المحقق

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الناشر

الحمد لله الذي هدانا إلى مصادر الاستنباط، وأرشدنا إلى شرائع الأحكام بمتابعة الكتاب الكريم وأحاديث الرسول النذير، وقفّاهما ببيان أهل الذكر ومعادن التنزيل من آل الرسول صلى الله عليه وعليهم صلاة كثيرة مقترنة بالقبول.

أما بعد، فإنّ الشريعة الإسلامية في جانبها العملي تضم مجموعة أحكام تغطي جميع تصرفات المكلفين ليست من القضايا المدركة بالبداهة، وإن هذه الشريعة خاتمة الشرائع السماوية، وكل مكلف مسؤول بتطبيق هذه الأحكام إلى يوم القيامة، ومكلف من أجل التطبيق أن يتعرف على أحكام الشريعة أيضاً. لذا نجد المجتهد في كل واقعة يريد استنباط حكمها الشرعي من الكتاب الكريم أو السنة المطهرة بل من أي مصدر من مصادر الحكم الشرعي بما في ذلك العقل أو من مصادر أخر لاستنباط الحكم الشرعي المعتمدة التي تشترك لغرض استنباط الحكم الشرعي والتي تعرف بالمسائل الأصولية التي يلتجأ إليها.

ولم تقف مصادر أحكام الشريعة الإسلامية عند النصوص الشرعية التي وردت في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وإنما هي أوسع نطاقاً من ذلك، فلها طرق ومصادر أخرى لاستنباط الأحكام يفزع إليها المجتهد التماساً لحكم ما يحدث من الوقائع مما لم تتعرض له النصوص.

وقد كانت مصادر الاستنباط متناثرة في ثنايا المسائل الفقهية، فالفقيه عندما يذكر حكم الواقعة ودليله، يذكر من مصادر الاستنباط ما يرتبط بهذا الحكم والاستدلال عليه.

وهكذا استمر الحال حتى استجدّت حوادث وكثُرت وقائع وتعدد المجتهدون، وتشعبت طرق استنباطهم للأحكام، فكانت الحاجة إلى مصادر استنباط أكثر مما كانت عليه، فأخذت مصادر الاستنباط تتكثر، وأخذ البحث عن كل مسألة يتضخم حتى استحقت هذه المسائل أن تنفصل عن علم الفقه وأصبحت علم مستقل يسمى بعلم أصول الفقه، وقد اهتمت مدرسة أهل البيت  عليهم السلام والحوزة العلمية في النجف الأشرف خاصة بمصادر الاستنباط على كثير من العلوم الشرعية الأُخر، حتى وصل بلوغ هذا العلم في هذه المدرسة إلى الذروة في التعمق، وهذا يفسر لنا اهتمام المصنف  رحمه الله  بهذا السفر المبارك الذي تناول فيه البحوث الأصولية الجديدة المعمّقة، وطرح فيها الأفكار والآراء، وقام باستعراضها ومناقشتها وتحليلها ونقدها.

إنّ هذه الدورة الأصولية الكاملة امتازت برصانتها العلمية ودقتها الاستدلالية، وآرائها المدعمة بالأدلة والبراهين، كما حاول الشيخ  رحمه الله  استعراض أكبر عدد من مصادر الاستنباط والتي عليها التعويل في عملية الاستنباط، مما كانت مورد بحث وخلاف بين العلماء، وقد رتب المؤلف مصنفه على شكل مصادر وعدّها إلى تسعة وعشرين مصدراً.

وقد قامت مؤسسة كاشف الغطاء العامة بتحقيقه خدمة لطلاب الحوزة العلمية والباحثين، والله من وراء القصد.

 

                                                                           مؤسسة كاشف الغطاء العامة

                                                                                      النجف الأشرف

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المحقق

الحمدُ لله الذي علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، وأنعم علينا بالولاء والإيمان، وأفضل الصلاة وأتم السلام، على أفضل الرّسل وأعظم الأنام، وعلى آله الأئمة الأعلام، مسالك الرضوان وسُبُل دار السلام، وعلى من قتلهم وآذاهم لعنة الله والناس والملائكة أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد, فهذا كتاب (مصادر الحكم الشرعي والقانون المدني) لمؤلّفه آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء  رحمه الله ، جَمَعَ فيه المصنِّف الأدلة والأصول المعتمدة عند المذاهب الإسلامية المختلفة والتي يستمد منها الفقهاء القوانين والأحكام الشرعية، مستعرضاً لها، مبيّناً مواطن الخلاف فيها، مناقشاً لها، معترضاً تارةً مؤيّداً أخرى، ابتدأها بالمصدر الأول القرآن الكريم، واختتمها بالتاسع والعشرين قاعدة (لا ضرر).

ثم إن هذا المصنَّف فريد من نوعه، فلم أر - على قلة اطلاعي- مصنفاً اجتمعت فيه الإحاطة لكلّ مصادر الأحكام عند المسلمين، مع الدقة والعمق في الطرح والمناقشة والاستدلال، مضافاً إلى الأسلوب البديع في الكتابة، ومتانة العبارة، وقوّة الحجة.

ثم إنّي استخرجتُ الآيات القرآنية، واستخرجت جميع الأحاديث المروية عن النبي  (ص)  وأهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، وأشرت إليها في الهامش، وميّزتها عن المتن، وإنْ كان بعضها موضوعاً، كما وأشرت- ما أمكنني ذلك- إلى ما نقله المصنف عن الأعلام، وذكرتها في الهامش بالجزء والصفحة، ونقلت عبائرهم تسهيلاً للطلبة وللمحقّقين، ولشمول المنفعة، وترجمتُ للأعلام المذكورين ما وجدتُ إلى ذلك سبيلاً، وبقيت موارد لم أشر إليها، أو أشرت إليها بعبارة: (لم نعثر عليه)، وذلك لقلّة ما في اليد من مصادر، ولاعتماده  رحمه الله  على ذاكرته، واعتماده على نسخ خطّية بعضها لم أعثر عليها، ونقله لكثير من الأقوال الّتي سمعها مشافهة، لا سيما ما نقله عن أستاذه الشيخ كاظم الشيرازي، ثم إن كثرة المشاغل كانت سبباً آخراً.

وكان العمل في تحقيق كتاب مصادر الحكم الشرعي والقانون المدني على النسخة الخطية الموجودة في مؤسسة كاشف العظاء العامة، والتي بخط المؤلف آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء  قدس سره.

وأخيراً هذا العمل لم يتم إلا بدعم من قبل الشيخ عباس نجل الشيخ علي كاشف الغطاء  دام ظله، نرجو من الله التسديد له بدوام التوفيق لخدمة الإسلام والمذهب.

 

 

                                                                               أسـامـة الشريفي     

                                                             الاثنين/ 21 جمادى الأولى/ 1440هـ

                                                                               النجف الأشرف

 

 

 

 

ترجمة المؤلف

نسبه:

هو الفقيه الشيخ علي ابن الشيخ محمد رضا ابن الشيخ هادي ابن الشيخ عباس ابن الشيخ علي صاحب (الخيارات) ابن الشيخ الكبير جعفر صاحب (كشف الغطاء) ابن الشيخ خضر، الجناجي النجفي المالكي.

ولادته ونشأته:

ولد  رحمه الله  سنة (1331هـ) في محلة العمارة من محالّ النجف الأشرف، شب
 في بيت علمي، ونشأ مع أسرة أدبية دينية تنحدر من سلالة عربية عريقة ينتهي
نسبها إلى مالك الأشتر([1])، وتولى تربيته جده العلامة الهادي كاشف الغطاء، فكان يلقنه المعارف والحكم، ويغذيه ويدربه على مراقي الفضل والعبقرية،
فنشأ خير منشأ([2])، وبعد أن فرغ من القراءة والكتابة توجه نحو المبادئ من العلوم الأولية، فأتقنها ومهر بها، وجدّ في تحصيل العلوم الدينية من الأصول والفقه حتى صار يُشار إليه بالبنان([3])، فأصبح من فضلاء هذه الأسرة المصلحين،
ومن حملة العلم النابهين، تفوّق على أقرانه وزاحم الشيوخ في معارفهم،
وسبق الكثير منهم في معلوماتهم([4]).

أساتذته:

ومِن أشهر أساتذته الأعلام من غير أسرته الفقيه الكبير الشيخ كاظم الشيرازي، الذي كان مِنْ ألْمع الأساتذة المُدرّسين يوم كانت النجف تَعجُّ بآلاف الطلبة ومئات المحصّلين، وكان هذا الشيخ ذا نظر ثاقب ورأي حصيفٍ وفكرةٍ نـقـّادةٍ، وكان يمتاز أيضاً بقوَّة التقرير وجزالة التحرير والفراسة الصادقة في تمييز مواهب تلامذتـه، ومنْ مصاديق قوّة التَّوَسُّم فيه أنـَّه قدَّم شيخنا المترجَم أعلى الله مقامه على سائر حُضّار بحثه، بلْ كان يُؤثره بإلقاء مطالب عالية في الفقه وأصوله على نحو الاختصاص ولم يشاركه غيره من كبار تلاميذه في حضورهـا، ثم بلغ الأمر بالشيخ الشيرازي أنْ حرَّم على الشيخ كاشف الغطاء أنْ يحضر درس غيره من الأعلام، هذا والشيخ بعد لمّا يزلْ غضَّ الإهاب، لم يخْلع بُرْدَ الفتوَّة، ولم ينـزع جلباب الشباب، وكان جُـلَّ تحصيله عليه حتى تبحر في علوم الفقه والأصول، وتضلَّعَ من المعقول والمنقول، وبلغ درجة الاجتهاد المُطْلق قبل الثلاثين من عُمُرهِ المبارك([5]).

ومن أساتذتـه في المعقول العلامة السيد علي اللكنهوي في الفلسفة والمنطق والعقائد([6])، ومن أساتذته أيضاً الشيخ ضياء الدين العراقي والشيخ محمد حسين النائيني.

تلامذته:

وتلامذتُـهُ هم جمهرةٌ صالحةٌ من كبار العلماء والباحثين والأدباء والنُّحاة واللَّغـَوييّن، من مشاهيرهم:

  • السيد جمال الدين نجل المرجع الديني الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي  قدس سره.
  • أخوه السيد علي نجل السيد الخوئي  قدس سره.
  • العلاّمة الحجة الكاتب الإسلامي الشهير الشيخ باقر شريف القرشي.
  • العلاّمة الفقيه الشيخ عبد الكريم القطيفي.
  • العلاّمة الشاعر الكبير الشيخ عبد المنعم الفرطوسي.
  • العلاّمة الكاتب الإسلامي الشهير الشيخ أسد آل حيدر صاحب كتاب (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة).
  • الخطيب الكبير العلاّمة الدكتور الشيخ أحمد الوائلي.
  • العلاّمة الشيخ نور الدين الجزائري.
  • العلاّمة الدكتور مهدي المخزومي كبير علماء النحو.
  • العلاّمة الشيخ حسين آل زاير دهام المخزومي النجفي.

دوره الديني والعلمي:

إن شعور الشيخ علي كاشف الغطاء نفسه إن واجبه الديني يفرض عليه أن يكون في وسط الأحداث، مرشداً وناصحاً وموجهاً ومسانداً، كان هو المحفّز للقيام بجلائل الأعمال، وقد كان له بجميع مشاركاته فاعلية وقوة وتأثير، ويمكن الإشارة إلى السمعة الطيبة والمكانة المرموقة التي احتلتها أسرته- آل كاشف الغطاء- في المجالات الدينية والعلمية والسياسية قد ساهمت إلى حد كبير في بزوغه، فهذه الأسرة العربية الصميمة قدّمت الزعماء الدينيين على امتداد قرنين من الزمان (القرن التاسع عشر والقرن العشرين)([7]).

رُجِع إليه في التقليد بعد المرجع الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، فقد بلغ درجة الاجتهاد المطلق قبل الثلاثين من عمره، وتولى إمامة الجماعة في الصحن الحيدري الشريف في مكان والده وجده الهادي رحمهما الله، وانتقلت إليه مكتبة جده وأبيه، وأضاف إليها كثيراً من الكتب المطبوعة والمخطوطة، فهي من مكتبات النجف المهمة([8]).

وقد كان الشيخ كاشف الغطاء يتصف بِسِمات الرجل الجادِّ الذي يعمل بنشاط وحماس في كل موقف يرى فيه مصلحة للإسلام والمسلمين([9])، فكان يسعى بكل ما أعطي من حول وطول في قضاء حوائج المؤمنين، والحفاظ على دماء المسلمين، والدعوة لوحدة الصف.

إجازته في الرواية:

يروي الشيخ المترجَم بالإجازة عن جدّه الإمام الهادي عن العلاّمة الكبير الفقيه الأصولي الرجالي الشهير السيد أبي محمد الحسن آل صدر الدين الموسوي العاملي الكاظمي، وقد كتبها السيد المذكور للشيخ الهادي جدّ المترجم على نحو التفصيل وفيها من الفوائد ما لا يستغني عنه فقيه ومُحدّث([10]).

آثاره العلمية:

وله  رحمه الله  مصنفات قيّمة في مختلف فنون المعرفة الإسلامية، من الفقه والأصول والمنطق والتراجم والمناظرات بينه وبين كبار علماء الأمة من الفريقين، وهي:

أولاً: المطبوعات:

  1. الأحكام، تقريراً لبحثه الخارج في الأصول (ستة مجلدات)، طبعته مؤسسة الذخائر سابقا -كاشف الغطاء حالياً- طباعة أولية.
  2. أدوار علم الفقه وأطواره، طبعته مؤسسة كاشف الغطاء العامة سنة (1439هـ) بتحقيق الشيخ تحسين البلداوي.
  3. أسس التقوى لنيل جنة المأوى، وهي رسالته العملية، وكانت الطبعة الرابعة منه في سنة (1391هـ) من قبل مطبعة الآداب في النجف الأشرف.
  4. باب مدينة علم الفقه، طبع في مطبعة دار الزهراء في بيروت سنة (1405هـ).
  5. التعادل والتعارض والترجيح، طبعته مؤسسة الذخائر سابقا -كاشف الغطاء حالياً- وعادت طباعته مطبعة سليمانزاده في قم سنة (1430هـ).
  6. شرح العروة الوثقى، تقريراً لدرس استاذه الشيخ كاظم الشيرازي، طبعته مؤسسة كاشف الغطاء العامة سنة (1439هـ) بتحقيق الشيخ كريم الكمولي.
  7. كشف ابن الرضا عن فقه الرضا، رسالة مستلة من كتابه شرح المكاسب، حققها مصطفى ناجح الصراف, وطبعت في بيروت من قبل مطبعة صبح سنة (1432هـ).
  8. الكواكب الدرّية في الأحكام النحوية، طُبِع من قبل الذخائر سابقاً.
  9. المختصر من مرشد الأنام لحج بيت الله الحرام، الطبعة الأولى من قبل المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف سنة (1374هـ)، والثانية في النجف أيضا في مطبعة الآداب سنة (1398هـ).
  10. مصادر الحكم الشرعي والقانون المدنـي، (مجلدان)، طبع الأول منه في مطبعة الآداب في النجف الأشرف سنة (1408هـ)، والثاني في مطبعة العاني في بغداد سنة (1410هـ).
  11. نظرات وتأملات، وهو شذرات من المطارحات العلمية والمناظرات الأدبية بينه وبين الدكتور فيليب حتي.
  12. نقد الآراء المنطقية (مجلدان)، طبعته المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف، وطبعة أخرى من قبل مطبعة سليمانزاده في قم سنة (1427هـ).
  13. نهج الصواب إلى حل مشكلات الإعراب، طبعته مؤسسة الذخائر سابقاً.
  14. نهج الهدى في علم الكلام، المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف سنة (1354هـ).
  15. النور الساطع في الفقه النافع، تقريراً لبحثه الخارج في الفقه (مجلدان)، الطبعة الأولى منه من قبل مطبعة الآداب في النجف الأشرف سنة (1381هـ)، والثانية من قبل ستارة في قم المشرفة في سنة (1430هـ).

