
 

بالذّاتِ بالعرضِ مِنْ مُرَكَّبِ
 

 

وَمِنْ بَسِيْطٍ في الثلاثـةِ اضْرِبِ
 

جَعْلُ الوجودِ عِنْدَنا قَدِ ارْتُضِيْ
 

 

ماهيةً مجعـولةً بالعَـرَضِ
 

كذا اتِّصافٌ وبذا الْجَعْـلِ جُعِـلْ
 

 

تركيباً الوجـود مع ذين فَنَـلْ
 

وَلِيْ على الَّذِيْ هُوَ اختيـاري
 

 

أنْ لازِمُ الماهِيَّةِ اعتـباري
 

وَكُلُّ مَعلولٍ لذيهِ قَـدْ لَزِمْ
 

 

ففي سوى المعـلولِ الأوَّل حُتِمْ
 

مِنْ قَوْلِ الاشراقِ انتزاعِيَّتُـها
 

 

وأيضاً انْسـِلابُ سِنْخِيّتِهـا
 

كالفي‏ءِ للشَي‏ءِ لـواهِبِ الصُّوَرْ
 

 

حيث انْتِفا الماهية عنه ظهـر
 

مِثْل انسلابِ كَوْنِها مُرْتَبِطَـةْ
 

 

وَذاتَ مجعـولٍ بـهِ مُشْتَـرطَـةْ
 


 

 [17]

غرر في الجعل

(للربط)(1) أي إلى الوجود الرابط -متعلق بقسم- (و) إلى الوجود (النفسـي الوجود) المطلق (إذ) توقيتية (قسم فالجعل للتأليف والبسيط عم). أي الوجود لما كان مقسوماً إلى الرابط والنفسـي(2) فعم الجعل، وانقسم إلى الجعل التأليفي والجعل البسيط. وقد خرج(3) من هذا تعريفهما(4).

فالجعل البسيط ما كان متعلّقه الوجود النفسـي(5) والجعل المؤلف ما كان
 

(1) أي في الخلق والإيجاد، وأنه بأي شـيء يتعلق، وربّما قيل على أن بحث
اصالة الوجود يغني عن هذا، إذ أن الجَعل إنما يتعلّق بالأصيل، وبالأمر الذي يُجعَل، فلو قلنا بأصالة الماهية فهي التي تُجعَل، لا الوجود إذ هو اعتباري، وكذا بالعكس.

ويقال في الجواب عنه: أنه فرّق بين البحثين، إذ أن من قال بأنه
لا جاعل- كالطبيعة- فلا يبحث عن هذا المبحث، أعني مبحث الجعل، إذ لا جاعل عنده، ولكن له أن يبحث في أن الوجود أصيل أم لا، مضافاً ]الى أنّه[ ستجيء الاشارة إلى ]إنّه[ يمكن ان يقال بأصالة الماهية، ويقال بالجعل في الوجود، وانكار العكس لا يمكن القول به كما سيأتي.

(2) إعلم أن الوجود النفسـي هو مفاد الهليّة البسيطة، والوجود الرابط هو مفاد الهلية المركّبة، وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تفصيلاً.

(3) إذ أنه إذا تعلّق بالرابط صار جعلاً تأليفياً، وإذا تعلّق بالنفـسـي صار جعلاً بسيطاً.

(4) هذا التعريف المستفاد إنما هو على رأيه، حيث أنه يرى أن الجعل إنما يتعلق بالوجود لا بالماهية، وأما على القول بأن الجعل يتعلق بالماهية؛ فلا يكون تعريفها صحيحاً.

(5) بمعنى أن يتعلق بالوجود نفسه، بحيث هو عبارة عن أيجاد الوجود، وأما جعل الوجود إلى الماهية - أي جعلها موجودة - فهو جعل تأليفي، إذ كان جعل الشيء شيئاً.

متعلّقه الوجود الرابط(6). فإن الأول(7) جعل الشـيء(8) وإفاضة نفس الشـيء، وبلسان الأدباء(9) الجعل المتعدي لواحد(10).

والثاني جعل الشـيء شيئاً(11) والجعل المتعدي لاثنين(12).

(6) بأن يجعل الماهية متصفة بشـيء، فهو جعل يتعلق بوجود الإرتباط بين شيئين، ومنه جعل الماهية مرتبطة بالوجود.

(7) أي الجعل البسيط، غرضه من هذا في لب الأمر أن يبين أن تعريفه ينطبق عليه تعريف القوم، ولكن التعريف للقوم الموجود في كتبهم، يصلح للانطباق على جميع المذاهب، وتعريفه مخصوص بمذهبه في هذا الباب.

(8) إما الوجود فقط أو الماهية فقط، كما عرّفه القوم، وأما المصنف فيقول الشـيء هو الوجود لا الماهية. وحينئذٍ جعل الوجود البسيط، هو جعل شـيء لا جعل شـيء لشـيء، فالتعريف صحيح وينطبق عليه تعريف القوم.

(9) أي أهل العربية.

(10) الذي هو عبارة عن (جعل) التامة المتعدية([323]) إلى مفعول واحد (كجعل الظلمات والنور)([324]).

(11) أي متصفاً بشيء آخر كما عرّفه القوم، وحينئذٍ الجعل الذي متعلّقه الوجود الرابط، هو جعل الشـيء شيئاً، فحينئذٍ التعريف ينطبق عليه تعريف القوم، فثبت أن تعريف المصنف صحيح، إذ أنه ينطبق عليه تعريف القوم.

(12) أي للمفعولين بلسان الادباء([325])، مثل (جعلت الطين ابريقاً) وهو
واللبيب يحدس من ذلك ما نحن بصدد إثباته من مجعولية الوجود، حيث يدور انقسام الجعل(13) مدار انقسام الوجود.

ثمّ الجعل المؤلف يختص تعلّقه بالعرضيات المفارقة لخلو الذات عنها،
ولا يتصور بين الشـيء ونفسه، ولا بينه وبين ذاتياته، ولا بينه
وبين عوارضه اللازمة(14) كالإنسان إنسان، والإنسان حيوان
والأربعة زوج، لأنها نسب ضـرورية، ومناط الحاجة(15) هو الإمكان(16)

 

(جعل) الناقصة.

(13) حيث جعلنا في البيت المتقدّم، أن انقسام الجعل إلى قسمين مترتب على انقسام الوجود، فالفطن يحدس من ذلك مذهبنا في المقام، وراينا أن الجعل يتعلق بالوجود، وإلا لو كان على مذهبنا متعلقاً بالماهية، لما كان معنى لترتيبه على انقسام الوجود، إذ لا دخل له حينئذٍ.

(14) المراد بها لوازم الماهية، فإنه عند جعل الماهية بالجعل البسيط، توجد وتحدّ، وإلا فلوازم الوجود بالنسبة إلى الماهية عوارض.

(15) إلى الجعل، هذا تعليل على كون الجعل التأليفي لا يتعلق بهذه الموارد الثلاثة، أعني بين الشيء ونفسه، وبين الشـيء وذاته، وبين الشـيء وعوارضه الذاتية.

والحاصل هذا التعليل: أن الذي يحتاج إلى الجعل هو الممكن، إذ لا وجه لترجيح طرف الوجود على العدم، فعلّة الحاجة إلى الجعل هو الإمكان، ولذا لم يتعلق الجعل بالذات المقدّسة إذ هي واجبة، ولا بوجود شـريك الباري إذ هو ممتنع، وهذه المواد الثلاث واجبات الثبوت لموضوعها، فعند وجود موضوعها يلزم ثبوتها ويجب تحققها، ولا داعي هناك إلى جعلها، وهذا فرق بينها وبين وجوب الله عز وجل ، فإن وجوب الله عز وجل سـرمدي، بخلاف وجوبها ما دام الموضوع، فإنه عند وجود الموضوع فلابد أن توجد نفسه وذاتياته ولوازمه.

(16) وهذه ثبوتها ضـروري، فالإمكان مفقود فيها.

والوجوب والامتناع مناط الغنا(17).

ولذا قال الشيخ: ما جعل الله المشمش مشمشاً، ولكن أوجده. وإلى هذا يشير قولنا (في عرضـي قد بدا مفارقا لا غير) أي لا في غير العرضـي المفارق(18) (بالجعل المؤلف انطقا) مؤكد بالنون(19) الخفيفة.

ثم لما كان الممكن(20) زوجاً تركيبياً له ماهية ووجود،
وكان بينهما اتصاف تشتتوا(21) في مجعولية الممكن(22)

 

(17) عن الجعل، فإن الشـيء إذا كان واجب الوجود ففي وجوده لا يحتاج إلى الجعل، فلا يعدم، والشـيء الممتنع لا يمكن وجوده حتّى يجعل، والمواد الثلاث واجبة الثبوت للموضوع ما دام موجوداً، فعند وجود الموضوع لا نحتاج الى جعل، بل توجد بوجوده الخاص.

(18) هذا يشمل المواد الثلاث.

(19) وقلبها الفاً، لأن نون التوكيد الخفيفة تقلب الفاً عند الوقف.

(20) لمّا عرّف الجعل بقسميه، أخذ يذكر محل النزاع، فبيّن أنه في الممكن، وأن المجعول بالذات بالجعل البسيط في الممكن هو وجوده أو ماهيته أو نفس إتصاف الماهية بالوجود، أي أن الجعل تعلّق بنفس هذا الشـيء، أعني الاتصاف، فهو جعل بسيط.

وبهذا الجعل البسيط للاتصاف، يجعل الماهية والوجود بالعرض لا بالذات، كما أنه على القول بتعلق الجعل بالوجود، يكون جعل أتصاف الماهية بالوجود، وجعل الماهية كلاهما بالعرض، وجعل الماهية ماهية، وجعل الوجود وجوداً، وجعل جزء الشـيء للشـيء، وجعل عارض الشـيء اللازم للشـيء، فإنها وإن لم تكن هذه مجعولات بالذات كما برهنا، ولكنها مجعولات بالعرض بالجعل التأليفي، وكذا إذا قلنا أن جعل التعلق بالماهية، فهذه الجعول التأليفية والجعول البسيطة تكون بالعرض، كلّها راجعة الى الجعل الذي تعلّق بالماهية، وكذا على القول بأن الاتصاف تعلّق به الجعل، فالجعول الباقية سواء كانت تأليفية أو بسيطة تكون بالعرض.

(21) تفرقوا.

(22) أي: أيُّ من هذه الثلاثة مجعولاً بالذات من هذه الثلاثة، والباقي مجعول بالعرض.

جعلاً بسيطاً للاتصاف(23)، فقد يعبّرون بهذا(24) وقد يعبّرون بتلك -(25) (مجعولا) خبر كون (أقوالاً) مفعول (رووا(26). وعزي) أي نسب
(الأول للإشـراقي). فقالوا: أثر الجاعل، أولاً وبالذات(27) نفس الماهية،
ثم ّيستلزم ذلك الجعل(28) موجودية الماهية(29) بلا إفاضة
من الجاعل، لا للوجود ولا للاتصاف(30) لأنهما عقليان(31)

 

(23) أي قولنا صيـرورة عبارة أخرى للاتصاف.

(24) أي بالاتصاف.

(25) أي بالصيـرورة.

(26) والمعنى رووا أقوالاً([326]) في كون الماهية وجود أو صيرورة مجعولاً، وأراد بالكون نفس، والمعنى في نفس الماهية، أو نفس الوجود، أو نفس الاتصاف، وإلا فالعبارة لا تخلو عن تسامح.

(27) أي ابتداءاً بدون واسطة، وقد بيّناه تفصيلاً في نهج الصواب([327]).

(28) أي جعل الماهية، وهذا كما ذكرنا سابقاً من أن القائل بجعل الماهية، ويقول بأن وجود الماهية مجعولاً بالعرض، وكذا جعل الماهية موجودة بالعرض، وكذا جعل الماهية ماهية فإنه بالعرض، إذ أن هذه الجعول كلّها مستندة إلى المجعول بالذات، وهو الماهية، وتلك الجعول تابعة لهذا الجعل البسيط، فاستلزم جعولاً بسيطة مؤلفة لما يتركّب منه الممكن.

(29) أي جعل موجودية الماهية، وهو جعل بسيط، إذ تعلق بالوجود المنسوب للماهية، نعم جعل الماهية موجودة، ومرتبطة بالوجود، هو جعل تأليفي.

(30) أي وليس الجاعل للممكن بفيض وجوده، أو اتصاف ماهيته بوجوده كما يدّعيه بعضهم.

(31) هذا تعليل إلى أن الجاعل لا يفيض الوجود ولا الاتصاف، وحاصل هذا التعليل: أن الماهية اصيلة والوجود اعتباري يوجد في العقل، وكذا الاتصاف أمر عقلي
 

مصداقهما نفس الماهية(32) كما لا يحتاج(33) بعد صدور الذات
عن الجاعل كون الذات ذاتاً إلى جعل على حدة. أقول: أكثر شيوع(34)
هذا المذهب(35) كان من زمان شيخ الإشـراق  قدس سره (36)
 

 

يعتبره العقل، فهما إمران أعتباريان يعتبران في الماهية، والامر الاعتباري يوجد بوجود المعتبر فيه، فوجودهما تابع لوجود الماهية.

فالماهية هي المجعولة بالذات، والوجود والاتصاف مجعول بالعرض.

أجاب المصنف عنه بجواب مذكور بالحاشية([328]): وهو انا اثبتنا اصالة الوجود واعتبارية الماهية، فهو أمر عقلي، لا الوجود، فالدليل منقلب عليهم.

(32) أعلم أنه يقال للذي اعتبر فيه شـيء مصداق لذلك الأمر المعتبر، إذ أن الأمر المعتبر لا تحقق له ولا وجود له إلا بالذي اعتبر فيه، كما أن الشيء لا يوجد إلا بمصداقه.

(33) أي كما أن الوجود والاتصاف لا يحتاجان بعد صدور الماهية عن الجاعل إلى جعل على حدة، بل يكونان مجعولين بالعرض، كذلك لا يحتاج كون الذات ذاتاً بعد صدور الماهية عن الجاعل إلى جعل على حدة. نعم هي مجعولة بالعرض، وكذا سائر اللوازم والذاتيات، فهي محتاجة إلى الجاعل بالعرض.

(34) لما كان مذهب الاشـراقيين مبنياً على اصالة الماهية، إذ أنهم علّقوا الجعل بالماهية؛ لأصالتها واعتبارية الوجود والاتصاف، أخذ المصنف يحقّق في أن القول بإصالة الماهية، ينافي القول بتعلق الجعل بالوجود، أم لا ينافيه.

(35) وهو القول بتعلق الجعل بنفس الماهية.

(36) وهو كما تقدّم يقول بإصالة الماهية([329]).

وأتباعه وكان القول بتقرّر الماهيات(37) منفكة عن الوجود كان في عصـره  قدس سره  شائعاً.

(37) كما تقدّم من مذهب المعتزلة، فإن قالوا بأن الماهيات ثابتة في العدم، وهي أزلية قديمة غير مجعولة، إذ الأزلية مناط الغناء عن الجعل، وأثر الجاعل انضمام الوجود إلى تلك الماهية الأزلية.

فشيخ الإشـراق أراد دفع هذا القول من كون الماهيات ثابتة أزلاً - كما تقوله المعتزلة – فقال: أن الماهيات مجعولة وحادثة بالذات، فالذي دعاه إلى القول بمجعولية الماهية ليس كون الماهية اصيلة، وأنه لا يمكن تعلق الجعل بالوجود على تقدير اصالة الماهية، بل أن الذي دعاه إلى القول بمجعولية الماهية هو دفع قول المعتزلة، الذين يقولون بأن الماهيات ثابتة إزلاً، فلأجل هذا زعم ذلك، فأنه لو قال بمجعولية الوجود؛ لتوهم أن الماهيات ثابتة أزلاً وأبداً، واضاف الجاعل إليها الوجود.

فليس قول شيخ الاشـراق بجعل الماهية لأجل أن الوجود - مع القول بأصالة
الماهية - لا يمكن تعلّق الجعل به، بل هو ممكن مع القول بأصالة الماهية، بل إنما هو لأجل رد المعتزلة في قولهم أن الماهيات ثابتة أزلاً وأبداً، والذي أشار إلى هذا المطلب المحقق اللاهيجي([330])، وعليه استند المصنف في هذ المطلب.

واشكل على شيخ الاشـراق ومن تبعه: من أنّ القول بتعلّق الجعل بالماهية من جهة رد المعتزلة في قولهم بأن الماهيات ثابتة أزلاً، وإلا فيمكن تعلّق الجعل بالوجود، لو ثبت أنها ليست ثابتة أزلاً وأبداً. بأنه لو قال: يتعلق الجعل بالوجود، والماهية مجعولة بالعرض أيضاً، لكان رداً على قول المعتزلة، إذ أن الثابت الأزلي ليس مجعولا بالذات ولا بالعرض، فمع قوله: بجعل الماهية بالعرض، يكون دفعاً لقولهم من أنه ثابت أزلاً.

قال الاستاذ: ولابدّ لنا من أثبات أن على تقدير أصالة الماهية، يمكن القول بجعل الوجود، فيكون هذا القول من عدم المنافاة بين اصالة الماهية وجعل الوجود، مجرد دعوى لا بيّنة عليها، بل اقيمت البيّنة على خلافها، كما تقدّم الدليل من أنه على تقدير اصالة الماهية يكون الوجود والاتصاف اعتباريين، وليس لهما تحقق في الخارج، والجعل أنما يتعلق بالأمور الخارجية.

فنقول في اثبات كون أصالة الماهية لا تنافي القول بمجعولية الوجود.

وبيان ذلك: أن القول بأصالة الماهية على مذهبين:

أحدهما: ما ذهب إليه صاحب الشوارق([331])، وأدّعى أن شيخ الإشـراق يذهب إليه، من أن الماهية والوجود كلاهما خارجيان، أي أن الماهية بوجودها الخاص في الخارج، وليس الوجود إعتبارياً محضاً، فهو يقول بأصالة الماهية مع الاعتراف بكون وجودها ليس إعتبارياً، بل خارجي، غاية ما في الباب يقول: أن الماهية الخارج ظرف لوجودها، والوجود الخارج ظرف لنفسه، ولو كان ظرفاً لوجوده لزم أن يكون للوجود وجود، فيلزم التسلسل.

والثاني: وهو أن الماهية هي الموجودة في الخارج، وليس الوجود خارجياً، بل هو اعتباري محض، وهذا هو الذي ذهب إليه المتكلمون([332]).

فإذا عرفت هذا فنقول: ما ذكره المصنف من أن القول بأصالة الماهية، يمكن أن يجتمع

فحسبوا أن لو قالوا(38) بمجعولية الوجود، ذهب الوهم إلى غناء الماهية
في تقرّرها عن الجاعل، لمغايرة الماهية للوجود(39) فيلزم الثابتات
الأزلية(40). فدفع هذا الوهم حداهم(41) على القول بأن الماهية في قوام


 

مع القول بتعلق الجعل بالوجود، إنما يتم على المذهب الأول لأصالة الماهية،وهو مذهب صاحب الشوارق، إذ حينئذٍ الوجود ليس باعتباري محض، بل هو أمر خارجي قابل لتعلق الجعل به، وأما على القول الثاني، فلا يجتمع القول بأصالة الماهية مع القول بتعلق يتعلق به الجعل، وحيث إن صاحب الشوارق اختار الأصالة بالمعنى الأول، وكذا شيخ الإشـراق بإرجاع صاحب الشوارق كلامه إليه، كان يمكنهما القول بأصالة الماهية وتعلّق الجعل بالوجود.

وحينئذٍ يظهر لك تشويش كلام المصنف هنا، إذ أنه ذكر دليل من قال بأصالة الماهية بالمعنى الثاني، ثمّ زعم أن أصالة الماهية لا تنافي القول بتعلّق الجعل بالوجود، فإن كان أراد بأصالة الماهية المعنى الثاني لا تنافي القول بتعلّق الجعل بالوجود، فهو باطل اشد البطلان، إذ أن الوجود حينئذٍ اعتباري محض، وصاحب الشوارق لا يذهب الى الجعل بالوجود، إذ أن الوجود اعتباري محض لا تحقق له بالخارج، حتّى وإن اراد بأن أصالة الماهية بالمعنى الأول لا تنافي القول بتعلّق الجعل بالوجود، فهو صحيح لا غبار عليه، إذ الوجود خارجي - ولكنه لا يلائمه الاستدلال المتقدّم ذكره- إذ كان مبنياً على اعتبارية الوجود (لذا وجهه الاستاذ).

(38) نسبة إلى حسبان ولم يقل (بضـرس قاطع) ولو قالوا، إذ أنه يمكن أن يقولوا بتعلّق الجعل بالوجود، والماهية مجعولة بالعرض، وحينئذٍ لا يذهب الوهم إلى ما ذكر، إذ الأزلي لا يجعل لا بالعرض ولا بالذات.

(39) فلو قالوا بتعلق الجعل بالوجود، تُوِهِم إن الماهية لا تحتاج إلى الجعل، فلابد أن تكون ثابتة أزلاً إذ هي موجودة.

(40) وشيخ الإشـراق منكرها اشدّ الانكار.

(41) أي ساقهم، وفاعل حدا هو دفع هذا الوهم، والمعنى دعاهم دفع هذا الوهم، وعلى كلٍ فليس حداهم بتشديد الدال كما زعم الاستاذ.

ذاتها مجعولة(42) مفتقرة إلى الجاعل، كما قال المحقق اللاهيجي عليه الرحمة في

المسألة السابعة والعشـرين من الشوارق، مع تصلبه في أصالة الماهية جعلاً(43) وتحققاً:(44) المراد من كون المجعول هو الماهية، هو نفي توهم أن يكون الماهيات ثابتات في العدم بلا جعل(45) ووجود(46) ثمّ يصدر من الجاعل(47) الوجود أو اتصاف الماهية بالوجود. فإذا ارتفع(48) هذا التوهم فلا مضايقة في الذهاب إلى جعل الوجود أو الاتصاف، بعد أن تيقن أن لا ماهية قبل الجعل.

وإلى هذا يؤل مذهب أستاذنا الحكيم المحقق الإلهي  قدس سره  في القول بجعل الوجود: فإنه يصـرّح بكون الوجود مجعولاً بالذات(49) والماهية مجعولة بالعرض. انتهى.

وكما قال السيد المحقق الداماد  قدس سره (50): إنه لما كان نفس قوام الماهية
 

(42) فهي ليس ثابتة أزلاً وأبداً، بخلاف ما لو قالوا بتعلّق الجعل بالوجود، فانهم حسبوا بكون هذا مجالاً للوهم، بأن الماهيات ثابتة أزلاً.

(43) أي أن الماهية هي المجعولة لا الوجود.

(44) أي وخارجاً، بأن يقول الأصل في الخارج هو الماهية لا الوجود.

(45) لتلك الماهيات ولا إيجاد.

(46) عطف تفسير للجعل.

(47) هذا من جعله التوهم، الذي يرفع بالقول بجعل الماهية، فالمعتزلة([333]) يتوهمون أن الماهيات ثابتة أزلاً بتعلق، والجاعل يصدر منه الوجود أو الاتصاف.

(48) هذا التوهم وهو كون الماهيات ثابتة أزلاً.

(49) حيث اثبت وتيقن منه أن لا ماهية قبل الجعل، حيث أثبت أصالة الوجود واعتبارية الماهية، وأنها منتزعة من الوجود.

(50) فإن من لاحظ هذا الدليل المذكور المنسوب اليه([334])، رأى أن سـر قوله بتعلّق
مصحح حمل الوجود(51) فاحدس أنها إذا استغنت بحسب

 

الجعل بالماهية دون الوجود، هو لزوم ثبوت الماهية أزلاً وأبداً، فلا مانع له إلا هذا، فلو زال هذا المانع، جاز القول بتعلق الجعل بالوجود، وإذ قلنا بأصالة الماهية، فلم يجعل مناط عدم القول بتعلق الجعل بالوجود هو أصالة الماهية، فيظهر أنه لا ينافي القول بالجعل بالوجود.

فظهر من القائلين بأصالة الماهية: أن القول بتعلّق الجعل بها ليس لأن الوجود عند أصالتها غير قابل للجعل، بل هو قابل لتعلق الجعل به، ولكن عدم القول خوفاً من توهّم كون الماهيات ازلية، لو تيقن كونها غير ازلية.

وأعلم أن هذا صحيح في حق الداماد إن قال بأصالة الماهيات، مثل قول صاحب الشوارق، وإلا فلا يصح في حقه ذلك.

(51) أي أن الماهية قبل الجعل لا شـيء، حتّى نفسها يسلب عنها، فلا كلام لنا فيها، وأما بعد الجعل فالذي يصح حمل الوجود عليها هو قوامها، اي ذاتها، والسـر في ذلك أن المحقق الداماد قائل بأصالة الماهية، فالوجود عنده إنما يحمل على الماهية باعتبار ذاتها، إذ هو اعتباري حينئذٍ، فهو تابع للماهية كسائر الاعتباريات، فإن المصحح لحملها ذات المعتبر فيه، وهذا التعليل هو الذي علل به هذه المقدّمة ملا صدرا([335]) كما نقل الاستاذ، ولم يرتضِ تعليل المصنف لها في الحاشية([336]).

نفسها(52) ومن حيث أصل قوامها(53) عن الفاعل صدق حمل الموجود عليها(54) من جهة ذاتها، وخرجت عن حدود بقعة(55) الإمكان، وهو باطل.

(52) بأن قلنا أن الجعل لم يتعلّق بها، فلما كان وجودها المصحح لحمله عليها هو ذاتها، فهو داخل في ذاتها، وراجع لذاتها ونفسها، فاستغناؤها بحسب ذاتها ونفسها؛ في قوّة استغناء وجودها، والمستغني في وجوده عن الفاعل هو الواجب، فيلزم أن يكون الممكن واجباً، وثابتاً أزلاً وأبداً، فلابد أن نقول أن الجعل متعلّق بها، فهي محتاجة إلى الفاعل وغير مستغنية عنه، فوجودها أيضاً غير مستغنٍ عنه، إذ هو تابع للماهية، فما يثبت للماهية يثبت له.

ومن هنا يظهر أن الداعي للقول بتعلق الجعل بالماهية ليس كون الماهية اصيلة، وأصالة الماهية تنافي القول بتعلق الجعل، بل خوفاً من ذهاب الوهم إلى كونها قديمة واجبة الوجود، فلو لم يذهب الوهم إلى ذلك، لما كان مانع من القول بتعلق الجعل بالوجود.

(53) أي أصل ذاتها، هذا عطف تفسير على قوله بحسب نفسها، وإضافة أصل إلى القوم إضافة بيانية.

(54) أي يكون صدقاً لا كذباً حمل الموجود عليها من جهة ذاتها لا من جهة فاعلها، إذ إن المصحح لحمل الموجود هو القوام، وهو مستغنٍ عن الجاعل، إذ الجعل لم يتعلق به على الفرض، فالوجود يحمل على الماهية من جهة ذاتها لا من جهة العلة، إذ القوام لم يتعلّق به الجعل، وهو مستغني عنه، لان فرض الكلام أن الماهية غير مجعولة، فتكون الماهية واجبة الوجود؛ لأن واجب الوجود هو الذي يستغني، ويصدق حمل الوجود عليه بدون علّة، بل في ذاته.

(55) ودخلت في بقعة الوجوب لما بيّنا في الحاشية التي تقدّمت، وهذا عطف لازم على

أقول: يرد عليه(56) أن استغناء الماهية بالذات عن الجاعل لكونها سـراباً(57) واعتبارية، وأنها، دون المجعولية، لا يخرجها عن الإمكان(58). ولا يلحقها بالغني من فرط التحصّل(59) وأنه فوق الجعل(60).

ملزوم، أو عطف تفسير، وعلى كل فقد أوضحنا المطلب جداً.

(56) حاصله كما أشار إليه في الحاشية([337]): أن الشـيء يستغني عن الجعل، أما لكونه فوق الجعل كما في الواجب تعالى، وأما لأنه دون الجعل كما في الماهية، إذ هي اعتبارية محضة، والجعل إنما يتعلق بالموجود الخارجي، فلا يلزم أنا إذا قلنا بعدم تعلّق الجعل بالماهية، وأنها مستغنية عن الجعل، أنها واجبة الوجود. إذ عدم تعلّقه بها من جهة دنوها، كما أن الممتنع والعدم بما هو عدم، فإنه مستغنٍ عن الجعل لدنوه من مرتبة الجعل.

واشكل الاستاذ على هذا الجواب: بأن كلام الداماد مبني على أصالة الماهية، وأنها غير إعتبارية، فهي قابلة للجعل وفي مرتبته، فلا معنى للإشكال عليه بأنها إعتباريّة سرابيّة.

(57) يحسبه الظمآن ماء، وليست هي أمراً لها تعلّق بالخارجي [إِنْ هِيَ إِلَّا
أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ]([338])، الجار والمجرور متعلّق
بالاستغناء.

(58) هذا خبر أن في قوله أن الاستغناء.

(59) أي بسبب شدة التحصّل، والوجود متعلّق بالغير، أي الغني عن الفاعل، والجاعل بفرط التحصّل.

(60) هذا عطف على فرط، عطف لازم على ملزوم، أو تفسير الماهية لتأويلها بالشـيء، والضمير في أنه عائد إلى المجعول المفهوم من الكلام، اي ولا يلحقها بالغنى عن الفاعل، من جهة أنها فوق الجعل، بل هي دون الجعل.

وأيضاً(61) كيف يكون نفس قوام الماهية مصحح حمل الوجود وهي(62)
لا موجودة ولا معدومة؟(63) ولو كانت مصحّحة(64) لزم الانقلاب عن
الإمكان الذاتي إلى الوجوب الذاتي، كما في الأسفار(65). (وقد مشى

 

(61) هذا إشكال ثاني على الداماد.

(62) أي والماهية بحسب ذاتها وقوامها.

(63) بطور السالبة بأنتفاء الموضوع، لا موجبة معدولة المحمول، إذا الموجبة تستدعي وجود الموضوع.

(64) أي لو كانت ذات الماهية وقوامها مصححاً مصححة.

هذا إشكال ثالث على دليل الداماد، وحاصله: أنه لو كان المصحح لحمل الوجود قوام الماهية، يلزم الانقلاب عن الإمكان الذاتي إلى الوجوب الذاتي، فإن مناط وجود الواجب بالذات عندهم، هو كون نفس حقيقة الواجب من حيث هي منشأ لانتزاع الموجودية، ومصداقاً لحملها عليها، فالممكن بعد صدور ماهيته عن الجاعل، إذا كانت ذاته بحيث تكون مصداقاً لحمل الموجودية بلا ملاحظة شـيء آخر معها، كان الوجود ذاتياً للممكن.

فإن قلت: أن بعد فرض الصدور عن الجاعل، لم يكن حينئذٍ الممكن واجباً، إذ الواجب ليس بصادر عن الفاعل والجاعل.

قلنا: أن الصدور عن العلّة إن كان مأخوذاً مع الماهية عند حمل الوجود أم لا، فإن لم يكن مأخوذاً عاد المحذور، إذ لزم الانقلاب، ولزم كون الممكن انقلب إلى الواجب، وصار الوجود ذاتي له، إذ هو منتزع حينئذٍ من مقام الذات.

وإن كان مأخوذاً وداخلاً في حمل الوجود وانتزاعه منه، أن يكون الصادر عن الجاعل المسمّى بالماهية، وتلك الحيثية أي الصدور عن الفاعل، فيكون هذا خلاف الفرض، إذ الفرض أن قوام الماهية هو الصحيح دون غيره. انتهى موضحاً من الأسفار([339]).

(65) هذا راجع إلى الدليل الثالث.

المشّاء نحو الباقي)(66).

لكن محققوهم مشوا إلى جانب مجعولية الوجود وغيرهم(67) إلى مجعولية الاتصاف وصيرورة الماهية(68) موجودة.

ولعل هؤلاء(69) أرادوا أن أثر الجاعل أمر بسيط(70) يحلله العقل إلى موصوف وصفة(71).

وبالحقيقة ذلك الأمر البسيط هو الوجود(72) وإلا فظاهره سخيف(73)
 

(66) أي قد ذهب المشاؤون([340]) إلى القول بجعل الوجود، وإلى القول بجعل اتصاف الماهية بالوجود، فبعضهم ذهب إلى الأول، وبعضهم ذهب إلى الثاني، وعبّر عن هذين القولين بالباقي؛ لأن الأقوال كما بيّنا سابقاً ثلاثة: تتعلق الجعل بالماهية، أو بالوجود، أو بالاتصاف، وقد ذكر أن الاشـراقيين ذهبوا إلى الأول، فالباقي هو القول بتعلق الجعل بالوجود، أو تعلّقه بالاتصاف.

(67) اي غير المحققين من المشائين.

(68) هذا عطف تفسير على الاتصاف.

(69) أي الذين قالوا بتعلق الجعل بالاتصاف، وغرض المصنف من هذا الكلام أن يؤوّل كلامهم، ويرجعه إلى القول بتعلّق الجعل بالوجود.

(70) خارجي لا ذهني، وهو الوجود الخارجي.

(71) الموصوف هو الماهية، والصفة هو الوجود، وقد تقدّم أن الوجود عارض الماهية تصوراً، واتحدا في الخارج ذاتاً.

(72) وإنما عبّروا عن هذا الأمر البسيط بالاتصاف؛ لأنه هو الذي انتزع منه الاتصاف، وهو القابل للتحليل العقلي إلى صفة وموصوف.

(73) أي وإن لم يحمل ويرجع إلى القول بمجعولية الوجود، ونحمله على ظاهره، من أن الجعل تعلّق بالاتصاف والنسبة، دون الماهية والوجود فهما مجعولان بالجعل البسيط العرضـي، فيكون هذا القول سخيف جداً، إذ ليس الاتصاف إلا عبارة عن تلك النسبة المنتزعة من مقام الموصوف والصفة، فهو أمر انتزاعي ليس موجوداً في
 

لأن الاتصاف فرع تحقق الطرفين(74) وأنه أمر انتزاعي(75).

ثمّ شـرعنا في استيفاء أقسام الجعل(76) بقولنا: (بالذات)(77) و(بالعرض(78) من) جعل (مركّب ومن)(79) جعل (بسيط) وهي أربعة (في ثلاثة) أي الثلاثة المذكورة من مجعولية الوجود والماهية والصيـرورة (إضرب) فتصير إثني عشر(80).

الخارج، فكيف يتعلّق الجعل به، إذ الشيء المعدوم عن الخارج لا يتعلق الجعل به بالذات، وأيضاً الاتصاف معنى صـرفياً لا يقوم إلا بطرفين، فهو لا يوجد إلا أن يوجد طرفاه، وعلى القول بتعلّق الجعل بالاتصاف، يكون وجود الطرفين تابعاً لوجود الاتصاف، فيلزم الدور، إذ هو متوقف عليهما، وهما متوقفان عليه. فإن قلت: إن الاتصاف نسبة اشـراقية، وهي غير متوقف وجودها على وجود الطرفين، بل عند وجودها يوجد الطرفين.

قلنا: حينئذٍ يكون الاتصاف هو الوجود، إذ النسبة الإشـراقية هو الوجود وهو المطلوب.

(74) فعلى القول بتعلّق الوجود به يلزم الدور، وقد تقدّم بيانه في الحاشية السابقة.

(75) هذا دليل ثانٍ على سخافة هذا القول، وقد تقدّم تفصيله في الحاشية المتقدّمة.

(76) أي الاحتمالات التي فيه على المذاهب الثلاثة، سواء كانت صحيحة أم غير صحيحة.

(77) المجعول بالذات هو ما تعلّق به الجعل بنفسه بدون واسطة، ولا يصح سلبه عنه.

(78) المجعول بالعرض هو الذي لم يتعلق الجعل بنفسه وذاته، بل تعلّق به بواسطة تعلقه بشـيء آخر، ويصح سلبه عنه.

(79) قد تقدّم في صدر البحث تفسيره مع الجعل البسيط.

(80) قسماً وليست كلها صحيحة، بل بعضها صحيح وبعضها غير صحيح على قول المصنف، وكذا بعضها صحيح وبعضها غير صحيح على قول بعض المشائين([341]) المخالفين لرأي المصنف بحسب الظاهر، وكذا بعضها صحيح وبعضها غير صحيح على رأي الإشـراقيين([342]).

فعلى القول المرضـي(81) ما هو الصحيح من هذه الوجوه(82)
جعل الوجود بالذات جعلاً بسيطاً، وجعله بالعرض مركّباّ(83)
وجعل الماهية والاتصاف بالعرض بسيطاً ومـركباً(84). وما هو الباطل(85) جعله بالذات مركّباً وجعله بالعرض بسيطاً وجعلهما بالذات(86) بسيطاً ومركباً. وقس

(81) وهو كون الجعل تعلّق بالوجود.

(82) الاثني عشـر، وهاهنا هي حصول صفة للقول المرضـي، ويصح الذي تقدّم منها هو ستة، والستة الباقية بالكلية.

(83) أي جعل الوجود وجوداً.

فإن قلت: إن تعلق الجعل بوجود الوجود باطل، إذ يلزم التسلسل.

قلنا في الجواب: إن جعل الوجود وجوداً هو جعل الشـيء بنفسه، فالمجعول عين المجعول له، فالقضايا المترتبة كجعل وجود الوجود وجوداً، هي عين جعل الوجود وجوداً، إذ ليس - والوجود الذي تعلّق به الجعل - للوجود شيء غيره، بل هو عينه فلا تسلسل، إذ لم يكن هناك اشياء متعددة، وجعل الشيء نفسه إنما هو بالعرض، ويصح سلب الجعل عنه، ولكنه باعتبار أن جعل الشيء هو جعل لشيئية قبل جعل الشـيء شيئاً.

(84) وهذا اربعة أقسام وهي: جعل الماهية بالجعل البسيط، وجعل الماهية ماهية بالجعل المركّب، وجعل الاتصاف بالجعل البسيط، وجعله بالجعل المركّب أي جعل الاتصاف إتصافاً، فصار مجموع الأقسام الصحيحة من تلك الأوجه ستة، أربعة هذه، وإثنان تقدّما.

(85) من الأوجه الأثنـى عشر، والأوجه الباطلة أيضاً ستة.

(86) أي جعل الماهية والاتصاف.

(87) أي إذ كل من القولين ستة من هذه الأوجه الأثنى عشر صحيح، وستة
باطلة.

عليه(87) الصحيح والباطل على قول الإشـراقي وعلـــى القول بجعل الاتصاف. وإن شئت فانظر إلى هذا الجدول([343]).

على المرضي يعني جعل الوجود

على قول الاشراقي يعني جعل الماهية

على قول بعض المشائين يعني جعل الاتصاف

جعل الوجود بسيطاً بالذات

جعل الماهية بسيطاً بالذات

جعل الماهية بسيطاً بالذات

جعل الوجود بسيطاً بالذات

جعل الاتصاف بسيطاً بالذات

جعل الوجود بسيطاً بالعرض

جعل الماهية بسيطاً بالعرض

جعل الوجود بسيطاً بالعرض

جعل الوجود بسيطاً بالعرض

جعل الماهية بسيطاً بالعرض

جعل الوجود بسيطاً بالعرض

جعل الوجود بسيطاً بالذات

جعل الاتصاف بسيطاً بالعرض

جعل الاتصاف بسيطاً بالذات

جعل الاتصاف بسيطاً بالغرض

جعل الاتصاف بسيطاً بالذات

جعل
الماهية بسيطاً بالعرض

جعل
الماهية
بسيطاً بالذات

جعل الوجود مركباً بالعرض

جعل الماهية مركباً بالذات

جعل الوجود مركباً بالعرض

جعل الماهية مركباً بالذات

جعل الاتصاف مركباً بالعرض

جعل الوجود مركباً
بالذات

جعل الماهية مركباً بالعرض

 

جعل الوجود مركباً بالعرض

 

جعل الماهية مركباً بالعرض

 

جعل الوجود مركباً بالذات

 

 

جعل الوجود مركباً بالعرض

 

جعل الماهية
مركباً بالذات

جعل الاتصاف مركباً بالعرض

جعل الاتصاف مركباً بالذات

جعل الاتصاف مركباً بالعرض

جعل الاتصاف مركباً بالذات

جعل
الماهية مركباً بالعرض

جعل الاتصاف مركباً
بالذات

صحيح

باطل

صحيح

باطل

صحيح

باطل

ثمّ أشـرنا إلى ما هو الصحيح بقولنا: (جعل الوجود عندنا قد ارتضـي؛ ماهية مجعولة بالعرض) (كذا اتصاف) أي مجعول بالعرض (وبذا الجعل) أي بالجعل بالعرض.(جعل تركيباً) أي جعلاً تركيبيّاً (الوجود مع ذين)أي الماهية والاتصاف. فإذا جعل الوجود بسيطاً فالوجود وجود، مجعول تركيبيّاً بالعرض، وكذا الماهية والاتصاف مجعولة تركيبّاّ، ولكن بالعرض بنفس جعل ذلك الوجود بسيطاً (فنل) جميع ذلك، وهو أمر من النيل. ثم شـرعت في ذكر الأدلة(88)

(88) وقد اشار إلى دليلين:

]الاول[: فإنه قد ظهر مما تقدّم أن الوجود أصيل والماهية اعتبارية، والجعل لا يتعلق بالاعتباري، إذ هو ليس بشـيء حتى يتعلق به الجعل.

والثاني: أن وحدة الجعل دائرة مدار وحدة الوجود، فمتى كان الوجود واحداً
 كان الجعل واحداً، لا على وحدة الماهية وتعددها، ولو كانت الماهية مجعولة بالذات، لتعدد الجعل بتعددها، مع أنه ليس كذلك، فإن ماهية الجنس غير ماهية الفصل، وهما غير ماهية النوع، فيلزم تعدد الجعل عند تعلّقه بهذا النوع، مع أنه يكفي جعل واحد للماهية باعترافهم، مع أن البرهان قائم على أن الجعل واحد عند تعلّقه بمثل هذا النوع؛ لأن الجعل هو الإيجاد، ولا فرق بين الإيجاد والوجود إلا بالاعتبار.

فلو تعدد الجعل تعدد الوجود، فلو لم يكن جعل واحد متعلّقاً بالنوع،
بل كانت ثلاثة جعول، أحدها متعلق بالجنس، والثاني بالفصل، والثالث
بالنوع.

فيلزم أن يكون للجنس وجود، وللفصل وجود آخر، وللنوع وجود ثالث، لاختلاف الجعل، وحينئذٍ يلزم أن لا يصح حمل الجنس والفصل على النوع؛ لأن مناط الحمل وحدة الوجود، والوجود هاهنا أختلف، فلا يصح الحمل.

ولو قلنا أن الجعل يتعلّق بالوجود، فالنوع وجوده واحد، وتعلّق به جعل واحد، وحينئذٍ يصح الحمل، فالجعل واحد، وتعدده دائر مدار الوجود، وليس دائراً مدار
 

 

على القول المرضـي. فمنها قولي(89) (ولي على) القول (الذي هو اختياري
أن لازم المهية(90) اعتباري). وإنما كان اعتباريـاً(91) لأنه يلزمها بما هي
هي مع قطع النظر عن الوجودين، حتى لو فرض(92) أن الماهية تكون
متقـرّرة منفكّة عن كافة الوجودات، لكان لازماً لها. والماهية بهذا
الاعتبار(93) اعتباري بالاتفاق، فما يلزمها كذلك أولى بالاعتبارية(94).

الماهية، فيعلم أنه تعلّق بالوجود لا بالماهية، إذ لو كان متعلّقاً بالماهية لتعدد بتعددها، إذ التابع يتعدد بتعدد متبوعه، وهذا الدليل هو الذي اشار إليه في الحاشية([344]).

(89) وهو مبني على ثلاث مقدمات:

الأولى: أن لازم الماهية اعتباري، كما سيبرهن عليه في أثناء هذا الدليل.

الثانية: أن كل معلول لازم لعلته التي هي ما منها، لا ما بها([345]).

الثالثة: أن الماهية من حيث هي اعتبارية، على القول بالأصالة، وعلى القول بعدم أصالتها، وإلا لزم القول بالثابتات الأزلية، والذين يقولون بالأصالة إنما يقولون في الماهية الموجودة.

(90) هذه هي المقدّمة الأولى للدليل.

(91) هذا دليل على المقدّمة الأولى.

(92) كما قال به المعتزلة من الماهيات ثابتة أزلاً([346])، فلازمها لابد وأن يكون ثابتاً أزلاً.

(93) أي باعتبار قطع النظر عن الوجودين.

(94) لبداهة أن غير الاعتباري ليس بلازم للاعتباري، فثبت أن لازم الماهية اعتباري محض.

(وكل معلول(95) لذيه) - أي لصاحبه وهو العلة؛ وهذا من قبيل(96) قوله: إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه- (قد لزم) لاستحالة انفكاك المعلول عن العلة.

(95) هذه مقدّمة ثانية للدليل.

(96) هذا دفع إشكال وحاصله: أن (ذو) إنما تضاف لاسم الجنس الظاهر، كقولنا (ذو مال) فكيف هاهنا أضفتها إلى الضمير، فأجاب أن هذا جائز في الضـرورة وأتى عليه بشاهد في العربية([347]).

فإذا تمهد هاتان المقدّمتان(97) (ففي سوى(98) المعلول الأول(99))
 

وهو قول الشاعر([348]):

إنما يعرف ذا الفضل
ج

 

من الناس ذَوُوه
 

(97) الأولى: لازم الماهية اعتباري. الثانية: كل معلول لازم لعلّته.

(98) وحاصل الدليل بعد المقدّمتين: أنه لو تعلّق الجعل بالماهية، لزم أن يكون كل ما في العالم ما عدا العقل الأول اعتبارياً محضاً، إذ أن الله خلق العقل الأول وجعله علّة لباقي الاشياء الكونية، فلو تعلّق جعله بماهية العقل الأول، فحينئذٍ ماهيته بنفسها هي العلّة لما في الكون، الذي أودع فيه الله عز وجل تلك الخاصية، أعني العلّية لما عداه هو مخلوقه، ومخلوقه هو ماهيته لا وجوده، فما في العالم معلول لماهية العقل الأول من حيث هي هي، والماهية من حيث هي هي اعتبارية كما تقدّم باتفاق الفريقين، وما في العالم لازم لها؛ لأنه معلول لها، ولازم الاعتباري اعتباري، فكل من في العالم ما سوى العقل الأول اعتباري، أما العقل الأول فهو ليس باعتباري؛ لأنه معلول للواجب، وقد بيّنا انه لا ماهية له، بل الحق أن ماهيته عين إنيته، فهو ليس معلولاً لماهيته من حيث هي، بل هو معلول للوجود البحت، ولازم له، وليس الوجود اعتبارياً.

(99) من المخلوقات الكونية، والمراد بالمعلول الأول، هو العقل الأول الذي هو علّة لباقي الأشياء.

 


للجاعل الحق(100) والقيوم المطلق (حتم) ولزم (من قول الإشـراق) - وهو مجعولية الماهية- (انتزاعيتها) أي انتزاعية ذلك السوي(101) لأن الكل(102) لازم الماهية المعلول الأول، إذا المفروض(103) أن ما هو الصادر بالذات والأصل في التحقق في المعلول الأول هو الماهية.

وما سواه معلول ولازم لماهيته. وحينئذٍ فالمحذور لازم(104).

واستثناء(105) المعلول الأول لأنه لازم الوجود الخارجي(106)
 

(100) أعنـي الله عز وجل والجار والمجرور متعلّق بالمعلول الأول.

(101) فيه اشارة إلى أن الضمير في انتزاعيتها عائد إلى السوى، وأنّثه؛ لأن فيه الف المقصورة، كذا ذكر الاستاذ.

(102) الذي هو ما سوى المعلول الأول، هذا تعليل إلى كون لازم قول الاشـراقي([349]) اعتبارية الكل.

(103) إذ قد مر في أول مبحث أصالة الوجود، أن المُحَقَق أما الوجود وأما الماهية، وإذا كان الوجود اعتبارياً عندهم؛ فليس المحقق عند الجعل في المعلول الأول، لا الماهية وهي التي أودع فيها العلية إلى ما سواها، ولا الوجود لأنه اعتباري محض، ولازم أن يكون المتحقق من الله عز وجل .

إذ أن الله عز وجل إنما يودع في مخلوقه ومجعوله شـيئاً، لا في غير مجعوله، ولا الماهية الموجودة؛ لأنه يلزم أن لا يكون المجعول هو نفس الماهية، لدخل الوجود في العلية حينئذٍ لما عداه، والله عز وجل إنما أفاض العلية على ماهية الصادر الأول؛ لأنها هي المخلوقة له بالذات كما يدعي الإشـراقي، والوجود حينئذٍ اعتباري فليس مخلوقاً له تعالى، فلا يدع فيه تلك الخصوصية.

(104) وهو اعتبارية ما سوى المعلول الأول، فلا يكون شيء موجوداً في العالم.

 (105) هذا جواب سؤال مقدر وهو: أن المعلول الأول لِمَ لم يكن اعتبارياً أيضاً. فأجاب بما ترى.

(106) أعني وجود واجب الوجود، فهو ليس معلولاً، ولا لازماً لأمر اعتباري، حتى يلزم أن يكون اعتبارياً.

واشكل على هذا الدليل بثلاثة إشكالات:

الأول: ان هذا الدليل انما الزم الخصم بانه على قوله يكون جميع ما في العالم - ما عدا العقل الأول - اعتبارياً، وهذا لا بأس به، كيف وقد ذهب إليه العرفاء والمحققون، قال قائلهم([350]):

كل ما في الكون وهم أو خيـال
 

 

أو عكوس في المرايا أو ضلال
 

وقد قيل: ليس في الدير إلا الديّار.

والجواب: أن الاعتبار والوهم والخيال الذي في ألسنة العرفاء، يطلق على العالم غير الاعتباري، الذي الزمنا به الخصم، وسيجيء تفصيل ذلك.

وأشكل ثانياً: أنه ليس يلزم الخصم كون ما سوى المعلول الأول انتزاعياً، إذ ليست ماهيته باعتبار ذاتها، ومن حيث هي هي علّة لما سواها، إذ الماهية بهذا الاعتبار لا تقتضـي شيئاً، بل إنما هي علّة لما سواها من حيث هي موجودة في الخارج، فلم تكون الاشياء لازمة للاعتباري، كذا قرره بعض المحشين. كأني بهذا المحشـي([351]) لم يراجع حاشية المصنف على هذا الدليل، فإنه عند مراجعتها يظهر الجواب منها، وحاصل ما ذكره: أن الماهية لما كانت هي المجعولة، فالعلية لما سواها مودعة فيها نفسها؛ لأن الوجود اعتباري حينئذٍ، وهو غير مجعول بالذات حتى تودع فيه العلية، وإن أردت معرفة الجواب عن هذا الإشكال مفصّلاً، فراجع الحاشية المتقدّمة على قوله (إذ المفروض المذكور)([352]) في هذا الجواب، فإنه يظهر لك الجواب فيها بأحسن ما يرام.

فإن الواجب تعالى ماهيته إنيته. (وأيضاً)(107) على المختار (انسلاب سنخيتها)

الإشكال الثالث: وهو لأستاذنا السيد السند والركن المعتمد السيد حسن البنبي([353])، وحاصله: أن لازم الماهية فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: للمعتزلة، وهو اللازم لها في حال للعدم وحال الوجود.

والثاني: هو اللازم للماهية في حال الوجودين الذهني أو الخارجي، لا أنه لازم لها في حال العدم، إذ هي ليست موجودة.

والثالث: أنه لازم لها في حال الوجودين، على نحو يكون الوجودان شـرطاً للزوم.

والمصنف لم يختر المذهب الأول، إذ لم يقل بالثابتات الأزلية، وحينئذٍ فأي من المذهبين الأخيرين أختاره في لازم الماهية، تكون الماهية غير اعتبارية على رأي الخصم، إذ الماهية في حال الوجود تكون اصيلة على رأي الخصم، لا أنها اعتبارية، فمعلولها ليس اعتبارياً.

والحاصل: أن الاستاذ يردّ المصنف بإبطال هذه المقدّمة وهي: أن لازم الماهية اعتباري؛ لأنها هي من حيث هي هي اعتبارية.

وحاصل ردّه: ان الماهية عند اللزوم ليست اعتبارية على رأي الخصم؛ لأنها أصيلة في حال الوجود، إلا اللهم أن يضم إليه مقدّمة ويقال: أن الخصم يقول بكون لازم الماهية إعتبارياً كما صنع صدر المتألهين([354])، فيكون الدليل إلزامياً. فأفهم وتعقّل.

ثمّ قال نحن إنما ننتقد دليله على المقدّمة الاولى، والا فالمقدمة الاولى صحيحـة اذ هو مسلّم ان لوازم الماهية اعتباري، اذ ليس له وجود خاص، والا كان لازم الوجود، فهو من الخارج المحمول لا المحمول بالضميمة، وهو اعتباري، اذ ليس له وجود خاص، بل ]هو متنزع من الماهية دائماً[.

(107) هذا دليل ثاني على المدّعى، وهو مبني على مقدّمة واحدة وهي: أنه لابدّ من السنخية بين العلة والمعلول، والدليل على ذاك نقلي وعقلي([355]).

أما النقلي: فقد قال الله تعالى: [قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ]([356])، وقال بعض العرفاء: (الشـيء لا يكون أثر ضده)([357]).

وأما العقلي: فهو أن فاقد الشـيء لا يعطيه، وإلا لزم اجتماع النقيضين؛
لأنه مقتضـى فقدانه أنه لا يعطيه، ومقتضـى اعطائه أنه يعطيه، فهو يعطيه ولا يعطيه، وأيضاً لولا السنخية لزم الترجيح بلا مرجح في جعل ذاك علّة لهذا دون
هذا، والسنخية بين العلة والمعلول هي كالسنخية بين الفيء وذي الفيء، في أنه
بخروج هذا الفيء منه لا ينقـص شـيء منه، ولا برجوع إليه يزيد فيه شـيء، أو كالنور بالنسبة لشعاع الشمس، وليست السنخية بين العلة والمعلول كالسنخية
بين البحر وقطرته، فإن السنخية بينهما تقتضـي زيادة البحر، وإن كانت غير محسوسة عند رجوع القطرة إليه، ونقصانه، وإن كان غير محسوس عند أخذها منه، وتسمّى (توليد) بخلاف العلة، فإنها لا تنقص ولا تزيد عند أخذ المعلول منها، أو رجوعه إليها.

فإذا عرفت هذا فلابد أن يكون علّة الوجود هو الوجود، وعلّة الماهية هي الماهية وعلة العدم هو العدم.

فإذا عرفت هذا فنقول: لو كان الجعل متعلقاً بالماهية؛ لأنه يلزم أن يكون الوجود اعتبارياً والماهية هي الاصل، وقد ]بيّنا أنّ[ الواجب الوجود - وهو العلة - وجود محض، فلا تكون سنخية بين المعلول وعلته. وقوله (وأيضاً منها) أي منه الأدلة على المدعى المختار.

أي سنخية الماهيات (كالفي‏ء للشـيء)(108) لا كالندي(109) من البحر، فإنه توليد(110) تعالى عند ذلك(111) (لواهب الصور)(112) متعلق بسنخيتها (حيث) تعليلي(113) (انتفى المهية عنه) سبحانه (ظهر) سابقاً(114).

ومعلول الوجود وجود، وعلّة الماهية ماهية؛ فالماهية
لا تصلح للمجعولية، والاتصاف(115) حاله معلومة(116)


 

(108) فإنه لا ينقصه إذ خرج منه ولا يزيد إذا رجع إليه، وكذا العلّة بالنسبة إلى المعلول.

(109) أي القطرة، فإنه يزيده إذا رجع إليه، وينقص إذا خرج منه.

(110) أي فإنه الندى بالنسبة إلى البحر توليد، والله عز وجل لا توليد فيه، فليست نسبته إلى الماهية نسبة توليدية، بل أنه نسبة سنخية.

(111) لأنه يلزم نقصانه عند خروج المعلول وزيادته عند رجوعه له، فيلزم إفتقاره إلى المعلول، وإذا بين الله عز وجل وبين الماهيات نسبة توليدية، فليست السنخية بينهما توليدية، بل سنخية فيئيّة.

(112) وهو الله عز وجل وحيث أن السنخية منسلبة بين الله عز وجل والماهيات، فكيف تكون مجعولة له، وهو جاعل لها وعلّة لها، مع اشتراط السنخية بين العلة والمعلول.

(113) أي أنها حيثية تعليلية، وهي علّة إلى كون السنخية منسلبة بين العلة والمعلول، وحاصل الدليل أي بين الماهيات، والله عز وجل لا سنخية، لما قد ظهر أن الله عز وجل ماهيته عين وجوده، فلا يكون الله عز وجل علّة للماهيات، بل للوجودات؛ لأنه هو وجود فالسنخية موجودة حينئذٍ.

(114) في بحث أن ماهيته عين إنّيته.

(115) كأنه جواب سؤال مقدّر، وهو أن هذه الأدلة التي ذكرتها إنما تنفي مجعولية الماهية، ولا تنفي مجعولية الإتصاف، حتى يثبت مطلوبك من أن الوجود مجعول، فإجاب بأن الاتصاف... الخ.

(116) مما سبق عند ذكر قول المشائين، من أن القول به سخيف؛ لأنه أمر نسبي انتزاعي.

 

فبقي الوجود(117).ومنها (مثل انسلاب كونها)(118) أي كون الماهية (مرتبطة)
 

(117) هذا جواب شـرط مقدّر، مفهوم من الكلام تقديره، وإذ بطل القول بمجعولية الماهية والقول بمجعولية الاتصاف، تعيّن القول بمجعولية الوجود، إذ لا شـيء قابل للجعل غير هذه الثلاثة، وإذ بطل الثاني تعيّن الثالث.

(118) هذا دليل ثالث على مدعاه، هذا الدليل مبني على مقدمتين ينبغي
إحرازهما:

الأولى: أن ما بالعرض لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات، والدليل عليها: أن اتصاف الشـيء بوصفٍ، أما أن يكون ذاتياً له أو لا يكون، فإذا كان ذاتياً فهو ليس
بعرض- ونحن كلامنا في الشـيء الذي يكون بالعرض- وإن لم يكن ذاتياً له فهو سارٍ له من شـيء آخر، إذ لو لم يكن ذاتياً له حتّى يتّصف به؛ فلابد أن يكون سارياً له من شـيء آخر، وحينئذٍ إن كان عارضاً لشـيء آخر، فهو سارياً له من شـيء ثالث، وهلم جرا، فلابد أن ينتهي إلى شيء يكون ذلك الوصف ذاتياً له.

الثانية: أن معرفة كون هذا الوصف بالذات لهذا الشـيء، أن الشـيء بدونه ليس هو، أي يعدم بدونه، ولا يتصور بدونه، كالإنسان بالنسبة إلى الحيوان والناطق، فإنه بدونهما ليس بإنسان، وليس المتصور الإنسان يمكن تصوره بدونهما، ومع قطع النظر عنهما، وإلا فالمتصور ليس بإنسان، ومتى أمكن تصور هذا الشـيء بالكُنْهِ بدونه، فيعلم أنه ليس بالذات له، مثلاً يمكن تصور الإنسان بالكُنْهِ وليس يتصور معه الكتابة، فالكتابة بالعرض، وهي لابد وأن تنتهي إلى ما بالذات يكون كتابة، وهو الكتابة، فإنها كتابة بالذات، ومن هنا قيل إن الجنس ]عرض له الفصل[؛ لأنه يمكن تصوره بدونه، وكذا الفصل بالنسبة له، فإن الحيوان وصف النطق له بالعرض، إذ يمكن تصوره بكنهه بدونه، وهو ينتهي إلى ما بالذات وهو النطق، وكذا وصف الحيوان بالنسبة له.

فإذا عرفت هذا فنقول: أن صفة الجعل لا يمكن أن تكون بالذات إلى الماهية، إذ قد يمكن تصورها بكنهها، مع قطع النظر عن الوجود والإيجاد والمجعولية والجعل، فلو كانت صفة الجعل لها بالذات، لما أمكن تصورها مع قطع النظر عنه، فلا أن يكون صفة الجعل هي بالذات للوجود، إذ الاتصاف قد علم حاله بأنه أمر انتزاعي، فلا
 

 

بالجاعل، حيث تلاحظ من حيث هي(119) مع قطع النظر عن الوجود فكيف
عن الإيجاد(120) والارتباط؟ (و) الحال أن (ذات مجعول)
بالذات(121) (به) أي بالارتباط إلى الجاعل (مشترطة)(122)


 

يمكن تعلّق الجعل به، كيف والوجود لا يمكن تصوره إلا بتصور الجاعل وهو الله عز وجل ، إذا حين التدلي من الجاعل، و]كونها[ متقوّمة بالجاعل، ومرتبطة به، لا يمكن تعقلها إلا به، فالجعل والمجعولية صفة ذاتية له، فالوجود هو المجعول بالذات، والماهية بالعرض.