ثانياً: المخطوطات:

  1. إظهار الحق، شـرح لحاشية الشيخ ملا عبدِ الله اليزدي.
  2. الحق اليقين في تراجم المعصومين  عليهم السلام .
  3. رسالة في أمارية اليد.
  4. رسالة في وحدة الوجود.
  5. شـرح الرسائل (ستة عشر مجلدا).
  6. شـرح المكاسب (اربعة مجلدات).
  7. شرح تجريد الاعتقاد.
  8. شرح كفاية الأصول (عشرة مجلدات).
  9. شـرح منظومة السبزواري.
  10. الكلم الطيب، مجموعة رسائل ومقالات.

وتعمل مؤسسة كاشف الغطاء العامة على تحقيق وإخراج تلك الدرر ضمن موسوعة تراث الشيخ علي آل كاشف الغطاء.

وفاتُهُ:

لبَّى نداء ربه بعد أنْ أكمل تكبيرة الإحرام من فريضة العشاء، وكان ذلك في ليلة الأربعاء 19 رجب الأصَمّ من سنة (1411هـ)، ودفن في مقبرة جدّهِ الشيخ الأكبر كاشف الغطاء في محلة العمارة من محال النجف الأشرف([11]).

 

 

 

F

مُقَدّمة المؤلّف

الحمدُ للهِ ربّ العالمين والصَّلاةُ والسَّلام على مُحمَّدٍ وآلهِ وصَحْبِهِ الطَّيبين الطاهرين.

وبعدُ، فيقولُ المفتقر إلى الله تعالى علي نجلُ المرحوم الشيخ مُحمَّد رضا نجل المرحوم الشيخ هادي من آل كاشف الغطاء: قد وضعت هذا الكتاب للبحث عن الأدلة والأصول التي تستمدّ منها الفقهاء القوانين الشرعية، وتستنبط منها المسائل الفرعية، وترجع إليها في معرفة الأحكام الفقهية، سواء أفادت القطع بالحكم الشرعي، أو الظّن المعتبر به، أو كانت مما يرجع إليهما في مقام الشك الشرعيّ كالأصول العملية، بل يمكِنُ لأربابِ القوانين المَدَنيّة أنْ يستفيدوا منها ويَنْهَلوا مِنْ مَعينِ مَعْدِنِها، مُتَوخّياً في ذلكَ سبيلَ الاختصار المثمر الذي لعله يغنيهم عن التطويل، وباحثاً عن كلِّ دليلٍ أو أصلٍ اتَّخَذَه الفُقَهاءُ مستنداً للحكم الشرعيّ الفرعي، أو اتَّخَذه أربابُ القوانين المدنية مصدراً، وسمّيته بــ(مصادر الحكم الشرعي والقانون المدني). والله الموفق للانتفاع به.

 

 

 

المصدر الأول
القرآن
 الكريم

القرآن المجيد كتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين، ودستور من دساترة رب العالمين، اُنزل على الرسول الكريم  (ص)  في 23 سنة، وقد اشتمل على أغلب القواعد الفقهية، وروعي فيه بيانُ الأحكام الشرعيّة ممزوجةً بالوعظ والإرشاد والوعد والوعيد وقصص الأنبياء والصَّالحين، وما ناله الكُفَّارُ والمخالفون من العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة، لتقوية الضمير في الطاعة، والبعد عن المعصية، وإيجاد الوازع الديني نحو المثل العليا والأخلاق الفاضلة؛ والحجة فيه هو النّص أو الظاهر.

أمّا النصُّ: فهو الدّالُّ على المراد من غير احتمالٍ لغيره؛ ويقابله المجمل بالمعنى الأعمّ، أعني: ما دَلَّ على المراد مع احتمال غيره، وبالمعنى الأخص: هو خصوص الذي لا يعرف معناه.

وأمّا الظاهر: فهو ما دَلَّ على المراد مع احتمال غيره احتمالاً مرجوحاً؛ وفي مقابله المتشابه.

وأمّا المؤول: فهو الذي أراد به المتكلم خلاف ظاهره؛ وقد يطلقون المتشابه ويريدون به المجمل بالمعنى الأخص والمؤول([12]).

والقرآن قطعيُّ الصدور، لتواتر نقله عند المسلمين من حين نزوله حتى الوقت الحاضر.

وأمّا من حيث الدلالة فقد يكون قطعياً إذا كان اللفظ لا يحتمل فيه إلاّ معنى واحداً كنصوصه؛ وقد تكونُ دلالته ظنية إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى واحد كظواهره.

أمّا حجية نصوصه وظواهره فقد منع بعض الأخباريين([13]) منها، وقالوا: إن الكتاب ليس بحجّة مطلقاً، إلاّ ما روي تفسيره عن المعصوم([14]).

ويقال([15]): إنّ أول مَنْ فتح هذا الباب صاحب الفوائد المدنية([16]).

وقيل: إنه يظهر من كلام الشيخ الطوسي في التبيان([17])، والعلامة الحلي في نهاية الأصول([18]) نسبه إلى الحشوية([19]).

ويُدَلُّ على حجّيته السيرة المستمرّة بين المسلمين على التّمسك به من زمن الرسول  (ص)  إلى زمن الصَّحابة والتابعين والسلف الصالحين وثقاة رواة المعصومين بلا رادع من أحد منهم، مع ما في الأخبار المتسالم على صحّتها دلالة واضحة على حُجّيته، مثلَ حديثِ الثقلين المشهور بين الفريقين شهرة كادت أن تبلُغُ حَدّ التواتر وهو قوله  (ص) : (إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي)([20])، وقوله  (ص) : (إذا التبست عليكم الفتن كالليل المظلم فعليكم بالقرآن)([21])، وقوله  (ص) : (القرآنُ هدىً من الضَّلالة)([22])، ونحو ذلك ما وَرَدَ من الأمر بعرض الأخبار على الكتاب، وَرَدّ الشروط المخالفة للكتاب، والأمر بالرجوع إليه([23])، وُيؤيّدُ ذلك الآيات الآمرة بالأخذ به، والعمل به، كقوله تعالى في سورة البقرة: [ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]([24])، وكقوله تعالى: [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] ([25])، وغيرهما من عشرات الآيات.

نعم، لا يجوز التمسُّكُ بالمتشابه منه، وهو الذي ليس بنصّ ولا له ظاهر، بدون دليل ولا شاهد على المراد منه، بل بمجرّد رأيٍ واستحسان ما أنزل الله به من سلطان.

ولقد كانت الآيات المكيّة منه تبعث نحو تكوين العقيدة والأخلاق
الكريمة، ولهذا تجدُ فيها القَصْرَ والإيجاز، ليسهل على القارئ والمستمع
وعيها وتفهّمها، بخلافِ الآيات المدنية، فإنّها كانَتْ تبعث نحو تفهُّم الأحكامِ الشرعيّة، ولهذا تجد فيها الطول، لاحتياج شرح الحكم وبيان حدوده إلى
البسط والتوضيح، وقد ذكروا أنَّ مجموع آياتِ الأحكام (500) آية([26])، وأنَّ
الباقي منها تتعلَّقُ بالعقائد الدينية، والأخلاق الحميدة، والقصص التي فيها الموعظة الحسنة، والأمثال المتنوّعة التي تُرْشِدُنا لما فيه الخير والصَّلاحُ والسَّعَادَةُ والفلاح.

ثم إنّ أقوى ما يتمسَّك به المانعون من العمل بالقرآن المجيد وجوه:

أحدها: الأخبار المتواترة المدّعى ظُهُورُها في المنع عن ذلك، مثل النّبوي: (من فَسَّرَ القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار)([27]) والنبوي: (من فّسَّرَ القرآن برأيه فأصابَ الحقَّ فقد أخطأ)([28])، وعن الرضا  عليهم السلام ، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين  عليهم السلام ، قال: (قال رسول الله  (ص) : إنَّ اللهَ  عجل الله فرجه الشريف قال في الحديث القُدْسي، ما آمن بي من فَسَّرَ برأيهِ كلامي، وما عَرَفَني من شبهني بخلقي، وما على ديني مَنْ استعملَ القياسَ في دِيني)([29])، وعَنْ مَجْمَعِ البيان، أنه قد صَحَّ عن النبيّ  (ص)  وعن الأئمّة القائمين مقامه عليهم السلام: إنّ تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح، والنّص الصريح([30])، وقوله: (ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن)([31]) إلى غيرِ ذلك مما ادّعى في الوَسَائل في بابِ القَضَاءِ تجاوزُهُا عن حَدّ التواتر([32])، ومرجع هذا الوجه إلى أنَّ المتكلِّم به لم يَقْصِدْ إفادَةَ مُرادِهِ بنفس هذا الكلام فهو خَارِجٌ عن قواعِدِ الخطابة.

والجواب عن ذلك: منع دلالتها على المنع عن العمل بالظواهر الواضحة المعنى بعد الفحص عن نسخها وتخصيصها، وإرادَةُ خلافِ ظاهرها في الأخبار، إذ ليس ذلك تفسيراً، إذ التفسيرُ كشف القناع، لا مطلق حَمْلِ اللفظ على معناه، ولو سُلِّمَ ذلك، فالمراد بالرّأي هو الاعتبارُ العقليّ الظنيّ الراجع إلى الاستحسان، فلا يَشْمَل حمل اللفظ على ظاهره اللغوي والعرفي، فالتفسير بالرّأي إمّا حَمْلُ اللفظ على خلافِ ظاهره، أو أحدُ احتماليه لرُجْحان في نظره القاصر وعقله الفاتر.

الوجهُ الثاني: طروُّ التقييدِ والتَّخصيص والتجوُّز في أكثر القرآن وظواهره، فأوْجَبَ فيهِ الإجمال.

وفيه: أولاً: النّقْضُ بظَواهِرِ السُّنَّة للقَطْعِ بطروّ مُخَالَفَةِ الظَّاهر في أكثرها.

وثانياً: إنّ غاية ذلك وجوبُ الفحص دُونَ السُّقوط؛ لأنّ المعلوم إجمالاً هو وجودُ مخالفاتٍ كثيرة في الواقع فيما بأيدينا، بحيثُ يَظْهَرُ تَفْصيلاً بعد الفحص، وأمّا وجودُ مخالفاتٍ في الواقع زائداً على ذلك، فغيرُ معلومٍ ينفى بالأصل، وحينئذٍ فالمانعُ من العمل قبل الفحص هو احتمال وجود مخصص يظهر بالفحص، وهذا المانع يزولُ بعد الفحص قطعاً، والذي يبقى بَعْدَ الفحص هو احتمالُ وجود مخصِّصٍ في الواقع لم نظفر به بعد الفحص، ومقتضى الأصل عدمه.

الوجه الثالث: ما ذَكَرَهُ بَعْضُهُم أنه ما من آية مُتعلِّقَةٍ بالفُروعِ والأُصول
 إلاّ وَرَدَ بيانَها أو في الحكم الموافق لها خَبَراً وأخبارٌ كثيرة بل انعقد
الإجماع على أكثرها مع أنّ جُلَّ آياتِ الأصول والفروع، بل كلُّها مما
تعلَّق الحكم فيها بأمور مُجْمَلَةٍ لا يمكنُ العمل بها إلاّ بعد أخذ تفصيلها من الأخبار([33]).

وفيه: إنّ هذا وإنْ تَمَّ في الآيات الواردة في باب العبادات جلاّ أو كلاّ،
إلا أنه غيرُ جارٍ فيما وَرَدَ في باب المعاملات، ضرورةَ أنَّ الإطلاقات الواردة
فيها مما يتمسَّك بها في الفروع الغير المنصوصة أو المنصوصة بالنّصوص المتعارضة كثيراً جدّاً، مثل قوله تعالى: [أَوْفُوا بِالْعُقُودِ]([34])، [وأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ]([35])، [تِجَارَةً
عَنْ تَرَاضٍ]([36])، [فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ]([37])، [وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ]([38])، [وَلاَ تَقْرَبُوا
مَالَ الْيَتِيمِ]([39])، [وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ]([40])، [إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا]([41])،
[فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ]([42])، [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]([43])، [عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ]([44])، [مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ]([45])، إلى غير ذلك، بل وفي العبادات كذلك، مثل قوله: [إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ]([46])، وغير ذلك مثل آيات التيمم والوضوء والغسل والصلاة وغيرها، وهذه وإنْ ورد فيها أخبار في الجملة إلاّ أنه ليس كلُّ فرعٍ مما يُتَمَسَّكُ فيه بالآية وَرَدَ فيه خبرٌ سليمٌ عن المعارض، فلاحظ.

الوجه الرابع: إنَّ وجوبَ العمل بظواهر الكتاب بالإجماع، مستلزم لعدم جواز العمل بظواهره؛ لأنَّ من تلك الظواهر ظواهرُ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ مُطْلَقاً حَتَّى ظَواهِرُ الكتاب.

وفيه: أنّ فَرْضَ وُجودِ الدّليلِ على حُجّية الظواهر، يُوجِبُ عَدَمَ ظهور الآياتِ النّاهية في حُرْمَةِ العَمَلِ بالظواهر؛ لأنّه أخصُّ منها، مع أنَّ ظواهر الآيات الناهية لو نَهَضَتْ للمنعِ عَنْ ظواهرِ الكتاب، لمنعت عَنْ حُجَّيةِ أنفسها؛ لأنّها منها، إلا أنْ يمنعَ شمولها لأنفسها فتأمل.

وينبغي التنبيه على أمرين:

الأول: إذا اختَلَفَتْ القراءة، وكان اختلافُها مُوجباً لاختلاف الحُكْمِ الشَّرعي كما في قولِهِ تعالى: [حَتَّى يَطْهُرْنَ]([47])، حيثُ قرأ بالتشديد من التطهّر، الظاهر في الاغتسال، وَقَرأ بالتَّخفيف([48]) من الطَّهَارة الظَّاهرة في النقاء عن الحيض، فمع التكافؤ في القراءة يتوقَّفُ ويَرْجِعُ إلى غيرهما فيستصحب الحرمة فيما نَحْنُ فيه قبل الاغتسال، أو بالجواز بناءً على عُمومِ قوله تعالى: [فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ]([49])، للأزمان، خَرَجَ منه زمن الحيض على الوجهين بكون المقام من استصحاب حكم المخصِّصِ، أو العَمَلِ بالعُمومِ الزَّمَاني، ومَعَ عَدَمِ التكافؤ في القراءة يُؤْخَذُ بأقوى القراءتين.