(119) إذ ويشهد بذلك ملاحظتنا بعض الماهيات، بدون الالتفات إلى وجودها،
بل قد تتنازع في وجودها، فلو كان الوجود والمجعولية ذاتية لها، لكان
بمجرد تصورها؛ حكمنا بوجودها ومجعوليتها، كما عند تصورنا للإنسان نحكم بحيوانيته.

(120) أي الجعل ظاهر، عبارته أنه إذا لم يتصور الوجود مع الماهية، فالطريق الأول عدم تصور الإيجاد معها، أي الإنجعال، وذلك واضح؛ لأن الفرق بين الإيجاد والوجود، والانجعال والجعل، إنما هو اعتباري، فالإيجاد والانجعال باعتبار ملاحظة الفعل مع الفاعل، والجعل والوجود اعتبار ملاحظته مع المنفعل. فإذا كانت الماهية يمكن تصورها بدون الوجود والجعل، فبالطريق الأولى بدون الانجعال والإيجاد؛ لأنه ملحوظ مع الفاعل، وذلك ملحوظ معها.

(121) لا المجعول بالعرض.

(122) أي لا يمكن تعقّلها بدون تعقل الارتباط والمجعولية، الماهية ليست كذلك، بخلاف الوجود في الممكنات، لا يمكن تعقله بدون تعقل الارتباط والمجعولية، بل هو عين الارتباط والتدلي الخاص، فكيف يمكن تعقّل الشيء بدون نفسه.

وقد أشكلت على الاستاذ: بأن الطبيعيين يتعقلون وجود الشـيء بدون تعقل الارتباط.

وأجاب: بأنهم جاهلون بالجهل المركب، وكأنه يريد أنهم لم يتعقّلوا الوجود بالكُنْه، نعم لو تعقّلوه بالكنه بطور الفناء، لرأوه عين الارتباط بالجاعل.

 

بل يكون عين الارتبـاط(123) الحقيقي(124).

(123) أي يكون المجعول عين الارتباط([358])، والماهية ليست كذلك لِما بيّنا، فليست هي مجعولة، والاتصاف حاله معلوم، فيبقى الوجود، وذلك لأن المجعول بالذات أما أن يكون الارتباط بالجاعل عارضاً له، وذلك باطل؛ لأنه لم يكن حينئذٍ له تعلّق بالذات بالجاعل، بل أجنبي عنه، فلا يكون مجعولاً بالذات، وهو خلاف الفرض. وأما أن
يكون مركّباً من الارتباط بالذات مع شـيء آخر، وهذا أيضاً باطل؛ لأن الشـيء الآخر حينئذٍ مجعولٌ بالذات، إذ حينئذٍ يكون اجنبياً عن الجاعل، فلم يكن ما فرض مجعولاً بالذات مجعولاً بالذات بأجمعه، وأما أن يكون عين الارتباط، وهو
المطلوب.

(124) إعلم أن الارتباط الخارجي يسمّى (الارتباط الحقيقي) والارتباط المفهومي أي مفهوم الارتباط يسمّى (الارتباط المصدري) كما أن الوجود الخارجي يسمّى (الوجود الحقيقي) ومفهوم الوجود يسمّى (الوجود المصدري) والمصنف هنا اراد أن يبين أن المجعول بالذات يكون عين الارتباط الخارجي، لا عين الارتباط المصدري.

 

الفريدة الثانية

في الوجوب والإمكان


 

 [18]

غرر في المواد الثلاث

إنَّ الوجودَ رابـِطٌ ورابطِـيْ 
 

 

ثُمَّتَ نَفْسِيٌ فَهاكَ وَاضْبطِ
 

لأنّه في نفسهِ أَوْ لا ومَـا 
 

 

في نفسِه إمّا لِنَفْسِهِ سَما
 

أو غيرهِ والحقّ نَحْـوَ أَيْسِهِ 
 

 

في نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ
 

قَدْ كانَ ذا الجهات في الأذهانِ 
 

 

وُجُوْبَ إمتناعٍ أو إمكانِ
 

وَهْيَ غَنِيَّةٌ عن الحُـدُودِ 
 

 

ذاتُ تَأَسٍّ فيهِ بالوُجُـوْدِ
 


 

في الوجوب والإمكان

[18]

غرر في المواد الثلاث(1)

(إن الوجود(2) رابط)
 

لم يذكر الامتناع مع أنه من المواد الثلاثة؛ لأنه لا يقع البحث عن الامتناع في مسائل الحكمة، وذلك لأن علم الحكمة إنما يبحث عن حال الموجودات، والامتناع ليس من حال الموجودات، بل هو من حال المعدومات، نعم يتعرض له استطراداً لتتميم الفائدة، كما أن العدم يتعرض له في مبحث الوجود استطراداً([359]).

(1) وهي الوجوب والإمكان والامتناع، وسمّيت مواداً لأنها تكون مادة للقضايا([360]).

(2) صدّر البحث عن المواد بتقسيم الوجود، لأنه عوارض للوجود، وقدّ قيل أنها كيفيات له([361]).

وحاصل هذا التقسيم - حتى يتضح لديك مطلب المصنف - أن الوجود على قسمين:

]القسم[ الأول الرابط: ويسمّى (الوجود الرابطي) ووجود الشـيء في غيره، وهو ثبوت الشـيء شيئاً، أي ثبوت شـيء لشـيء، وهو الوجود المقيّد المحمول في القضية، وهو الواقع في جواب هل المركّبة، ولذا القضية المشتملة عليه تسمّى (هليّة مركّبة) كقولنا (الإنسان كاتباً) فإن معناه الإنسان يوجد كاتباً، وتوجد الكتابة مرتبطة به، وهو مع النسبة الحكمية بحسب المورد والاجتماع لا بحسب الصدق بينهما عموم وخصوص مطلق، والعموم في جانب النسبة الحكمية؛ وذلك لوجود النسبة الحكمية في القضية السالبة، إذ لا ينكر وجود النسبة الحكمية فيها، وإنما اختلفوا في أنّها ]هي[ النسبة الإيجابية أم لا، مع أنه لم يكن وجود رابطي هنا إذ لم يكن ثبوت شـيء لشـيء، وكذا في (الهليّة البسيطة) التي يكون المحمول فيها هو الوجود المطلق كقولنا (الإنسان موجود) و(البياض موجود) فإنه وجدت فيها النسبة الحكمية، ومع ذلك ليس هناك وجودٌ رابط، إذ لم يكن فيها ثبوت شـيء لشـيء، بل ثبوت الشـيء فقط كما سيجيء تحقيق ذلك في القاعدة الفرعية، وكلّما كان الوجود الرابطي؛ كانت النسبة الحكمية.

وأما النسبة بينهما بحسب الصدق، فزعم الاستاذ أنه يظهر من كلام بعض المحققين([362]) ومن كلمات المصنف، أنه بحسب الصدق بينهما عموم وخصوص مطلقٌ أيضاً، والعموم في جانب النسبة الحكمية أيضاً، كـ(الحيوان) للإنسان، مستدلين على ذلك أنه ليس في القضية إلا الموضوع والمحمول والنسبة، والموضوع ليس هو الوجود الرابط، وكذا المحمول، فيتعيّن أن تكون النسبة هي الوجود الرابط.

والاستاذ زعم أن بينهما تبايناً بحسب الصدق، إذ ان الوجود الرابط هو هو ذلك الارتباط، والوجود الخارجي بين المحمول والموضوع، فهو مرتبة من الخارج، والخارج لا يوجد في الذهن، فلهذا لا يمكن إفادته بلفظ، إذ الألفاظ إنما تخطر المعاني في الذهن، وهذا لا يوجد في الذهن؛ لأنه مرتبة من الخارج، فبوجوده ينقلب الذهن خارجاً. نعم له مفهوم عنواني يوجد ببعض الألفاظ الدالة عليه، كالوجود الحقيقي، فإنه لا يمكن وجوده في الذهن كما تقدّم، مفهوم عنواني يوجد في الذهن ببعض الألفاظ، كلفظ الوجود والثبوت والأيس وهست بالفارسية، وأما النسبة الحكمية: هي تلك الصورة الذهنية التي هي عبارة عن الجزم، ولا توجد في الخارج، وهي مرتبة من الذهن، وبعبارة أوضح أن النسبة الحكمية حاكية عن الوجود الرابط، فالفرق بينها كالفرق بين الحاكي والمحكي، فهما متباينان، كذا قرّره الاستاذ.

وأقول: بعد البناء على أن الوجود الرابط هو ذلك الارتباط الخارجي، والنسبة الحكمية هي تلك الصورة الذهنية، التي هي جزء من القضيّة العقلية، فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه بحسب المورد والاجتماع، لا من مطلق؛ لتحقّق الوجود الرابط بدون النسبة الحكمية في صورة لو ثبت شـيء لشـيء، ولم يعتقد أحد ثبوته له في هذه الصورة، فالنسبة الحكمية لم تكن موجودة، بخلاف الوجود الرابط فإنه موجود.

والقسم الثاني، ويسمّى (الوجود المحمول) ووجود الشـيء في نفسه، وهو الذي يقع في جواب هل البسيطة، ولذا سمّيت القضية المشتملة عليه (هليّة بسيطة) وهو عبارة عن الوجود المطلق المحمول في القضية، وهو عبارة عن ثبوت الشـيء فقط، كقولنا (الإنسان موجود) و(البياض موجود) والنسبة بينه وبين النسبة الحكمية؛ كالنسبة بين الوجود الرابط وبينها مورداً ومصداقاً، وهو على قسمين:

الأول: نفسـي، وهو ثبوت الـشيء في نفسه لنفسه، لا للمحل، كوجود الجواهر التي هي غير حالّة في محل، كالهيولى والعقل والجسم، وهو على قسمين أيضاً:

الأول: ثبوت الشـيء في نفسه لنفسه بنفسه، وهو وجود الواجب، فإنه ثبوت وجود في نفسه لا في غيره، وحالاً في غيره كالوجود الرابط، ولنفسه لا لغيره كوجود الاعراض، وبنفسه لا بغيره إذْ لم يكن الله عز وجل  خالق، تعالى عن ذلك علواً كبيرا.

والثاني: ثبوت الشـيء ووجوده في نفسه لنفسه بغيره، كوجود الجواهر التي لم تحل في محل كالعقل والجسم، فإن وجودها في أنفسها ]ليس[ منتشـراً في غيرها، كالرابط، فإنه منتشـر في الموضوع والمحمول، ولذا قيل هو كالمعنى الحرفي، وكذا لنفسها لا لغيرها كوجود الأعراض، فإن وجودها لموضوعاتها، وكذا كان بغيرها؛ لأن وجودها بالله عز وجل .

الثاني: من تقسيم الوجود المحمول يسمّى بـ(الرابطي) وهو ثبوت الشيء ووجوده في نفسه لغيره بغيره، وهو وجود الجواهر المحتاجة إلى محل، كالصورة بالنسبة إلى الهيولى، ووجود الأعراض، فإنه وجود في نفسه، إذ ليس منتشـراً في الموضوع
 

 

أي ثبوت الشـيء شيئاً (ورابطي(3) ثمّت نفسـي(4) - قد يلحق(5) التاء المتحركة بـ(ثمّ) العاطفة، ومنه قوله: (فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني)-
والمعنى المشترك بين الرابطي والنفسـي(6) ثبوت الشـي‏ء. (فهاك) أي خذ (واضبط

والمحمول، إذ العقل يتصور لها ماهية مستقلة غير ملحوظ معها شـيء، كماهية السواد والبياض، ثمّ يثبت لها الوجود من دون ملاحظة شـيء آخر.

وأيضاً لغيره، إذ وجودها كان للمَحال، والموضوعات التي حلّت فيها، ليس
لأنفسها وملكها.

وأيضاً بغيره، إذ وجودها كان بالله عز وجل .

فالرابطي اسم لوجود الشيء في نفسه لغيره بغيره، واسم للوجود الرابط، ولذا قدّ يطلق ويراد به الرابط، وقدّ يطلق ويراد به المعنى الثاني. فتعقّل وتدبّر فيما ذكرنا تفهم مراد المصنف.

(3) أراد به ثبوت الشـيء في نفسه لغيره بغيره كما تقدّم.

(4) وهو وجود الشـيء في نفسه لنفسه، سواء كان بنفسه أو بغيره، فهو ذكر ثلاثة اقسام للوجود.

(5) هذا دفع اشكال: وهو أنه ما وجه لحوق التاء بثمَّ العاطفة([363])، مع أنه غير مسموح. فأجاب: بأنه مسموح لحوقها بها. وقوله (ثمّت) أي وقلت.

(6) والمذكوران في المتن في مقابل الرابط هو ثبوت الشـيء، والمعنى الذاتي يختلفان فيه، هو أن الرابطي ثبوت الشـيء لغيره بغيره، والنفسـي ثبوت الشـيء بنفسه مطلقاً، سواء كان بنفسه أو بغيره([364]).

لأنه) أي الوجود(7) مطلقاً، إما أن يكون وجوداً (في نفسه) ويقال له:
الوجود المحمولي(8) وهو مفاد كان التامة المتحقّق في الهليّات البسيطة (أو)
يكون وجوداً (لا) في نفسه(9) وهو مفاد كان الناقصة المتحقق في الهليات المركّبة،ويقال له في المشهور الوجود الرابطي.والأولى على ما في المتن،أن يسمّى بالوجود الرّابط على ما اصطلح عليه السيد المحقق الداماد في الأفق المبين، وصدر المتألهين  قدس سره  في الأسفار، ليفرق بينه وبين وجود الأعراض(10) حيث أطلقوا عليه الوجود الرابطي(11). وقول المحقق اللاهيجي(12) في بعض

 

(7) هذا شروع في الاستدلال على تقسيم الوجود إلى هذه الأقسام الثلاثة المذكورة في المتن.

(8) وهو الذي ينقسم إلى الرابطي والنفسـي المذكورين في المتن.

(9) وهو الرابط المذكور في المتن.

(10) ووجود الجواهر الحالّة في محل كالصورة، فإنه يسمّى وجودها رابطي أيضاً.

(11) وإنما خصّ صدر المتألهين([365]) واستاذه الداماد([366])، وجود الاعراض بالرابطي والأول بالرابط، ولم يعكسوا؛ لأن ثبوت شـيء لشـيء هو ربطه به، ولكن وجود الاعراض- حيث إنه عرض عليه الارتباط لا بنفسه- ارتباط وربط، لذا سمّي (رابطي).

(12) غرضه الإشكال عليه([367])، حيث جعل هو وجود الاعراض مفاد كان الناقصة، والحالة أن وجودها الرابطي الذي هو قسم من المحمولي، والمحمولي هو مفاد
كان التامة، فوجودها مفاد كان التامة لا الناقصة، نعم الرابط هو مفاد كان
الناقصة.

تأليفاته(13) إن وجود العرض مفاد كان الناقصة وهم(14) لأنّه محمولي(15)
يقع في هليّة البسيطة(16) كقـولك البياض موجود(17)

 

(13) وهو حاشيته على القوشجي([368]) في تعريف العرض والجوهر.

(14) هذا خبر قوله (وقول اللاهيجي).

(15) أي لأن وجود الاعراض محمول، والمحمول كما تقدّم مفاد كان التامة لا الناقصة.

(16) ومفاد كان الناقصة لا يقع في الهليّة البسيطة، بل يقع في الهليّة المركّبة.

(17) هذا تعليل إلى كون وجود الاعراض محمولاً، يقع في الهلية البسيطة؛ لأن الوجود

بخلاف مفاد كان الناقصة، أعني الرابط، فإنه دائماً ربط بين الشيئين(18) لا ينسلخ عن هذا الشأن(19). (وما) أي وجود(20) (في نفسه، إما لنفسه) كوجود الجواهر(21) (سما) - إمّا مؤكد(22) بالنون الخفيفة أو ماض، بمعنى علا- (أو غيره) يعني أو وجود في نفسه لغيره(23) كوجود العرض(24) حيث يقال(25): وجود العرض في نفسه عين وجوده لغيره(26).

فله وجود في نفسه(27) لكونه محمولاً، وله ماهية تامة ملحوظة(28)
 

المحمول هو الوجود الذي يقع محمولاً، كما أن الهليّة البسيطة هي محمولها الوجود المطلق، وها هنا كان الفرض الوجود المنسوب إليه محمول ومفاد الهلية البسيطة؛ لأنه لم يقيّد بشـيء، بل كان مطلقاً.

(18) فلا يكون محمولاً، ولا مفاد الهلية البسيطة.

(19) أي الربط بين الشيئين؛ لأنه كما تقدّم ثبوت شـيء لشـيء.

(20) لما فرغ من تقسيم الوجود إلى ما في نفسه، وإلى ما لا في نفسه، أخذ الآن في تقسيم الوجود الذي في نفسه، ولذا قال (وما في نفسه).

(21) التي هي غير حالّة في محل، فوجود الصورة وإن كان وجوداً جوهرياً إلاّ أنه لا يقال له وجود لنفسه، بل يقال له وجود لغيره.

(22) فيكون حينئذٍ فعل أمر مأخوذاً من الاسم، أي الوجود في نفسه إِمّا سميّه وجود لنفسه، وإِما سميّه وجود لغيره.

(23) اشار إلى أن (أو غيره) في المتن، عطف على (لنفسه)، ولذا ادخل عليها اللام.

(24) وكوجود الصور، وهو الذي يسمّى بالرابطي.

(25) هذا تعليل إلى كون وجود العرض وجوداً في نفسه.

(26) مصداقٌّ وهوية، وإن اختلفا بالاعتبار، فإن وجوده لنفسه باعتبار أن ماهيته أمر ملحوظ بالذات لا بالغير، فالوجود يثبت لها في نفسها، وباعتبار إن وجوده قائم في الموضوع خارجاً، فالوجود لغيره.

(27) وإلا لما قيل وجود العرض في نفسه.

(28) فإن البياض يلحظ بذاته، فهذا دليل ثانٍ على أن العرض له وجود في نفسه.

بالذات(29) في العقل، ولكن ذلك الوجود(30) في غيره(31) لأنه في الخارج نعت للموضوع(32). ثمّ النفسـي(33) قسمان، أن الوجود في نفسه لنفسه إما بغيره، كوجود الجوهر(34) فإنه ممكن معلول، وإما بنفسه وهو وجود الحق تعالى كما قلنا: (والحق) جل شأنه (نحو أيسه) أي وجوده (في نفسه) لا كالرابطّ، حيث إنه وجود لا في نفسه(35) (لنفسه) لا كالرّابطي(36) فإنه في نفسه لغيره(37) (بنفسه) لا كوجود الجوهر فإنه، وإن كان لنفسه، لكن ليس بنفسه(38).

وجعل العرض(39) موجوداً في نفسه لغيره، والجوهر موجودا في نفسه
 

(29) وكلّ ما كان كذلك يثبت له الوجود في نفسه؛ لا في غيره. نعم لو كانت الماهية ملحوظة في الغير، ثبت لها الوجود في غيرها؛ لأن الوجود تابع للماهية، إذ هما متحدان هوية، وعارض لها في الذهن.

(30) أي وجود العرض.

(31) إلا (وفي) هنا بمعنى اللام، وإلا لزم التناقض؛ لأنّه قال فيما تقوّم وجود، والعرض في نفسه، فكيف يقول هاهنا في غيره.

(32) أي للمعروض، وليس وجوده إلا وجود الموضوع، ومتقوّم به.

(33) بعدما قسّم الوجود في نفسه: إلى الذي لنفسه ويسمّى بـ(النفسـي)، وإلى الذي لغيره ويسمّى بـ(الرابطي)، شـرَع في التقسيم النفسـي: إلى ما يكون موجود بنفسه وهو (الحقّ تعالى)، وإلى ما يكون بغيره وهو (وجود الجواهر) التي لم تحلّ في محل.

(34) الذي لم يحل في محل.

(35) بل هو كالمعنى الحرفي، لقيامه بالموضوع والمحمول.

(36) كوجود الاعراض.

(37) وهو المعروض.

(38) بل بوجود الله عز وجل .

(39) هذا اشكال ودفعه.

أما الإشكال: فهو أنكم زعمتم أن وجود الاعراض ووجود الجواهر وجود
في نفسه، وليس بالوجود الرابط، والحال قدّ حقّق، بل قد تقدّم أن وجود ما سوى

 

لنفسه بغيره، لا ينافي ما حقق في موضعه من أن وجود ما سوى الواحد الأحد رابط محض، لأن ما ذكر هاهنا أنما هو فيما بين الممكنات أنفسها(40) وإلا فالكل روابط صـرفة(41) لا نفسيّة(42) لها بالنسبة إليه(43). إن هي إلا تمويهات(44) وتماثيل،

الله عز وجل رابط محضّ، وهل هذا إلا هو عين الخبط والخلط.وأجيب عن هذا الإشكال بثلاثة أجوبة:

الأول: هو المذكور في الكتاب وحاصله: أن جعل العرض موجوداً بنفسه وكذا الجوهر، بالنسبة إلى دائرة الممكنات، لا بالنسبة إلى الواجب.

الثاني: مذكور في الحاشية([369]) وحاصله: أن جعل العرض موجوداً بنفسه وكذا الجوهر، بالنسبة إلى القابل، أي المحل القابل لها، واطلاق الرابط على وجودها بالنسبة إلى الجاعل والفاعل؛ أعني الله سبحانه وتعالى.

والثالث: ذكره استاذنا وهو، أن الوجود الرابط الذي جعل مقابلاً للوجود
في نفسه- المذكور في مقام التقسيم- هو غير الوجود الرابط الذي يطلق على ما سوى الله عز وجل ، فإن معناهما مختلف، فالوجود الرابط المذكور في التقسيم المراد به
ثبوت شـيء لشـيء، والوجود الرابط الذي يطلق على سائر الممكنات المراد به
أن وجودها هو وجود الجاعل، وليس غيره إلا وهم وباطل. فبين المعنيين فرق عظيم.

(40) فإن قلت: لو كان بين الممكنات فلا معنى لاشتمال التقسيم على الوجود في نفسه لنفسه بنفسه، الذي هو وجود الواجب.

والجواب: أنه لم يرد ان التقسيم كان فيما بين الممكنات حتّى يرد الإشكال، بل اراد أن جعل وجود العرض والجواهر في نفسه، إنما هو بالملاحظة للممكنات.

(41) بالنسبة الله عز وجل .

(42) أي وجود مستقل.

(43) أي إلى الواحد الأحدّ.

(44) أي خلاف ما نراه، وخيالات بحتة، وصور محضة، ولو اطلعت على الواقع لم
 

وبأنفسها أعدام(45) وأباطيل.

(قد كان)(46) أي الوجود مطلقا(47) (ذا الجهات) أي صاحب
 

تجد شـيء سوى الله تعالى([370]).

(45) هذا عطف تفسير.

(46) لما قسّم الوجود إلى قسمين: محمولي وهو مفاد الهلية البسيطة، ورابط وهو مفاد الهلية المركّبة، أخذ في ذكر الجهات والمواد الثلاثة، فذكر الذي هو محطّ البحث.

(47) سواء كان محمولياً ]ام[ رابطاً، هو يكون صاحب الجهات، فوجود زيد ووجود زيد كاتب هو صاحب جهة الإمكان، ومعنى كون الوجود ذا الجهات؛ بمعنى أنه عند حمله وعند ربطه للموضوع بالمحمول تحدث نسبة، تلك النسبة مكيّفة بأحد هذه الجهات، وكذا عند العدم، سواء جعل محمولاً كقولنا (زيد معدوم)، أو رابطة كقولنا (زيد معدوم عنه الكتابة)، حينئذٍ أيضاً تتولّد الجهات الثلاثة للنسبة التي حصلت.

واعلم أن هذه الامور الثلاثة المتولّدة عند الوجود وعند العدم بالنسبة إلى نفس الأمر تسمّى (مواد)([371]) وبالنسبة إلى الذهن - بمعنى تكون لها صورة في الذهن كما تكون صورة للموضوع والمحمول - فتلك الصورة تسمّى (جهة).

فالحاصل عند حمل الوجود وعند ربطه تتولّد نسبة، ولابدّ فيها من تلك المواد، فهذا هو معنى كون الوجود ذا الجهات، وإنما خصّ الوجود بالذكر؛ لأن العدم لا يبحث عنه في الحكمة المتعالية.

وهذا اشارة إلى أن الجهات - عند أهل الحكمة المتعالية - تكون كيفيات للنسبة الحاصلة عند الوجود المحمولي([372]) وعند الوجود الرابط، فليس فرق عندهم بينها كما

الجهات - وهو خبر كان (في الأذهان) هذا إشارة إلى أنها في الخارج مواد(48) وفي الأذهان جهات(49) - (وجوب) بالجر بدل من الجهات، لا بالرفع، ليتوافق الرويّان(50) و(امتناع أو إمكان)(51) كلمة أو للتنويع(52). (وهي) أي الجهات (غنيّة عن الحدود) لكون معانيها مما ترتسم في النفس ارتساماً أولياً(53).

هي عند المنطقيين، فالاصطلاحان متحدان. خلافاً لصاحب المواقف([373]) حيث أدعى أن الإمكان مطلق. والوجوب والامتناع عند المنطقيين كيفيات للنسبة مطلقاً، وعند أهل الحكمة كيفيات للنسبة في الهلية البسيطة، لا في الهلية المركّبة.

فهذه عبارة المصنف ردا ًعليه، وينبغي أن يفهم أنها عند الحكمة كيفيات لمطلق النسبة، ولكن المبحوث عنه فيها هو كونها كيفيات للنسبة في الهلية البسيطة.

(48) أراد بالخارج نفس الأمر، وإلا فهي اعتبارية لا وجود لها في الخارج.

(49) بينهما تباين، إذ الجهات مرتبة الحكاية، والمواد مرتبة المحكي عنه، كما بين النسبة والوجود الرابط كما تقدّم.

والألفاظ الدالة عليها أيضاً تسمّى (جهات) وإنما ذكروا تسميتها بالنسبة إلى نفس الامر وإلى الذهن، ولم يذكروها بالنسبة إلى اللفظ؛ لأن الحكماء إنما يبحثون عن الوجود الخارجي والوجود الذهني، دون الوجود اللفظي والوجود الكتبي.

(50) لأنه إذا قرأ وجوب بالرفع على ألفها؛ خبر إلى مبتدأ تقديره هي وجوب...الخ. حينئذٍ الإمكان يقرأ بالرفع، فلا يتوافق الرويان؛ لأن روي الصور أعني في الاذهان مجرور، وروي العجز اعني والإمكان مرفوع، فيلزم أن يتخالف الرويان في الاعراب، ومن شأنهما التوافق.

(51) اعلم أن كيفية الوجوب تدل على وثاقة الربط في طرف الثبوت، والامتناع على وثاقته في طرف العدم، والامكان على ضعف الربط.

(52) فهي بمعنى الواو.

(53) فهي لا تحتاج إلى كسب حتّى إن الاطفال يفهمون معانيها، وهي موجودة في اذهانهم، فهم يعلمون أن الصعود إلى السماء لا يمكن، وهذا الامر ممكن، وهذا
 

فمن أراد أن يعرّفها تعريفاً حقيقياً لا لفظياً، لم يأت إلا بتعريفات دورية؛ مثل أن الواجب ما يلزم من فرض عدمه محال، والممكن ما لا يلزم من فرض وجوده وعدمه محال، والممتنع ما ليس بممكن(54) أو ما يجب أن لا يكون(55) وغير ذلك(56). فهي (ذات تأس فيه) أي صاحبة اقتداء في الغناء عن التحديد (بالوجود).

الشـيء يجب وجوده كامتثال أمر والده، فهي معانيها موجودة في أذهانهم، حتّى أدعى الاستاذ أن معانيها موجودة في أذهان الحيوانات.

(54) فمعرفة الممتنع كانت متوقفة على معرفة الممكن، وكانت معرفة الممكن متوقفة على معرفة الممتنع، لأخذه في تعريفه، حيث عرّفه كما تقدّم: بأنه ما لا يلزم من فرض وجوده وعدمه محال، والمحال هو الممتنع لا غيره.

(55) فهاهنا توقف معرفة الممتنع على الوجوب، وقد تقدّم أن الواجب ما يلزم من فرض عدمه ]محال[، فحينئذٍ فهو متوقف معرفته على معرفة الممتنع؛ لأن المحال هو الممتنع.

(56) كما عرف الوجوب بامتناع الانفكاك، والامتناع بعدم الإمكان، والامكان بعدم الوجوب، وكذا يعرف كل منهما بسلب الآخرين، فيقال الوجوب سلب الإمكان والامتناع. واعلم أنّ الحكم بأنها بديهية المعنى بدهي، لإمكان العلم بها.

 

 [19]

غرر في أنها اعتبارية

وُجُودُها في العَقْـلِ بالتَّعَمّـلِ 
 

 

للصِّدقِ في المعدومِ والتَّسَلْسُلِ
 

ما صَحَّ أنْ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُحَصَّلَـةْ
 

 

إمكانُهُ لا كانَ لا إمكانَ لَهْ
 

وأنه رَفْعُ النقيضَيْـنِ لَزِمْ
 

 

وَالواجبُ عَنْهُ الوجُوبُ يَنْحَسِـمْ
 


 

 [19]

غرر في أنها اعتبارية

(وجودها) أي وجود الجهات(1) التي هي كيفيّات النسب(2) (في العقل
 

(1) أراد بها المواد الثلاثة، واطلاق الجهات لا يخلو من تسامح، إذ ان المواد توصف بأنها جهات لا ينكر كونها في العقل، فلا وجود لها في الخارج، وإنما النزاع([374]) في أنها توصف أنها مواد، هل هي موجودة في الخارج أو اعتبارية، ولذا قلنا أراد المواد.

(2) كنسبة الزوجية إلى الأربعة نسبة الوجوب، ونسبة الحجرية للإنسان هي الامتناع، والكتابة إلى الإنسان أمكان، والجهات التي عند المنطقي ترجع إليها، فالضـرورة ترجع للوجوب والدوام، والفعلية ترجع إلى الإمكان.

من هذه العبارة يستفاد أمران:

الأول: دليل على اعتبارية المواد؛ حيث هي صفات للنسب، والنسب اعتبارية، فهي أولى بالاعتبار؛ لأنها سبك اعتبار من اعتبار، ولا يمكن أن تكون خارجية؛ لأنه يلزم تحقق الصفة بدون الموصوف في الخارج، إذ هي صفات للنسب، والنسب ليست خارجية، فكذا هي ليست خارجية.

الثاني: أن الوجوب الحقيقي الذي ]هو[ عبارة عن شدّة الوجود، فإنه عين ذاته، وهو خارجي، وليس كيفية للنسب، فهو ليس من المواد، نعم الوجوب الذي هو
 

بالتعمّل)(3) لا في الخارج لوجوه: منها قولنا (للصدق في المعدوم) فإن
المعدوم الممتنع ممتنع الوجود وواجب العدم، والمعدوم الممكن ممكن
الوجود والعدم واتصاف المعدوم بالصفات(4) الوجودية العينية(5)
محال. ومنها قولنا (والتسلسل). بيانه أنه، لو كان هذه الكيفيّات
متحققّة في الأعيان، لكانت مشاركة لغيرها في الوجود،
ومتميزة عنها بالخصوصيات(6) فوجودها غير ماهياتها(7)

 

كيفية لنسبة الوجود إليه ذاك هو من المواد. 

(3) بمعنى أن العقل يحلل هذا الشـيء الخارجي إلى ماهية ووجود، ونسبة وكيفية، وكذا في صورة العدم، يحلل الشـيء إلى ماهية وعدم، ونسبة وكيفية، ففي نفس الأمر هناك شـيء واحد، العقل يحلّله إلى كيفية ومادة وغيرها، فهي امور يعتبرها العقل.

(4) لأن وجود الصفة خارجاً يستدعي وجود الموصوف؛ لاستحالة قيام الصفة بدون الموصوف، فلابد أن تكون صفات عدمية.

فإن قلت: هذا الدليل أخصّ من المدعى؛ لأن غاية ما يثبت على أنها غير خارجية عند جعلها صفة للمعدوم وكيفيات النسبة إليه، وعند جعلها صفة للموجود وكيفيات للنسبة إليه فلا.

قلنا: هذا الدليل يحتاج إلى ضم مقدّمة له حتّى يتم، وهي أن هذه المواد بالمعاني التّي تكون بها صفة للموجود، تكون صفة للمعدوم، فهي إذا كانت اعتبارية في شـيء، فلابد في الباقي أن تكون أيضاً كذلك.

(5) أي الخارجية لا اعتبارية.

(6) وإلا لكانت وجود بحت لا يشوبه تحديد، وليس كذلك غير الله عز وجل ، فهي لابدّ وأن تكون ممتازة عن غيرها بالخصوصيات، وهي ماهياتها؛ لأنه لو كانت وجوداً لزم المحذور الأول، وهي أن تكون وجوداً بحتاً، فلابد أن تكون هي ماهياتها، وهي الإمكانية والامتناعية والوجوبية.

(7) أما لكون ما به الامتياز غير ما به الاشتراك، أو لأنه لو كانت ماهياتها عين وجودها لزم المحذور المتقدّم، وهو أن ليس هناك غير الواجب ماهيته عين أنيته.

فاتصاف ماهياتها(8) بوجودها لا يخلو عن أحد هذه، ويتسلسل.

ثمّ أشـرنا إلى بطلان متمسكات القائلين بأنها أمور خارجية، بقولنا (ما) نافية (صحّ أن لو لم تكن)(9) الجهة سوى الامتناع(10) إذ لم يذهب أحد
إلى ثبوتيته(11) (محصّلة)(12) لزم من عدمية(13) المجموع مجموع المحذورات

 

(8) أي ماهيات المواد بوجودها، أي نسبة وجودها إلى ماهيات مكيّفة بأحدى هذه الكيفيات، وتلك الكيفية أن كانت خارجية فهي موجودة، فنسبة الوجود إليها تحتاج إلى كيفية وهلم جرا.

وهذه الكيفيات بينها ترتب، الأولى مقدمة على الثانية؛ لأن الثانية وصف لها، فلذا قال يلزم التسلسل، أما إذا كانت اعتبارية فالتسلسل ليس باطلاً في الاعتباريات؛ لأنه ينقطع بانقطاع الاعتبار.

(9) نفي النفي اثبات، والمعنى ما صح ان كانت محصّلاً كذا.

(10) فهذه أدلة على كون الوجوب والإمكان خارجيين فقط.

(11) إذ هو صفة للمعدوم.

(12) أي موجودة في الخارج.

(13) هذا دفع إشكال([375])، وحاصل الإشكال: أن قولك لو لم تكن الجهات محصّلة وموجودة في الخارج عدمت، وإن الثلاثة المذكورة ظاهرة في أن كل واحدة إذا عدمت من الجهات؛ أن يلزم المحذورات الثلاثة على عدميتها، مع أنه لعدمية الوجوب شـيء ليس يلزم هذا الشـيء لعدمية الإمكان. فأجاب عن هذا الإشكال: بأنه المراد لزم لعدمية مجموع الإمكان والوجوب مجموع هذه المحذورات على نحو التوزيع، بأن يقال المحذور الأول لازم على عدمية الإمكان، المحذور الثالث لازم
 

الثلاثة المذكورة في البيتين أو كل واحد(14)
من الثلاثة بأن يكون الخصوصية(15) حيث وقعت على سبيل التمثيل(16).

أحدها(17) أنه حينئذٍ(18) قولنا: (إمكانه لا(19)
 

لعدمية الوجوب، المحذور الثاني لازم لعدمية كل من الإمكان والوجوب، وهذا نظير ركب القوم دوابهم، بأنه على سبيل التوزيع، أي كل واحد منهم ركب دابته، فلا إشكال.

أو بأنه المراد لزم لعدمية مجموع الاثنين بلا اختصاص بواحد، بحيث هذه المحذورات الثلاثة تترتب على كل واحدة من عدمية الإمكان والوجوب، بأن نجريها في عدمية كل واحد، بأن نسقط خصوصية ما كان منها مختصاً بعدمية واحد دون واحد، ونجعل ذكر الخصوصية على سبيل التمثيل؛ لأن كل واحد من هذه المحذورات - التي ظاهراً مختصة في عدمية شـيء دون آخر - يمكن أن تجعل جارية في عدمية الآخر، كما سنجريها لك عند ذكرها.

(14) هذا عطف على مجموع المحذورات.

(15) التي تستدعي إختصاصه بعدمية واحد دون آخر، وهي لفظ الإمكان في المحذور الأول، فإنه يستدعي إختصاصه بعدمية الإمكان، ولفظ الوجوب في المحذور الثالث، فإنه أيضاً يستدعي إختصاصه بعدمية الوجوب، بخلاف المحذور الثالث، فإنه مشترك بينهما.

(16) فيكون جارياً في كلّيها.

(17) هذا دليل على كون الإمكان ثبوتياً وخارجياً، استدل به الشيخ أبو علي إبن سينا([376]).

(18) أي حيث كونها غير محصّلة.

(19) حاصل هذا الدليل: أنه إذا قلنا الإمكان ليس ثابتاً لهذا الشـيء في الخارج كما يدعي الخصم([377])، ولا محصّل، يكون عين قولنا لا إمكان لهذا الشيء.

كان) عين(20) قـولنا (لا إمكان لـه) إذ لا ميّز في الأعـدام(21).
فيلزم(22) أن لا يكون الممكن ممكنا. هذا خلف. ووجه البطلان(23)

 

بيان الملازمة: أنه إذا لم يكن الإمكان ثابتاً لشـيء، فليس له إمكان؛ لأن الأعدام لا تمايز بينها، فإذا لم يكن ثابتاً الإمكان فهو معدوم عنه، وإذا لم يكن له إمكان فهو معدوم عنه، فصار قول الخصم لا إمكان لهذا الشـيء، والتالي - أعني عدم الإمكان لهذ الشـيء - باطل، للزوم الانقلاب من الإمكان لغيره، والانقلاب باطل؛ لأنه سيجيء أن الشـيء إذا ثبتت له هذه المواد، فلا يمكن انقلابها عنه، فالممكن لا يمكن أن يكون غير ممكن، فالمقدّم وهو كون الإمكان ليس بمحصّل أيضاً باطل، الدليل بنفسه قابل لأن يجري في الوجوب أيضاً، بأن قولنا الوجوب ليس بثابت، عين قولنا لا وجوب له، إذ لا ميّز في الأعدام، فيلزم أن لا يكون الواجب واجباً. فقوله إمكانه لا، أي إمكان الشـيء لا محصل ولا ثابت، وإنما حذف مدخول (لا) لوضوحه للاختصار، فهم بدل أن يقولوا إمكانه ليس ثابتاً، قالوا إمكان لا.

(20) اسم كان، ضمير عائد إلى قولنا السابق.

(21) هذا دليل على كون قولنا عين هذا القول، وقد ذكرنا سابقاً وجه الاستدلال به، وهو إذا كان الإمكان ليس بثابت فهو معدوم، ولا إمكان، معناه أن الإمكان معدوم عنه، فكلاهما عدمان، ولا ميّز في الاعدام([378])، فاذا ميّز بين شيئين كان أحدهما عين الآخر، فالإمكان ليس ثابتاً مع لا إمكان له، شـيء واحد، واحدهما عين الآخر.

(22) أي على الخصم أن يكون الممكن ليس له إمكان؛ لأنه يدعي أن إمكانه ليس ثابتاً، الذي هو عين لا إمكان له، فتنحل دعواه إلى أنه لا إمكان للممكن.

(23) هذا هو الدليل وحاصله: أن هناك فرقاً بينهما، فإن معنى قولنا الإمكان ليس
 

أن الإمكان حينئذٍ(24) هو الأمر العدمي، ونفي الإمكان هو رفع هذا
الشـيء العدمي، والشـيء مطلقا(25) ورفعه متناقضان(26) والأعدام باعتبار(27)
ما يضاف إليها متمايزة. كما مر. (و) ثانيها: (أنه رفع النقيضين لزم) لأنه إذا
كان الوجوب والإمكان عدميين، واللاوجوب واللاإمكان أيضا عدميان(28) وكون النقيضين عدميين هو معنى ارتفاعهما، يلزم المحذور(29). ووجه
البطلان أولاً النقض، بالعمى واللاعمى(30) وثانياً الحل(31) فإن معنى ارتفاع النقيضين في المفردات عدم صدقهما على شـي‏ء، بأن لا يصدق الوجوب

 

بثابت، أن الإمكان أمر عدمي، ومعنى قولنا لا إمكان له، أن ذلك الأمر العدمي ليس بثابت، وهذا نظير قوله العمى ليس بثابت له، ولا عمى له، والشـيء مطلقاً سواء كان ثابتاً أو معدوماً مع عدمه متناقضان، فيكون الفرق بينهما هو الفرق بين المتناقضين؛ لأن احدهما كان رفعاً للثاني.

(24) أي حين كونه ليس ثابتاً.

(25) وجودياً كان أو عدمياً.

(26) فالفرق بينهما هو الفرق بين المتناقضين.

(27) هذا وعلى تلك المقدّمة التي استدل بها على العينية، فالإمكان لا - أي ليس ثابتاً- مضاف إلى الخارج، لا معناه إمكان لا ثابت في الخارج، فهو منسوب هذا الامر العدمي إلى الخارج، وفي الثاني المضاف إليه هو نفس الإمكان؛ لأن أتصلت به.

(28) لصدقهما على الممتنع والوجود لا يصدق على المعدوم.

(29) وهو ارتفاع النقيضين، وهذا جواب، إذن فهذا الدليل مشترك بين الوجوب والإمكان، وليس مختصراً بأحدهما.

(30) فإنهما كلاهما عدمان وبينهما التناقض.

(31) وحاصله: أن التناقض بين القضايا يستدعي عدم تحقق احدهما، وتحقق الآخر، فارتفاعهما إنما يكون إذا كانا عدمين غير متحققين في الخارج، كما أن إجتماعهما تحققها في الخارج ووجودهما فيه، أما تناقض المفردات فهو إنما يستدعي صدق أحدهما بدون الآخر، فارتفاعهما إذا لم يصدق أحدهما على هذا الشـيء لا كونهما عدمين، كما أن إجتماعهما هو صدقهما معاً على هذا الشـيء، والتناقض بين
 

واللاوجوب مثلاً على شـي‏ء، لا عدميّتهما في أنفسهما(32). (و) ثالثها:(33) أنه حينئذٍ(34) (الواجب عنه) أي عن الواجب (الوجوب ينحسم) أي ينقطع ويزول. بيانه: أن الوجوب، إذا كان اعتبارياً، لزم أن لا يكون الواجب واجباً إلا عند اعتبار العقل، وعند عدمه لم يكن وجوب(35).
ووجه البطلان النقض بالامتناع، بل بالشيئية(36). والحل(37)
الإمكان واللاإمكان، وكذا الوجوب، إنما هو تناقض المفردات، فعدميتهما لا توجب ارتفاعهما.

(32) فكونهما عدمين لا يوجب ارتفاعهما كما يدعي الخصم.

(33) هذا دليل لكون الوجوب ثابتاً خارجاً، وقابلاً أجرائه في الممكن.

(34) أي حين كون المواد التي منها الوجوب اعتبارية.

(35) أي وعند عدم اعتبار العقل لم يكن وجوب، فيلزم عند عدم العقل لا وجوب، إذ لا اعتبار حينئذٍ، مع أنه واجب على كل حال، مضافاً إلى أن الانقلاب مستحيل في حق المواد الثلاثة، فلا يمكن أن يكون الواجب ليس بواجب، وهذا الدليل يمكن أن يجري في الممكن، بأن يقال: أنه حينئذٍ الممكن عن الإمكان ينقطع، فيلزم الانقلاب.

(36) والخصم، وهم المتكلمون([379])، ]قالوا[ بأن الامتناع أمر اعتباري، وكذا الشيئية والشـيء يتصف بهما، وإن كان العقل لم يعتبره فيها.

(37) حاصل هذا الجواب بأن نقول: الوجوب أمر اعتباري يتصف به الواجب في الخارج، ولا يلزم من عدم اعتبار العقل عدم وجوده؛ لأنه أمر يتصف به في الخارج، فهو يوجد بوجود مبدأ الاتصاف به في الخارج، ولا يلزم من الاتصاف به في الخارج وجوده في الخارج، نعم يلزم وجود موصوفه فيه، ولذا قيل: ثبوت شـيء لشـيء فرع لثبوت المثبت له([380])، ولم يقل فرع لثبوت المثبت، نظير ذلك العمى، فإن الاعمى يتصف به في الخارج، فهو عند عدم اعتبار العقل له أيضاً متصف بالعمى، مع أنه اعتباري، وليس بموجود في الخارج.

بـأن اتصـاف الذات بصفة في ظرف(38) لا يقتضـي ثبوت تلك الصفة فيه، مع أن الكلام(39) أنما هو في الوجوب الذي هو كيف النسبة(40).

(38) المراد به هو الخارج.

(39) هذا الجواب إنما يكون على تقدير تخصيص الدليل بالوجوب، بخلاف الاجوبة الأولى، فإنها تصلح للجواب ولو على تقدير اشتراكه، وأيضاً هذا الجواب
على تقدير أراده الخصم، بوجوب الواجب الوجوب الحقيقي، كما هو المتبادر
عند اطلاق وجوب الواجب في السنتهم، أما إذا أراد الوجوب الذي هو كيفية
لنسبة الوجود إليه، فلا يرد هذا عليه أيضاً، ولم أرَ من حقق هذا الجواب بهذا التحقيق.

(40) بين الموضوع والمحمول، وليس كلامنا في الوجوب الحقيقي الذي هو خارجي ليس باعتباري، إذ هو عين شدة الوجود، وقوله والمرتبة العليا منه وهي عين الواجب تعالى، فبون بعيد بينهما، فلا يصح النقض به والإشكال على الخصم به، لما بينه وبين الوجوب - الذي هو من الكيفيات - بعد المشـرق والمغرب.

 

 [20]

غرر في بيان أقسام كل واحد من المواد الثلاث

وَكُلُّ واحدٍ لَدى الأكياسِ
 

 

بالذاتِ والغَيْرِ وبالقِيـاسِ
 

إلاّ في الاِمْكان فغَيْريٌّ سُلِبْ
 

 

فَلَيْسَ ما بالذّاتِ مِنْهـا يَنْقَلِبْ
 

ما بالقياسِ كالمُضَـايفَـيْنِ
 

 

ثَمَّةَ كالمفروضِ واجِبَيْنِ
 


 

 [20]

غرر في بيان أقسام كل واحد من المواد الثلاث

(وكل واحد) من الوجوب والإمكان والامتناع (لدى الأكياس بالذات والغير) أي وبالغير (وبالقياس). فيحصل من ضـرب ثلاثة في ثلاثة(1)، تسعة مثل الوجوب بالذات، والوجوب بالغير، والوجوب بالقياس إلى الغير؛ وقس عليه الباقي(2).

(إلا في الإمكان فغيري) أي الإمكان بالغير (سلب) من أقسامه(3). فبقي الأقسام(4) المتحققة ثمانية.

(فليس ما بالذات منها) أي من كل واحدة من هذه المواد(5)
 

(1) أي من ضـرب المواد الثلاثة في هذه الامور الثلاثة، أعنى ما بالذات ما بالغير ما بالقياس، وسيجيء تفسير كل واحد منها.

(2) من الامكان والامتناع، فإمكان بالذات، وإمكان بالغير، وإمكان بالقياس إلى الغير، وكذا الامتناع.

(3) أي من اقسام الإمكان الثلاثة سلب الإمكان بالغير، أي يمتنع أن يكون إمكان بالغير.

(4) التي هي للمواد.

(5) وهو ثلاثة:

الأول: وجوب بالذات، وهو أن يكون الشـيء ضـروري الوجوب في نفسه بنفسه.

والثاني: الإمكان بالذات، هو عدم ضـرورة الشـيء وامتناعه في نفسه.

والثالث: الامتناع بالذات، وهو أن يكون الشـيء ضـروري عدم وجوده في نفسه بنفسه.

فهذه المواد الذاتية يستحيل انقلاب بعضها إلى بعض، فلا يكون الإمكان الذاتي وجوباً ذاتياً، بخلاف ما بالغير أو بالقياس إلى الغير فإنه ينقلب، فالشـيء قدّ يكون واجباً بالغير إذا وجدت علّته، وينقلب إلى الامتناع بالغير إذا عدمت علته، والشـيء قد يكون واجباً بالقياس إلى وجود مضايفه، وينقلب - إذا عدم مضايفه- إلى
 

(ينقلب) إلى الأخرى(6). ذكر هذه المسألة(7) بالفاء المفيدة للسببية للإشعار بدليل امتناع الإمكان بالغير(8) إذ لو كان الشـيء ممكناً بالغير فإما أن يكون في حدّ ذاته واجباً أو ممتنعاً أو ممكناً،إذ القسمة إلى الثلاثة(9) على سبيل الانفصال(10)
 

الامتناع بالقياس إليه.

إن قلت: ما معنى كونها ذاتية، والحالة أنها ليست جزء الذات.

قلت: أن الذاتي له معنيان، كما بيّنه المصنف في منطق المنظومة([381]):

أحدهما: الذاتي في باب الايساغوجي([382])، وهو غير الخارج عن الذات.

والثاني: هو الذاتي في كتاب البرهان، وهو ما انتزع من نفس الشـيء، والمواد المراد بها الذاتي بالمعنى الثاني.

(6) وإنما كان يستحيل الانقلاب في الذاتي من هذه المواد، لامتناع أن يزول بحسب الذات، ويصير الذات غير الذات، فالحيوان الناطق لا يصير حيواناً صامتاً.

(7) أي مسألة عدم انقلاب الذاتي، حيث قال فليس ما بالذات، وكأنه اشكال ودفعه، وحاصل الإشكال: أنه لا وجه لذكر الفاء هاهنا، مع أن هذه المسألة لا تعلّق لها بما تقدم.

(8) الذي قلنا أنه سلب من أقسام الإمكان، وبسببه صارت أقسام المواد ثمانية.

(9) أي الوجوب والامتناع والإمكان بحسب الذات.

(10) أي لا يجوز اجتماعها، ولا يجوز الخلو منها، وذلك لاستحالة أن يكون شـيء واجباً لذاته وممتنعاً لذاته، أو ممكناً لذاته، أو يكون ممتنعاً لذاته وممكناً لذاته.

إذ الوجوب بالذات هو الشـيء الواجب، الغير المفتقر إلى فاعل في نفسه بنفسه.

والامتناع هو الشـيء الضـروري العدم، الذي لا يقبل التأثير في ذاته بذاته.

والممكن هو الذي يقبل الوجود والعدم في ذاته.

الحقيقي فلا يجوز الخلو عنها(11). فعلى الأولين يلزم الانقلاب(12)
وعلى الأخير(13) يلزم أن يكون اعتبار الغير لغواً(14) ثمّ أشـرنا إلى أمثلة ما

 

ولا يمكن الخلو من واحد منها، إذ الشـيء في ذاته، إما يجب وجوده أو لا، والثاني إما يمتنع أو لا، والأول هو الواجب، والثاني هو الممتنع، والثالث هو الممكن. وكذا كل محمول بالنسبة إلى الموضوع، وليس مخصوصاً بالوجوب بالنسبة إلى الماهية، فالحيوانية بالنسبة إلى الإنسان؛ أما واجبة أو ممكنة أو ممتنعة.

(11) ولا يجوز اجتماعها، إنما ذكر خصوص امتناع الخلو عنها؛ لأنه هو الذي ينفع في المقام.

(12) أي إذا كان الممكن بالغير واجباً أو ممتنعاً، لزم الانقلاب؛ لأن كل ممكن بالغير ممكن بالذات؛ لأن الإمكان بالغير هو أن يكون الشـيء يسلب فيه ضـرورة الوجود وضـرورة العدم بسبب الغير، فهو ممكن بالذات؛ لأن الإمكان هو سلب الضـرورة عن الطرفين، فإذا صار الواجب أو الممتنع ممكناً بالغير، فقد صار ممكناً بالذات.

(13) أي إذا كان الممكن بالغير ممكناً بالذات.

(14) أي لن يكون هو المؤثر للإمكان في هذا الممكن بالذات لغواً، إذ يلزم توارد علتين على معلول واحد؛ لأن الذات تقتضـي الإمكان، والغير يقتضيه، فتواردت علّتان على معلول واحد، إذ لا تعدد في الإمكان، بل هو عبارة عن ذلك السلب([383]).

بالقياس من الثلاثة(15) بقولنا: (ما بالقياس) أي ما بالقياس من المجموع(16) كمجموع هذه الأمثلة(17) فقولنا (كالمضايفين)(18) مثال للواجب بالقياس إلى الغير(19) وللممتنع بالقياس إلى الغير(20).

فللأول(21) باعتبار وجودهما وللثاني باعتبار وجود أحدهما وعدم الآخر. وبالجملة المتضايفان وضعاً(22) ورفعاً(23) وجمعاً(24)
 

(15) أي من المواد الثلاثة.

(16) أي مجموع المواد الثلاثة.

(17) أتى بلفظ المجموع، والحال أنه ذكر مثالين، حيث إنه واحد من المثالين بمنزلة مثالين يصلح ان يكون مثالاً لقسمين مما بالقياس.

(18) وهما الأمران الوجوديان اللذان لا يعقل احدهما بدون الآخر([384]) كالأخوة كما سيجيء.

(19) لأنه وجود أحدهما لابد أن يوجد الآخر، فكل واحد واجب بالقياس إلى صاحبه، وسيجيء توضيح ذلك تفصيلاً.

(20) فإنه يمتنع وجود أحدهما عند عدم الآخر، فكل واحد ممتنع عند عدم الآخر، كما سيجيء تفصيل ذلك.

(21) فيقول كالمضايفين، مثال للواجب بالقياس باعتبار وجودهما، وقولنا كالمضايفين مثال للثاني، أي للممتنع بالقياس باعتبار وجود احدهما وعدم الآخر، وقد بيّنا ذلك.

(22) أي وجودهما، وهو مثال للواجب بالقياس، إذ كل واحد منهما واجب بالقياس إلى صاحبه.

(23) أي عدمهما، وهو مثال للواجب أيضاً، فإن عدم أحدهما واجب بالقياس إلى صاحبه.

(24) أي وجود أحدهما وعدم الآخر، وهو مثال للممتنع بالقياس، فإنه يمتنع وجود أحدهما بالقياس إلى عدم الآخر، كما أنه عدم أحدهما يمتنع بالقياس إلى وجود الآخر.

موضوع المثالين(25). وتلخيص المقام(26) أن الوجوب بالقياس إلى الغير
ضـرورة تحقق الشـيء(27) بالنظر إلى الغير، على سبيل الاستدعاء(28)
الأعمّ(29) من الاقتضاء، ويرجع(30) إلى أن الغير يأبى ذاته(31) إلا أن
يكون للشـيء ضـرورة الوجود سواء كان(32) باقتضاء ذاتي، كما في
الوجوب بالقياس المتحقق في المعلول بالنسبة إلى العلة، أو بحاجة ذاتية(33)
 كما في الوجوب بالقياس المتحقق في العلّة بالنظر إلى المعلول،

 

(25) أي عنوان يصلح لمثال الواجب بالقياس إلى الغير، ولمثال الممتنع ]بالقياس[ الى الغير.

(26) في بيان اقسام ما بالقياس من المواد وتفاسيرها.

(27) أي وجوب تحقّق الشـيء.

(28) أي أن الغير يستدعي وجوب وجود ذلك الشـيء، سواء كان بنحو الاقتضاء؛ لأنه علّة له أو بدون اقتضاء، كما في وجود العلة بالنسبة إلى المعلول، وإن وجود المعلول يستدعي وجود العلة، ولكن لا يقتضـي وجودها، فالعلّة واجبة بالقياس إلى المعلول.

(29) هذه صفة للاستدعاء، وقد بيّنا وجه عموم الاستدعاء من الاقتضاء، من أنه أينما وجد الاقتضاء وجد الاستدعاء بدون العكس، فالعلّة بالنسبة إلى المعلول تقتضيه وتستدعيه، والمعلول بالنسبة إليها يستدعيها ولا يقتضيها، فإنه يستحيل أن يوجد المعلول بدون العلة، فوجوده يستدعي وجودها.

(30) أي فيجعل الوجوب بالقياس إلى الغير.

(31) أي لم تقبل ذاته الغير، لا أن يكون للشـيء الواجب بالقياس إليه وجوب الوجود.

(32) أي إباء ذاته الغير، سواء كان بسبب اقتضاء ذاتي في ذات الغير، كما في الوجوب... الخ.

(33) أي إباء ذات الغير، لحاجة ذاته إلى ذلك الشـيء، بمعنى لا يوجد إلا بذلك الشـيء.

أو باستدعاء من الطرفين(34) بلا اقتضاء منهما ولا من أحدهما، كما في وجودي المتضايفين. فكل واحد منهما واجب بالقياس إلى الآخر، لا بالآخر(35) إذ لا علّية بين المتضايفين. فالوجوب بالقياس يجتمع مع الوجوب الذاتي(36) والغيري(37) وينفرد عنهما أيضاً(38). والامتناع بالقياس
إلى الغير ضـرورة عدم وجود الشـي‏ء بالنظر إلى الغير، بحسب الاستدعاء المطلق(39) كما في وجود المعلول بالنسبة إلى عدم العلّة(40)

 

(34) أي إباء ذات الغير بسبب استدعاء كل واحد من الغير، وذلك الشـيء وجود صاحبه.

(35) أي بسبب الآخر، على أن يكون علّة له.

(36) كما في العلّة، فإنها واجبة بذاتها وبالقياس إلى المعلول.

(37) كما في المعلول بالنسبة إلى العلة، فإنه واجب بالغير؛ لأنه مسبب وجوده عن العلة، وواجب بالقياس إلى الغير؛ لأن العلة تستدعي وجوده، فلا يمكن أن توجد بدونه.

(38) كما في المتضايفين([385])، فإن كل واحد منهما واجب بالقياس إلى غيره، إذ وجود احدهما يستدعي وجود الآخر، وليس أحدهما بالنسبة إلى الآخر واجباً بالغير، إذ ليس أحدهما علّة لصاحبه، ولا وجوب ذاتي فيهما؛ لأنهما دائماً معلولان لعلة ثالثة، وإلا لو كان أحدهما واجباً لكان الآخر واجباً؛ لأنه عند وجود ذلك يوجد صاحبه، ولو كانا كلاهما واجبين لزم تعدد الواجب، وهو باطل كما سيجيء.

(39) سواء كان بالاقتضاء الذاتي، أو بحاجة ذاتية، أو باستدعاء من الطرفين.

(40) هذا الاستدعاء باقتضـاء ذاتي، فإن ذات العلّـة يستدعي عدمهما امتناع وجود المعلول.

وعدمه بالنسبة إلى وجودها(41) وكما في وجود أحد المتضايفين(42) بالنسبة
إلى عدم الآخر، وعدمه بالنسبة إلى وجود الآخر. وهو أيضاً كسابقه(43) في العموم.

والإمكان بالقياس إلى الغير لا ضـرورة وجود الشـيء وعدمه بالنظر إلى الغير ويرجع إلى أن الغير لا يأبى عن وجوده(44) ولا عن عدمه حين ما يقاس إليه.

وهذا إنما يتحقق في الأشياء التي لا يكون بينها علاقة طبيعية(45)
من جهة العلّية والمعلوليّة أو الاتفاق في علّة واحـدة(46).

(41) هذا أيضاً مثال للاقتضاء بذات الغير، وهو العلة، وأما مثال الاستدعاء لحاجة في ذات الغير - كما في عدم العلة بالنسبة إلى وجود المعلول - فحيث إن ذات المعلول محتاجة لذات العلة، فكان عدمها ممتنعاً بالنسبة إلى وجوده.

(42) هذا مثال للاستدعاء بسبب استدعاء كل منهما صاحبه، لا بنحو العلية والمعلولية.

(43) أي والامتناع بالقياس إلى الغير، كسابقه وهو الوجوب بالقياس إلى الغير،
فكما أنه يجتمع مع الوجوب الذاتي والغيري، وينفرد عنهما، كذلك الامتناع بالقيـاس إلى الغير يجتمع مع الذاتي، كما في عدم العلّة بالنسبة إلى وجود المعلول، فإنه ممتنع بالذات، بالذات في الواجب تعالى في حدّ ذاته، وبالقياس إلى وجود المعلول أيضاً ممتنع، ويجتمع مع الامتناع بالغير كعدم المعلول بالنسبة إلى وجود علّته، فإنه ممتنع بسبب الغير، وهو وجود العلة، وممتنع بالقياس إلى الغير، فإن العلة تستدعي وجود المعلول، وينفرد عنهما في المتضايفين، فإن عدم كل منهما ممتنع بالنسبة إلى الغير.

(44) أي لا يمتنع عن وجود ذلك الشـيء.

(45) أي بحسب طبيعتهما وحقيقتهما.

(46) أي الاجتماع في علّة واحدة، كما في المتضايفين، قريبة كانت أو بعيدة. وبهذا يظهر عدم صحة التمثيل بناطقية الإنسان وماهيّة الحمار.