الثاني: أنه لا يُؤْخَذُ بالقراءة الشَّاذَّةِ في العَمَل بالآية، لِكونِ ما عَداها أرجح منها، خلافاً لما يُنْقَلُ عن بعض العامة([50])، وعليه فلا يعمل بقراءة ابن مسعود في كفارة اليمين: فصيام ثلاثة أيام متتابعات([51])، في وجوب التتابع في كفارة اليمين لأن القراءة المشهورة على خلافها.

 

المصدر الثاني
الإجماع
([52])

والإجماع لغة بحسب التحقيق: هو ضم المتفرّق واجتماعه واتفاقه، وهو يقابل الاختلاف والتفريق([53]).

وفي الاصطلاح: هو الاتفاق من أمة محمد  (ص)  على أمر من الأمور الدينية.

وهو المحكي([54]) عن متقدمي أهل السنة، كالقاضي([55])، والجويني([56])، والغزالي([57])، ولكن متأخريهم لما رأوا أن لا مقالة للعوام في أمور الدين؛ لأنهم همج رعاع أتباع كل ناعق، عدلوا عن ذلك، واقتصروا على اعتبار قول العلماء، وعرَّفوُه بأنّه: اتّفاقُ أهلِ الحَلِّ والعقد من أمّةِ محمّد  (ص)  على أمر من الأمور الدينية([58])، وقيّدوه بالدّينية لإخراجِ الاتّفاق في الأمور الغير الشرعية كالعقليات والعُرفيات، فإنَّ الاتفاق عليها ليس من الإجماع عند الفقهاء.

وكان مالك يذهب إلى أن الإجماع يتحقق باتفاق فقهاء المدينة([59])، وداود الظاهري يذهب إلى أن الإجماع لا يعتبر إلا من الصحابة دون من بعدهم([60])، وأنكر حجيته النّظّام المتوفى سنة (231هـ) معللاً ذلك بأنَّ الإجماع إنْ استند إلى دليلٍ قطعيٍّ فيكونُ ذلك الدّليلُ هو الحجّة، وإنْ استَنَدَ إلى دليلٍ ظنّيٍ فلا يمكن تحقُّقُ الإجماع لاختلافِ العُلَمَاء في الاستنباط منه([61])؛ ونسب إنكار حجيته لفقهاء الأخباريين من الشيعة([62])، وأما الأصوليونَ من الشَّيعة فيذهبون إلى أنَّهُ أعظم حجة إذا كشف كشفاً قطعياً عن رأي المعصوم بمؤداه، سواء كان العلم من جهة اشتمال المجمعين عليه من دون تشخيصه، كاتّفاقُ علماءِ بلدٍ كانَ المعصوم فيها، كاتّفاقِ أهلِ المدينة، أو من جهة الحدس؛ لأنَّ العادَةَ قاضيةٌ بأنَّ أصحاب الشخص إذا اتفقوا على شيء فهو لابُدَّ وأنْ يكونَ قائلاً به، أو من جهة قاعدة اللُّطف، فإنّها تقتضي ردع الله الأمة لو اتفقت على الباطل، فإنَّ من أعظم الألطافِ من الله الواجبة إظهار كلمة الحقّ على لسان داع يدعو لها لأنه إذ ذاك ينكشف به الواقع([63]).

وأما إذا لم يكشف الاتفاق عن رأي المعصوم فلا دليل على حجيته فلا يصحُّ الاعتمادُ عليه في معرفة الحكم الشرعي، ومن هنا يظهر لك أنه لو وجد مع الإجماع آية أو رواية أو مستندٌ آخر احتَمَلَ أنَّ فتوى المجمعين كانت مستندة له سقط الإجماع عن الحُجيَّة عند الشيعة([64])؛ لأنّه حينئذٍ لم يكشف عنْ رأي المعصوم على سبيل القطع، لاحتمال أنّ المجمعين استندوا في فتواهم لذلك المستند، ولابُدَّ حينئذٍ للمجتهد من ملاحظة ذلك المستند ومدى صحته، واعتباره، وحُدود دلالته، ولا وَجْهَ لإنكار حُجيّة الإجماع إذا حصل به الكشف عن رأي المعصوم؛ لأنه يُفْضي إلى إنكارِ حُجيّة قولِ المعصوم، وكلّما دَلَّ على حُجيّةِ قَوْلِ المعصوم، يَدُلُّ على حُجيّتِهِ من العقل والنّقل، وإنْ أراد المنكر أنه لا يتحقَّق الإجماع المذكور، أو لا يمكن العِلْمُ به، أو لا يُمْكن كشفه عن رأي المعصوم، فيكونُ إنكاره إنكاراً لتحقُّقِهِ لا لحجيته.

أدلة حجية الإجماع وإنْ لَمْ يَكْشف عن قول المعصوم

وقد استدلّ علماء أهل السنة على حجيّة الإجماع وإنْ لم يكشف عن قول المعصوم، ذاهبين إلى وجودِ العصمة عن الخطأ في اجتماع العُلَمَاء على رأيٍ واحدٍ، وإنْ جَازَ في كُلِّ واحدٍ منهم الخطأ فيكونُ الإجماعُ عندهم حُجَّة من باب التعبّْد الصِّرف، كالأسبابِ الشَّرعية من اليد والفِرَاش وغيرها، لا من باب الكَشْفِ عَنْ قولِ المَعْصومِ، واستدلّوا على ذلكِ من العقل بما ذَكَرَهُ إمام الحرمين، مِنْ أنَّ الإجماع يَدُلُّ على وُجودِ دَليلٍ قاطعٍ في الحكم المجمع عليه؛ لأنّ العَادَة تقضي بامتناعِ اجتماع مثلهم على مظنونِ كاجتماعهم على أكلْ طعامِ واحدٍ ولبسٍ واحد وفعل واحد([65]).

وفيه: أنّ غايَةَ ما يَثْبُتُ بذلك إنَّ إجماعهم عن مأخذٍ معتَبَرٍ عندَهُم، لا ما أفادَ القَطْعُ لغيرهم، بل لا يُفيدُ ذلك أيضاً إذا لم يعتبر فيه العدالة.

واستدلّوا على ذلك من الكتاب بقوله تعالى: [وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ]([66])، حيثُ تَوَعَّدَ اللهُ تعالى على اتّباع غيرِ سبيل المؤمنين([67]).

وفيه:

أولاً: أنّهُ بقرينَةِ العَطْفِ وكونُ فاعل (يتبع) ضمير يعودُ لمن يشاقق، يكون المراد من سبيل المؤمنين هو سبيلهم في متابعة الرسول من الاقتداء به.

ثانياً: يحتمل أنَّ المراد بالسبيل هو الصراط والطريق للمؤمنين في العقائد الدينية والمعارف الإلهية، لا في فتاويهم الشرعية.

ثالثاً: إنّ فاعل (يتبع) ضمير يعود لمن يشاقق المتبيِّن له الهدى؛ ولا ريبَ أنّ المتبيّن له الهدى إذا اتّبعَ غيرَ سبيل المؤمنين يعذب، لا بمخالفته للمؤمنين، بل لتبين الهدى له، وعليه فتكونُ الآيةُ ناظرةٌ إلى أنَّ مَنْ تبيَّنَ لهُ الهُدى، وعمل على الهدى، ولم يتّبع سبيلَ المؤمنين لا مؤاخذة عليه.

رابعاً: إنّ المعصومَ كالنبيّ  (ص) ، أو الأئمة عند الشيعة من المؤمنين، فلابُدَّ أنْ يكون سبيله سبيل المؤمنين، ومَعَ عدمِ إحراز كَوْنِ المعصوم متّفقاً رأيه مع أهل الإجماع، لم يَعْلَم أنَّ السبيل غير سبيل المؤمنين بأجمعهم، ومع عدم الإحراز
لا حجية للإجماع، لعدم إحراز تحقُّق موضوعها، وهو كونُ السبيل سبيل المؤمنين.

واستدلوا بقوله تعالى: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ]([68])، فإنّهم لو أجمعوا على الخطأ لكانوا آمرين بالمنكر([69]).

وفيه: أنه يَدُلُّ على عَدَمِ تَعمُّدِ الخطأ، لا عَدَمُ وقوعه؛ لأنّ المراد ما هو معروف ومنكر بنظرهم لا في الواقع.

واستدلّوا بقوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ]([70])، باعتبار أنَّ المخالفة لهم تُوجِبُ أنْ تكونَ الأمَّةَ شهداء عليه بالمخالفة، ولو وافقهم تكون الأمة شهداء عليه بالموافقة.

وتقريب الاستدلال بهذه الآية بهذا النحو أحسن مما ذكره القوم من الاستدلال بها باعتبار أنّهم وسط بتفسيره بالعدل([71]).

وفيه: إنّ الشهادة عليه بالمخالفة لا توجبُ بطلانَ قولِهِ في نظره إذا لم يكن مخالفاً واقعاً، فإنَّ مُجرَّدَ الشَّهادة بالفسق لا تُوجِبُ الفسق واقعاً، ولذا ارتكاب العَمَل الموجب لشهادة الغير بالفسق لا توجب حُرْمَةَ ذلك العَمَل عليه إذا لم يَكُنْ في الواقع معصيةً في نظره، على أنّه مع عدم إحرازِ مُوافقة المعصوم لهم لم يَحْصل إحراز شهادَةِ الأمَّة بأجْمَعِها عليه.

واستدلّوا على ذلك من الأخبار بما رواه العامّةُ والخاصّةُ عن النبي  (ص) ، أنه قال: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)([72])، كما في رواية أبي اللّيث السَّمرْ قندي.

وفيه:

أولاً: فإنّه مع اجتماع الأمّة بأجمعها لابُدّ وأنْ يكون المعصوم معها وإلاّ لم تكُنْ الأمّة لأنّ المعصوم منها، فَمَع الشكّ في دخول المعصوم مع المجتمعين لم يحرز اجتماع الأمة.

وثانياً: إنَّ الظاهر هو الاجتماعُ على الضَّلالة والمعصية بهذا العنوان،
بأنْ تعلم الأمّة أنَّ العَمَل الفلانيّ معصية وضلالة ويرتكبونه بأجمعهم، وهذا
أمرٌ أجنبيٌ عن الإجماع، وإنّما يَرْجِعُ إلى اتّفاقهم على العصيان غير واقع
منهم.

طرق حصول الإجماع ومعرفتها وحجيتها

إنّ للإجماع طُرُقاً ثلاثة:

الطريقُ الأوّل  [من طرق تحصيل الإجماع]:

وهو المنسوبُ للمتقدّمين من علماء المسلمين، وقد سَلَكَهُ أهلُ السُّنِّة وقُدَمَاءُ الشّيعة من أنَّ الإجماع اتّفاق الكُلّ([73]).

والكلامُ في هذا المسلك تارةً في الصُّغْرَى، وبيانُ اتّفاق الكُلِّ بما يتحقَّقُ وكيفَ يعلم، وأخرى في الكبرى وبيان مدرك الحجية.

أمّا الكلامُ في الكُبْرى لإحراز دخولِ المعصوم فيهم؛ لأنه من الكلّ المتفقين، ودخوله يكون قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو تركاً، كأن ترك جماعة الأذان في الصلاة وفيهم المعصوم يكون حجة، ومع عدمه فليس بحجة، وعليه فلو أفتى جماعة، ولو أقل من عشرة، وعلم أن أحدهم المعصوم كالنبي  (ص)  والأئمة

 كان قولهم حجة، وإنْ خالفَهُم الجميع.

وأمّا عِنْدَ أهلِ السُنَّة، فمجرَّدُ الاتفاق من الكلّ، وإنْ لم يَكُنْ المعصوم داخلاً مَعَهُم هو حُجّة، وتقدَّم في ذلك أدلّتهم.

أمّا الكلامُ في الصُّغرى فهو أنَّ إمكان الإجماع، بل وقوعه مما لا ريب فيه، ومجرّد انتشار العلماء في الأقطار واختلاف القرائح والأنظار لو أثّرَ فهو في العلم به، لا في إمكانه أو وقوعه.

والقولُ بأنَّ الإجماع إنْ كان عن تخمينٍ فلا يجوز اتّباعه أو عن دليلٍ قطعي فالعادة تقضي بنقله، فيغني عن الإجماع، أو ظني، فتباين الأنظار واختلاف القرائح يمنع من الاجتماع عليه([74]).

مدفوع بأنَّ ذلك يمنع من الاطّلاع على الإجماع، لا عَنْ إمكانِهِ ووقوعه، بأنَّ عَدَمَ وجوب الاتباع لو كان الإجماع عن تخمينٍ يمنعُ الحُجيِّةَ دونَ الإمكان والوقوع، وكذلكَ إغناء القطعيّ عنه، فتأمّل، واختلافُ القرائحِ غيرُ مانعٍ من الاتّفاق بَعْدَ وجودِ الدَّاعي وهو الدّليلُ المعتبر.

والحاصل: إنَّ إنكارَ الإمكان أو الوقوع مما يحكم بفساده الضرورة والوجدان، وإنّما الإشكالُ في العلم بهِ على هذه الطريقة؛ لأنّ العِلْمَ بفَتَاوَى
كُلِّ واحدٍ من العلماء الموجودين في عَصْرٍ واحِدٍ مما كادَ أنْ يَلْحَقَ بالمحالات، لتوقُّفِهِ على مُشافَهَةِ كُلِّ واحِدٍ منهم، وهو مما لا يمكن عادَةً بَعْدَ انتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها، وفي الأصقاع والأقطار والبراري والقفار، وزوايا الخمول، حتّى لو رَامَ المجتهدُ تحصيل الإجماع ولو في مسألةٍ، لا يَحْصل لو أفنى عمره مع احتمالِ السَّهو من المفتي والنّسيان والتقيّة والتورية والرجوع عن فتواه، مع الغضّ عَنْ احتمالِ الكَذِبِ الذي لا يَكَادُ يَخْلُو منهُ إنسان، ونَفْيُها أو نفي بعضها بالأصل لا يجدي في حصول العلم، ولذا نذهب إلى أنَّ طريقةَ القُدَمَاء على ما يساعده الاستقراء لابدّ أن تكون حدسية، بمعنى معرفة موافقة باقي العلماء من اتّفاق هؤلاء الجماعة بالحدس؛ لأنا قاطعون بأنَّ المرتضى([75])،
أو القاضي([76])، أو الاسكافي([77])، أو ابن زهرة([78])، أو سلاّر([79])، أو نحوهم من قدمائنا الكبار لم يشافه كُلّ واحد منهم كُلُّ فَرْدٍ من عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، مع أنَّ كُتُبَهُمُ مشحونة من دعوى الإجماع.

والتّحقيقُ أنْ يقال: إنَّ العلم بالإجماع لا يَحْصَلُ إلا بأمورٍ ثلاثة:

أحدها: الحَدَس، بأنْ يطَّلِع على جُمْلَةٍ من فتاوى العلماء المتبحّرين، فيحدس من ذلك موافقة الباقين لهم، لاعتقاده بعدم معقولية المخالفة لهم، كما يقال: إنّ علماء النحو مجمعون على أنَّ الفاعل مرفوع، مع عدم الاطّلاع إلاّ على بَعْضِ فحولِ علمائهم، ولَعَلَّ دعاوي الإجماع من عُلَمَاءِ أهلِ السُّنَّة، بل ومن علماء الشيعة مع عدم الاطلاع على رأيِ باقي العُلَمَاء لكثرة العلماء وصعوبة الاطلاع على أقوالهم كانت من هذا القبيل.