وإلى مثاله أشـرنا بقولنا (ثمت) - عاطفة(47) - (كالمفروض واجبين)(48) إذ لا علاقة لزومية اقتضائية(49) بينهما، وإلا لم يكونا أو أحدهما واجباً(50) هذا خلف فكل واحد منهما لا يأبى(51) عن وجود الآخر ولا عن عدمه. وهذا الفرض(52) له فوائد علميّة أخرى(53) كما في مسألة(54) نفي الأجزاء عن
 

(47) عاطفة على قوله كالمضايفين.

(48) أي كما لو فرضنا هناك واجبين، فإن كل واحد منهما ليس ضـروري الوجود، ولا عدمه بالنسبة إلى الآخر.

(49) أي تقتضـي لزوم المقدّم للتالي، سواء كانت ناشئة من كون احدهما علّة والثاني معلولاً، أو بالعكس، أو كونهما معلولين لعلة ثالثة([386]).

(50) أي وأن كانت بينهما علاقة لزومية اقتضائية، لم يكونا واجبين في صورة لو كانت العلاقة ناشئة مـن كونهما معلولين لعلة ثالثة، فإن الواجب لا يكون معلولاً لشـيء، وإلا لكان ممكناً، لان شأن الوجوب الاستغناء عن العلة - كما سيجيء - أو لم يكن أحدهم واجباً؛ في صورة لو كانت العلاقة ناشئة من كون أحدهم معلولاً والآخر علّة، فإن المعلول لم يكن واجباً لما قدّمنا.

(51) أي لا يمتنع عن وجود الآخر ولا عن عدمه، فلا ضـرورة لأحدهما بالقياس إلى الآخر، لا بحسب الوجود ولا بحسب العدم، وكذا مخلوقاتهما.

(52) هذا جواب سؤال مقدّر، كأن السائل يقول: لم خصصتم التمثيل بالممكن بالقياس إلى الغير بفرض الواجبين، لِمَ لم تمثّلوا له بالعلتين اللّتين لا يستدعي وجود أحدهما الأخر، أو بمعلول علتين كذلك؟.

فأجاب: بأن لهذا التمثيل فوائداً... الخ.

(53) غير فائدة التمثيل به للممكن بالقياس إلى الغير.

(54) وذلك بأن يقال: لو كان للواجب أجزاء([387])، فإما أن تكون ممكنة فيلزم احتياج الواجب إلى الممكن، وأما واجبات فلا علاقة بينهـا، إذ لا علّيـة ولا معلولية؛ لكونها
 

الواجب وغيرها(55).

واجبة بالذات، فتكون مستقلة، وصار الواجب أثنين لا واحداً مركباً، ففرض الواجبين أخذ في هذا الدليل أحد شقيه، وتمّ به.

(55) كما في رد الملاّ جلال لشيخ الاشـراق([388])، وذلك أن شيخ الاشراق أستدل على أنه ليس للواجب ماهية([389])، بأن الماهية لا تمنع عن كثرة الافراد، وكلّها واجبة لو كانت واجبة، وكلّها ممتنعة لو كانت ممتنعة، وكلّها ممكنة لو كانت ممكنة.

فلو كان للواجب ماهية، إمّا أن تكون ممكنة أو ممتنعة، وهو خلاف الفرض، إذ يكون ما فرضناه واجباً؛ ممتنعاً أو ممكناً، لما بيّناه.

وإن كانت ماهية الواجب واجبة، لزم أن تكون واجبات غير متناهية؛ لأن لكل ماهية أفراد غير متناهية، ولما كانت الماهية واجبة، كانت كلها واجبة.

والملاّ جلال الدواني فهم من هذا الدليل: أن مراد شيخ الإشـراق بعدم التناهي في الواجبات- على تقدير وجوب الماهية- أنه يريد التسلسل في الواجبات، فأشكل عليه: أن التسلسل هو ترتيب أمور، وعلى فرض كونها واجبات، فلا ترتيب بينها، إذ لا عليّة بينها، بل إمكان بالقياس.

وأشكل الملاّ صدرا على الملاّ جلال([390]): بأن مراد الشيخ لزوم عدم تناهي الواجبات، وهو باطل؛ لأنه ينافي أدلة التوحيد.

فكان في اشكال الملاّ جلال أخذ الفرض في تعدد الواجب، ورتّب عليه عدم التسلسل والإمكان بالقياس، فتمثيل الإمكان بالقياس بهذا الفرض، أوضح لنا كلام الملاّ جلال، ولو لم يمثل لنا به، لما فهمنا كيف بينها إمكان بالقياس، وأنه يستدعي عدم العليّة والمعلولية من الطرفين، حتّى لا يكون تسلسل([391]).

 

 [21]

غرر في أبحاث متعلقة بالإمكان بعضها بأصل الموضوع وبعضها باللواحق

عُرُوْضُ الاِمْكانِ بِتَحْلِيْلٍ وَقَعْ 
 

 

وَهْوَ مَعَ الغَيْريّ مِنْ ذَيْنِ اجْتَمَـعْ
 

وَقَدْ يُرادُ مِنْهُ في استِعْمـالِ            
 

 

العَمُّ والأَخَصُّ واستِقبالِيْ
 

قَدْ لَزِمَ الإمكانُ لِلْماهِـيَّةْ 
 

 

وَحاجَةُ المُمْكِنِ أوَّلِيَّـةْ
 

وَأَثَرُ الجَعْلِ وُجُوْدٌ ارتَبَـطْ
 

 

وَصِفَةُ التَّأثيرِ في العَقْلِ فَقَطْ
 

لا يَفْرُقُ الحُدوثُ والبقاءُ 
 

 

إذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُمْكِنِ اقْتِضَـاءُ
 

وَإنَّما فاضَ اتّصالُ كَوْنِ شَيءْ
 

 

وَمَثَلُ المَجْعُولِ لِلشَّيءِ كَفي‏ء
 

قد كانَ الاِفتقارُ للإمكانِ
 

 

فَلْيُجْعَلِ القَديمُ بالزَّمـانِ
 

ضَرُوْرَةُ القضيةِ الفعليَّةْ 
 

 

لوازم الأول وَالماهِيَّةْ
 

ثم امتناعُ الشَّرْطِ بالمُعاندِ
 

 

والفَقْرُ حالة البقا شَواهدي
 

ليسَ الحدوثُ عِلّةً مِنْ رَأْسِهِ            
 

 

شَرْطاً ولا شَطْراً ولا بِنَفْسِهِ
 

وَكَيْفَ وَالْحُدُوْثُ كَيْفَ ما لَحِقْ            
 

 

لِلْفَقْرِ إذ عُدَّ المراتِبُ اتَّسَقْ
 

والعَدَمُ السابقُ كوناً لَيْسَ خَصْ            
 

 

بَدِيلَهُ نقيضَه دار الحِصَصْ
 

 

 

 

[21]

غرر في أبحاث متعلقة بالإمكان

بعضها بأصل الموضوع(1) وبعضها باللواحق(2)

فمنها قولنا (عروض الإمكان)(3) للماهية (بتحليل)
من العقل (وقع) حيث(4) يلاحظها من حيث هي مقطوعة النظر
عن اعتبار الوجود وعلّته والعدم وعلته، فيصفها بسلب الضـرورتين(5).

وأما عند اعتبارهما(6) فمحفوفة بالضـرورتين(7) أو الامتناعين(8).

(1) أي في نفس الإمكان وبيان معناه([392]).

(2) أي لواحق الإمكان، أي أحكامه.

(3) هذا بحث من اللواحق، وغرضه من ذكره أن يبين أنه جهة عروض الإمكان الذاتي للماهية.

(4) بيان إلى تحليل العقل.

(5) أي ضرورة العدم والوجود.

(6) فالماهية في حين كونها معروضة للإمكان الذاتي، معروضة للوجوب والإمتناع الغيري، ولكل منهما باعتبار.

(7) أي الوجوبين، سيجيء إن شاء الله تعالى أن للماهية وجوبين([393]) عند ملاحظتها مع الوجود:

الأول: ضـرورة سابقة، وهي التي يعبّر عنها بأن الشـيء ما لم يجب لم يوجد، وهي سابقة على وجودها، وإن كان عروضها بالنسبة إليه.

والثاني: ضـرورة لاحقة، وهي التي يعبّر عنها بالضـرورة بشـرط المحمول، وهي التي يثبت لها وجوب الوجود بعد الوجود، ولذا سميّت ضـرورة لاحقة.

(8) سيجيء إن شاء الله أن للماهية بالنسبة إلى العدم امتناعين بالغير، امتناع
 

ومنها قولنا: (وهو)(9) أي الإمكان الذاتي (مع الغيري من ذين)
أي الوجوب والامتناع (اجتمع)(10) بخلاف الذاتي منهما(11) مع
الغيري منهما. ولا منافاة(12) بين اقتضاء(13) من قبل ذات الممكن
للوجود والعدم واقتضاء(14) من قبل الغير(15) للوجود أو العدم. ومنها قولنا

 

سابق، وهو الذي يعبّر عنه أن الماهية ما لم تمتنع لم تعدم، وذلك أنه بعدم علّتها تمتنع الماهية، وامتناع لاحق وهو الامتناع بشـرط المحمول، فإنه بعد العدم فهي ممتنعة عن الوجود، وضـروري لها العدم.

(9) هذا أيضاً من اللواحق.

(10) ولكن كما قدمنا عروض كل منهما من جهة.

(11) أي من الوجوب والامتناع، فإنه لا يجتمع مع الغيري منهما، والصور هاهنا أربعة: امتناع ذاتي مع امتناع غيري. وجوب ذاتي مع وجوب غيري. امتناع ذاتي مع وجوب غيري. وجوب ذاتي مع امتناع غيري.

أما عدم صحة القسمين الأولين فللزوم اللغوية، وأما عدم صحة القسمين الأخيرين؛ فلأن الامتناع الذاتي يقتضـي عدم الوجود، والوجوب الغيري يقتضـي الوجود، وكذا الكلام في الوجوب الذاتي، فإنه يقتضـي الوجود الدائمي، والامتناع بالغير يقتضـي العدم، فبين مقتضاهما تنافٍ، فيسـري التنافي إليهما؛ لأن المعلولين إذا كان بينهما تنافي، فبين علّتيهما أيضاً يكون تنافٍ.

(12) هذا بيان وجه اجتماع الإمكان الذاتي مع الغير منها.

(13) الذي هو معنى الامكان ا لذاتي.

(14) من قبل الغير، فإن عدم اقتضاء شـيء لشـيء في ذاته، لا ينافي أن يكون شـيء آخر يجعله يقتضـي له، نعم لو هو اقتضـى شـيئاً في ذاته لا يمكن الغير أن يجعله يقتضـي غيره.

(15) أما لو اقتضـى هو شـيئاً؛ لا يمكن ان يجعله شـيئاً آخر لا يقتضـي شـيئاً، أو يقتضـي آخر.

 (وقدّ يراد(16) منه) أي من الإمكان (في استعمال) أي استعمال الإلهي(17) والمنطقي الإمكان (العمّ) مخفّف العام(18). وهو عام وعامّي،
لأن الإمكان(19) في العرف العام أيضاً كان بمعنى سلب الضـرورة عن
الطرف المخالف. فكانوا يقولون الشـيء الفلاني ممكن، أي ليس بممتنع(20)
كما أن معناه(21) المشهــور(22) أعني سلب الضـرورتين(23)

 

(16) هذا بحسب المتعلّق بأصل الموضوع، أي في نفس الإمكان([394]).

(17) المراد به المعنى الأعم، أي في الحكمة.

(18) لأنه أعمّ من الإمكان الخاص.

(19) هذا اشارة إلى وجه التسميّة بالعامي.

(20) أي ليس عدمه ضـرورياً، وإلا كان ممتنعاً.

(21) أي معنى الإمكان.

(22) عند الحكماء والمنطقيين([395])، بحيث إذا اطلق عنده مجرّداً عن القرائن يحمل عليه.

(23) للإمكان الخاص أربعة معانٍ:

الأول: سلب الضرورتين عن الطرفين، بطور السالبة البسيطة العدم المحض.

خاص(24) وخاصّـي(25) حيث تفطنّ به الخاصّة(26). ولم نذكره في تعداد(27) معانيه، إذ جعلناه أصلاً(28) والكلام فيه. (و) الإمكان (الأخصّ)
 

الثاني: هو الأول بطور الموجبة المعدولة.

الثالث: تساوي الطرفين.

الرابع: جواز الطرفين، وأحسن التفاسير التفسير الأول؛ لأنه عليها يكون الإمكان أمراً وجودياً، فيقتضـي أن يجعل وصفاً للمعدوم، مع أنه يكون وصفاً لك. والثالث أحسن من الرابع؛ لأن الثالث فيه إشعار برد من قال بأولوية الوجوب في الممكن.

(24) لأنه أخصّ من الإمكان العام.

(25) حيث هذا تعليل إلى تسميته بالخاصّـي فقط.

(26) من الحكماء والمنطقيين([396]).

(27) هذا دفع إشكال، الإشكال هو: أن هذا البحث معقود لذكر معاني الإمكان، فلماذا لم تذكره في المتن، فأجاب بما ترى.

فإن قلت: أن في وجه عدم ذكره في هذا البحث للإمكان الفقري الذي معناه الوجود المحدود، وسُمّي إمكاناً فقريّاً؛ لأن الفقر عين ذاته، والإمكان الوقوعي، والإمكان الاستعدادي، كما سيجيء تفسيرهما.

قلت: الكلام في ذكر الإمكان الذي يكون جهة لنسبة الهليّة البسيطة أو المركّبة، وهذا الثلاثة لا تقع جهات للقضية، أما الإمكان الفقري فقد تبيّن أنه صـرف الوجود المحدود، وأما الاستعدادي فربما نشير إلى عدم كونه من الجهات، وأما الوقوعي فعلى بعض معانيه ليس من الجهات، كما ربما نشير إليه ان شاء الله، ولذا لم يتعرض له هاهنا.

(28) لهذا الغرض، والكلام فيه وهو موضوع البحث، فكان معناه مفروغاً عنه كما هو شأن موضوع أي شـيء كان، ولذا لم يجعلوه من العلم.

وهو سلب الضـرورات الذاتية والوصفية والوقتية. قال الشيخ في منطق الإشارات: قدّ يقال ممكن ويفهم منه معنى ثالث، فكأنه أخصّ من الوجهين المذكورين.

وهو أن يكون الحكم غير ضـروري البتة، لا في وقت كالكسوف(29) لا في حال، كالتغير للمتحرك(30) بل يكون كالكتابة للإنسان انتهى. فالكتابة ضـرورية للإنسان في حال تصميم عزمها(31) وأما بالنسبة إلى نفس الطبيعة الإنسانية، فمعلوم أن لا ضـرورة ذاتية لاستوائها بالنسبة إلى الكتابة واللاكتابة، ولا ضـرورة وصفية(32) ولا وقتيّة إذ لم يؤخذ في جانب الموضوع وصف عنواني، ولا وقت مشـروط بهما الكتابة. (و) إمكان (استقبالي)(33)
وهو سلب الضـرورات جميعاً حتى الضـرورة بشـرط المحمول(34)

 

(29) فإنه ضـروري في وقت الحيلولة.

(30) فإن ضـروري في حال الحركة، والفرق بين الوقت والحال ان الحال هو الوصف العنواني بخلاف الوقت.

(31) أي في حال إرادتها، لاستحالة تخلف المراد عن الإرادة، وإلا لم تكن إرادة بل شوقاً، فهي ضـرورية للمريد الكتابة في حال الارادة.

(32) أي حاليّة؛ لأن وصف الإنسان لا يقتضـي الكتابة.

(33) ليس المراد الإمكان في الاستقبال، فليس الاستقبالي صفة للإمكان، بل هو صفة للممكن، أي إمكان ثابت حالاً للممكن يقع في الاستقبال، بل الإمكـان غيـر مؤقت؛ لأن الماهيات في أية نشـأة كانت من النشآت العلميـة([397]) في العلم الربوبي، أو العقلائي،أو الفلك، أو لها إمكان الوجود فيما لا يزال.

(34) وهي الضـرورة اللاحقة، التي هي تثبت للشـيء عند إتصاف الموضوع بالمحمول، فإنه يجب ثبوت المحمول له، فالإمكان الاستقبالي ينفي جميع الضـرورات عن النسبة،
 

لكونه معتبراً(35) في الأوصاف المستقبلة للشـي‏ء. قال المحقق الطوسـي  قدس سره (36) عند ذكر الشيخ هذا المعنى: إنما اعتبره من اعتبره لكون ما ينسب إلى
الماضـي والحال من الأمور الممكنة، إما موجوداً أو معدوماً، فيكون
إنما ساقها(37) حاق الوسط(38) من إلى أحد الطرفين ضـرورة ما(39) والباقي
 على الإمكان الصـرف(40) لا يكون إلا ما ينسب(41) إلى الاستقبال من
الممكنات التي لا يعرف حالها(42) أتكون موجودة إذا حان وقتها،

 

حتى هذه، فهي أخصّ من الأخصّ، إذ الاخصّ لا يسلب الضـرورة بشـرط المحمول.

(35) هذا تعليل إلى كونه سلب الضـرورة حتّى الـضرورة بـشرط المحمول، وحاصل التعليل: أن هذا الإمكان معتبر في المحمول المستقبل التي لم تقع حالا ً، فلا ضـرورة لها بشـرط المحمول، إذ هي حالاً غير واقعة.

(36) غرضه من نقل هذا القول([398]) الاستشهاد بكونه معتبراً في الاوصاف المستقبلية، مع ذكر وجه التسمية بالاستقبالي.

(37) أي ساق تلك الأمور الممكنة الحالية، والماضية.

(38) أي من كمالية التوسط، أي التوسط الكامل بين الوجود والعدم.

(39) هي الضـروري بشـرط المحمول، فإن الأمور الماضية والحاليّة واجبة بشـرط المحمول؛ لأن الوجود والعدم كان ثابت لها.

(40) أي والثابت على الإمكان الصـرف، أي الذي لا يخالطه ضـرورة، لا وقتيّة، ولا وصفيّة، ولا محموليّة.

(41) هذا خبر قوله والباقي.

(42) أما التي يعرف حالها([399]) كطلوع الشمس بكثرة؛ فهي واجبة الثبوت بكثرة، إذ
 

أم لا تكون(43) وينبغي أن يكون هذا الممكن ممكناً بالمعنى الأخصّ مع تقيده بالاستقبال، لأن الأوّلين(44) ربما يقعان على ما تعين أحد طرفيه لضـرورة ما، كالكسوف(45) فلا يكون ممكناً صـرفاً(46) انتهى. وفي قوله  قدس سره  من الممكنات التي لا يعرف إلى آخره إشارة إلى أن عدم تعين الوجود والعدم في الاستقبال وبقاء الممكن على صـرافة الإمكان إنما هو بحسب علمنا(47) لا بحسب نفس الأمر.

لا تبديل لسنته، فتكـون ضـرورية التحقق عنه بشـرط المحمول لتحققها، أما التي لا يعرف حالها، فحيث لا يعلم تحقق أي واحد من الطرفين، فليس أحدهما واجب التحقق في نظرنا، فهو المعتبر للإمكان الاستقبالي، إذ لم يتعيّن الاستقبال في نظرنا، فهو متعين في التحقق بواقع.

(43) هذا بيان لعدم المعرفة.

(44) هذا تعليل لوجه التسمية بالأخصّ فقط، وأما وجه التقييد بالاستقبالي فلوضوحه مما تقدّم، حيث إنه إنما يكون في الأمور المستقبلة التي لا يعرف حالها، فلذا لم يتعرض لوجه التقييد به، أي الإمكان العام والخاصّ لا الأخصّ.

(45) فإنه تعين أحد طرفيه للقمر بالضـرورة الوقتية.

(46) فلا يكون ممكناً أخصّ؛ لأن الإمكان الأخصّ هو الإمكان الصـرف كما
تقدّم([400]).

(47) حيث نجهل وقوع أحد الطرفين، فليس أحدهما واجباً عندنا، أما بحسب المبادئ العالية - كالله عز وجل والفلك والعقل، حيث متعيّن عندهم أحد الطرفين- فهم بالنسبة إليهم لا إمكان استقبالي، إذ الأمور المستقبلية يعلمون أحد طرفيها، وأما بالنسبة إلى نفس الأمر؛ فاحد الطرفين أيضاً متعيّن، فلا إمكان استقبالي بالنسبة إليه.

ولهذا قال في مبحث(48) التناقض من شـرح الإشارات: الصدق والكذب قد يتعيّنان(49) كما في مادتي الوجوب والامتناع، وقد لا يتعيّنان كما في مادة الإمكان، ولا سيّما الاستقبالي، فإن الواقع في الماضـي والحال قد يتعيّن طرف وقوعه، وجوداً كان أو عدماً ويكون الصادق والكاذب بحسـب المطابقـة(50) وعدمها متعينين(51) وإن كانا بالقياس إلينا، لجهلنا بالأمر(52) غير متعينين. وأما الاستقبالي(53) فقد نظر(54) في عدم تعيّن أحد طرفيه أهو كذلك في نفس الأمر(55) أم بالقياس إلينا. والجمهور يظنونه كذلك(56) في نفس الأمر،
 

(48) أي ولأجل كون عدم التعين إنما هو بالنسبة إلينا، لا بحسب نفس الأمر، ونقلَ هذا القول([401]) لفائدتين:

الأول: تأييد ما ذكره من أنه معتبر في الأمور المجهولة لنا.

والثاني: إبطال الإمكان الإستقبالي.

(49) بحسب الواقع، و(قد) هاهنا ليست للتقليل، بل للتكثر([402]).

(50) في الواقع.

(51) أعني الصادق والكاذب.

(52) أي بالواقع، ولذا بالنسبة إلى المبادئ العالية إذ لا جهل لها بالواقع، فهما متعيّنان.

(53) أي وأما مادة الإمكان الاستقبالي، أي الممكن بالإمكان الاستقبالي.

(54) أي بحث.

(55) أي غير متعين أحد طرفيه في نفس الأمر، فيظنون أن الشـيء المجهول لنا من الأمور الأستقبالية غير متعيّن - بحسب الواقع- أحد طرفيه.

(56) أي جمهور المنطقيين([403]) يظنون الاستقبال كذلك، أي غير متعيّن أحد طرفيه
والتحقيق يأباه(57) لاستناد الحوادث في أنفسها إلى علل يجب بها ويمتنع دونها، وانتهاء تلك العلل إلى جاعل أول يجب لذاته(58) انتهى.

بالنسبة إلى الواقع، فليس في الاستقبال واجب الثبوت أو العدم.

ربّما يشكل على هذا، بأنه منافٍ لكلامه السابق، وهو (والباقي على الإمكان الصـرف، لا يكون إلا ما ينسب إلى الاستقبال من الممكنات، التي لا يعرف حالها)، فإنه ظاهر أن اعتبار الإمكان الاستقبـالي، إنما هو بحسب علمنـا وهاهنا يظهر منه بحسب الواقع. والجواب: أن جمهور المنطقيين، حيث ظنّوا أن الأمور المستقبلة التي لا يعرف حالها، هي التي تكون غير معيّنة بحسب الواقع، فلذا تارة يسند ذلك إلى عدم المعرفة، وتارة إلى عدم التعين في الواقع.

(57) أي يمنع من كون المجهول الاستقبالي غير متعين في الواقع، وجوبه أو امتناعه بالغير، الذي هو الضـرورة اللاحقة، أي بشـرط المحمول.

(58) فإذا كان الجاعل الأول واجباً لذاته، فالعلل واجبة به، فالحوادث واجبة بها في أوقاتها([404])، سواء كانت استقبالية أو ماضية أو حالية([405]).

فظهر أن هذا شـيء(59) اعتبره الجمهور من المنطقيين.

وأما التحقيق الحكمي فيؤدي أن الاستقبال(60) والماضـي والحال متساوية في عدم التعيين في نظرنا(61) وفي التعيين(62) في نفس الأمر وفي الضـرورة والامتناع(63) في الواقع، والإمكان(64) باعتبار نفس المفهوم. ومنها قولنا: (قد لزم(65) الإمكان للمهية) أي نفس شيئية الماهية كافية(66) فيه، بلا حاجة
 

(59) أي الإمكان الاستقبالي.

(60) الأمر الواقع في الاستقبال.

(61) بمعنى أنه قد لا يتعين أحد طرفيه في نظرنا، لا على نحو القضية الدائمة، بل المراد بها فعليّة.

(62) أي تعين احد الطرفين، وهذا عطف على عدم التعين.

(63) أي الغيرين، وهذا عطف على عدم التعين أيضاً، فظهر أن الإمكان الاستقبالي - الذي ينفي الضـرورة بشـرط المحمول - لا وجود له، إذْ الشـيء المجهول لنا في الاستقبال، أي تثبت له الضـرورة بشـرط المحمول، أو الامتناع بشـرط المحمول.

(64) أي الذاتي الخاص، وهذه جملة مستأنفة يدفع فيها اشكال، وحاصل الإشكال:

أنه إذا كانت الضـرورة والامتناع يثبتان في الواقع، فيقتضـي أن الإمكان - وهو سلب الضـرورتين- لا يثبت لشـيء من الأشياء.

فأجاب: أي أنه يثبت باعتبار المفهوم (دون الواقع؛ لأنها لا تخلو عن احدى الضـرورتين.

(65) هذا من جملة لواحق الإمكان، والفرق بين هذا الملحق والسابق المذكور في صدر البحث، أن المتقدّم في بيان كيفية عروض الإمكان للماهية، وهذا بيان لزومه للماهية.

(66) بيان هذا المطلب ووجه تفسيره بهذا التفسير: أن اللازم للوجود هو المقتضـي، والوجود علّة له، كطلوع الشمس المقتضـي لوجود النهار، والنار المقتضيـة للحرارة، وأما لازم الماهية فعلى رأي الملا جلال([406]) من أنـه لازم لكِـلا الوجودين،
 

إلى مؤنة زائدة، لأنه ليس إلا عدم الاقتضاء للوجود والعدم.

فإذا تصورت الماهية ونسبة الوجود والعدم إليها، علمت أنها بذاتها كافية لانتزاع هذا العدم(67). وإذا كان الإمكان لازماً للماهية، عند اعتبار ذاتها من حيث هي، فلا يعبأ بشبهة يبدأ في المقام(68) من أن الممكن(69) إما موجود وإما معدوم، وعلى أي تقدير، فله الضـرورة بشـرط المحمول، فأين يمكن(70)؟ وأيضاً(71) أما مع وجود سببه التام، فيجب، وأما مع عدمه فيمتنع(72).

ومنها قولنا: (وحاجة الممكن) إلى المؤثر بديهية (أولية)
غير مفتقرة إلى الدليل؛ بل إلى شـيء آخر(73) مما يفتقر إليه

 

فمعناه أن كِلا الوجودين يقتضيان، وأما إذا قلنا بأنه لازم لنفس الماهية فلا معنى لاقتضائها له، إذ هي أمر اعتباري عدمي لا يؤثر في شـيء، فيراد حينئذٍ باللازم هو التابع لها، ولما كان الإمكان سلباً بسيطاً وعدماً محضاً، فلا يمكن أن يقال في حقه أنه تابع للماهية، فسـّر لزومه بأنه نفس الماهية كافية في تحققه، كما أنه يطلق عليه أنه ذاتي بهذا المعنى، لا أنه جزء الماهية.

(67) أي عدم الاقتضاء المسمّى بالإمكان، ولا يلاحظ الواقع في انتزاعه.

(68) أي تذكر.

(69) هذا إبداء لها باعتبار الوجوب اللاحق.

(70) ووقع هذا ظاهر مما تقدم، حيث أن الماهية تلحظ من حيث هي هي، لا يفيد كونها موجودة أو معدومة، بالنسبة إلى الوجود والعدم.

(71) هذا أبداء للشبهة بإعتبار الوجوب السابق.

(72) والجواب: أن الإمكان عند عروضه للماهية من حيث هي هي، لا يقيّد وجود السبب ولا عدمه.

(73) أي وغير مفتقرة إلى شـيء آخر غير الدليل، من حدس أو تجربة أو شاهد أو
أقسامه الخمسة الأخرى(74).

ولكن التصديق الأولى قدّ يحصل فيه خفاء لعدم تصور أطرافه(75).

وخفاء التصور غير قادح في أوليّة التصديق. واعلم(76)
أن القائل بالبخت والاتفاق(77) ينكر هذه القضية وإنكارها مساوق

 

تواتر، أو واسطة لا تغيب عن الذهن.

(74) أي أقسام البدهي الأخرى، وأعلم أن اقسام البدهي ستة، وهي لا تحتاج إلى الجزم بها إلى شـيء خارج عنها، بل يكفي فيها تصور اطرافها، ومنها هذه القضية، والخمسة الباقية هي: المشاهدات، والتجريبيات، والحدسيات والمتواترات، والفطريات. وتفصيل الكلام فيها في المنطق([407]).

(75) ذكر الاستاذ: أن في حاشية المنطق([408])، يشكل بعضهم على قول المنطقيين بأن الكل أعظم من الجزء من القضايا الأولية.

وحاصل إشكاله: أنها كاذبة؛ لأن الطاووس ذيله جزء منه، والحالة أن الذيل اعظم منه، فهذا الشخص حيث إنه لم يتصور أطراف هذه القضية، أشكل عليها، وما عرف أن الكل هو الطاووس مع ذيله، وإلا لم يكن ذيله جزء منه. فإذا تصور أطراف هذه القضية، عرف أن الممكن هو الماهية الخالية عن الوجود والعدم، وهما بالنسبة إليها على حد سواء، وعلم أن المؤثر هو الموجود للوجود، علم أن الممكن يحتاج في وجوده إلى المؤثر، وإلا لزم الترجح بلا مرجح.

(76) غرضه الرد على من أنكر هذه القضية.

(77) الاتفاق هو حصول الشـيء، سواء كان اختيارياً أم لا، بدون فاعل وغاية([409]).

لجواز الترجح بلا مرجح(78) الذي لا يقول به الأشعري أيضاً. وذكر الفخر
 

والبخت هو حصول الشـيء الاختياري بدون فاعل وغاية. واعلم أن هذا القول منسوب إلى ذيمقراطيس([410])، ونظره أن في العالم ذرات صغار متشابهة في الحقيقة تتكون منها الاجسام، وإنْ كان الملا صدرا نزّهه([411]) عن هذا القول في اسفاره، وأول كلماته.

وهذا القول يذكر في كتب الحكمة في ثلاثة مواضع:

الأول: هنا جهة مخالفته لقضية الممكن محتاج إلى المؤثر، ويرد من جهة البخت والاتفاق([412]).

والثاني: في مبحث الطبيعيات([413])، لاشتماله على كون الاجسام مركّبة من أجزاء صغار، ويرد من هذه الجهة هناك ويذكر.

والثالث: في بحث العلة والمعلول([414])، لاشتماله أن الشـيء يوجد بلا غاية، ويرد من هذه الجهة.

(78) عندنا ترجيح بلا مرجح، وهو أن يكون الفاعل يوجد الشـيء بلا مرجح، وعندنا ترجح بلا مرجح، وهو أن يكون الشـيء خارج بنفسه إلى أحد الطرفين بلا مرجح، والأول لا يسلّم ببطلانه الاشعري ([415])، والثاني يسلّم ببطلانه الأشعري، وعلى القول بالبخت والاتفاق يلزم الترجح بلا مرجح؛ لأنه يـلزم خروج الممكن عن التساوي بلا فاعل وغاية، وذلك بأن يخرج بنفسه إلى أحد الطرفين.

الرازي من قبلهم(79) شبهات: منها: أن احتياج الممكن إلى المؤثر إما في ماهية الممكن بأن يجعلها ماهية وإما في وجوده بأن يجعله وجوداً، وهما مستلزمان لسلب الشـيء عن نفسه(80) كما لا يخفى، وإما في الاتصاف، وهو أمر عدمي(81). (و) الجواب أن (أثر الجعل(82) وجود ارتبط)(83)
لا الوجود وجود كما مر(84). ومنها أنه لو احتاج إلى المؤثر فصفة
المؤثرية أيضا شـيء ممكن، فاحتاجت إلى مؤثرية أخرى، وهكذا،
فيتسلسل. (و) الجواب أن (صفة التأثير في العقل فقط) وليست متأصّلة(85).

(79) اي من قبل القائلين بالاتفاق([416]).

(80) لأنه الفاعل لو كان يجعل الماهية ماهية قبل الجعل، فالماهية ليست بماهية، وإلا لزم تحصيل الحاصل، فلزم سلب الشـيء عن نفسه، وكذا الكلام في جعل الوجود وجوداً.

(81) إذ ليس موجود في الخارج، والشـيء العدمي لا يتعلق به الجعل، إذ ليس قابلاً للوجود، وقد تقدّم الكلام فيه تفصيلاً في مبحث الجعل، فراجع ترشد.

(82) حاصل هذا الجواب: أنه عندنا صورة غير تلك الثلاثة([417])، وهو جعل الوجود الذي هو الجعل البسيط، لا جعل الوجود وجوداً.

(83) هذا قيد لا دخل له بالجواب، وإنما ذكره لبيان الواقع، وهو أن الوجود المجعول هو نفس الارتباط، لا شـيء له الربط.

(84) في بحث الجعل فتذكر.

(85) أي ليست لها وجود خارجي مستقل خاص، فهي توجد بوجود محل انتزاعها،
 

ولا يقدح(86) ذلك في اتصاف المؤثر بها، لأن ثبوت شـيء لشـيء لا يستلزم(87) ثبوت الثابت في الخارج. ومن الأبحاث المتعلقة بالإمكان، حاجة الممكن إلى العلّة في البقاء أيضاً(88) كما قلنا (لا يفرق الحدوث والبقاء)
في الحاجة (إذ لم يكن للممكن اقتضاء). فكما لم يكن وجوده في أول
الحال باقتضاء من ذاته، فكذا في ثاني الحال(89) وثالث الحال وهكذا،
لأن مناط(90) الحاجة كما سيجي‏ء هو الإمكان، وهو لازم الماهية. فكذا
الحاجة بل الوجود(91) الإمكاني(92) في أي وعاء من أوعية الواقع كان،

 

ولا تحتاج إلى مؤثر خارجي.

(86) حاصل القدح: أن صفة المؤثرية لو كانت في العقل، لما كان وجه للاتصاف بها في الخارج.

(87) ألا ترى أن الأعمى يتصف بالعمى في الخارج، مع أن العمى ليس موجوداً في الخارج.

(88) كما قلنا في الحدوث.

(89) الذي هو البقاء؛ لأن البقاء هو الوجود بعد الوجود في ثاني الحال وثالثه على سبيل الاتصال، كما أن الحدوث هو الوجود بعد العدم.

(90) هذا تعليل إلى أن وجوده في ثاني الحال، ليس باقتضاء من ذاته، فإنه لو كان باقتضاء من ذاته لكانت علّة الحاجة إلى المؤثر منتفية؛ لأن الشـيء المقتضـي بذاته للوجود لا يحتاج إلى مؤثر.

(91) هذا دليل آخر على كون الممكن في البقاء محتاجاً إلى المؤثر، ولكنه على مسلك المصنف، والدليل الأول عام على جميع المسالك.

وحاصله: أن الوجود عندنا هو عين الفقر إلى العلة، ومتقوّم بها، بحيث إذا قطع النظر عنها يكون لا شـيء، وحينئذٍ لابد أن في بقائه من العلّة، وإلا فيكون لا شـيء. والفرق بينه وبين الأول أن الأول كان دليلاً من جهة ماهية الممكن، وهذا من جهة وجوده.

(92) المراد بالإمكان هنا هو الفقر، لا سلب الضـرورة عن الطرفين، فإنه وصف للماهية لا للوجود، نعم الإمكان بمعنى الفقر من أوصاف الوجود، فالوجود
 

سواء كان في الدهر(93) أو في الزمان(94) أو في طرفه(95) حادثاً أو باقياً، عين الفقر والفاقة إلى العلّة - لا أنه ذات له الفقر- وهو متقوّم بها، متذوّت(96) بذاتها، بحيث لو قطع النظر عن وجودها، لم يكن شيئاً، وبوجه بعيد كقطع(97) النظر عن ذاتيات شيئية الماهية، حيث لا تبقى تلك الماهية. فما أسخف قول من يقول: إن المعلول محتاج إلى العلّة حدوثا لا بقاء. وقدّ تفوهوا بأنه لو جاز على الصانع العدم، لما ضـرّ عدمه وجود العالم. تعالى عمّا يقول الظالمون.

وقولنا: (وإنما فاض اتصال كون شـيء)(98) جواب عمّا عسى أن يقولوا: لو احتاج الممكن في حال البقاء إلى المؤثر، فتأثيره إما في الوجود الذي هو كان حاصلاً قبل هذه الحال، فهو تحصيل الحاصل، وإمـا في وجود جديـد حادث؛
 

الإمكاني أي الوجود الفقري، ويقابله الوجود الواجبي.

(93) هو العقل الكلي، وهو وعاء وجودات المجردات([418]).

(94) وهو وعاء الوجودات السيالة كالحركة.

(95) أي طرف الزمان وهو الآن، فإن الآن يكون نهاية أي زمان فرض كالنقطة، وهو محل الآنّيات، كالصفق، وكالوصولات إلى حدود المسافات، فإنها تقع في الجزء الأخير من ذلك الزمان.

(96) هذا عطف تفسير.

(97) أي يكون التشبيه بوجه بعيد لا بوجه قريب، والتشبيه البعيد هو الذي لا ينتقل من المشبه إلى المشبه به، وإنما كان هنا كذلك؛ لأن ذاتيات الماهية اجزاء لها، بخلاف العلّة بالنسبة إلى المعلول، فإنه ليس جزءا لها، بل هو ظلّها وفيؤها.

(98) أي الجاعل والفاعل عند البقاء إنما يفيض اتصال كون شـيء، أي استمرار وجود شـيء.

هذا خلف(99). وحاصل الجواب أن التأثير في أمر جديد، لكنه استمـرار الوجود الأول(100) واتصاله(101) لا أمر منفصل عن الأول(102) ليكون خلاف الفرض(103). (و) لما تمسكوا بمثال البناء والبنّاء(104) هدمنا بناءهم عليهم، بأن (مثل المجعول للشـي‏ء) وحاله (كفي‏ء) أي كمثل الفي‏ء للشاخص، فإنه تبع محض له، يحدث بحدوثه، ويبقى ببقائه ويدور معه حيثما دار. والبناء ليس علّة موجدة. بل حركات يده علل معدّة لاجتماع اللبنات(105) والأخشاب، وذلك الاجتماع علّة
 

(99) لأن المفروض أن التأثير في بقاء الشـيء، لا في حدوثه، وعلى تقدير تأثيره في وجود جديد حادث، يكون مؤثراً في حدوثه؛ لأن هذا الوجود لم يكن سابقاً، بل كان معدوماً، والحدوث هو الوجود بعد العدم([419]).

وذكر الاستاذ وجه الخلف: بأن الشـيء الموجود لم يكن هو الأول، بل غيره؛ لأن وجوده غير الوجود الأول.

(100) والمراد بالاستمرار هو الوجودات المتصلة التي تكون بحسب الظاهر وجوداً واحداً، ولم يتخلل بينها انفصال ولو تبدّلت الصورة.

(101) عطف تفسير على الاستمرار.

(102) أي وجود منفصل عن الوجود الأول.

(103) بأن ينقلب البقاء إلى الحدوث، أو ما فرض باقياً ليس هو الشـيء الأول، بل غيره.

(104) وحاصل تمسكهم به: أن البناء يبقى يحتاج في حدوثه إلى العلة دون بقـائه،
فإن البناء يبقى مع أن الباني ينعدم، وكذا الكتابة تبقى مع أن الكاتب
ينعدم([420]).

(105) والفاعل هو الله عز وجل .

لشكل ما(106). ثمّ بقاء ذلك الشكل فيها معلول اليبوسة(107) المستندة إلى الطبيعة(108). والمؤثر الحقيقي(109) ليس إلا الله جل شأنه.

ومنها:(110) أن علّة الحاجة إلى العلّة هي الإمكان.
(قد كان الافتقار)(111) إلى العلة (للإمكان) كما هو قول الحكماء.
ومن فروعاته (112) أنه (فليجعل القديم بالزمان)(113) كالعقل الكلّي،

 

(106) أي علّة معدّة، والفاعل له هو الله عز وجل .

(107) بنحو العلّة المعدّة، والفاعل هو الله عز وجل .

(108) أي الطبيعة، كهذه الاحجار والاخشاب من حيث وجودها لا من حيث هي هي.

(109) لهذه الأمور.

(110) اي ومن الابحاث المتعلقة بالإمكان([421]).

(111) أي افتقار الممكن إلى العلّة لأجل إمكانه، لا لأجل حدوثه.

(112) أي ومن فروعات هذا المبحث، أي من الثمرات المترتّبة عليه.

(113) أي الذي لم يسبق وجوده عدمه، ولم يقتضي بذاته الدوام والأزلية، بخلاف القديم بالذات، فإنه بذاته كان مقتضياً للأزلية والدوام، وهذا ليس إلا الله عز وجل .

والحاصل: أنه على القول بأن الإمكان هو العلة([422]) لحاجة الممكن إلى الفاعل،
 

لكونه ممكناً(114). وأما على قول خصمهم فلا(115) لانتفاء الحدوث الذي هو مناط الحاجة عندهم.

ثمّ إن على المطلوب شواهد منها: (ضـرورة القضية الفعلية)(116) أي ما كان محموله(117) واقعاً في أحد الأزمنة. بيانه أن الشـي‏ء حال اعتبار جوده، ضـروري الوجود، وحال اعتبار عدمه، ضـروري العدم. وهذا ضـرورة بشـرط المحمول، وفي زمانه، والحدوث عبارة عن ترتب هاتين الحالتين(118). فلو نظرنا إلى الماهية
 

فالقديم الزماني محتاج إلى العلّة؛ لأنه ممكن. وعلى القول بأن الحدوث هو العلّة لحاجة الممكن إلى الفاعل، فالقديم بالزمان الممكن غير محتاج إلى العلّة، وليس قابلاً للجعل؛ لأنه ليس بحادث، لأن الحدوث هو الوجود بعد العدم.

(114) هذا محلّه لجعل القديم بالزمان.

(115) أي فلا يجعل القديم بالزمان([423]).

(116) القضية الفعلية، أي المطلقة العامة([424])، سواء كان المحمول فيها العدم أو الوجود. بمعنى أن المحمول فيها يكون ضـروري الثبوت عند ثبوته له، وفي زمان تحققه له، وتسمّى الضـرورة اللاحقة.

(117) أي الذي كان محموله بهذه الصفـة، يطلـق عليـه القضيّـة الفعليـّة، وما عبارة عن القضية، وذكر الضمير باعتبار لفظ ما.

(118) بمعنى وجود الشـيء عقيب عدمه.

من حيث لها هذه الحالة(119) فقط، كانت ضـرورية(120).

والضـرورة مناط الغناء عن السبب. فالحدوث، من حيث هو حدوث مانع عن الحاجة. فما لم يعتبر حال الماهية في ذاتها، أعني إمكانها الذاتي، لم يرتفع الوجوب(121) ولم تحصل الحاجة إلى السبب.ومنها: (لوازم(122) الأول) تعالى (والمهية). بيانه:(123) أن للواجب تعالى عند كل فرقة من الفرق المتصدين لمعرفة الحقائق(124) لوازم.

(119) أي حالة الحدوث.

(120) لأنها في حال العدم السابق هي ضرورية العدم، وحال الوجود هي
ضـرورية الوجود، ولم يبقَ حال لها، وفي حالة الحدوث لم تكن فيها ضـرورية ومحتاجة معها إلى الفاعل بسبب الحدوث.

(121) اللاحق لها في حال وجودها وحال عدمها، الذي هو ملاك الغناء عن الفاعل، كالتقدّم في مبحث الجعل.

(122) أي ومن الشواهد على المطلوب.

(123) أي بيان هذا الشاهد.

(124) هم أربع فرق، لأنه:

إما أن يكون طريقهم النظر والاستدلال إلى معرفتها.

وإما أن يكون الرياضة والتخلية.

وإما أن يجمعوا بين كليهما.

والثالث: هو الاشـراقيون، والأول أن كان يقتصـرون على ملّة من الملل، بحيث
إن وافق الاستدلال أخبار تلك الملّة وظاهرها أخذوا به، وإلا طرحوا الاستدلال
وإن كان صحيحاً، ويبطلونه بأمور ولو كانت فاسدة فهم والمتكلمون. وإن كان يتبعون مؤدى الاستدلال سواء وافق الشريعة أم لا فهم المشائون. والثاني هم الصوفيون([425]).

فعند الحكماء الصفات الإضافية(125) بل عند الإشـراقيين منهم
الأنوار القاهرة(126) وعند المشائين منهم، الصور

 

(125) اعلم أن صفاته تعالى على قسمين:

منها: ما هي قائمة في ذاته ولا تستدعي طرفين، كالعلم بذاته والحياة وتسمّى (الحقيقية).

ومنها: ما تستدعي الطرفين كالقدرة - فإنها لابد لها من المقدور - والعالمية والرحمـة ونحوها وتسمّى (الإضافية)([426]).

والحكماء زعموا([427]) أن القسم الأول عين ذاته، لا لازم له، بخلاف القسم الثاني فإنه أدعوا أنه لازم له؛ لأنه لو كانت عينه لزم أن يكون الواجب مستدعياً للطرفين لمكان العينية، فلما كان كذلك قيّد الصفات بالإضافية؛ لأنها هي اللازمة عندهم للواجب لا الحقيقية.

(126) بالأنوار على الصفات الاضافة، والانوار القاهرة هي العقول([428]).

المرتسمة(127) وعند الأشاعرة، الصفات الحقيقية(128) الزائدة(129) وعند المعتزلة،الأحوال(130) وعند الصوفية، الأعيان الثابتة(131). وليست هذه اللوازم واجبة الوجود لدلائل التوحيد(132) فهي ممكنة الثبوت بذاتها، واجبة الثبوت، نظراً إلى ذات الأول تعالى(133). فثبت أن التأثير(134) غير مشـروط بسبق
 

(127) علاوة على الصفات الاضافية، والمراد بالصور المرتسمة هي صور المعلومات، فإنه عندهم أن علم الله عز وجل حصولي لا حضوري.

(129) قيد توضيحي، فهم علاوة على الاضافية يقولون في الحقيقية.

(128) لأن نظرهم أن صفات الله عز وجل ليست عين ذاته مطلقاً، اضافية كانت أو حقيقية.

(130) الصفات القائمة بالغير كالعالمية والقادرية، فإنها كما تقدّم عندهم أحوال، وهي لازمة في نظرهم له تعالى.

(131) وهي الماهيات في علم الله عز وجل ، فإنها لازمة له([429]).

(132) وهي الناطقة بأن واجب الوجود هو الله تعالى لا غيره.

(133) لأنه بعدما ثبت أنها ممكنة ولازمة فهي معلومة، وإلا لا معنى لوجودها للترجيح بلا مرجح.

(134) وذلك لأنه بعدما ثبت أنها لازمة لذات الواجب، فهي غير مسبوقة بالعدم، فلا حدوث بالنسبة إليها وثبت أنها ممكنة لدلائل التوحيد([430])، فهي محتاجة إلى الأول؛ لأن الممكن محتاج إلى المؤثر، فيثبت من هذا كلّه؛ أن علّة الحاجة في الممكن إلى الفاعل والمؤثر هو الإمكان، وليس الحدوث له مدخل في الاحتياج، وإلا لو كان له مدخل؛ لزم أن تكون هذا الصفات الممكنة غير محتاجة إلى المؤثر، لانتفاء علّة الاحتياج، والحالة قد تقدّم أن كل ممكن محتاج إلى المؤثر بالبداهة الأولية، فلابد أن يكون علّة الاحتياج
 

العدم(135).  فلئن قالوا: الكلام في الأفعال(136) وهذه ليست بأفعال؛ نقول مقصودنا أن الدوام وعدم سبق العدم لم يمنع الاستناد(137). والقاعدة العقلية(138) لا تخصص. وكذا لكل ماهية(139) لازم، مستند إليها، غير متأخر عنها زماناً، ولا يتخلل العدم بينهما.

هو الإمكان فقط.

(135) الذي يتوقف عليه الحدوث، فإذا لم يشترط حين العدم، فلا يشترط بسبق الحدوث.

(136) أي الحدوث له دخل في علّة الاحتياج في الافعال الممكنة، لا الصفات القديمة.

(137) ومقتضـى كلامكم أنه يمنعه؛ لأن علّة الاستناد هو الحدوث، ومع الدوام لا حدوث، فيقتضـي أن لا يكون هناك استناد ولا تأثير، والحالة قد ثبت فيما سبق أن كل ممكن مستند إلى العلة ومحتاج لها.

(138) هذا جواب ثانٍ عن ذلك الاشكال وحاصله: إن كل قاعدة عقلية
لا تخصص([431])، فلو كان الحدوث هو علّة الاحتياج لكان في جميع الموارد، فقولكم مقصودنا في الافعال تخصيص للقاعدة العقلية، وبعضهم جعل(ال) للعهد، والمراد بالقاعدة العقلية هي القضية المتقدّمة كل ممكن محتاج إلى مؤثر، وكأن هذا الشخص جعل هذا دفع توهم.

وحاصل التوهم: أن الدوام يمنع الاستناد في الممكن.

فأجاب: بان تلك القاعدة، وهي كل ممكن محتاج ومستند إلى المؤثر، لا تخصص بالدائم.

(139) أعلم أن هذا الدليل مبني على مقدّمات:

الأولى: أن الحدوث هو سبق العدم على الوجود في زمان العلة، بأن تكون العلة موجودة، والشـيء معدوماً، ثمّ تُوجده.

الثانية: أن لوازم الماهية معلولة لها.

الثالثة: أن لوازم الماهية يستحيل وجود الماهية بدونها، وإلا لم يكن اللازم لازماً.

(ثمّ) منها (امتناع الشـرط) أي الاشتراط (بالمعاند). أن العدم السابق(140)
 

فإذا عرفت هذا فنقول: لو كان الحدوث علّة الحاجة([432])؛ لزم أن تكون لوازم الماهية تعدم في زمان الماهية، ثمّ توجد، وإلا لم تكن حادثة؛ لأن الحدوث كما تقدم هو العدم في زمان العلة، ثمّ الوجود في زمانها، فلابد أن تكون حادثة لثبوت الاحتياج فيها إلى الماهية، وكونها حادثة باطل؛ لأنه يلزم أن تنفك الماهية عنها؛ لأنه حينئذٍ لابد من أن تعدم في زمان بيانه الماهية، وهذا هو الأنفكاك، فالاحتياج ثابت دون علته في اللوازم، وهو باطل، لاستحالة انفكاك المعلول عن علته، فلابد أن تكون علة الاحتياج أمراً آخر، وليس هو إلا الإمكان، إذ لم يقل بغيرهما في المقام، وإذا بطل أحدهما ثبت الآخر.

ويرد على هذا الدليل: بمنع المقدّمة الأولى؛ لأن الحدوث عندهم هو سبق الوجود بالعدم، وليس بلازم أن يكون العدم في زمان العلّة، ولوازم الماهية كذلك.

وثانياً: بمنع المقدّمة الثانية، وهي أن اللوازم ليست معلولة للماهية، بل الماهية ولوازمها معلول لشـيء آخر.

(140) يشكل عليه بأنه سيجيء منه أن المعاند لوجود الشـيء عدمه البديل، لا العدم السابق، لمكان اختلافهما بالزمان.

ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال: أنه تنزيلي؛ لأن كون المعاند للشـيء هو
العـدم البديل، إنما تفطن له بعض الخاصة من المتأخرين، وإلا فالجمهور على أن
على وجود الشـي‏ء مقابل ومعاند له.

فكيف يشترط وجود الشـي‏ء بمعانده(141)؟ وإن كان سبق(142) العدم شـرطاً لتأثير الفاعل فكذلك(143) لأن المعاند(144) لما يجب أن يكون مقارناً للشـي‏ء معانداً

العدم السابق هو المعاند([433]).

(141) مع أنه لو جعل علة الاحتياج إلى العلة هو الحدوث، يلزم ذلك؛ لأنه وجود الشـيء مشـروط باحتياجه، والاحتياج معلول الحدوث، والحدوث متوقف على عدم الشـيء سابقاً، والمشـروط بأمر متوقف على شـيء مشـروط بذلك الشـيء، فالوجود يكون مشـروطاً بالعدم.

(142) هذا دفع إشكال وحاصل الإشكال: أن العدم السابق إنما كان يتوقف عليه تأثر الفاعل في وجود هذا الشـيء؛ لأن التأثير فرع الاحتياج إلى الفاعل، والاحتياج فرع الحدوث، والحدوث فرع العدم السابق، فالتأثير مشروط بالعدم السابق ولا الوجود، فأجاب بما ترى.

(143) أي أيضاً يلزم اشتراط وجود الشـيء بمعانده.

(144) حاصل هذا التعليل: أن المعاند لأمر من الأمور، كالعدم السابق المعاند للوجود اللاحق، وذلك الأمر مقارن للشـيء وملازم له، كما في وجود الـشيء فإنه لازم لتأثير الفاعل، فذلك المعاند يكون معانداً لهذا المقارن، لاجتماعه مع معانده، فالعدم السابق يكون معانداً لتأثير الفاعل، فكيف يجعل شـرطاً له([434]).

ومناف له أيضاً. وأما الإمكان(145) فهو يجامع وجود الشـي‏ء وليس مقابلاً
له.

(و) منها: (الفقر) في (حالة البقا). بيانه: أن الحوادث في حال البقاء مفتقرة إلى العلة. فلو كان مناط الافتقار هو الحدوث، فالبقاء مقابل الحدوث(146).

وإن كان هو الإمكان، يثبت المطلوب. فهذه الوجوه (شواهدي)خبر
 

(145) الذاتي أو الفقري يجامع وجود الشـيء، أما الذاتي فيتصف به الـشـيء في حال وجوده؛ لأنه بمعنى أنه لو قطع النظر عن وجوده، لا يكون موجوداً ولا معدوماً كما تقدّم سابقاً، فراجع ترشد. وأما الفقري فلانه عين الوجود.

(146) فلا يكون الحدوث هو العلة لوجود معلوله بدونه، كما في حالة البقاء، لأن بقاء الوجود بعد الوجود، والحدوث الوجود بعد العدم.

]اما[ البقاء مقابل العدم يشكل عليه([435]): أن مسألة أن البقاء محتاج إلى العلّة بناءاً على هذه المسألة، وهي أن الإمكان علّة الاحتياج كما في الدليل الأول، وفي هذا الدليل كانت هذه المسالة مبنية على تلك، فلزم الدور.

والجواب: أن بالأدلة المتقدمة - على أن الإمكان علة الاحتياج - ثبت كون الإمكان علّة الاحتياج، فثبتت المسالة المتقدّمة، وحينئذٍ تثبت هذا المسالة أيضاً، أو
 

ضـرورة وما عطف عليها؛ والضمير(147) للمتكلم.

ثمّ بيّنا أن الحدوث ليس مناط الحاجة مطلقاً(148) فقلنا: (ليس
الحدوث علّة) للحاجة (من رأسه) أي أصلاً. ويوضحه(149) قولنا (شـرطاً)
بأن يكون علّة الحاجة هو الإمكان بشـرط الحدوث (ولا شطرا) بأن تكون
هي هو(150) مع الحدوث (ولا بنفسه) بأن تكون وهذه أقوال ثلاثة
للمتكلمين. (وكيف) يتصور(151) أن يكون علّة (والحدوث كيف)
 أي كيفية (ما) أي وجود (لحق للفقر)(152) والحاجة(153)
وتأخر عنه بمراتب(154)؟

 

نقول أن هذا الدليل مبني على ثبوت تلك المسالة بالدليل الثاني، لا بالدليل الأول الذي كانت تماميته موقوفةً على هذه المسالة.

(147) في شواهدي.

(148) سيجيء وجه الاطلاق.

(149) أي يوضح قولنا من رأسه وأصلاً.

(150) أي بأن تكون علة الحاجة الإمكان مع الحدوث، فالضمير الاول راجع لعلّة الحاجة، والثاني للإمكان هي الحدوث فقط.

(151) ذكر الاستاذ أن هذا والذي سيأتي جعله المصنف ردّاً عليهم([436])، مع أنه يمكن أن يكون دليلاً على المطلوب مثل الادلة المتقدّمة.

(152) أي مرتبته متأخرة عن الفقر كما سيجيء بيانه.

(153) والاحتياج إلى الفاعل، وهذا عطف تفسير على الفقر.

(154) أي وتأخر الوجود عن الفقر بمراتب، وسيجيء ذكر تلك المراتب، فكيف يجعل الحدوث علّة للفقر أو جزء علة أو شـرطها، مع أنه صفة للوجود الذي هو متأخر عن الفقر بمراتب.

بيانه:(155) أن الحدوث كيفيّة الوجود(156) لأنه عبارة(157) عن
مسبوقية(158) الوجود بالعدم، فيتأخر(159) عن الوجود(160) المتأخر عن

 

(155) أي بيان هذا الرد.

(156) أي وجود الممكن، ومن هنا قيل الوجود الحادث([437]). (157) أي لأنه الحدوث.

(158) والمسبوقية كيفية الوجود، فالحدوث كذلك.

(159) أي لأن الكيفية متأخرة عن المكيّف، ورتبته التقدّم عليها.

(160) اشكل صاحب الشوارق([438]) بأن الإمكان متأخر عن الوجود أيضاً، لأنه كيفية النسبة بين الوجود والماهية، فلا يكون علّة الافتقار المتقدّم عليه.

وأجاب: بأنه كيفية لنسبة مفهوم الوجود من حيث هو للماهية، لا بين الماهية والوجود الحاصل لها، ولذا توصف الماهية بالإمكان قبل اتصافها بالوجود، بخلاف الحدوث، فإنه وصف للوجود الحاصل لها، ولا شك في تأخره عن الإيجاد. وبالجملة لا تتصف الماهية به إلا حال الوجود، لا قبله.

 

الإيجاد(161) المتأخر عن الحاجة(162) المتأخرة عن علتها.

فلو كان علّة للحاجة مستقلة أو جزءاً أو شـرطاً، لتقدّم عـلى نفسه بمراتب(163) (إذ) توقيتية(164) متعلقة بلحق (عد المراتب اتسق) وانتظم حيث يقال(165) الشـي‏ء قرر(166) فأمكن فاحتاج فأوجب(167) فأوجد فوجد(168)
 

(161) أي الوجود متأخر عن الإيجاد.

اشكلت على استاذي في مجلس الدرس: بان الإيجاد عين الوجود، فلو كان متأخراً عنه لزم تأخر الشـيء عن نفسه.

واجاب: بأن الايجاد هو نسبة الوجود إلى الفاعل([439])، والوجود هو نسبة الوجود
إلى المفعول، كالتأثير والأثر، والمراد أنه تلك النسبة - أعني نسبة الوجود الى المفعول- متأخرة عن نسبته إلى الفاعل؛ لأن النسبة إلى الفاعل كانت علة لتلك النسبة.

(162) بواسطتين، لأن الإيجاد متأخر عن الايجاب، وهو متأخر عن الوجوب، وهو متأخر عن الحاجة كما سيشير إليه.

(163) لأنه متأخر عنها بثلاث مراتب، فلو كان عينها أو جزئها أو شـرطها لزم تقدّمه على هذه المراتب، أو تأثير المتأخر في نحو الحدوث في المتقدّم، وهو الحاجة، والحالة أن المؤثر رتبة التقدم على المؤثر فيه.

(164) أي بمعنى وقت، أي الوجود الذي يلحق الفقر والحاجة عند عدّ المراتب على الانتظام، بمعنى لا يُقدّم المتأخر، ولا يُؤخّر المتقدّم.

(165) في عدها على الانتظام.

(166) أي ثبت في علم الله عز وجل .

(167) بالبناء للمجهول، والكلام في الإيجاب والوجوب، هو الكلام في الإيجاب والوجود، والجواب هو الجواب، فراجع.

(168) فالوجود متأخر عن الحاجة والفقر عند عدّ المراتب للشـيء.

فحدث. وأيضاً كيف يتصور(169) ذلك، ويكون وجود الممكن(170) مشـروطاً بسبق العدم؟ (والعدم السابق(171) كونا(172)) مفعول السابق (ليس(173)
خصّ بديله نقيضه(174)) مبتدأ وخبر، أي عدم هو بدل ذلك

 

(169) أي كيف يتصور كون الحدوث علّة للاحتياج أو جزئها أو شـرطها، وهذا رد ثاني عليهم.

(170) هذا عطف اللازم على الملزوم، وذلك لأن وجود الممكن موقوف على احتياجه، والاحتياج موقوف على الحدوث؛ لأن فرض الكلام أنه له دخـل في علته، والحدوث موقوف على العدم السابق، فيكون وجود الممكن موقوفاً على العدم السابق؛ على القول بأن الحدوث له دخل في الاحتياج.

(171) وهذا عطف على قوله (والحدوث كيف ما لحق) أي كيف يتصور ذلك والعدم السابق، وهذه الجملة حالية؛ لأنها معطوفة على الحالية أيضاً، أي العدم المطلق لجميع الأشياء، الذي هو أزلي وسابق على وجود كل ممكن، فإن الممكنات لم تكن أزلاً موجودة.