ثانيها: الحِسُّ بالاستقراء لجميع الفقهاء، ضَرورَةَ عدم حصول العلم بالكلّ، مع الشكّ في ثبوت الفتوى بالحكم لبعض الأفراد لم يحصل به بالحس باتفاق سائر الفقهاء.

ثالثها: الفعلُ بأنْ يقوم على الفتوى دليلٌ واضح الدلالة، سهل الاطلاع عليه، بحيثُ الوُضوحُ والسّهولة يُوجبان حُكْمَ العقل باتّفاق الفقهاء على الفتوى بمضمونه، ومن هذا ما قامت عليه ضَرورَةُ الدّين والإجماع في مثل هذه الأيام، غيرُ مستندٍ إلى الثاني وهو الحسّ، لما ذكرنا من عدم إمكان مشاهدة كُلِّ واحِدٍ من العُلَمَاء، فضلاً عن مَعْرِفَةِ فتواهُم في المسألة، إلاّ إذا فُرِضَ كَونُ علماء العصر معدودين حاضرين في مجلسٍ واحد، وهو مجرَّدُ فَرْضٍ غير واقع، مع أنَّ باب احتمال الخلاف مع ذلك غيرُ مُنْسَدٍّ، لاحتمال أنَّ بعضهم لم يحضر، أو لاحتمال السهو في الفتوى والنسيان والخطأ ونحو ذلك، بل حكى الرازي([80]) عن جماعة: إنّا لو فَرَضْنا أنَّ سلطاناً جَمَعَ علماء العالم فَرَفَعوا أصواتهم إنّا أفتينا بكذا لما حَصَلَ العلم بالإجماع، لجواز أنْ يكون مخالِفٌ خاف الجمع أو الملك أخفى صوته بالخلاف من ضَجيج الخلائق([81])، ولا إلى الثّالث لعدم صحة الاعتماد على هذا الإجماع، إنّما المتبع هو ذلك الدليل، فيُؤخَذُ بمقدارِ دلالَتِهِ وحدودهما بالإجماع، لكونِهِ تابع لها، مع أنه لم يكن معرفة الإجماع بطريق الحس بالفتوى منهم، كما هو المفروض.

وأمّا الأول([82]): وهو الحَدَس فيُمْكِنُ الأخْذُ به لمن حَصَلَ عندَهُ الحدس القطعيّ بذلك، ولعلَّ الإجماع المدّعى من المتأخّرين من الفريقين يكونُ من هذا القبيل، وأمّا لو كانَ حَصَلَ عِندَه الحَدَسُ الظنّي بالإجماع، فالظنُّ ليس بحجة؛ لأنه لم يقم دليلٌ على اعتباره. هذا.

مع أنّه لم تَكُنْ معرفة الفتوى منهم من طريق الحسّ، كما هو المفروض، وإنّما كانت من طَريقِ الحَدَس، هذا.

وإنّ بعضهم([83]) قد تخيَّل أنَّ هناك طريق رابع لمعرفة اتّفاق المجتهدين على الفتوى بطريق المكاشفة، كما يتّفقُ لأهلها كثيراً، بل قَدْ يُحْكَى عن بعضِ أهلِ الباطل دَعْوى الانكشاف القلبيّ في كُلِّ جُزئيٍّ من الأحكام الشرعيّة، بحيثُ لو لم يُبْعَثُ الرَّسولُ، أو لم يُبَلِّغُها إلى الأمة وصل هو بنفسه إليها.

وفيه: إنّ المكاشفة إنْ صَحَّتْ ففي استكشاف نَفْسِ قولِ المعصوم منها حينئذٍ كفايةٌ عنه، والعلم بالإجماع بذلك خارجٌ عن كونه حسّياً، بل كان بالمكاشفة.

وفي مرآة العقول للمجلسي: إنّ الاطّلاع على الخبر المجمع عليه بطريق الإفتاء متَعسِّرٌ بل مُتَعَذِّر([84]).

وفي المعالم: الحقُّ امتناعُ الاطّلاع على الإجماع([85]).

وعن الرازي: إنّ الإنصاف أنّه لا يمكن معرفة الإجماع إلا في عهد الصحابة، حيثُ كان المسلمون قليلين، أمّا بعد ذلك فلا([86]).

وعن الإمام والقاضي كذلك([87])، بل حكي عن العضدي، عن أحمد: أنَّ من ادعى الإجماع فهو كاذب([88]).

وكيفَ كان، فلعلَّ عَدَمَ إمكانِ الاطّلاع عَادَةً على هذه الطريقة من الإجماع غيرُ قابلٍ للخلاف والنزاع.

وربما يقال: بأنَّ العُلَمَاءَ من الفريقين يكثرونَ الاحتجاج بالإجماع، بل ذكر بعضهم: أنّ فهم جُلّ الأحكام أو كلّها لا يُمكِنُ إلا بضميمةِ الإجماع([89])، وفي كلمات الأقدمين فضلاً عن غيرهم تصريحاتُ بإمكانه ووقوعه.

ففي الذريعة: (وأمّا قولُ مَنْ نفى الإجماع لتعذّر الطريق إليه فجهالة؛ لأنا قد نعلم اجتماع الخلق الكثير على المذهب الواحد، وتَرْتَفِعُ عنها الشبهة في ذلك أمّا بالمشاهدة، أو النقل، ونَعْلَمُ مِنْ اجْتِماعِهِم واتّفاقهم على الشَّيء الواحد ما يجري في الجلاء والظهور مَجْرى العلم بالبلدان والأمصار والوقائع الكبار، ونحنُ نعلمُ أنّ المسلمين كلهم متفقون على تحريم الخمر، ووطئ الأمهات وإنْ لم نلق كلَّ مسلمٍ في الشَّرقِ والغرب والسَّهل والجبل، ونعلمُ أيضاً أنَّ اليهود والنصارى متفقون على القول بقتل المسيح وصلبه وإنْ كُنَّا لم نلق كُلَّ يهوديٍ ونصراني في الشرق والغرب، ومَنْ أنْكَرَ العِلْمَ بما ذكرنَاهُ كان مكابراً مباهتاً)([90]).

هذا، مع إنَّا نَعْلَمُ بوجودِ الأحكامِ الضَّروريّةِ في الشَّريعَةِ، وتحقُّقِ الضَّرورة بها يَسْتَلزِمُ وُجودَ الإجْماعَاتِ فيها، والعِلْمُ بها كذلك، مع إنّا إذا راجعنا أنفسنا نرى في الفقه أحكاماً كثيرةً معلومة لا مأخذ للعلم بها غير الإجماع.

هذا، ولكنّ الحق أنَّ ذلك لا ينافي ما ذكرناه من عدم إمكان الاطلاع على الإجماع بالطريق المذكور أعني: طريق الحس لأنّ إجماعاتهم التي تمسّكوا بها صريحة أو ظاهرة في كون العلم به من طريق الحدس لا الحسّ، واستلزام الضرورة للإجماع فَرْعُ انحصار طريق حصول الضرورة بالإجماع، لإمكان العلم بالضروريات، من وضوح الدليل عليه، وسهولة الاطلاع عليه، كما هو كذلك في الغالب.

ودعوى انحصار مدرك المسألة في الإجماع بحيث لم يردْ فيها آية أو رواية، لا عموماً، ولا خصوصاً، ولا أصل، ولا قاعدة لعلّه مجرّدُ فُرْضٍ لا واقع له، فلا يَصِحُّ جَعْلُهُ مُسْتَنَداً لصِحَّةِ العِلْمِ بالإجماع في الموارد الكثيرة.

والحاصِل: إن الإجماعاتِ المدّعاةِ في كَلِماتِ القُدَماءِ أقوى شاهدٍ على أنَّ مَسْلَكَهُم في الإجماعْ موافِقٌ لمسلك المتأخّرينَ في كونِهِ حَدَسِيّاً لا حسياً.

الطريق الثاني من طرق [تحصيل] الإجماع:

هو اتفاقُ جميع العلماء غير المعصوم منهم على حُكْمٍ، مع فَقْدِ الكتاب والسنة المتواترة عليه، فيفارق المسلك الأول بخروج المعصوم، بأنَّ قول المعصوم على المسلك الأول مدلولٌ تضمُّنيٌ، دون هذا المسلك، فإنَّ حُجِّيةَ الإجماع من جهةِ كَشْفِهِ عن رأي المعصوم باللُّطف، كما أنَّهُ يَنْدَرِجُ نقل الإجماع على الأول في نقل السُّنّة، بخلافهِ على هذا المسلك، لعدم ثبوتها إلاّ عند الحاكي، وبذلكَ لا يَصْدُقُ الإخبارُ عن المعصوم، كما لو أَخْبَرَ عَنْ دُخولِ الوَقْتِ اعتماداً على صَوْتِ الدّيك.

ثمّ إنّ هذا المسلك وإن اشتهر اختصاصه بالشيخ  رحمه الله ([91])، إلاّ أنه هو
الظاهر من كلام الحمصي في التعليق العراقي([92])، وكلام كمال الدين ميثم البحريني في قواعد الكلام([93])، والمحقق الحلي في المعتبر([94])، والشهيد 
في الذكرى([95])، والمحكي عن العماد الداماد، ولعله في كتابه السبع الشداد([96])، وعن كتاب الغيبة لشيخنا الطّوسي([97])، بل عن المرتضى في الانتصار([98]) والشافي([99])، وعن الغنية لابن زهرة([100])، وعن كنز الفوائد([101]) للشيخ أبي الفتح الكراجكي([102])، وعن الكافي([103]) لأبي الصلاح الحلبي ([104])، وعن إعلام الورى للطبرسي، وكذلك عن مجمع البيان له([105])، إلى غير ذلك من العلماء المستفاد منهم أن العلماء إذا اتفقوا على حكم، لم يدل على خلافه آية محكمة أو سنة قاطعة، ولم نعلم بمخالفة المعصوم منهم، وجب القطع بكونهم على الحق، وإلاّ لَوَجَبَ عليه  عليهم السلام  - على المعصوم - رَدْعُهُم، إذ لولا الرَّدْعُ لَزَمَ بقاؤهم على الضَّلالة، بل تَكْليفُهُم بما لا يعلمون، وأمرهم بما لا يطيقون، وهما منافيان لقاعِدَةِ اللُّطف، فانتفاء اللازم، وهو الرّدع دليلُ انتفاء الملزوم، أي: بطلان ما أجمعوا عليه.

والحاصل: إنّ مناط حُجيّة هذا المسلك هو أنْ يقال: إنّ ما أجمعوا عليه إنْ كان باطلاً، وَجَبَ على المعصوم رَدْعُهُم لأنّه لُطْفٌ، واللُّطفُ واجب([106]).

أما الصغرى، فلصدق حده، وهو ما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية عليه.

وأما الكبرى، فلأن الإخلال باللطف نقض للغرض، وهو قبيح، بل
 قد يقال: إنّ نقل الأدلة الدالة على وجوب إيصال الأحكام إلى العباد
قاضية بوجوبه في خصوص مورد الإجماع، بل في المستفيض عنهم أنّ الأرض لا تخلو إلاّ وفيها عالم، إذا أزاد المؤمنون شيئاً ردّهم إلى الحقّ، وإنْ نقصوا
شيئاً تمّمه لهم، ولولا ذلك لالتبس عليهم أمرهم، ولم يفرّقوا بين الحقّ
والباطل.

وعن عليّ  عليهم السلام  بطرق: (اللهم إنك لا تخلي الأرض عن قائم بحجة أمّا ظاهر مشهور أو خائفٌ مغمور لئلا يبطل حجتك وبيناتك)([107]).

وفي عدة أخبار في تفسير قوله تعالى: [إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ]([108])، أنّ المنذر رسول الله  (ص) ، وفي كُلِّ زمانٍ إمام منّا يهديهم إلى ما جاء به النبيّ  (ص)  ([109])، وعَنْ أبي عبد الله  عليهم السلام ، كأنّه قال: (ولم تخلُ الأرضُ منذ خلقها اللهُ من حُجَّةٍ له فيها، ظاهرٌ مشهور، أو غائب مستور، ولم تخلُ إلى أنْ تقومَ الساعة، ولولا ذلك لم يعبد الله، قيل: كيف ينتفع الناس بالغائب المستور، قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب)([110])، إلى غير ذلك من أخبار الباب، بل أنّ الحكمة الداعية إلى تشريع الحكم وبعث النبي ونصب الوصي داعية إلى ذلك أيضاً، ومثل إنّ الغرض من نصب المعصوم في كُلِّ وقتٍ تبليغ الحكم، إلاّ إذا قدّر عدم إمكان التبليغ في حَقِّهِ بطل هذا الغرض.

وهذا المسلك لا يتمّ إلا عند الشيعة الذين يقولون بأنه في كلِّ عصرٍ إلى يوم القيامة يوجد إمام له، إما ظاهر، أو مستور، وأما عند أهل السنة فهو لا يتم إلا في زمن الرسول؛ وخلاصة هذا المسلك يرجع لوجوه:

الأول: قاعدة اللطف.

الثاني: إنّ سكوتَ الإمام مع وجودهُ يكون تقريراً لهم، وتوضيحُ ذلك: إنّهم لمّا أجمعوا على الحُكْم للمسألة فلابّد من اطلاع المعصوم على إجماعهم؛ لأنه المتولّي لشؤونهم، ومع ذلك سَكَتَ ولم يمنعهم، فيكونُ سُكوتُه تقريراً لهم على ما أجْمَعُوا عليه، والتقرير نعم الدليل.

الثالث: ما في الرواية من قوله  عليهم السلام : (إنّ المجمع عليه لا ريب فيه)([111]).

الرابع: ما دَلَّ من أنَّ الأرض لا تخلو من حُجَّةٍ ينتفع به: (إنْ زاد المؤمنون شيئاً رَدَّهُم)([112]).

ويمكن أنْ يناقش في صِحَّةِ هذه الطّريقة بما عَرَفْتَ من عَدَمِ تماميّة الصُّغرى، لعدم إحراز الاتفاق من جميع العلماء.

وأما الكبرى، وهو حُجيّة هذا الاتفاق فباطلة؛ لأنّ الحجية إنْ كان من جهة قاعدة اللطف، فاللطف الواجب على الله هو وجود المعصوم، ووجوب إرشاده وَردْعِهِ هو من شؤون إمامته وتوابعها، وهو إنّما يجب عليه، لا على الله تعالى، نعم لو خالف (وحاشاه) استحقَّ العقاب، ولا ريب إنّما يجب إذا اقتضته المصلحة، ولم يكن مانع عنه، ولعلَّ المصلَحَةَ تقتضي الإجماعَ من العلماء على الحكم الظاهريّ لا الواقعي في عصر المجمعين، ومع هذا الاحتمال لا يحصل القطع بموافقة الإجماع.