(172) أي العدم المطلق السابق وجوداً.

وحاصل هذا الرد: أن العدم الذي جعلتموه شـرطاً؛ أما أن تريدوا به العدم المطلق الذي لم يتخصص بالمضاف إليه، ولم يقيّد بشـيء، فهذا غير مخصوص بحادث حتّى يكون شـرطاً. واما أن تريدوا به العدم البديل لوجود الشيء - أي العدم لولا هذا الوجود لحلّ محله - فهذا العدم نقيض لذلك الوجود، وقد فرض تحقق هذا الوجود، فالعدم البديل مرتفع، فالـشرط للوجود مرتفع، فيلزم ارتفاع الوجود، وأن به العدم المتخصص أي المضاف لهذا الشـيء، فيلزم الدور كما سيجيء تفصيل ذلك فأنتظر.

(173) أي ليس مخصوصاً بحادث خاص وممكن معين، بل هو عدم لكل ممكن، فلا يكون شـرطاً لما سنذكره.

(174) فلا يكون شـرطاً له أيضاً، والضمير في بديله عائد إلى الكون المذكور سابقاً،
 


 

الكون نقيضــه (دار الحصص)(175) أي حصص العدم.بيانه أنه لو
كان العدم شـرطاً لوجود الممكن، فإما يكون العدم السابق مطلقاً(176) فهو ليس شـرطاً لحادث خاص(177) وإما أن يكون العدم

 

وهو صفة لمحذوف تقديره عدم بديل الكون كما اشار إليه في الشـرح([440]).

(175) أي يلزم الدور على جعل حصص الاعدام السابقة، شـرطاً لوجود الممكنات، بمعنى عدم كل شـيء سابق يكون شـرطاً لوجوده.

(176) هذا قيد للعدم([441]) لا للسابق، أي العدم الأزلي الذي كان عند عدم كل ممكن، بأن يجعل ذلك العدم شـرطاً لوجود هذا الحادث.

(177) أي العدم المطلق ليس شـرطاً لحادث خاص، أي ليس شـرطاً لوجود أي ممكن كان لوجهين:

الأول: من جهة اعتراف الخصم بذلك.

[الثاني]: من جهة الاعدام للأشياء الأخرى، لا دخل لها في وجود هذا الشـيء،
 

المضاف(178) إلى الحادث(179) الخاص(180) فيلزم الدور(181) لتوقف كل من المضاف(182) والمضاف إليه(183) على الآخر، وإما أن يكون العدم البدلي(184) فهو نقيض الكون الحادث(185) فبتحققه ارتفع ذلك العدم(186). وإن أريد الليسيّة(187) الذاتية للمكن، أعني لا اقتضاء(188) الوجود والعدم، فيرجع إلى اعتبار
 

ولا ربط لها به، فعدم الجدار لا ربط له بوجود زيد، فلا معنى لإرادة العدم
المطلق.

(178) السابق على الحادث الخاص.

(179) كعدم زيد السابق المضاف إلى زيد.

(180) هو يكون شـرطاً لوجود ذلك الحادث الخاص، والضمير فيه يكون عائداً على العدم الذي هو شـرط للممكن.

(181) وذلك أن العدم إنما يتحصص وتكون له حصصه، ويتميّز بالمضاف إليه كما تقدّم عند قوله (لا ميْز في الأعدام من حيث العدم) فبإضافته لشـيء بأن يقال عدم زيد يتحصص، فهو موقوف على المضاف إليه، والمضاف إليه موقوف عليه؛ لأن وجوده كما يدعي الخصم موقوف على هذا العدم، فكل منهما توقف على صاحبه، فلزم الدور.

(182) وهو العدم، فإنه يتوقف على المضاف إليه لأجل تخصّصه وتميّزه، وفي خصوص هذا المورد أنه في جميع الموارد يكون المضاف متوقف على المضاف إليه.

(183) وهو الشيء، حيث إنه متوقّفاً على العدم، لأجل أن وجوده مشـروط به.

(184) وهو الذي يكون في مكان الوجود إذا لم يحصل.

(185) وذلك لأنه رفعه وزمانهما واحد، سنوضحه عن قريب فاصبر.

(186) فلا يكون شـرطاً له حينئذٍ، لان الشـرط يكون موجوداً عند وجود مشروطه، وثانياً الشـيء لا يكون شـرطاً لنقيضه.

(187) أي وأن اريد بالعدم الذي هو شـرط الوجود الليسية، ولم يذكر الشارح هذا الاحتمال في المتن لوضوح بطلانه.

(188) هذا تفسير الليسية، وتباينها الوقوعية، وهي عدم الوقوع.

الإمكان. هذا خلف، مع أن سبقه(189) بالذات لا بالزمان. وإنما ذكرنا العدم البدلي(190) مع أنه لم يقصده الخصم،إشارة إلى أنه عدم الشـي‏ء في الحقيقة، ولكن باعتبار ماهيته، من حيث هي هي مع قطع النظر عن كونها مظهر التجلّي الإلهي(191) ولو في زمان تنورها بالوجود(192).

(189) أي سبق اللااقتضاء، الذي هو عبارة عن الليسية الذاتية على الوجود، سبق بالذات لا بالزمان، إذ ان الشـيء في حال العدم لا يتصف بشـيء من الاشياء، حتّى أن نفسه تسلب عنه، بل إنما يتصف بذلك حال الوجود، ولكن الاتصاف باللااقتضاء يكون سابقاً على الوجود بالذات، بمعنى أن عند الذهن في مقام التحليل أول ما يتصف باللااقتضاء([442]) ثمّ بالوجود، وهذا المراد بالسبق بالذات كما سيجيء عن قريب.

والحالة أن مرادهم سبق العدم على الوجود، السبق بالزمان لا بالذات.

(190) هذا دفع إشكال، وحاصل الإشكال: أن العدم البديل لما كان نقيض الكون الحادث - وليس أحد النقيضين سابقاً على الآخر للاتحاد في الزمان - فليس هذا العدم سابقاً على الكون الحادث لا بالذات ولا بالزمان، بخلاف العدم المطلق السابق والعدم الخاص، بل الليسية الذاتية كما أنها سابقة بالذات، فلا معنى لاحتمال كونه مراداً للخصم.

وحاصل الدفع: أنا ذكرناه للإشارة إلى إشكال عليهم، وهو أن الشـيء لا يسبق بعدمه، فقولكم شـرط وجود الشـيء سبق عدمه لا معنى له؛ لأن الشـيء لا يسبق بعدمه.

(191) أي مع قطع النظر عن كون ماهيته موجودة، اما على تقدير وجودها فلا معنى له؛ للزوم أتصافه حينئذٍ بالوجود والعدم، الذي هو عبارة عن اجتماع النقيضين.

(192) أي لا في زمان إتصافها بالوجود، فان عدمها الحقيقي هو العدم البدلي، ولكن باعتبار قطع النظر عن الوجود.

وأما بهذا النظر(193) فلا عدم لتحقق نقيضه(194). والعدم السابق أو اللاحق ليس عدماً له في الحقيقة(195) لأن عدم الشـيء(196) رفعه، ورفعه نقيضه، واتحاد الزمان شـرط في التناقض. فكأنه قيل:(197) العدم السابق ليس عدماً له، لأنه ليس نقيضاً له، لأن بدله نقيضه ونقيض الواحد واحد(198).

(193) أي بنظر أنها موجودة.

(194) وهو الوجود.

(195) لان عدم الشـيء رفع وجوده لا رفع نفسه، إذ هو من حيث هو ليس قابلاً للرفع ولا للأثبات، والشـيء سابقاً لم يكن موجوداً حتى يرفع وجوده، وكذا عند عدمه اللاحق.

(196) هذا تعليل إلى أن العدم اللاحق والسابق ليس عدم الشـيء في الحقيقة([443]).

وحاصل هذا التعليل: أنه من المُسلّم أن العدم البديل نقيض، ومن المُسلّم أن عدم الشـيء رفعه، ومن المُسلّم أن رفع الشـيء نقيضه، ومن المُسلّم أن شـرط التناقض الاتحاد في الزمان.

فإذا عرفت هذا المقدّمات الاربع المُسلّمة عند الكل، علمت أن العدم السابق واللاحق ليس عدم الشيء في الحقيقة، وذلك أن عدم الشـيء رفعه، ورفعه نقيضه، ونقيضه متحد معه في الزمان، والعدم السابق واللاحق، واللاحق والسابق ليسا متّحدين معه في الزمان، فلا يكون نقيضه، فلا يكون رفعه، فلا يكون عدمه.

(197) في المتن عند قولنا بديله نقيضه.

(198) هذا دفع إشكال، حاصل الإشكال: أنه لا يلزم من كون البديل نقيض العدم السابق ليس عدماً له، حتى يستفاد من المتن ما ذكرتم.

فإجاب: بأن نقيض الواحد واحد، فبعد كون العدم البدلي نقيضاً، فالعدم السابق ليس نقيضاً، فلا يكون رفعاً للشـيء، فلا يكون عدماً له كما تقدّم.

وأعلم أن تحقيق هذا المطلب على هذا الوجه لم يسبقني إليه أحد فيما أعلم.

 

 [22]

غرر في بعض أحكام الوجوب الغيري

لا يُوْجَدُ الشيءُ بأَوْلَوِيَّةْ
 

 

غَيْريَّةً تكونُ أو ذاتِيَّـةْ
 

كافِيَةً أوْ لا على الصَّوابِ
 

 

لا بُدَّ في التَّرجِيْحِ مِنْ إِيجـابِ
 

لَيْسِيَّةُ المُمْكِنِ تَنْفِي الثانِيَـةْ
 

 

رَأْسا كذا الأولى بقاء التَّسْوِيَـةْ
 

ثم وجوبٌ لاحقٌ مُبَيَّـنُ
 

 

فبالضرورَتين حُفَّ المُمْـكِنُ
 

وَنِسْبَةُ الوُجوبِ والإمكانِ
 

 

كَنِسْبَةِ التَّمامِ والـنُّقْصانِ
 


 

 [22]

غرر في بعض أحكام الوجوب الغيري

من أن الشيء ما لم يجب لم يوجد والقول بالأولوية باطل

(لا يوجد الشـيء بأولوية) بأنواعها(1) (غيرية(2) تكون) الأولوية
 

(1) إعلم أن أولوية الممكن بحسب الوجود([444])، وكون وجوده أولى من عدمه، يتصور على أربعة اقسام، وذلك لأنه إما أن تكون الأولوية ذاتية، أي ذات الممكن تقتضيها، أو غيرية بمعنى بسبب الغير حصلت له أولوية الوجود، واليقينية، وكل منهما إما كافية، أي يكون العدم معها محالاً، أو غير كافية أي لا يكون محالاً، بل يجوز وجوده وعدمه. فالإقسام أربعة:

الأولى: الأولوية الذاتية الكافية، وهذه لم يذهب إليها أحد من أهل الملل والأديان؛ لأنه بها يلزم سد باب اثبات الصانع تعالى، لأن الماهيات تكون حينئذٍ كلّها واجبة الوجود بأنفسها، إذ عدمها حينئذٍ يكون محالاً.

الثانية: الأولوية الذاتية الغير الكافية.

الثالثة: الاولوية الغيرية الغير الكافية.

الرابعة: الأولوية الغيرية الكافية، التي هي الوجوب بالغير ومن الفاعل، وهي مدعانا، وإذا اطلقت الأولوية الغيرية بدون قيد؛ فيراد منها الغير الكافية، ولا يراد منها الكافية، بل يعبر في ألسنتهم عنها بالوجوب الغيري. فَجُلّ غرضنا في هذا المقام ابطال القسم الثاني والثالث من الأولوية، وربما تعبير استطراداً لإبطال القسم الأول كما صنـع المصنف([445])، فالمراد بأنواعها هي الأنواع الثلاثة؛ لأن النوع الرابع لا يطلق عليه أولوية، بل وجوب بالغير كما ذكرنا.

(2) وهي أن تكون أولوية الوجود الغير الكافية، أي التي لم يكن معها الطرف الآخر محالاً، التي لم تقتضيها ذات الممكن، بل أمر خارج عنها، وليس المراد الغيرية الكافية، إذ ليست باطلة عنده.

(أو ذاتية كافية) تكون الأولوية الذاتية في وقوع الممكن (أو لا(3) على
 الصواب) خلافاً لبعض المتكلمين القائلين(4) بالأولوية الغيرية(5) المنكرين للإيجاب(6) والوجوب في إيجاد الممكن. (لا بد في الترجيح) أي في ترجيح الفاعل وجود الممكن أو عدمه (من إيجاب) لذلك الوجود أو ذلك العدم. ثمّ أشـرنا إلى الدليل(7) بقولنا (ليسية الممكن) أي كون الممكن من ذاته(8)

 

(3) أي أو غير كافية، وهذا تقسيم للذاتية، أي الأولوية الذاتية التي تقتضيها ذات الممكن، سواء كانت كافية أم لا، فهي باطلة.

(4) وكذا هم قائلون بالأولوية الذاتية الغير الكافية، وأما الكافية فلم يقل بها المتكلمون([446])؛ لأنهم أهل دين وشـريعة كما بيّنا ذلك تفصيلاً فراجع.

(5) الغير الكافية، ويزعمون أنه معها يقع الممكن، وأن كان العدم جائزاً.

(6) أي يقولون([447]) بأن صدور الممكن من الفاعل لا يستدعي أن يوجبه، بمعنى يجعل عدمه محالاً، فيكون واجب الوجود فيوجد، فلا إيجاب عندهم ولا وجوب عند الوجود.

(7) الذي يبطل الأولوية بأنواعها الثلاثة، ويثبت من أنه لابد في وجود الممكن من الإيجاب.

(8) أي من حيث ذاته ليساً، أي يسلب عن ذاته كل شـيء حتى نفسه بالحمل الشائع، فكيف يتصف بالأولوية، ويحمل عليه حملاً شائعاً قبل الوجود، حتى بها يحمل الوجود.

أن يكون ليس (تنفي الثانية)(9) أي الأولوية الذاتية (رأساً) أي بكلا قسميه من الكافية وغيرها.

فإن الماهية لم تكن بحسب ذاتها إلاهي، وما لم تدخل في دار الوجود بالعرض(10) لم تكن شيئاً من الأشياء، حتى إنه لم يصدق نفسها
على نفسها(11). وذاتها(12) وذاتياتها(13) وإمكانها وحاجتها ، وإن
كانت متقدّمة على وجودها تقدماً بالمعنى(14) لكنه بحسب الذهن(15)

 

(9) بل الأول.

(10) لأن الداخل في دار الوجود - أعني الخارج - هو الوجود بالذات؛ لأنه هو الأصل لا الماهية، والماهية بالتبع والعرض.

(11) أي لم تحمل بالحمل الشائع الصناعي؛ لأن الموجبة لابد لها من وجود الموضوع، ومع عدم اتصافها بالوجود لم يكن الموضوع موجوداً، فهي سالبة بانتفاء موضوعها.

(12) هذا مبتدأ خبره لكنه. هذا دفع إشكال على كون الماهية إذا لم تكن موجودة يسلب عنها كل شـيء، وأنّها قبل وجودها حتى نفسها تسلب عنها.

وحاصل الإشكال: أنه قد تقرّر في محله([448]) أن إتصاف الماهية بنفسها وبالإمكان متقدّم على وجودها، فهي متصفة قبل وجودها بنفسها، وبصفات كثيرة.

فأجاب: أن تقدّمها على الوجود بحسب الذهن([449])، بمعنى أن الذهن بعدما يحلل الماهية عن الوجود؛ ينسب إليها أولاً ذاتها وإمكانها، ثم ينسب إليها الوجود.

(13) أي اجزائها.

(14) أي عند التحليل.

(15) أي لكن هذا التقدّم بحسب الذهن، بمعنى عند التحليل الذهني، حيث إن الذهن يحللها إلى الوجود والماهية، وينسب تلك الأمور لها قبل نسبة الوجود.

وأما في الخارج فالأمر بالعكس(16). فما لم يكن وجود لم تكن ماهية، ولا بروز لأحكامها(17) الذاتية. وحينئذٍ فلا ماهية قبل الوجود حتى تستدعي(18)
 

(16) اي فالوجود متقدّم عليها؛ لأنها اعتبارية ومنتزعة من حدوده، بخلاف الذهن، فإن الوجود بنفسه لم يوجد فيه، بل عنوانه، وهو عارض للماهية، حيث أنها تتصف به، والشـيء لا يعرض له شـيء آخر، إلا بعد ثبوت لوازمه وذاتياته، فلذا قيل أنها متقدّمة على الوجود بحسب المعنى في الذهن.

(17) أي ولا ظهور ولا ثبوت لتلك الاحكام؛ لأنها تكون معدومة، فأحكامها كذلك.

(18) أي تكون متصفة بالأولوية الذاتية.

ويشكل على هذا الدليل: بأنه الماهيات ثابتة في علم الله عز وجل وعلم الانوار القاهرة وباقي المجردات، فهي متصفة بالأولوية قبل وجودها، باعتبار ثبوتها هناك.

وأجيب([450]): أن هذا المطلب إنما يراد اثباته قبل اثبات تلك، فليس اثباته متوقفاً على تلك، حتى تجعله متوقفاً عليه، إنما غرضهم أن ثبتت الاولوية للماهية قبل الوجود، بقول مطلق، وبأي نحو كان، وإلا فننقل الكلام بالنسبة إلى تلك الوجودات.

وأشكل استاذنا في مجلس درسه على هذا الدليل بما حاصله: إنما يمكننا أن ندعي أن الأولوية مثل الإمكان، بمعنى له تقدّم بحسب الذهن، وان كان بروزها بحسب الوجود الخارج، فكما كان الإمكان علّة لوجود الممكن، كذلك الأولوية، وأدعى حفظه الله أنه لم يتعرض أحد لهذا الإشكال على هذا الدليل أصلاً.

نعم، هذا الدليل يدفع قول الخصم الذي يقول: بأن الأولوية ثابتة للماهية قبل وجودها، ولكن لا يدفع هذه الدعوى لو أدعيت، فلابد أن نذكر دليلاً آخر([451]). وهو أن الأولوية لو كانت ثابتة، لكان للماهية ترجيح بالنسبة إلى الطرف المرجَح، والحالة أنه عند ملاحظتها في ذاتها، لم يكن ثابتاً لها هذا الترجيح؛ لأنه لا تابع لها، كما هو كذلك في الإمكان.

أولوية مطلقاً. (كذا) تنفي (الأولى) أي الأولوية الغيرية (بقاء التسوية)(19) أي تسوية الوجود والعدم(20) بحالها(21). فإن هذه الأولوية(22) لما كانت غير بالغة إلى حد الوجوب(23) لا يجعل الطرف المقابل محالاً.

فالوقوع بهذه الأولوية وعدم الوقوع بها كلاهما متساويان(24)
 

(19) في الممكن مع هذه الأولوية.

(20) في الجواز، بمعنى أن الممكن يجوز فيه مع هذه الأولوية العدم والوجود، لا التسوية بالنسبة إلى نفس الوجود والعدم، إذ لا ينكر مع فرض الأولوية، والوجود أولى من العدم في الماهية.

(21) هذا متعلق ببقاء التسوية، أي أن الأولوية لا ترفع التسوية، بل تبقى معها التسوية، ومع بقائها لا يمكن وجود الممكن، كما سأذكر لك ذلك.

(22) هذا تعليل إلى بقاء التسوية بحاله.

(23) إذ فرض الكلام أن الأولوية غير كافية.

(24) في عدم التعين والجواز؛ لأنه لو كانت الأولوية الغيرية متعيّنة للوجود، ولم يجز تعلقها لا وقوع العدم، وتكون مانعة منه، كانت وجوباً بالغير، وهو المطلوب. وإن كانت غير معينة؛ ومعها يبقى السؤال لِمَ وجد؟ والعدم يكون جائز الوقوع، فالممكن متساوي الطرفين بالنسبة اليها، فيحتاج الوجود الى شـيء آخر يرجّحه، فان كان يوجبه فهو المطلوب، وإن كان أولوياً فأيضاً يحتاج الى مرجح آخر لبقاء التساوي، فيلزم التسلسل، ومع ذلك لا يحصل تعين لاحد الطرفين، كذلك في الحاشية([452]).

فلا يتعين بعد أحدهما(25) بخلاف ما إذا بلغت إلى حد الوجوب،
لأنه حينئذٍ لا يبقى الطرف الآخر(26). فما لم يسدّ الفاعل
جميع أنحاء عدم المعلول، لم يوجد، ولم ينقطع السؤال
بأنه: لم وقع هذا دون ذاك؟ هذا هو الوجوب السابق(27)

 

(25) بل لابد من مرجّح موجب.

(26) أي لا ينبغي جوازه، بل يكون محالاً.

(27) أعني انسداد جميع أنحاء العدم بالفاعل، الذي ينقطع معه السؤال لم وجد، هو المسمّى بـ(الوجوب السابق) لأنه سابق على وجود الممكن عند العقل، حيث إن العقل أول ما يحكم على الممكن بوجوبه، وانسداد جميع أنحاء عدمه، ثم يحكم بوجوده.

 

الجائي من العلة(28) في الممكن. فإن قلت: لو كان الوجوب اللاحق لازماً لذات وجود الممكن، وليس بالغير كما (ثمّ) هنا وجوب آخر يقال له (وجوب لاحق)(29).

(28) لأنها هي التي تسدّ أنحاء عدم الممكن، الذي هو الوجوب، فالوجوب يجيء منها.

(29) لما كان الوجوب هو عبارة عن الاباء عن الطرف المخالف ومحاليته، وكل من العدم والوجود يلحقه ويتبعه الاباء عن مقابله، فكل منها له وجوب يلحقه ويتبعه، وهذا أيضاً وجوب بالغير بالنسبة إلى ماهية الممكن؛ لأنه إنما تحصل بشـرط الاتصاف بالمحمول([453])، والاتصاف من الفاعل، فالوجوب اللاحق يكون منه وبسببه، وأما بالنسبة إلى وجود الممكن فهو ذاتي له، بمعنى تابع له؛ لأنه لو لم يكن تابعاً له - بمعنى لم يكن يجب المحمول بشـرط الاتصاف - لكان جائز الطرف المقابل في حال الاتصاف، وجوازه يستلزم اجتماع النقضين؛ لأن هذا الاتصاف موجوداً حالاً، ونقيضيه يجوز تحققه، لا أنه يأبى عنه، فيجوز إجتماع النقيضين، وهو مع الوجود متحد ذاتاً متغاير عند العقل.

ولذلك استاذنا قال: أن الوجوب اللاحق عين الوجود الخارج، لا أنه متحد معه ذاتاً، نعم العقل من مقام الوجود الخارجي ينتزع مفهوم الوجود والوجوب اللاحق، واستدل على العينية من أن الوجود هو عين الاباء عن العدم، وإنما يتقوم بهذا
 

وهو أيضا مبرهن عليه(30) و(مبيّن). يلحق الممكن بعد حصول(31) الوجود أو العدم بالفعل(32). وهو الذي يقال له الضـرورة بشـرط المحمول(33). ولا يخلو عنه قضية فعلية(34).

إن قلت: ما معنى(35) سبق الوجوب على الوجود ولحوقه له
 

قررتم، لزم أن يكون وجوده واجباً فينقلب.

قلنا: أن وجوبه اللاحق([454]) إنما يكون ذاته، ما دام ذات الوجود، فإذا انقطع الفـيء وذهبت ذات الوجود، ذهب الوجوب؛ لانتفائه بانتفاء موضوعه، كالحيوانية بالنسبة إلى الإنسان، نعم لو كانت له ضـرورة أزلية مثل وجوب الواجب لوجوده؛ للزم انقلابه، ولكن نحن لم ندعّ ذلك.

(30) وحاصل البرهان([455]): أن الوجود المحمول بسيطاً كان ]أم[ مركّباً، أن كان يجوز أن يتحقق معه الطرف المقابل، فيلزم جواز اجتماع النقيضين، فيلزم استحالة التحقق للطرف المقابل، وهو الوجوب للوجود، وكذا الكلام في الوجوب اللاحق للعدم.

وأما الوجوب السابق؛ فالبرهان عليه ما تقدّم من البرهان النافي للأولوية.

(31) أما الوجوب السابق يلحقه قبل الحصول.

(32) أي في حال الحصول وفي حال الاتصاف، يكون ذلك الطرف واجباً، لاستحالة مقابله.

(33) فإنه عند الاتصاف بالمحمول، يكون الثبوت والوجود المركّب أو البسيط ضـرورياً، لحصول الإباء عن العدم، وإلا لجاز اجتماع النقيضين.

(34) أي كانت ضـرورية أو دائمة أو مطلقة عامّة ما عدا الممكنة، لأنه لم يكن في موردها الثبوت في أي ظرف كان، بخلاف الفعليات فإنه فيها، وفي موطنه لابد من الوجوب بالغير، والضـرورة بشـرط المحمول.

(35) حاصل هذا الإشكال: أن الوجوب هو عبارة عن الإباء عن الطرف المقابل
 

وحيثية الوجود(36) كاشفة عن حيثية الوجوب(37) بل عينها(38) لأن
حيثية الوجود(39) حيثية الآباء(40) عن العدم(41)؟ قلت:(42) هذا السبق

 

ومحاليته، وهذا عين الوجود في الخارج، فلا معنى لجعل سابقاً ولاحقاً.

(36) أي وجهة الوجود.

(37) حيث إن وجود الشـيء ينبأ عن أن الطرف المقابل محال، والإباء عنه، وإلا لما وجد، للزوم الترجيح بلا مرجح.

(38) هذا استدلال ثاني، وهو يكون على عدم اللحوق والسبق كليهما.

(39) هذا دليل على خصوص عدم سبق الوجوب على الوجود، وليس ناظراً إلى اللحوق.

وينبغي إن يقرر هكذا: أن الوجوب ليس سابقاً في الخارج على الوجود؛ لأنه غير محتاج إليه، حيث أنهما غير متميزين في الخارج، بل الوجوب متوقف عليه؛ لأنه صفة له، فيكون هو الأسبق. ولا في الذهن؛ لأن الوجود كاشف عن الوجوب، فالوجوب متأخر في الذهن لا سابق.

والمقدّمة الأولى التي تنفي الاسبقية في الخارج، وإن كان المستشكل محتاج إليها؛ لأن مجرد كونه كاشفاً لا يثبت عدم اسبقيته، إذ أن المعلول يكشف عن العلة مع أنها اسبق، إلا أنه لما كانت بدهية عند المصنف- لأنه يعترف أنهما غير متمايزين في الخارج، وليس أحدهما علّة للآخر، بل العقل يجعلهما متمايزين- فلذا أهملها لوضوحها مع اختصار مؤلفه.

(40) الذي هو الوجوب، فالوجود عين الوجوب.

(41) كما أن حيث العدم، حيثية الإباء عن الوجود.

(42) لما كان في نظر المصنف أن الوجوب هو الإباء عن الطرف المقابل، وهذا عين الوجود في الخـارج، بيّن أن الاسبقية واللحوق بإعتبار العقل([456])، عندما يلاحظ الوجوب والوجود والماهية والفاعل، وإلا فهي والخارج شـيء واحد. فقولكم: أنه
 

واللحوق في اعتبار العقل عند ملاحظة هذه المعاني(43) واعتبار الترتيب(44) بينها.

كاشف، لا يلزم عدم الاسبقية عند العقل، فإن بعض الاشياء طالما عند حصولها في الذهن، يكون كاشفاً عن شـيء آخر، ولكن عند ملاحظة العقل لهما، يحكم العقل بتقدم ذلك الشـيء الآخر، كالإمكان مع وجود الماهية، فإن وجودها كاشف عن إمكانها مع أنه أسبق.

وقولكم: أن حيثية الوجود عين حيثية الإباء عن العدم، إن أردتم به أنه في الخارج فصحيح، ولكن لا نقول نحن به، بل نريد الأسبقية واللحوق عند العقل. وإن أردتم به في العقل عند ملاحظة هذه المعاني، فليس كذلك، فإن العقل يفككها، ويراها متغايرة، بعضها اسبق عنده من الأخرى، وتحقيق هذا المطلب على هذا المنوال مما لم يسبقني إليه أحد فيما أعهد بعون الملك الجبار.

وإعلم أن بعضهم ذهب إلى أن الوجوب السابق هو الخصوصية الموجودة في العلة، التي بها حصل الارتباط بين العلة المعلول، ووجود المعلول بها وإن كانت هي عين العلة، وحينئذٍ فالوجوب السابق والوجود متمايزان في الخارج، كما في العقل، نعم اللاحق مع الوجود متحدان خارجاً، متمايزان عقلاً.

(43) هي الوجوب بالغير والوجود.

(44) هذا عطف على ملاحظة([457])، أي عند اعتبار الترتب بينها فيحكم أولاً بالوجوب، أي أن ماهية الطرف الآخر فيها محال، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح، فتوجد، فوجودها بعد وجوبها وبعد وجودها، يكون فيها وجوب؛ لأنه بعد الاتصاف
 

فقولهم الشـي‏ء ما لم يجب لم يوجد، معناه ما لم ينسد جميع أنحاء عدمه، لم يحكم العقل بوجوده(45). (فبالضـرورتين(46) حفّ الممكن(47)).

وقولنا (ونسبة الوجوب والإمكان كنسبة التمام(48) والنقصان) مسألة متداولة بينهم. معناها أن الإمكان، لما كان برزخاً بين الوجوب والامتناع(49) كانت نسبته إلى الوجوب كذا(50). والأولى أن يكون(51) المراد بالإمكان هو
 

بالوجود تأبى عن الطرف المقابل، ويكون محالاً، وإلا لجاز اجتماع النقيضين، فتكون واجبة، فإنه بمجرد ملاحظة هذه المعاني، لا يكون أحدها اسبق، بل عندما يرد اعتبار الترتب بينها بعد ملاحظتها.

(45) لأنه مرادهم أنه في الخارج ما لم يجب لم يوجد، فتكون القاعدة، اعني أن الـشيء ما لم يجب لم يوجد صحيحة.

(46) أي الوجوب السابق، والوجوب اللاحق.

(47) عند وجوده، أو عند عدمه.

(48) يطلق التمام والكمال على الوجوب في جانب الوجود، ولم يتعارف اطلاقه على الوجوب في جانب العدم؛ لأنه بطلان محض، وفي درك سفلي، فليس فيه كمال لشـيء.

(49) تعارف عندهم، أن الوجوب يطلق على الوجوب في طرف الوجود، وأما الوجوب في طرف العدم، فيطلق عليه الامتناع.