هذا، مع أنَّ اللطف إنّما يجب على اللهِ إذا لم يمنع منه المتلطف عليهم، أما مع منعهم وصدّهم عنه مع كمال عقولهم، فلا يجبُ على المتلطف فعله، بل لعله لا يَحْسُنُ فعله، فإنَّ الإكرام للإنسان حَسَنٌ، لكنْ إذا منع منه المتكرّم عليه، أو لا يمكن للمحسن أن يصل إليه وصد عنه لا يحسن، وهنا أنّ النبي  (ص)  أو الإمام قد مَنَعَا من الوصول إليهما والاستفادة منهما العبادَ، أما النبي  (ص)  فقد منع من وصوله لهم الموت، وأمّا الأئمّة بعده عند الشيعة فقد كان الإمام منهم مستتر بإمامته، لا يمكنه الوصول إليهم خوفاً على نفسه، حتّى ألجؤه إلى الاستتار بإمامته، فلا يَجبُ عليه إظهارُ نفسه خوفاً عليها، ولا إبداء رأيه مع الجهل بشَخْصِهِ، إذْ لا أثر له، ولم يعرف عند ذا فقاهته.

على أنّ اللُّطف إنّما يقتضي نَصْبَ النبيّ  (ص)  أو الإمام وأدائهم الرسالة على الوجه المتعارف، وهم أدّوا ذلك على النحو المطلوب منهم، ولا يَقْتضي اللطف أزيد من ذلك، بحيثُ يكونُ على النبيّ  (ص)  أو الإمام إرشادُ كُلِّ جاهلٍ، وَردْعِ كلُّ مشتبه، ولو بطريق السّرّ، وإلا لما وقع الاختلافُ بين الفقهاء، ولأصبح كلُّ مجتهدٍ مصيباً؛ لأنّ المعصوم بحسب ما هو عليه من القوى الخارقة للعادة يتمكن من الوصول لكلّ أَحَدٍ ويقنعه بالنحوّ الخارق للعادة، فلو كان الواجب عليه هو الرّدْعُ والإقناع ولو بالطرق الخارقة للعادة لما أفتى مجتهد بخلاف الواقع.

وأمّا حُجيّة الكبرى إنْ كانت من جهة تقرير المعصوم فتقريرُ المعصوم إنما يكونُ مَعَ حُضورِهِ ومعرفته بشخصِهِ، ولم يَكُنْ مانعٌ عَنْ رَدْعِهِ رَدْعاً بحسب المتعارف، فيكونُ ذلك كاشفاً عن رضاه ورأيه، أمّا مع تستُّرهِ وعدم تمكنه من إبراز شخصه والرّدع عن ذلك بالنّحو المتعارف، كما في زمن الغيبة عند الشيعة، فلا يكونُ عدمُ رَدْعِهِ كاشفاً عن رضاه.

وأمّا إنْ كانَ حُجِّيةُ الكبرى من جهة قوله  عليهم السلام  في المقبولة: (إنَّ المجمع عليه لا ريب فيه)([113])، فالظاهرُ إنّ المراد به الرواية المجمع عليها، كما هو محطّ نظر الرواية سؤالاً وجواباً.

وأما إنْ كانَ حُجّية الكبرى من جهة الروايات المذكورة، ففيه:

أولاً: إنّ المراد هو ردع الإمام لهم بالوجه المعتاد، بأنْ يكون بالأسباب العادية، كما هو المتبادر من إطلاقه، وهذا لا يوجد في زمن الغيبة، وأمّا في زمن الحضور، فقد عرفتَ إمكان تحقّقه، لإمكانِ العلم برأي المعصوم، وأمّا المراد بالانتفاع بالإمام عند استتاره، هو الانتفاعُ بفيوضاته القدسية، وإفاضته الروحية، كما يدلُّ عليه ما في تلك الأخبار، من أنَّ الانتفاع به وهو غائب كالانتفاع بالشمس إذا سَتَرها السَّحَابُ([114])، هذا مع احتمال أنّ المراد بهذه الأخبار هو الردع والمساعدة فيما إذا أوجب تَرْكُهُما انهدامُ الشَّرع، وكَسْرُ بيضة الإسلام، كما لو وَقَعَتْ شُبْهَةٌ في نفوس المسلمين، أو في الطائفة المحقّة منهم يخاف عليهم منها رجوعهم عن الحق، فيجب إذ ذاك على الإمام المستور ردعهم عنها، ومساعدتهم على دفعها، ولو بالوجه الغير المتعارف.

الطريق الثالث من طرق تحصيل الإجماع الذي هو حجة:

ما سلكه كثير من المتأخرين، وهو أنّ الإجماع اتفاقُ جماعةٍ يكشف حَدْساً عن رضاء المعصوم([115])، ولا فَرْقَ فيه بين كون المجمعين جميعاً من عدا الإمام، أو بعضهم، ولا بين كونهم خصوصُ العلماء، أو غيرهم، أو الملفّق منهم، ولا بين كونهم أحياءً أو أمواتاً أو الملفق منهم، ولا بَيْنَ زمن الحُضُور والغيبة، ولا بين العلم بخروج شخص الإمام عن المجمعين أو الشكّ في ذلك، نعم، يُعتبر عدم العلم بدخول شخص المعصوم فيهم، أو قوله في أقوالهم، إذ يخرج بذلك
عن هذا المسلك، ويدخل في الطريق الأول والمسلك الأول، ولا بينَ كونهم في عَصْرٍ واحد وعدمه، ولا بين وُجودِ مجهولِ النَّسَبِ فيهم وعدمه، ولا بَينَ
كَوْنُ المجمع عليه حكماً شرعياً أو غيره، إذ يمكن استظهار رأي رئيس كلّ فنّ من اتفاق آراء جماعة من أهله وصحبه، وهذا المسلك هو العمدة في الإجماع لإثبات الأحكام عند المتأخرين، لما عَرَفْتَ من عَدَمِ تحقُّق الاطّلاع عادةً على الإجماع بالطريق الأول، وعدم ثبوت الطريق الثاني، وقد عزي القول به
إلى معظم المحققين، بل قد يدعى إن مدار دعوى الإجماع في لسان المتأخرين على ذلك.

وكيف كان، فالكلام في ذلك كسابقيه، يَقَعُ تارةً في الصُّغرى، وأنَّ بهِ الكَشْفُ عن رأي المعصوم والشرع، وأخرى في الكبرى، وفي أنَّ هذا الكشف هل هو حُجَّةٌ أم لا؛ فنقول والله المستعان:

أمّا الصُّغْرَى، فالكلامُ فيها في إثباتِ إمكانِ الاستكشاف عن رضا المعصوم والمشرع ووقوعه، والإنصافُ إنَّ إمكانِ الاستكشاف مما لا ينبغي التأمل فيه؛ لأنّ أساطين العلماء الأذكياء الأتقياء مع تباين أفكارهم، وتفاوت أنظارهم، واختلاف قريحتهم، وكونهم منقطعين في معرفتهم إلى المشرع، متحرزين عن الكذب عليه، باذلين جهودهم في تحصيل الحكم الشرعي منه، إذا اتفقوا في حُكْمٍ من الأحكام على أنّه حُكْمُ الشَّرْعِ، يَحْصَلُ لنا العِلْمُ بأنَّهُ كذلك، كما نشاهِدُ ذلك بالوجدان في نفوسنا في المسائل اللغوية، والعلوم الأدبية، فإنَّ اتفاق أربابها على حُكْمٍ مسألةٍ مع ما هُمْ عليه من النّزاع في غير ذلك، يُوجِبُ العلم والقطع بحكمها اللغوي والأدبي، هذا بحسب الإمكان.

وأمّا بحسب الوقوع، فنقول: إنَّ حصولَ العلم برأي المُشرِّع من اتفاق جماعة حَدْساً، قد يقع لأحدٍ دون آخر، أو في حالٍ دون حالٍ، أو وقتٍ دون وقتٍ، ونحو ذلك، حَسْبَ اختلاف الناس في الحَدَسيّات من حيثُ قوَّةُ الذهن وعدمها، فإنَّ الحَدَسَ الذّهنيّ يختلف ضَعْفاً وقوّةً بحَسَبِ الأشخاص والظُّروف والأحوال، ألا ترى أنَّ الإنسانَ لو دَخَلَ مكاناً وفيه علماء تابعين لأبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهما، ورأى أنَّ هؤلاء العلماء في صلاتهم يقولون: آمين، أو ذكروا له: إنّ قول إمامنا وجوبُ التأمين بعد الحمد، فهل يَشُكُّ في أنَّ رأيَ إمامِهِم بخلاف ذلك؟

وبالجملة: اتّفاقُ أهل الرّجل وأصحابه وأتباعه ومقلّديه على أمرٍ يمكن أن يكشف كشفاً قطعياً عن رأي ذلك الرجل، وتحقُّقُ أمثال هذا في زماننا غير عزيز، فلو اطلعنا على معتقد زرارة([116])، ومحمد بن مسلم([117])، وليث المرادي([118])، ويونس([119])، ونحوهم من الأجلاّء لقطعنا بأنَّ هذا رأي رئيسهم([120]).

وأمّا الكبرى، فمّما لا ينبغي الإشكال فيها، إذ لا شبهة عندنا في حجية رأي الإمام، خصوصاً في مقام تبليغِ الأحكام، وأمّا احتمالُ كون رأيه من باب التقيّة، فهو يُرْجعُ إلى القَدْحِ في الصّغرى؛ لأنَّ مَحلَّ كلامِنا هو إحراز رأي الإمام الواقعي من الاتفاق والإجماع، مع أنَّ أصَالَةَ عَدَمِ التقيّةِ من الأصول المعتبرة وإن لم يكن الإجماع من جميع الفقهاء قطعياً.

ولا يخفى ما في هذا المسلك، فإنَّ غاية ما يمكن أنْ يكون المستفاد منه على سبيل القطع هو أنَّ المتفقين والمجمعين إنّما استندوا إلى دليلٍ مُعتبرٍ عندهم، ولعله غير معتبرٍ عندنا، أو إلى أصلٍ من الأصول العملية، والمقام عند التحقيق ليس بمجرى ذلك الأصل.

وكيف كان، فلا يستفادُ من الاتفاق بين الفقهاء([121]) بعد انقضاء عصر المعصوم أكثر من العلم بوجود دليلٍ معتبرٍ عندهم، أو أصلٍ صحيحٍ لديهم، وهذا لا يوجب اعتبار ذلك الدليل عندنا، ولا ذلك الأصل لدينا، ولا يستفاد منه القطع برأي الإمام، إلا للأوحدي من الفقهاء أو البسيط منهم، أو([122]) كانت سيرة العلماء الصالحين في زمانه وعند حضوره، ولذا لم تَكُنْ الشُّهْرَةُ في الفتوى حُجَّة عند أكثرِ القُدَماء والمتأخّرين، وسيجيء إنْ شاءَ اللهُ الكَلامَ في حُجيّةِ السّيرة والشهرة.

ما هو مورد الإجماع

لمّا كان اعتبار الإجماع من باب كشفه عن قول المعصوم  عليهم السلام  على ما عليه الأصحاب، يقتصر في مورده على الحكم الشرعي؛ لأن قوله ورضاه إنما يلاحظ فيما بيانه من شأن الشارع ووظيفته.

وعليه: فالاتفاق المنعقد على غير الحكم الشرعي ليس إجماعاً عندهم، وإنْ شاع عليه إطلاق الإجماع؛ نعم، هو حجّة من كلِّ أهلِ فنٍّ في مسائل ذلك الفن، كإجماع الصرفيين في المسائل الصرفية، والنحويين في النحوية، واللغويين في اللغوية، وهكذا، لا في مسائل غيره، كإجماع الفقهاء أو الأصوليين في المسألة اللغوية، كما قد وَقَعَ التمسُّكُ به من بعضهم فيها([123])، وذلك لأن أهل كل فن لهم الخبرة بفنهم، والرجوع إليهم من باب الرجوع لأهل الخبرة.

أقسام الإجماع

ثم إنّ الإجماع باعتبار القول وعدمه ينقسم إلى أقسام ثلاثة:

أحدها: الإجماع القولي، وهو صدُور الفتوى من جميع الفقهاء بالمسألة.

ثانيها: الإجماعُ العَمَليّ، وهو اتّفاقُ الفُقَهاء على القيام بالعمل بهذا النحو، كحجّهم وصومهم بهذه الكيفية، ويسمّى بالسيرة([124]).

ثالثها: الإجماعُ السُّكوتيّ، كأنْ يُفتي بَعْضُ الفقهاء بشيء أو يعمل به ويَسْكُتُ الباقونَ بعد عِلْمِهِم بالفتوى، أو العمل من ذلك المجتهد، ومضي مدة بعد العلم تصلح للفتوى منهم بخلافه، وعَدَمُ التقيّة من مخالفته، وقد ذَهَبَ لحجيّة هذا القسم أكثرُ الحنفية([125]).

وأحمد بن حنبل([126]) ومذهب المالكية([127])، وبعض الحنفية([128])، وأكثر المتكلمين، والشافعية أخيراً إلى عدم كونه إجماعاً وليس بحجة([129]).

الإجماع المحصل والإجماع المنقول

وينقسم الإجماع باعتبار تحصيله ونقله إلى قسمين:

مُحَصَّل: وهو ما حَصَّلَهُ المدّعي له بنفسه، وذلك بأنْ يطّلع على فتاوى المجتهدين واحداً واحداً، ويجدها متفقة.

ومنقولٌ: وهو ما نَقَلَهُ الغيرُ مُستَدلاًّ به على مدعاه.

حُجيّةُ الإجماع المنقول

اختلفوا في حُجيّة الإجماع المنقول بعد البناء على حجية الإجماع المحصَّل، وحُجيّة النقل بنحو التواتر أو الآحاد، ومرجع البحث عن ذلك إلى أن الإجماع المحقَّق عند المنقول عنه الذي هو أَحَدُ الأدلّة الأربعة، هل يثبت بالنقل على وجه التواتر أو الآحاد للمنقول له، بحيثُ يُعْتَمَدُ عليه كما يعتمد على الإجماع المتحقّق عنده، نظيرُ السنة في ثبوتها بالتواتر والآحاد للمنقول له، بحيث يعتمد على نقلها، كما يعتمد عليها إذا تحققت عنده، وحيث أن الإجماع إنما كانت حجيته عندنا من جهة ثبوت السنّة به بالتضمّن، كما هو طريقة المتقدمين([130])، أو بالالتزام العقلي، كما هو طريقة الشيخ([131])، أو التزام الحدسي، كما هو طريقة المتأخرين([132])، كان مرجع البحث هنا إلى أنّ خبر الواحد بعد ثبوت السنة الصّريحة به، هَلْ يَثْبُتُ بهِ السُنَّةُ المدلولِ عليها بالتضمُّنِ أو بالالتزام أو بالحدس أو لا.

فالقائلُ بحجيّةِ الإجماع المنقول، إنّما يقولُ به من جهةِ حُجيَّةِ الخبر الواحد عنده، لشمول أدلّة الخبر الواحد في نَظَرِهِ لنقل الواحد للإجماع، ولذا تجيء أقسامُ نقلِ الخَبرَ الواحد، في نقل الواحد للإجماع، وتَلْحَقُها ما يلحقها من الأحكام من الصحة والضعف وغيرها.