(50) أي كنسبة النقصان والتمام، وذلك لأن إمكان الوجود لما كان وجوداً بالقوّة، صار بالنسبة إليه انقص منه درجة، والوجوب هو الكامل، وحينئذٍ فالكاف في كنسبة للتشبيه؛ لأنه ليس حينئذٍ الإمكان ناقصاً، والوجوب أمر تام له، إذ أن التمام والنقصان إنما يكون في حقيقة واحدة ذات مراتب، والوجوب والإمكان كل منهما حقيقته غير الآخر.

نعم يكون شبيهاً بنسبة التمام والنقصان؛ لأن الوجوب أعلى من الإمكان، اي الامكان انقص منه.

(51) التوجيه الأول: كأن المراد بالإمكان فيه هو الإمكان الذاتي، الذي هو سلب الضـرورتين([458]).

الإمكان بمعنى الفقر المستعمل في الوجودات(52) المحدودة(53) المصطلح عليه(54) لصدر المتألهين  قدس سره  وبالوجوب هو الوجوب الذاتي.

وحينئذٍ فالسنخية بنحو الشـي‏ء والفـي‏ء(55) المعتبرة في
التام(56) والناقص متحققة(57). ثمّ مع كونها(58) في نفسها مسألة

 

والتوجيه الثاني: المراد بالإمكان هو الإمكان الفقري.

وأيضاً يكون الوجوب في التوجيه الأول هو الوجوب الغيري، وأما في الثاني فهو الوجوب الذاتي. وإنما كان الثاني أولى بالإرادة من المعنى الأول؛ لأنه عليه تكون نفس نسبة النقص والتمام متحققة بين الوجوب والإمكان، إذ لا شك أن الوجود الغيري - الذي هو الإمكان- أنقص من الوجوب الذاتي، إذ الأول فيء، والثاني ظلّه.

(52) أي الذي يطلق ويراد به الوجودات المحدودة؛ لأنها عين الفقر كما تقدّم.

(53) هي وجودات الماهيات.

(54) أي الذي اصطلح على هذا المعنى في الإمكان هو صدر المتألهين([459]).

(55) أي بنحو الاصل وفيئه، لا بنحو التساوي بين افراد الماهية الواحدة.

(56) وذلك لأن التام والنـاقص، لابـدّ وأن يكونا من افراد حقيقة واحدة والناقص هو من التام، ولم ينقص شـيء من التام.

(57) بين الإمكان الفقري الذي هو الوجود بالغير، والوجوب الذاتي الذي هو واجب الوجود، لما قدّمنا أن الأول فيء للثاني.

بخلاف التوجيه الأول؛ فإن السنخية بنحو الشـيء والفـيء - التي هي معتبرة بين الناقص والتام - غير متحقّقة فيه كما قدّمنا.

(58) هذا دفع إشكال، وحاصل الإشكال: أن هذه مسالة على حِدة، فلا وجه لإيرادها هنا في هذه المسالة، بل ينبغي أن يعقد لها باب مستقل.

فأجاب: أنه مع التسليم أنها مسألة مستقلة، إلا أنه هناك فائدة بإيرادها هنا كما سيظهر لك.

 

بإيرادها(59) هنا يدفع توهم المنافاة(60) بين الضـرورتين والإمكان فإن الإمكان الذاتي كالمادة(61) والوجوب الغيري كالصورة(62) فيجتمعان(63).

(59) هذا متعلق بقوله: يدفع توهم، وهذا الكلام والجواب بناء على التوجيه
الأول.

وأما على التوجيه الثاني فهي لا تكون مسألة مستقلة عن المسالة المتقدمة؛ لأنها تدل على نفي الأولوية، لأنا إذا قلنا إن الوجود الغيري ناقص بالنسبة للوجود الذاتي، وعين الربط والتعلق، فلا أولوية حينئذٍ، إذ يكون واجباً به.

(60) وحينئذٍٍ يُشكل على الكلام السابق عند التوهم، بأنه كيف تقول الممكن بالضـرورتين حقّ، وبإيراد هذه المسألة يرتفع هذا التوهم، ويثبت عكس هذا التوهم وهو يجتمعان.

(61) لأنه يقبل لأن يتصور بالوجوب، ويقبل لأن يتصور بالامتناع، وإستفدنا كونه كالمادة من إطلاق النقص عليه؛ لأنه كما بيّنا أن معنى نقصه بالنسبة الى الوجوب، هو كونه وجوباً بالقوّة.

وإنما لم يكن المادة؛ لأن المادة إنما تكون في عالم الجسم، لا في الامور الاعتبارية كالإمكان والوجوب.

(62) لأن الصورة ما به يكون الشـيء بالفعل، وبطرو الوجوب الغيري يكون وجوباً بالفعل.

(63) لأن الصورة والمادة بينهما كمال الوئام.

 


 

 [23]

غرر في الإمكان الاستعدادي

قَدْ يُوصَفُ الإِمْكانُ باسْتِعـدادِيْ
 

 

وَهْوَ بعُرْفِهِمْ سُِوى استِعـدادِ
 

ذا ما بِالاِمْكانِ الوُقُوْعِيِّ دُعِـيْ
 

 

والفَرْقُ بَيْنَهُ وذاتِـيّ رُعِـيْ
 

لِكَوْنِهِ مِنْ جِهَـةٍ بِالفِعْلِ
 

 

وَكَوْنِ ذاتِيٍّ لَهُ كالأصْـلِ
 

وإنْ مُقَوِّياً عليه عُيّنـا
 

 

وفيه سَوْغ أن يزولَ المُمْكـنا
 

وَأنّ هذا في مَحَلِ المُمْكِنِ
 

 

وَفِيْهِ شِدّةً وضعفـاً أيْقِـنِ
 


 

 [23]

غرر في الإمكان الاستعدادي‏

(قدّ يوصف الإمكان بالاستعدادي(1) وهو بعرفهم سوى استعداد). فإن تهيّؤ الشـيء لصيرورته شيئاً آخر، له نسبة إلى الشـيء المستعدّ(2) وله نسبة إلى الشـيء المستعد له.

فبالاعتبار الأول يقال له الاستعداد، فيقال: إن النطفة مستعدة للإنسانية. وبالإعتبار الثاني يقال له الإمكان الاستعدادي(3) فيقال: الإنسان يمكن أن
 

(1) أي بحسب الاعتبار([460]) لا بالذات.

(2) الذي هو موضوع التهيؤ.

(3) فيكون وصفاً للمستعد له؛ لأنه عبارة عن التهيؤ المنسوب له، وليس
وصفاً للمستعد؛ لأنه ليس التهيؤ المدلول له منسوب إليه، كما أن (مضـروب) لما
كان عبارة عن (الضـرب) المنسوب إلى المفعول، كان وصفاً للمفعول لا وصفاً للفاعل.

وقوله (يقال له الإمكان الاستعدادي)([461]) وهو ليس من المراد بهذا المعنى بل هو
 

يوجد في النطفة. فلو سومح وقيل: النطفة يمكن أن يصير إنساناً(4). كان المراد ما ذكرنا(5). (ذا) أي الإمكان الاستعدادي (ما بالإمكان الوقوعي) أيضا (دعي). وهذا الإمكان الوقوعي المرادف الاستعدادي، غير الإمكان الوقوعي المفـسّر بكون الشـيء بحيث(6) لا يلزم من فرض وقوعه محال، لأن ذلك(7) في الماديات(8) وهذا أعمّ مورداً(9). الماديات؛ لأنه لا يلزم من فرض وقوعها
 

عرض من الكيفيات الاستعدادية؛ لأن التهيؤ من الكيف الاستعدادي.

وأشكل الاستاذ على هذا التفسير: بأن الإمكان الاستعدادي عند الحكماء([462]) هو الإمكان الذاتي للمستعد له، مع حصول بعض الشـرائط وارتفاع بعض الموانع، وليس ذلك بمعتبر في الإمكان الذاتي، فهو متحد معه ذاتاً، وليس هو عبارة عن التهيؤ، وأما صاحب الشوارق([463]) فتارة يفسّـره بالمعنى الذي ذكره المصنف، وتارة بالمعنى الذي ذكره الاستاذ، ويزعم أن الفرق بينه وبين الإمكان الذاتي، هو الفرق بين الكل والجزء، وعلى تفسير الاستاذ يكون من المواد.

(4) أما وجه المسامحة، فلما قدمنا من أن الإمكان لا يكون وصفاً للمستعد، بل للمستعد له، وهنا جعل وصفاً للمستعد.

(5) أعني كون الإنسان يمكن أن يوجد في النطفة، ويكون من الوصف بحال المتعلق كما قيل.

(6) وهذا أيضاً ليس من الجهات.            

(7) أي الإمكان الاستعدادي.

(8) وهي ما عدى المجردات؛ لأنها هي التي يكون فيها القوة أو التهيؤ لشـيء آخر، واما المجردات فليس فيها قوّة وتهيؤ، بل كلّها فعليات، إذ القوّة والتهيؤ من شأن الناقص لا الكامل، وهي كاملة جامعة لجميع فعلياتها.

(9) أي والإمكان الوقوعي بالمعنى الثاني؛ أعمّ من الإمكان الاستعدادي بحسب محال، ويوجد في المجردات، لأنه لا يلزم من فرض وقوعها محال، ولذا هي (والفرق بينه) أي بين الإمكان الاستعدادي (و) بين إمكان (ذاتي رعي) من
 

التحقق([464]) ومورد الاجتماع، لا بحسب الصدق، وذلك لأن الإمكان الوقوعي بالمعنى الثاني يتحقق في واقعة، وقد قلنا: أن الإمكان الاستعدادي مختصّ بالماديات، والوقوعي بالمعنى الثاني يوجد فيها وفي غيرها، فهو أعمّ بحسب المورد، أعني بحسب التحقق.

وأما بين الوقوعي بالمعنى الثاني وبين الإمكان الذاتي، فبحسب ظني أن بينهما
وجوه، مذكورة في الأفق المبين(10) والأسفار.

الأول قولنا: (لكونه) أي الاستعدادي(11) (من جهة بالفعل(12))
لأنه من الأمور المتحققة في الأعيان(13) لكونه كيفيّة(14)
حاصلة للمادة(15) مهيّئة إياها لإفاضة المبدأ(16) الجواد

 

عموماً من وجه، لا عموم من المطلق، والعموم في جانب الإمكان الذاتي([465])، وذلك لتحقق الإمكان الوقوعي بالمعنى الثاني في الله عز وجل ، فإنه لا يلزم من فرض وقوعه محال تعالى عن ذلك، دون الإمكان الذاتي فإنّه تعالى غير مسلوب عنه الضرورتان لثبوت ضرورة الوجود له، ويوجد الإمكان ذاتي دون الوقوعي بالمعنى الثاني في عدم العقل الأول، فإنه مسلوب عنه الضـرورتان، ولذا كان معلولاً، ولكن ليس فيه إمكان وقوعي بالمعنى الثاني؛ لأنه يلزم من فرض وقوعه محال، إذ لو عدم العقل الأول لزم
عدم الواجب؛ لأنه لازم له ومستحيل وجود العلة بدون المعلول، ويجتمعان في وجود العقل الأول وسائر الوجودات الممكنة، فإنها ممكنة ذاتاً ولا يلزم من فرض وقوعها محال.

(10) للداماد([466]).

(11) أي الإمكان الاستعدادي.

(12) أي متحصل بالفعل، أي في الحال.

(13) أي فيه الخارج.

(14) هذا تعليل إلى كونه متحققاً في الأعيان.

(15) أراد بالمادة بالمعنى الأعمّ، وهي ما كانت محلاً لشـيء آخر، أو ما كان يوجد معه شيء آخر.

(16) المبدأ فاعل الافاضة، وقوله وجود الحادث مفعول لها.

وجود الحادث فيها، كالصور(17) والأعراض أو معها(18)
كالنفس المجردة(19) بخلاف الإمكان الذاتي(20). فالتهيؤ، من حيث إنه
كيفية مخصوصة في المادة بالمعنى الأعمّ(21) أمر بالفعل(22) ومن
حيث إنه(23) إمكان وقابلية(24) للمستعد له، أمر بالقوّة(25).

وأما ما ذكره في الأسفار(26) بقوله: لكونه
 

(17) هذا مثال لوجود الحادث المفاض في المادة.

(18) هذا عطف على قوله (فيها) أي مهيّئة لإفاضة المبدأ الجواد، وجود الحادث معها.

(19) فإنها لا تفاض في المادة؛ لأنها متعلقة بالمادة لا في المادة كما سيجيء، بل تفاض مع المادة.

(20) حيث إنه ليس له جهة فعلية، حيث إنه غير متحقق في الخارج، إذ أنه عدم محض؛ لأنه سلب الضـرورتين.

(21) وهو ما يوجد معه الشـيء، أو يحلّ فيه، وليس المراد بالمادة بالمعنى الأخصّ، وهو ما كان محلاً للشـيء.

(22) هذا خبر قوله فالتهيؤ

(23) أي التهيؤ

(24) عطف تفسير للإمكان.

(25) اي في قوة الشـيء المستعد له وفي تقديره([467])، وقابل لأن يكون الشـيء المستعد له.

(26) غرضه من هذا دفع إشكال عن الاسفار([468])، وهو أنه في بيان كون الإمكان الاستعدادي له جهتان، ذكر لمحلّه الجهتان، لا لنفسه.

وحاصل دفعه: أن ذكره للمحل من قبيل التنظير، أو لأجل التبعية كما سيجيء.

بالفعل(27) من جهة أخرى(28)غير جهة كونه قوّة وإمكاناً(29) لشـيء(30) فإن المني(31) وإن كان بالقياس إلى حصول الصورة الإنسانية له بالقوّة لكن بالقياس إلى نفسه وكونه ذا صورة منوية بالفعل. فهو ناقص الإنسانية، تام المنوية، بخلاف الإمكان الذاتي الذي هو أمر سلبي محض وليس له من جهة أخرى معنى تحصّلي(32) (فلعل المراد به(33) التنظير، أو أن العرض(34) سيّما الكيفيّة الاستعدادية(35) لما كان تابعاً للموضوع، ففي الفعلية والقوّة تابع له.

(27) أي لكون الإمكان الاستعدادي.

(28) وهي من جهة ذاته، فإنه من الأمور الخارجية كما تقدّم.

(29) أي يمكن وجود ذلك الشـيء فيه، فلما كان الإمكان الاستعدادي فيه هذه الجهة، وهي الوصفية للمعدوم، صار بالقوّة بالنسبة إلى ذلك المعدوم.

(30) إمكاناً استعدادياً.

(31) هنا نقطة الإشكال، إذ أن المني هو محل الإمكان، وكان عليه أن يذكر التهيؤ.

(32) بل هو قوّة صرفة وقابلية محضة للوجود أو العدم، وليس له معنى تحصّلي، بل هو عدم؛ لأنه عبارة عن سلب الضـرورتين.

(33) أجاب عن الاسفار([469]) بجوابين:

الأول: أن المراد تنظير الإمكان الاستعدادي بالمني الذي هو محله، فكما أنه للمني جهتين الفعلية والقوّة، فكذا للإمكان الاستعدادي.

الثاني: سيذكره.

(34) هذا هو الجواب الثاني عنه: وهو مبني على مقدّمة، وهي أن العرض تابع لموضوعه، فإن كان له جهة قوة وفعلية، كان كذلك، وإن كان له جهة قوّة كان كذلك.

(35) إنما خص الكيفية الاستعدادية بالذكر دون من عداها من الاعراض؛ لأنها اضعف الأعراض وجوداً وتحصلاً، لانتسابها لأمر عدمي، فجهة القوة والفعلية فيها يظهر أزيد.

فالإمكان الاستعدادي لما كان موضوعه مركباً من الفعلية والقوّة، فهو فعل(36) من جهة، وقوة من جهة، بخلاف الذاتي(37) فإن موضوعه ليس بالفعل(38) حتى في الوجود والعدم، فهو القوّة الصـرفة(39). وإلا فالكلام(40) في الإمكان الاستعدادي لا في موضوع الاستعداد(41). (و) الثاني (كون) إمكان (ذاتي له)
أي للاستعدادي(42) (كالأصل)(43) من وجهين: أحدهما(44)

 

(36) أي فالإمكان الاستعدادي فعل من جهة تحصّله، كما أن موضوعه فعل من جهة تحصّله،وبالقـوّة مـن جهة كونه هي قوّة المستعـد له،كما أن موضوعه في قوة المستعد له.

(37) أي الإمكان الذاتي.

(38) حيث إن موضوعه هو الماهية، التي يحلّلها ويفكها العقل عن كل الاعتبارات حتى الوجود والعدم، فموضوعه ليس له تحصّل أصلاً.

نعم له جهة قوّة، إذ موضوعه له قابلية الوجود والعدم، كالهيولى التي لها قابلية الصور.

(39) أي الغير المشوبة بالفعلية، فالإمكان الذاتي هو القوة الصـرفة؛ لأن الوجود والعدم كما أن موضوعه كذلك في أن له قابلية الوجود والعدم.

(40) من أن له جهة فعلية وجهة قوّة، أي وإن يحمل كلامه على التنظير أو التبعية. يرد عليه: أن الكلام في نفس الإمكان، لا في موضوعه، وأنت بيّنت موضوعه([470]).

(41) فلا معنى لجعل كلام الصدر فيه، فلابدّ من تأويله بما ذكرنا.

(42) أي للإمكان الاستعدادي، أي بالنسبة له.

(43) الاصل هو ما ابتنى عليه غيره، أي الذاتي، كالأصل للاستعدادي.

(44) وعلى هذا تكون الكاف كاف تشبيه؛ لأن الذاتي بهذا الوجه ليس أصلاً
 

أن الاستعدادي كأنه الذاتي(45) مع زيادة اعتبار(46) وثانيهما(47) أن
الذاتي منشأ(48) الاستعدادي، لأن الهيولى(49) التي هي(50) مصحّحة(51)
جهات الشـرور، أنما نشأت من العقل الفعّال(52) بواسطة جهة الإمكان

 

للاستعدادي، بل شبيه بالأصل؛ لأنه شبيه بالجزء.

(45) في تعين المستعد له، وقرب حصوله.

(46) وهو حصول بعض الشـرائط، وارتفاع بعض الموانع، فالذات كالجزء له، وكالجزء كالأصل للشـيء، وأما بناء على التفسير الثاني الذي ذكره الاستاذ، فهو أصل وجزء حقيقة، وأيضاً بناء عليه لا يتأتى الفرق الأول؛ لأنه لا يكون كيفية استعدادية، حتى يكون له جهتان.

(47) وعليه تكون الكاف تطبيقية، كقولنا الضاحك كالإنسان؛ لأنه عليه يكون الإمكان الذاتي أصلاً للاستعدادي، لا أنه شبيه بالأصل.

(48) أي بواسطته حصل.

(49) التي هي محل الإمكان الاستعدادي؛ لأن لها استعداداً إلى الصورة النوعية كما سيجيء تفصيله إن شاء الله.

(50) هذا قيد واقعي، لا دخل له في المقام.

(51) لبعدها عن مبدأ النور، والوحدة الجمعية، وعالم الخير، ولاتصالها بعالم العدم الذي هو الشـر، كما تقدّم أن الوجود خير محض، والعدم شـر محض.

(52) على رأي المشائين هو العقل العاشـر([471])، وعند العرفاء هو رب النوع.

الذاتي فيه(53). (و) الثالث: (أن مقويّاً عليه)أي ما عليه القوّة(54) والاستعداد (عيّنا) في الاستعدادي، لأنه(55) توجه في طريق خاص إلى كمال مخصوص، كاستعداد النطفة الإنسانية لصورتها(56) بخلاف ما يضاف إليه الذاتي(57) لأنه كلا الطـرفين(58) من الوجود والعدم، والتعيّن ناش من قبل الفاعل. (و) الرابع(59)

(53) أي في العقل الفعّال، فلو لم يوجد الإمكان الذاتي في العقل الفعّال، لما صدرت منه الهيولى، وذلك أنه سيجيء من إثبات أن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد، من أن كثرة المخلوقات من تعدد الجهة، فالعقل الأول باعتبار إمكانه ونفسه، صدر منه العقل الثاني والفلك الأول، وكذا العقل الفعّال باعتبار جهة إمكانه، إمكاناً ذاتياً صدرت منه الهيولى، التي هي محل الإمكان الاستعدادي.

وأعلم أن هذا إنما يتم بناءاً على المشهور، من أن العقل الفعّال ماهية، وأما بناءاً على رأي المصنف من أنه وجود بحت، فالإمكان الذي فيه ليس إمكاناً ذاتياً؛ لأن موضوعه الماهية، ولا ماهية هنا، بل هو إمكان فقري؛ لأن موضوعه الوجود.

وعليه فلا يتم المدعى من كون الإمكان الذاتي هو الأصل بهذا الوجه.

(54) أي ما أضيفت له القوة والاستعداد، أي المستعد له.

(55) أي الإمكان الاستعدادي.

(56) لا للفرسيّة، فالمستعد له متعيّن.

(57) أي المقوّي عليه في الإمكان الذاتي، فإنه لم يعين بحسب نفس الإمكان، فإنه يجوز أن يكون العدم، ويجوز أن يكون الوجود، نعم قد يتعيّن المقوي عليه بواسطة الفاعل، فإن كان هناك فاعل الوجود، تعيّن الوجود، وإلا فالعدم.

(58) أي لأن ما يضاف إليه الذاتي.

(59) وحاصل هذا الفرق الرابع أن الإمكان الاستعدادي يجوز أن يزول، فإنه عند حصول المستعد له ينتفي الاستعداد له، ويكون حينئذٍ بالفعل، بخلاف الذاتي فإنّه لا
 

أن (فيه) أي في الاستعدادي (سوغ أن يزول الممكنا) أي عن الممكن(60) بحصول المستعد له، لأن الاستعداد يرتفع بطريان الفعلية(61) بخلاف الذاتي، فإنه لازم الماهية دائماً، ويجتمع مع الغيريين(62) كما مرّ(63).

(و) الخامس (أن هذا) أي الاستعدادي (في محل الممكن)(64) أي في مادته(65) بالمعنى الأعمّ من محل الصور النوعية(66) والموضوع(67) والمتعلّق(68).

يزول وإن حصل المقوي عليه، وهو الوجود، فإنّه باقٍ في الممكن كما تقدّم.

(60) أشار إلى أن الممكن منصوب بنزع الخافض.

(61) للمستعد له، وإنما كان يرتفع الاستعداد بطرقِ الفعلية؛ لأن القوّة بالنسبة للمستعد له - التي كانت مأخوذة فيه - ترتفع.

(62) وهما الامتناع بالغير، والوجوب به.

(63) في كل المباحث المتعلقة بالإمكان ولواحقه من عدم المنافاة.

(64) أي الإمكان الاستعدادي قائم في مادة الممكن، فإن الإنسانية التي ]هي[ ممكن استعدادي ليس الإستعداد - الذي هو ذات الإمكان الاستعدادي - موجود في ماهيتها، بل موجود في مادتها، وهي النطفة، بخلاف الإمكان الذاتي، فإنه قائم بماهية الشـيء.

(65) أشار إلى أن المراد بالمحل هنا، المادة بالمعنى الأعمّ([472])، لا محل الصور النوعية بخصوصه، كما هو المتعارف في اطلاقه.

(66) أو الشخصية في الأنواع والأشخاص.

(67) في الأعراض.

(68) في النفوس، وأما المادة بالمعنى الأخصّ، فهي عبارة عن خصوص محل الصور النوعية.

 وإنما كان قائماً بمحلّه(69) لأنه المتصف بالاستعداد(70) والقرب والبعد(71) حقيقة. وإنما يوصف به الممكن(72) لتعلّقه به(73) وانتسابه إليه. فهو بالوصف بحال المتعلق أشبه(74). وأما الذاتي، فهو وصف الممكن بحسب حاله(75). (و) السادس أن (فيه شدّة وضعفاً أيقن(76)). فاستعداد النطفة للصورة الإنسانية أضعف(77) من استعداد العلقة(78) لها، وهو(79) من استعداد(80) المضغة، وهكذا(81) إلى استعداد البدن الكامل(82). وإنما يحصل الاستعداد التام(83)
 

(69) أي بمادته بالمعنى الأعمّ.

(70) الذي هو ذات الإمكان الاستعدادي، وعبارة عنه، ليس المتصف به الممكن بالإمكان الاستعدادي، أي المستعد له، إذ هو معدوم والاستعداد موجود.

(71) الذي هو من مراتب الاستعدادي؛ لأن الاستعداد إلى الشـيء يكون قريباً، ويكون بعيداً، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.

(72) أي (بطروء)،إنما يوصف بالإمكان الاستعداد الممكن بالإمكان الإستعدادي.

(73) أي لتعلق الإستعداد بالممكن.

(74) لأن الإمكان الإستعدادي ينبغي أن يوصف به المستعد، لقيام الإستعدادية، ولكن لما تعلّق الأستعداد بالممكن- والممكن كان متعلّقاً بالإستعداد- وصف بالإمكان الاستعدادي.

(75) لقيامه به.

(76) أي أعلم.

(77) فيكون الإمكان الإستعدادي للصورة الإنسانية ضعيفاً.

(78) للصورة الإنسانية.

(79) أي واستعداد العلقة للصورة الإنسانية، فالضمير الثاني عائد لاستعداد العلقة، والأول راجع للصورة الإنسانية.

(80) أي اضعف من استعداد المضغة للصورة الإنسانية.

(81) مثلاً استعداد العلقة للصورة الإنسانية، أضعف من استعداد العظام لها.

(82) الذي هو محل الصورة الإنسانية.

(83) هذا لبيان اشدية الإمكان الاستعدادي، الذي لا يكون مرتبة اشد منه، وبعده

بعد تحقق الذاتي(84) بحدوث(85) بعض الأسباب والشـرائط، ورفع بعض الموانع، وينقطع استمراره(86) إما بحصول الشـيء بالفعل، وإما بطريان بعض الموانع(87).

يكون الشـيء فعلياً.

(84) أي الإمكان الذاتي للمستعد له.

(85) أي مع حدوث.

(86) أي استمرار الاستعداد.

(87) عن حصول المستعد له فيرتفع الاستعداد.

 

 

الفريدة الثالثة

في القدم والحدوث


 

 [24]

غرر في تعريفهما وتقسيمهما

إذ الوجودُ لم يَكُنْ بَعْدَ العَدَمْ
 

 

أو غَيْرِهِ فَهْوَ مُسَمّى بالقِـدَمْ
 

وادْرِ الحُدوثَ مِنْهُ بالخـلافِ
 

 

صِفْ بالحقيقيِّ وبالإضـافي
 

وَيوْصَفُ الحُدوثُ بالذاتِـيْ وذَا
 

 

قَبْلِيّةً لَيسِيّة الـذّاتِ خُـذا
 

أَو عَبَّرَنْ بالعَدَمِ المجامِعْ
 

 

كما يكونُ سَبْقُ لَيْـسَ واقِعْ
 

مُنْصَرِمٌ يُنْعَـتُ بالزَّمانِي
 

 

كالطّبْعِ ذِي التَّجْدِيْدِ كُـلَّ آنِ
 

دَهْرِي أبدَا سَيّدُ الأفاضِـلِ
 

 

كذاك سَبْقُ العَـدَمِ المُقـابِلِ
 

بسابِقِيَّـةٍ لَهُ فَكِّيَّـةْ

 

لكِنَّ في السِلسِلَـةِ الطُّوْلِيَّةْ
 

والحادِثُ الإسْمِيْ الّذِيْ مُصْطَلَحِـيْ
 

 

إن رُسِمَ اسْمٌ جا حديثٌ مُنْمَـحِيْ
 

تَباينَ الوصفيُّ لا العَزْلِي أثَرْ
 

 

مِمَّنْ لِعَقْلٍ كأبِيْنا لِلْبَـشَرْ
 

فَالحَقُّ قَدْ كانَ ولا كَوْنَ لِشَيءْ
 

 

كَما سَيُطْوى الكُلُّ بِالقاهِـرِ طَيْ
 

فَذِيْ الحدوثاتُ التي مَرَّتْ جُمَـعْ
 

 

لِما سُوى ذي الأمْرِ وَالْخَلْقِ تَقَـعْ
 

جُزْئِيّةً كليةً جزءً وكُـلْ
 

 

وكانَ حِفْظُ كُلِّ نَوْعٍ بالمَثَلْ
 


 

في القدم والحدوث

[24]

غرر في تعريفهما وتقسيمهما

(إذ الوجود لم يكن بعد العدم) لا المقابل ولا المجامع(1)
(أو) بعد (غيره) ترديد(2) في العبارة؛ يعني(3) إن شئت، عرّف

 

(1) العدم المقابل هو الذي لم يجتمع مع وجود الشـيء أصلاً، ويسمّى هذا العدم (العدم الفكي) وهو على قسمين:

]القسم الأول[: عدم فكي للشـيء في السلسلة الطولية([473])، كعدم المعلول في مرتبة العلة، مثل عدم العالم الجسماني في مرتبة العقول.

والقسم الثاني: عدم فكي للشـيء في السلسلة العرضية، كعدم الشـيء في مرتبته قبل زمان وجوده، مثل عدم زيد قبل عشرين سنة، أما العدم المجامع([474]) لوجود الشـيء السابق عليه، فهو سلب الضـرورتين السابق على وجود الممكن؛ لاتصاف ماهيته به قبل وجوده، وبعد الوجود أيضاً مجامع له، ومتى الوجود كان سابقاً أحد هذه الاعدام فهو حادث، وليس يلازم في الحدوث عليه، أن يكون سابقاً عليه كل هذه الاعدام، وكذا لا يشترك في قدمه، عدم سبق هذه الاعدام بأجمعها عليه، بل يكفي سبق واحد منها.

ومن هنا ظهر أن في عبارة المصنف تسامحاً، والأولى أن تؤوّل هكذا، إذا الوجود لم يكن بعد فرد من العدم، لا إذا الوجود لم يكن بعد أفراد العدم بأجمعها.

(2) اشار إلى أن (أو) في النظم إنما هي للتنويع في التعبير.

(3) الأولى أن يعتبر بالألف المقصورة بالبناء للمجهول، أي يعني بقولنا ترديد في العبارة.

بهذا(4) وإن شئت عرف بذاك. كذا وقدّ عرّف العقلاء بكل واحد والمال واحد(5)، إذ المراد بالغير أعمّ من العلّة والعدم.

(فهو) أي عدم الكون المذكور (مسمّى بالقدم). فيه إشارة(6)
 

(4) غرضه([475]) بهذا البيان دفع ما أشكل على المتقدّمين، حيث عرّفوا القِدم بالتعريف الأول: وهو عدم مسبوقية الوجود بالعدم([476]). وعرّفوا الحدوث: بمسبوقية الوجود بالعدم([477]).

وحاصل الإشكال: هو أن العدم على ما يتبادر منه