وإن شئت قلت: إنّه لا دليل عندهم لحجية نقل الإجماع بالخصوص إلا أدلة حُجيّة الخبر الواحد، فلابدّ من إثبات شمولها لنقل الإجماع، وإلاّ فهو ليس بحجة.

والتحقيق: أنه ليس بحجة؛ لأنَّ مستندَ علم الناقل للإجماع بقولِ الإمام، تارةً:

يكون بالحسّ، بأنْ سمع قول الإمام في جملة أقوال جماعة لا يعرف أعيانهم، كما عليه طريقَةُ القدماء في الإجماع، فقد تقدَّم أنه عزيز الوجود، بل هو مفقود في حَقِّ هؤلاء الناقلين له، كالشيخين([133]) والسيدين([134]) وغيرهما من قدماء العلماء، فإنَّ الظاهر أنَّ نقله الإجماع من القدماء لم يكن في عصر ظهور المعصومين  عليهم السلام .

وأخرى بقاعدة اللطف، كما عن الشيخ  قدس سره، وقد عَرَفْتَ عدم نهوضها للكشف عن قول الإمام  عليهم السلام ، وإنّ نقل([135]) إجماعات الشيخ كانت مستندة إلى ذلك.

وثالثة بالحَدَس، كما عليه المتأخّرون، وقد عَرَفْتَ أنَّ اتفاق جماعة ليس من المبادئ التي توجب العلم بقولِ المعصوم والشارع لكل أحد، فلعلها مما لا توجب العلم المذكور للمنقول إليه، بل قد عَرَفْتَ فيها بحيث لو حَصَلَ لنا لحصل منه العلم لنا عادةً، وإنّما هي مُوجبةٌ للحَدَس بوجودِ دليلٍ مُعْتَبَرٍ عند المنقول عنه الإجماع، ولا يلزم من اعتباره عند المنقول إليه.

ولو سُلِّم حصول العلم بذلك من اتفاق جميع العلماء، فقد تقدّم منعُ إمكانِ تحصيل الاتفاق عادة فيما بعد زمان وجود النبي  (ص) ، عند أهل السنة([136])، وبَعْدَ زمانِ الغَيبة عند الشيعة؛ فلابُدَّ من حَمْلِ الإجماعات المنقولَةِ الواقعة في كلماتهم في هذه الأزمنة على إرادة القسمين الأخيرين؛ صوناً لكلامهم عن الكذب، لا تصحيحاً للاعتماد على منقولاتهم([137]).

ومن هذا ظهر لك حال الإجمـاع المنقول بنحو التواتر؛ لأن المنقول بالتواتر:

إنْ كان هو الإجماع على مسلك القدماء فهو وإنْ كان أمراً حِسّياً يمكن وقوعُ التواتُرُ فيهِ، إلاّ أنّ الكَلامَ في أَصْلِ تحقُّقِ الإجماع على طَريقَةِ القُدَماء، لما عرفتَ من امتناع الاطّلاعِ عليه عادَةً، فَضْلاً عن نَقْلِهِ بتواترٍ أو آحاد([138]).

وإنْ كان على مَسْلَك الشّيخ فقد تقدَّم عَدَمُ صِحّتِهِ عندنا.

وإنْ كانَ على مسلك المتأخرين فكذلك؛ لأنَّ معرفة قول الشارع منه حدسياً لا علمياً([139]).

ومن هنا تعرف أنّ نقل تواتر الخبر ليس بحُجّة، ولو قُلنا بحجّية خبر الواحد؛ لأنَّ التواتر صفةٌ قائمة في الخبر تَحْصَلُ من إخبار جَمَاعَةٍ تُفيدُ العِلْمَ بصحَّةِ الخبر للمخبر به، وحُصُولُ العِلْمِ بالتّواتر للنّاقل من اللوازم التي تختلف باختلاف الحالات والنفسيات والظروف والأحوال، فحصولُ التواتر لشخصٍ لا يوجب حُصولَهُ لآخر، حتَّى لو علمنا عِلْمَ اليقينِ بأنَّه قد تواتَرَ عندَهْ، فكيف بالخبر الواحد.

الإجماع القولي والإجماع السكوتي

وباعتبار انقسام الإجماع إلى اتّفاق أقوالِ العلماء، وإلى قولِ بعضهم وسكوت الآخر، ينقسم الإجماع إلى إجماع قولي، وإجماع سكوتي، وقد يُسمَّى بعدم الخلاف.

فالإجماعُ القولي: هو عبارةٌ عن تصريح العلماء بحُكْمٍ واحدٍ متَّفقين عليه.

والإجماعُ السّكوتي: عبارةٌ عن حُكْمِ بَعْضِ المجتهدين بشيءٍ اطّلَعَ عليه الباقون فسكَتُوا، وهو ليسَ بحجّةٍ عندنا؛ لما عَرَفْتَ أنَّ الإجماعَ المعتبر هو الاتفاق الكاشف، ومن الظاهر أنَّ السُّكوتَ أعمُّ من الاتفاق، لاحتمالِ أنَّ السّكوت كان لأجل التوقّف، أو لمهلةِ النظر، أو لتجديده، أو لأجل التقية في الإنكار.

وأما عند أهل السنة؛ فلما عَرَفْتَ من أنَّ الإجماع عندهم هو الاتفاق والسُّكُوتُ أعمُّ منه.

انقسامُ الإجماع إلى لفظي ولبّي

وباعتبار اتّفاق المجتهدين في الفتوى لفظاً ومعنىً، كما لو قالوا بمقالة واحدة: (إنّ الكلب نجس)، أو عدم اتفاقهم في اللفظ، بل كُلٌّ عَبَّرَ بتعبيرٍ خاص، مع الاتفاق في المعنى، ينقسم الإجماع إلى لفظي ولبي.

فما كان من القسم الأول، يسمّى باللفظي، وتجري في معقده القواعد اللفظية من العموم، والإطلاق، والتقييد، والانصراف، وعدمه.

وعليه: قد يكونُ الإجماعُ ظنّياً، إذا كانَ اللّفظ ظنّيَّ الدّلالةِ، وإنْ كانَ قطعيَّ السَنَد، كما في ظواهر الكتاب والخبر المتواتر.

وما كانَ من القسم الثاني يُسَمَّى باللّبي؛ لأنّ المعلوم ثبوته هو المضمون الجامع بين الألفاظ، فليسَ يَجْري فيه القواعدُ اللفظية، ويكون كالخبر المتواتر المعنوي، فيؤخذ بالقدر المتيقن.

انقسام الإجماع إلـى بسيط ومركب

وَينْقَسِمُ الإجماعُ باعتبار تحقُّقِهِ إلى بسيط ومركَّبْ.

فالبسيطُ: هو اتّفاقُ الفقهاء على حُكْمٍ واحدٍ في المسألة.

والمركَّبُ: هو الاتّفاقُ الكَاشِفُ عَنْ نفي القَوْلِ الثالث في مسألة أو مسألتين يوجد بينهما قدرٌ جامع كلي، أو مسألتين لا يوجد بينهما قدر مشترك، فالإجماع المركّب على أقسام ثلاثة:

فمن أمثلة قسمه الأول: انحصارُ القولِ بينَ الأصحاب في وجوب السجدة لقراءةِ العزيمة في أثناء الصّلاة وحرمتها، فبَعْضُهم مَنْ قالَ بوجوبها([140])، وبَعْضُهُم من قال بحُرْمَتِها([141])، فالقولُ بالاستحباب أو الكراهَةِ مُوجِبٌ للحُكْمِ بخلافهما، وخرقٌ للإجماع المركب.

ومنها: قولُ بَعْضٍ باستحباب الجهر بالقراءة في ظُهْرِ الجمعة، وقولٌ
آخر بحرمته، فالقول بوجوبه إحداثٌ لقولٍ خارجٍ عنهما خارِقٌ للإجماع المركَّب.

ومنها: أنَّ المشتري الواطئ للأمة الواجدِ فيها عيباً ممنوعٌ من الرّدّ، على قولٍ، ويجوزُ الرّدُّ مع الأرشِ على قولٍ آخر، فالقولُ بالردِّ مجّاناً إحداثٌ لقولٍ ثالث خارج عنهما خارق للإجماع المركب.

ومن أمثلة القسم الثاني: إنّ بعض الأصحاب قال بوجوبِ الغسل لوطء الدُّبُرِ مطلقاً([142])، وقال آخرونَ بعدم وجوبه له كذلك([143])، فالقولُ بوجوبه في دُبْرِ الرَّجُلِ دون المرأة خَرْقٌ للإجماعِ المركَّبِ من غيرِ إحداثٍ لحُكْمٍ زائدٍ خارج عن الأوّلين، كما كانَ كَذَلِكَ في الأمثلة السابقة.

ومنها: إنّ للأصْحابِ قولاً بفسخ النكاح لكلِّ واحدٍ من العيوب([144])، وقولاً آخر بعدمه في كلِّ العيوب([145])، فاختيار الفسخ في بعض العيوب دون بعض خرق للإجماع المركب كسابقه من المثال.

ويسمّى هذا القسم الثاني قولاً بالفصل أيضاً حيثُ وجود القدر الجامع بين المسألتين وهو الدبر والعيب في المثالين.

ومن أمثلة القسم الثالث: قولُ بَعْضِهِمْ بأنَّ المسلم لا يُقْتَلُ بالذمّي، ولا يَصِحُّ بيعُ الغائب، وقولُ بعضهم بقتلِهِ بهِ، وبصحّةِ بيعِ الغائب، فالقول بالقتل وعدم صحة بيع الغائب أو العكس خرقٌ للإجماع المرَّكب، وقولٌ بالفصل.

ومنها: قولُ بَعْضٍ بوجوبِ غَسْلِ الجمعة([146])، ووجوب صلاة الجمعة عيناً([147])، وقولٌ باستحباب الغسل([148]) ووجوب صلاة الجمعة تخييراً بينها وبين صلاة الظهر([149])، فالقول باستحباب الغسل والوجوب العيني لصلاة الجمعة قولٌ بالفصل وخرق للإجماع المركّب.

وبهذا ظهر لك أنّ اعتبار البساطة والتركيب في الإجماع باعتبار منشأ الإجماع، لا في معقده؛ لأنّ معقده في كلا القسمين واحد، فإنَّ البسيط هو الحكم الشرعيّ الواحد، وفي المركَّب هو نفيُ القول الثالث، وأيّما كان التركيبُ في منشأ الإجماع، فإنّه في البسيط كانَ الاتّفاقُ على قولٍ واحد، وفي المرَّكب هو اتّفاقُ بَعْضِ الفُقَهَاءِ على أحدِ القولين، والبَعْضُ الآخر على القول الآخر.

كما ظَهَرَ لكَ الفَرْقُ بينَ خَرْق الإجماع، والقول بالفصل، وأنَّ المناط في خرق الإجماع هو مخالفة الاتفاق، والمناطُ في القول بالفصل هو التفصيل بين موارد الحكم الذي لم يفصّل بينها الفقهاء، فيكونُ بينهما بحسب التحقق عموم من وجه؛ لأنه قد يجتمع خرق الإجماع المركب مع القول بالفصل، كمسألة
وطء الدبر والفسخ بالعيوب، وقد يوجد الأول فقط، كمسألة الجهر في ظهر الجمعة، وقد يكون بالعكس كالقول المقابل للإجماعين البسيطين، كما لو أجمعوا على غسل الثوب من البول، وأجمعوا على وجوب غسله من الروث، فالقول بوجوب غسله من أحدهما دون الآخر قولٌ بالتفصيل، وهو ظاهر، وليس إجماعاً مركباً؛ لأن المناط في الإجماع المركب اختلاف الحكمين وهو مفقود.

والحاصل: إنَّ المناطَ في خرق الإجماع المركَّب هو القولُ المقابل للقولين، أعمُّ من أنْ يكونَ بالنسبة إلى مسألةٍ أو مسألتين، ومَنَاطُ القَولِ بالفَصْلِ التّفْصيلُ بينَ موارد الحكم، أعمُّ من كون تلك الموارد متحدة الحكم أو مختلفة الحكم، فيصيرُ كُلُّ أعمُّ من الآخرِ من جِهَةٍ.

إذا عَرَفْتَ ذلك، فنقولُ: إنَّ خَرْقَ الإجماع المركَّب أو القول بالفصل لا يجوز عند الأصحاب؛ لأنّه إذا أحرز أنَّ المعصوم مع أحَدِ القولين كانَ القول بالفصل وخرق الإجماع مخالفةً قطعيةً للمعصوم، فإذا أثبتنا نجاسَةَ القليل بالملاقاة للعَذَرَةِ بدليلٍ معتبر، فيتمسّك في القول بنجاسته بسائرِ النّجاسات بالإجماع المركَّب، إذ القائلونَ بالنَّجاسَةِ والطَّهارة لا يفرّقون بين الموارد.

نعم، يُستثنى من ذلك ما إذا كان القولُ الثالثُ موافِقاً للاحتياط، أو كان وَجْهُ صُدورِ قَوْلِ المعصوم موافقاً لأَحَدِهما على وجهِ التقية، أو كانَ على وجه ضَرْبِ القاعدة العامّة، فإنّها قابِلَةٌ للتَّخصيص، لكنّ تصوّرَ الأخيرين في الإجماع المركَّب في غايَةِ التعسُّفِ، وغايةِ النُّدْرَة في التحقق.

ثمّ إنّ استكشافَ قَوْلِ المعصوم أو رضاه من الإجماع المركَّب على طريقة القدماء، وعلى طريقة الشيخ في غاية الوضوح، لكونِ قولِ الإمام مع أحد الطائفتين ضِمْناً، لكونِهِ أحد علماء الأمة، أو لكونِ قاعدة اللطف تقتضي عدم إخفائه للحقّ، فلابُدّ أنْ يكونَ مع أحدهما.

وأمّا على طريق المتأخّرين من استكشافِ قولِ([150]) الإمام من اتّفاق جَمَاعَةٍ لم يَكُنْ الإمامُ مَعَهُم كما في زمان الغيبة، فقد يقال: إنّه مشكل؛ لأنّ مدار هذه الطريقة - كما مَرَّ- على الحَدَس، والقَدْرُ المسلّم من حصولِ الحَدَس، هو صُورة اتفاق أصحاب الشخص على قولٍ واحدٍ في حدسِ رأيِ ذلك الشخص، لا ما إذا اختلف أصحابه، فإنّه لا يحصل الحدس لرأيه لقوّةِ احتمال خفائه عليهما، كما قَدْ خَفِيَ على أحدهما قطعاً.

والحاصل: إنّ محلَّ كلامنا هو الإجماعُ المركَّب الذي يعلم أنَّ رأي المعصوم مع أحد شطريه، بانضمامِهِ إلى أحدِ الطائفتين، أو بقاعدة اللطف، أو بالحدس، لو فرض حصوله، فإنّه لا يجوزُ خَرْقُهُ والقول بالفصل، للزوم المخالفة
القطعية للإمام.

إنْ قلتَ: إنَّ خَرْقَ الإجماع المركّب، والقولُ بالفَصْلِ، كما فيه مخالَفَةٌ قطعية للمعصوم فيه موافقةٌ قطعيةٌ للمعصوم؛ لأنَّ الإمام قائلٌ بأحد القولين، واختيارُ التفصيل يستلْزِمُ القَطْعَ بالموافَقَةِ والمخالفة للمعصوم معاً، ولا دليل على لزوم اجتناب المخالفة، حتّى في صُورَةِ القطع بالموافقة اللازمة له، فالأصلُ يقتضي جَوَازَ الخرق، لِعَدَمِ الدّليلِ على حرمته.

قلنا: إنّ بناءَ العُقلاءِ على لزوم اجتنابِ الموافقة اللازمة للمخالفة، ويختارون ما يحتمل الموافقة دون المخالفة، بالأخذ بأحد القولين؛ لأنَّ الضَّرَرَ المحتمل مُقدَّمٌ على مقطوع الضَّرَرِ عنده، هذا عند الشّيعة؛ أمّا عند أهْلِ السُّنَّةِ، فالمحققون منهم وافقونا على عدم جواز الخرق للإجماع المركّب؛ وينسب لبعضهم الجواز مطلقاً([151])، ولعلَّ الحَقّ مَعَهُ لأنَّ الأدلّة التي عندهم إنّما عَبَّدَتُهم باتّفاق الأمة على المسألة وهي لا تَشْمَلُ صُورَةَ اختلافِ الأمة.

لكنْ يُمكِنُ أنْ يُرَدَّ ذلك، بأنَّ الإجماعَ المرَّكبَ كالإجماع البسيط، في أنَّ الاتّفاق في الإجماعِ المركَّبِ على شيءٍ واحد، وهو عَدَمُ القَولُ الثالث؛ لأنَّ كُلاً من الفريقين ينفي القول الثالث.

وظيفَةُ المجتهد لو قَامَ عندَهُ الإجماعُ المركَّب

لا يخفى أنّا لو كُنّا نَعْلَمُ بعَدَمِ خروجِ قولِ المعصوم والمشرّع من أحد القولين، وأنّ رأيه مع إحدى الطائفتين، فلا يجوزُ معه طَرْحُ القولين وإحداثُ قول ثالث، للزومِ طرح قولِ المعصوم والمشرّع.

وعليه فالمجتهدُ أمّا أن يجد على أحد القولين دليلاً اجتهادياً معتبراً فيكون هو المتبع؛ لأنّ الإجماعَ المركَّب:

إنْ كان في مسألةٍ واحدةٍ غير قابلة للفصل، كمسألة صلاة الجمعة، كان المستند هو الدليل المفروض، إذ ليس فيه خَرْقٌ للإجماع، من دون حاجة إلى انضمام الإجماع إليه.

وإن كان في مسألةٍ كلّيةٍ قابلةٍ للفصل:

فإنْ كان ذلك الدليل دَلَّ على تمام أحد القولين، كان هو المستند، من دون حاجة في تتميم الاستدلال إلى انضمام الإجماع المركَّب إليه، كما لو قام الدليلُ في مسألة وطء الدبر على وجوب الغسل لوطئ الدبر مطلقاً، سواء كان دُبْرُ المرأة أو الرجل.

وإنْ كان بحيث ساعَدَ على بعضٍ أحدُ القولين في إحدى المسألتين ويقال له أحد شطري الإجماع المركب فلا إشكالَ في جواز الاستناد إلى الإجماع المركب في ترجيح ذلك القول، لثبوت الملازمة بين الشطرين به، ومرجع الاستدلال بهما حينئذ إثباتُ الملزوم بالدّليل المفروض، وإحرازُ الملازمة بالإجماع المركب، فالدليل المفروض له مدلولٌ مطابقيٌّ في موضوعه، ومدلولٌ التزامي شرعيّ، وهو مثل هذا الحكم في البعض الآخر، ولمّا كانت الملازمة لابُدّ لها من دليل، فالدليلُ عليها الإجماع المركب، وعدم القول بالفصل.

فلو اختلفت الأمّةُ في مسألة كون مسير أربعة فراسخ موجباً لتقصير الصلاة وإفطار الصّوم مثلاً على قولين، مع الاتفاق على أنْ لا فَصْلَ بين المسألتين، ووردتْ روايةٌ في إحدى المسألتين خاصّة، كما لو فُرِضَ وَرَوِّدُ قوله: (قصِّر صلاتك بأربعة فراسخ) مثلاً، كان ذلك مورداً للاستدلال بالإجماع المركب، وعدم القول بالفصل، فيقال: يجب التقصير في الصَّلاة للرّواية، وكذلك الإفطار في الصوم، للملازمة الثابتة بالإجماع المركب، وعدم القول بالفصل، إذ كُلُّ مَنْ قال بوجوب التقصير، قال بوجوب الإفطار([152])، وكُلُّ مَنْ قال بعدم وجوب الإفطار، قال بعدم وجوب التقصير([153]).

وبالجملة: الرواية المفروضة تدلُّ بالمطابقة على وجوب التقصير، وبالملازمة الشرعيّة على وجوب الإفطار، ودليلُ الملازمة الإجماعُ المركّب، ولو وردت رواية تدلُّ على حرمة الإفطار ينعكس الأمر، ولو وردتا معاً، يقع التعارض بينهما بواسطة الإجماع المركّب، لوضوح ثبوت الملازمة بسببه بين الطرفين في كُلٍّ من الإثبات والنفي، فلابُدّ حينئذٍ من العلاج بترجيح أحدهما على الآخر، ومع عَدَمِ المرجّح، فالتخييرُ بينهما ابتداءاً لا استمراراً، حَذَرَاً من المخالفة القطعية لحكم المشرّّع الذي أُحْرِزَ وجوده مع أحدهما.

وتحقيق الحال يطلب مما حَرَّرناهُ في كتابنا النُّورُ السَّاطع في وظيفة المجتهد عند تعارض الروايتين أو العلم بأحد الحكمين([154]).

أمّا لو كانَ مع أحدِ القولين أصلٌ حاكمٌ، أو واردٌ على الأصل الموجود في الآخر، فالأَصْلُ الجاري في السَّبب يُقَدَّمُ على الأصل في المسبَّب، كما لو فرض كُلُّ مَنْ قال بانفعالِ الماء القليل يقول بالنجاسة للملاقي له، وكُلُّ مَنْ قال بَعَدمِه قال بالطَّهارَةِ للمُلاقي له، فالقولُ بطهارَةِ الماء القَليل وبقاء نجاسة الملاقي له، خرق للإجماع، لكنّ استصحابَ طَهَارَةِ الماءِ بَعْدَ الملاقاةِ حاكمٌ على استصحابِ نَجَاسَةِ المُلاقي لَهُ.

ولو كانَ الأصلانِ في الجانبين في درجة واحدة:

فإنْ أمْكَنَ العَمَلُ بهما من دُونِ مخالفةٍ قطعية -كأصالة البراءة النافية لوجوب الصوم ووجوب التقصير- عُمِلَ بهما؛ إذ لا محذور.

وإنْ لم يمكن، بأنْ كانَ إعمالُ الأصلين كُلٌّ في موردِهِ موجبٌ للقولِ بالفصل، وهو مخالَفَةٌ قطعيةٌ لحكم المعصوم والمشرع.

إنْ قلتَ: إنّ الإجماع المركّب إنّما يقتضي الملازمة بين الحكمين في الواقع، لا في الحكم الظاهري، فإنُّ كلاًّ من شطري الإجماع ناظرٌ للواقع، والقول بالفصل كان من جهة الأصل، فيكون تفصيلاً في الظاهر، وتجوزُ المخالفة القطعية في الحكم الظاهري للواقعي؛ لأنّ الأحكامَ الظَّاهريَّةَ مجعولةٌ للأشياءِ في مرتبة الجهل بها، وهي غيرُ مرتبة الواقع، ألا ترى أنَّهُم يحكمونَ بتنصيف العين بين اثنين ادّعياها ولا يَدَ لهما، أو لَهُما يدٌ عليها، ويرتّبون أحكام الزوجية على المقرِّ من الزوجين دون الآخر، وتخييرُ المقلِّد استمراراً بين الأخذ من المجتهدين المختلفين، فيقلَّد في جمعة أحدهما في وجوب الجمعة، والآخر في الجمعة الأخرى في حرمتها.

قلنا: ما ذَكَرتْهُ من الأمثلة إنّما هو في الموضوعات، وكلامُنا في الأحكام، ولَعَلَّ مَنْ جَوّز ذلك في الموضوعاتِ لتنزيل حُكْمِهِم فيها على الخروج الموضوعيّ، ولو بمقتضى الأصل الموضوعيّ، فلا يسري التجويز في الأحكام؛ مضافاً إلى أنّا لا نسلّمُ ذلك مطلقاً، لا في الموضوعات ولا الأحكام؛ لأنَّ العَقْلَ حاكمٌ بحرمَةِ المخالَفَةِ القطعيّة للواقع، حتَّى مَعَ موافَقَةِ الحُكْمِ الظاهري من دون فَرْقٍ بينَ الموضوعات والأحكام، لعمومِ الأدلة الدالة على حرمة المخالفة القطعية للحكم الواقعي المعلوم ولو بالإجمال، هذا كُلُّهُ على مسلكِ من يقول بحرمَةِ المخالَفة القطعيّة([155])، وأمّا مَنْ لَمْ يَقُلْ بها فيجوزُ ذلك عنده([156])، وسيجيء إن شاء الله منّا تحقيق ذلك في أصالة الاشتغال.

 

 

 

المَصْدَر الثَّالِثْ
السُّنَّةُ والحَديثُ والخَبَر
ْ

وهي في اللُّغَةِ: الطَّريقَةِ([157]).

وعند عُلماءِ الحَديث وأهلِ السِّير والتّاريخ هو كُلُّ ما يتعلَّقُ بالرَّسول  (ص)  من سيرة، وخلق، وأخبار، وأقوالٍ، وأفعال، سواء أثبتت حكماً شرعياً أمْ لا([158]).

والسّنة عند الفُقَهاءُ: العِلْمُ الواقع من المعصوم  عليهم السلام ، ولم يكن فرضاً واجباً([159])، وأوضحنا ذلك في كتابنا الأحكام([160]).

وعندَ عُلَمَاءِ أصولِ الفقه([161]): هي قولُ المعصوم لفظاً، أو كتابةً، أو إشارة، أو فعله إذا لم يعلم أنَّهُ من خصائصه، كالزّواج بأكثر من أربعة، أو تركه، كما لو ترك  (ص)  القنوت في صلاة الصبح، فإنَّ تركَهُ  (ص)  دليلٌ على عَدَمِ وجوبه، أو تقريرِهِ لما يصدر عن غيره بسكوتٍ أو موافقة، أو استحسانٍ، مع تمكُّنِهِ من الرَّدْع.

فالأول: يُسمَّى بالسنُّة القولية، كالأحاديث التي تلفَّظَ بها الرسول  (ص) ، مثل قوله  (ص) : (الأعمال بالنيات)([162])، (ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام)([163]).

والثاني: يُسمَّى بالسُّنَّةِ الفعلية، وهيَ الأفعالُ التي صَدَرَتْ من المعصوم، يُقْصَدُ بها بيانُ التّشريع، كصلاته ووضوئه.

والثالث: يسمّى بالسنة التّركيّة، ويمكن أنْ تلحق بالسنة الفعلية، باعتبار أن الترك يؤول إلى الكفّ، وهو فعل.

والرابع: يُسمَّى بالسنّة التقريرية، وهي أنْ يستحسن، أو يوافق، أو يسكت المعصوم عن إنكارِ فِعْلٍ، أو تركِهِ، أو قولٍ صَدَرَ في حُضُورِهِ، أو في غَيبتِهِ، وعلم به، ولم يَرْدَعْ عنه.

ولا إشكالَ في حُجّيةِ السُّنَّةِ؛ لأنّها صادرَةٌ عن المعصوم عن الخطأ، وقد قام الإجماعُ، وضرورةُ الدّين على حُجّيتها، وإنّما وَقَعَ النزاعُ في مصاديقها، ففقهاء السُّنّة يرونَ المعصوم هو خُصوص النبيّ  (ص) ([164])، والشيعة الإمامية يرونَ أنَّ
النبي  (ص)  والأئمّة الإثني عَشَرَ من بعده وسيّدَةُ النساء فاطمةُ الزهراء بنت رسول الله  (ص)  كُلُّهُم معصومون من الخطأ والغلط في بيان الأحكام الشرعية([165])، هذا هو المعروف في معنى السنة.

وقد تُطْلَقُ السُّنّة على ذلك، وعلى الحاكي عن تلك الأمور، فيكونُ معناها أعمُّ من المعنى الأول.

والحديثُ لغة: الخبر([166])، واصطلاحاً: ما يحكي السنة من قول المعصوم أو فعله أو تركه أو تقريره([167]).

والنسبة بين السّنة والحديث عمومٌ من وجه:

يجتمعان فيما لو نقل النبي  (ص)  قولُ نفسه، بأنْ قال: لَقَدْ قلتُ لا ضَرَرَ ولا ضرار، وكما لو نقل أحدُ الأئمّة عليهم السلام عن النبيّ  (ص)  أو عن إمام آخر قوله أو فعله أو تقريره، فإنّه من حيث أنّه قوله  (ص)  يكون سنّة، ومن حيثُ أنّه حاكٍ عن النبيّ (ص)  أو عن إمامٍ آخر معصومٌ يكونُ حديثاً.

وأمّا مَادَةُ الافتراق، كقول الصحابي: إنّ المعصوم فَعَلَ كذا، فإنّّه حديثٌ ناقلٌ للسنّة كما أنّ نفس قول المعصوم وفعله سنّة وليس بحديثٍ.

وكيف كان، فإذا قيل: جاءَ في الحديث كذا، وجاءَ في السُّنّة خلافَهُ، فالمراد بالحديثِ هو الحاكي عن السنة بالسنة، وهو المعنى الأول، وهذا الكلام يقال عندما يثبتُ عند القائل بأنَ قولَ المعصومِ أو فعلُهُ أو تقريرُهُ خِلافُ ما دَلَّ عليه الحديث، وعند ذا إنْ أمكن الجمع والتوفيق بينهما جُمِعَ بينهما، وإلاّ أخذ بالراجح، وإلاّ تساقطا، كما هو مذكورٌ في باب التعارض.

وإذا أطلقوا متن الحديث فمرادهم خصوصُ اللّفظ الحاكي للسنّة، وإذا أطلقوا سَنَدَ الحديث، فمرادُهُم طريقُ متن الحديث، أعني: جملة رواته، وإذا أطلقوا الإسناد فمرادهم رفع الحديث لقائله.

والخبر مرادفٌ للحديثِ لُغَةً واصطلاحاً، فإنَّ كليهما في اللّغة بمعنى الإعلام، وكُلٌّ منهما في الاصطلاح ما يحكي عن السنة.

المقام الأول: في نفس السنة

ثمّ إنَّ الكلام في السنَّةِ يَقَعُ في مقامين:

الأوّلُ: في نفس السنة.

والثاني: في نقلها والحكاية لها.

أما المقام الأول: فقد عَرَفْتَ أنَّ نفس السُّنّة عبارةٌ عن القول والفعل والترك والتقرير.

أمّا القولُ الصَّادِرُ من المعصوم، فلا إشكال في حُجَّيتِهِ ووجوبِ العمل بمؤدّاهُ، لمكان عِصْمَةِ قائلِهِ عَنْ الخطأ في كُلِّ ما أخبر به عن الواقع، فيكون ما أخبر به حُجَّة على الواقع، ويَجبُ العَمَلُ بمؤدّاه والأخذ بظاهرِهِ، كما هو الحال عند أهل المحاورات، حيثُ يعملون بالقول بظاهره حَسْبَ ما تقتضيه الأصول اللفظية في مقام المخاطبة، وإنّما لا يلتفتون ولا يدركون الأصول اللفظية، لما هو مركوز في أذهانهم، ومودوع في خزانة أفكارِهِم، من الأصول اللفظية، لكنَّ وجوبَ العَمَلِ بقولِ المعصوم  عليهم السلام  مشروطٌ بشرطين:

الأول: أنْ يكونَ جهةَ صدورِهِِ هو بيانُ الحكم الواقعي، لا لجهةٍ أخرى، من تقيّةٍ أو غيرها من مصالح إظهار غير الواقع بصورة الواقع، ومع الشكَّ فالأصل أنّه لبيانِ الواقع، وهذا الأصلُ عليه بناءُ العقلاء في محاوراتهم.

والثاني: أنْ يكونَ بعد الفحص عن عدم المعارض، وعدم المخصِّصِ والمقيِّد له، وعَدَمُ القرينة الحالية والمقالية.

وأمَّا الفِعْلُ أو التَّرْكُ الصَّادِرُ من المعصوم، فهو حُجَّةٌ يجب العمل به؛ لمكان عصمة الفاعل عن الخطأ في فعله الذي طلبه الشارع في الواقع، وعصمة التارك في تركه الذي أراده الشارع في الواقع، وأمّا كون هذا الفعل أو الترك حجة على المكلّف بدليلِ اشتراك المكلّف مع المعصوم في التكليف، ولا ريبَ أنَّ الفعل من المعصوم يكونُ دليلاً على الحكم، إذا كان الفعل الصّادِرُ من المعصوم بياناً لمجمل ما أمر به، وهكذا الترك الصّادر منه إذا كان بياناً لما نهى عنه.

فإذا أمر المعصوم بشيء، ثمَّ اشتغل بفعل ذلك الشيء، بحيثُ يُعْلَمُ كونه بياناً منه له عبادياً كالصّلاة، أو معامَلياً كالغَسْل (بالفتح)، فالواجب على المكلّف هو متابعة المعصوم في فعله لذلك الشيء في جميع ما علم مدخليّته في البيان، وعدم وجوبه فيما علم بعدم مدخليّتِهِ في البيان.

وأمّا المشكوك مدخليّتُهُ في بيان الفعل، فإنْ كان عَمَلاً، كما لو قَنَتَ المعصومُ في الصّلاة، ولم يُعْلَمْ أنَّ القنوتَ داخلٌ فيها، فمُقتضى وقوعِهِ في العمل الذي هو البيانُ هو وجوبه؛ لأنَّ وقوعَهُ في مقامِ البيان يقتضي أنّه من البيان لما هو مطلوبٌ في العمل من الأجزاء.

وأما إنْ كانَ هيئَةً للعَمَل وخصوصيةً له كالتّوالي بين أجزاء الوضوء والغسل، أو الابتداء من الأعلى في غسل الوجه، فالظَّاهِرُ عَدَمُ اعتباره، لكون الهيئة والخصوصية من لوازم العَمَل، فهو لابُدَّ أنْ يقع على نحوٍ من أنحائها، فلا يراه العرفُ بياناً للعمل، ولذا تراهم لا يعتنون بخصوصيّات الأفعال بتمامها، بل لا يمكن الإحاطةُ بها وإحصاؤها للمكلّفين، فلو أرادَها الشّارعُ كانَ عليه البيان لها.

كما أنّه لا ريب في عدم حجيّة فعل المعصوم ما إذا عُلِمَ اختصاصُهُ به، كما في خصائص النبي  (ص) ، كزواجه زواجاً دائمياً بأكثر من أربعة، وكذا إذا كان الفعلُ من العادات، ومن مقتضيات الطبيعة، كالأكل، والشرب، والنوم، ونحوها مما كان صُدورُهُ من الإنسان بحَسَبِ طبعه وعادته، فإنّه لم يكن دليلاً على الحكم الشرعي.

نعم إنما يدلُّ على إباحَتِهِ، كما يُستَدَلُّ على جواز القبلة من الصائم بما روي عن فعلِ النبي  (ص)  ذلك([168])، وهكذا التروك، كتركه للنوم صباحاً.

وقد يدلّ على استحباب نوعٍ خاصٍّ منها أو كراهَتِهِ، فيما لو دَلَّ على محبوبيّةِ العَمَلِ الخاصّ بهذه الكيفيّة أو كراهته بكيفية خاصة.

إنْ قلتَ: قد اشتَهَرَ، أنَّ المعصومين لا يَصْدُرُ منهم المباح، وإنَّ أفعالُهُم كُلَّها مستحبّة ومندوبة.

قلنا: إنّ مرادهم بما اشتهر هو أنَّ المعصومين لا يأتون بالمباحات الذاتية إلا بعد قصد عنوانٍ فيها يُوجِبُ رُجحانها، كإجابةِ المؤمنِ، أو تَعْظيمه، أو القوة على العبادة، فالحُكْمُ برُجْحَانِ الإتيانِ لا يُنافي الإباحَةَ الذاتية، ومع احتمال الإباحَةِ الذَّاتية لا دَليلَ في الفِعْلِ على الرجحان.

وهكذا لا يَكونُ الفعِلُ حُجَّةً إذا لم يكن بداعي بيان الحكم الواقعي، كأن يكون لأجلِ التقية ونحوها من مصالح إظهار غير الواقع بصورة الواقع.

نعم الذي هو حجة يستكشف به الحكم الشرعي لنظائر الواقعة، هو الفعل الذي قصد به بيانُ العَمَل المطلوب، مع العلم بجهة صُدوره، وإنّه لبيان الحكم الواقعي، لا أنه عَمَلٌ صَدَرَ من جهة التقيّة ونحوها مما يُوجبُ إبراز غير الواقع بصورة الواقع، والعلم بوجهه من الوجوب، أو الاستحباب، أو الإباحة، وعنوانه، فإنه يكون حجّة على ما دَلَّ عليه من متعلّق الحكم الشرعي، فإنَّ الفعل إذا لم يعرف جهة صدوره ولا وجهه عن وُجوبٍ ونحوه لا يُستَفَادُ منه معرفة متعلق حكماً شرعياً، وهكذا إذا لم يعرف العنوان الذي قصد منه، لا يستفاد منه ذلك، لما هو على طبقه ونظائره، ولا نأخذُهُ دليلاً على مَعْرِفَةِ حُكْمٍ ما شابهه، ولو علمنا بأنه صدر منه على جهة التشريع.

فإذا صدر من المعصوم فعل شيء كالتمشّي في المسجد بعد الصّلاة، ولم نعلم أنّه على جهة التشريع، بأنْ احتملنا أنَّهُ من جهة الالتذاذ، أو لرؤية بعض الناس، أو لتنشيط الأعضاء، فلا نستفيد منه حكماً شرعياً، وهكذا لو علم بأنّه على نحو التشريع، ولكنْ علمنا بأنّه لأجل التقية، فلا يَدُلُّ على الحكم الواقعي، وهكذا لو علمنا بأنه صَدَرَ بنحوِ بيان التشريع، ولبيان الواقع، ولكن لا نعلم وجهه من كونه عبادةً، أو غيرها، واجباً، أو غيره، فلا يَدُلُّ على الحكم الواقعيّ، فلا يحكم بعباديته، ولا باستحبابه، ولا بوجوبه، ومع العلم بأنه صدر على نحو الوجوب، ولكن لم نعرف عنوانه من أعمال هذا اليوم، أو لهذه الصلاة، أو بعنوانٍ أنّه طوافٌ، أو أنَّهُ منذورٌ له، فلا نحكم على نظائره.

وهذا هو المراد للفقهاء من قولهم في بعض الوقائع الصادرة من المعصومين (بأنّها قضيةٌ في واقعة، أو حكمٌ في واقعةٍ)([169]).

فإنّ مرادَهُم أنَّ هذا العَمَلُ الصَّادِرُ من المعصوم لا يكونُ دليلاً على الحكم في نظائره، لِعَدَمِ العلم بإرادَةِ بيانِ التَّشريع منه، أو لِعَدَمِ العِلْمِ بِحُكْمِهِ، أو لعَدَمِ معرفة عنوانه، نعم لو كان للفعلِ ظهورٌ في عنوانه، وصدورُهُ لبيانِ التشريع ظهوراً يُعْتَنَى به عرفاً، فيمكنُ القولُ بحجيّة هذا الظهور، كما هو حُجّةٌ في باب الألفاظ، باعتبارِ أنَّ ظهورَ الألفاظ حُجَّة من جهة اعتمادِ العُرْفِ عليه، فهذا أيضاً يكونُ حُجَّةً لاعتمادِ العرف، فما هُو الملاكُ في حُجيّةِ الظهور في الألفاظ بنفسه موجود في ظواهر الأفعال.

وقد عَرَفْتَ أنَّ ما اشتَهَرَ من عَدَمِ صُدور المباح من المعصومين، المرادُ منه أنَّهم لا يأتونَ بالمباح الذّاتي إلاّ بعنوانٍ يُوجِبُ استحبابه، فإتيانُهُم بها لا يَدُلُّ على إباحتها الذاتية.

وعليه: فلا وَجْهَ للاستدلالِ على وُجوبِ الغسل عند التقاء الختانين وإنْ لم ينزل، بما رَوَتْهُ عائشة([170]) عن غَسْلِ النبيّ  (ص) ، لاحتمالِ أنَّه على جِهَةِ الاستحباب.

وهكذا أحكامُ المعصوم إذا لم يعلم جهَةُ صُدورِها كقوله  (ص) : (مَنْ أحيا أرضاً ميتة فهيَ له)([171])، إنْ كانت من بابِ الإذن والولاية فلا يجوز الإحياء بدون إحراز إذنه  (ص) ، وإنْ كانت من باب الفتوى جاز ذلك.

نعم، لو شَكَّ في جِهَةِ التَّشريع، في أنَّها لبيانِ الواقع، أو للتقية، فالأصلُ أنّها لبيانِ الواقع لا للتقية ونحوها، لبناء العُقلاء على ذلك في محاوراتهم، هذا كله في السنة قولاً أو فعلاً أو تركاً.

وأمّا التقريرُ: فهو عبارةٌ عن سكوت المعصوم  عليهم السلام  عن قولٍ، أو فعلٍ، أو تركٍ وَقَعَ باطّلاعه ولم يردع عنه، فإنّ تَرْكَ المعصومِ الرَّدعَ والزَّجْرَ عنه كاشفٌ عن رضائه به، وذلك يقتضي الجواز والصّحة، لوجوب إنكار الباطل والإرشاد إلى الحقّ عليهم  عليهم السلام ، لكون وظيفتهم  ع بيانُ الأحكام، ورفع الجهل بها عن الأنام، ولكنَّ حُجيّة سكوتِ المعصوم  عليهم السلام  على الحكم الشرعيّ يشتَرَطُ فيها شروطٌ ثلاثة:

الأول: أنْ يكونَ المعصوم عالماً بوقوع العمل علماً عادياً، وإلاّ فلا يجب عليه الردع، فإنَّ المعصومين مأمورين بمعاملة الرّعية بالعلوم الحاصلة من الأسباب العادية في باب الموضوعات، ولذا كانوا يحكمون بينهم بالأيمان والبينات، بل المعصومين غير النبي  (ص)  يعاملون الرعية في الأحكام أيضاً بالعلوم الحاصلة من الأسباب العادية أيضاً، ولذا كانوا يستندون في أحكامهم إلى الكتاب والسنة، لا إلى إلهام، فعلمُ المعصوم بالوقائع والكائنات من طريق الإلهام والغيب لا ينفع فيما نحنُ فيه، وإنّما الذي هو شرط، هو العلم من الأسباب العادية، ولو شُكّ في علمِهِ بالحادث من الأسباب العاديّة فبناءُ العقلاء والعُرْفِ على عَدَمِ العلم.

الثاني: أنْ لا يكونَ المعصومُ  عليهم السلام  خائفاً من الرَّدع والإنكار وبيانً الواقع والإرشاد إليه، إذ لو لم نعلم بذلك لم يكن سكوته كاشفاً لنا عن رضائه بذلك، من دونِ فرقٍ بين الخوف على نفسه أو على غيره، ولا بَيْنَ الخوفِ على المال أو العرض أو النفس، ومع الشّكّ في حُصولِ الخَوْفِ للمعصوم  عليهم السلام  فالأصلُ عَدَمُ الخوف، وعَدَمُ حُصولِ المانع من الرَّدْعِ والبيان للواقع.

الثالث: أنْ لا يكونَ الفاعلُ جاهلاً بالموضوع، كما إذا صَلَّى بالثوب النّجس جاهلاً بنجاسَتِهِ بمحضر المعصوم، فقد ذكروا أنْ ليس على المعصوم إرشاده([172])، إذ لا إرشادَ في الموضوعات، كما يَظْهَرُ ذلك من بعض الأخبار([173])، ولا نَهْيَ في حَقِّ الجاهل.

وهكذا، أنْ لا يكونَ مُضْطراً إليه، أو مجبوراً عليه، أو غير ذلك من مصحّحات المخالفة للواقع، فإنّه لو كانَ واحداً من ذلك، فلا يَدُلُّ السُّكوتُ من المعصوم على الصِّحّةِ والجواز، ومع الشكّ في جَهْلِ الفاعل، أو كونه مضطراً إليه أو عسراً عليه تركه، فالأصلُ هو العَدَمُ؛ لأنَّ ظاهر كُلِّ فاعل عند العقلاء أنه عالم بالفعل، غيرُ ناسي، ولا ساهي، ولا مضطر إليه، ولا عُسْرَ في تَرْكِهِ عليه، فيكونُ سكوتُ المعصوم  عليهم السلام  عنه دليلاً على الصّحّةِ والجواز.

المقامُ الثاني: ثبوتُ السنّة بالحاكي لها

إثباتُ الحكم الشرعيّ بالحاكي للسنة وحجيّته عليه، يُتَكلَّمُ فيه من جهات أربعة:

إحداها: إنّ الحاكي للسنّة تَثْبُتُ به السنة، إذ مع عدم ثبوتها به، لا يصحُّ الاعتمادُ عليه، وهذه الجهة هي مَحَلُّ البَحْثِ بينَ العُلَمَاء في حُجيَّةِ ما يحكى بها وعدمه، ويسمّى مَبْحَثُ حجيّة الخبر، ويبحث فيه، وعن أيّ قسمٍ منه يكونُ هو الحُجَّة.

ثانيها: أنْ يكونَ صدورُ السُّنَّة المحكيّة به لبيان الحكم الواقعي، لا لغرض آخر من تقيةٍ ونحوها، مما يصحّحُ إظهار خلافِ الواقعِ بصُورة الواقع، وهذا يُسمَّى بجهة الصدور، فمَعَ العِلْمِ بهِ لا كلامَ لنا، ومع الشَّكَّ، فالأصلُ فيه هو صدور السنة بجهةِ بيانِ الواقع، لا لجهةٍ أخرى من تقيّةٍ أو استهزاء أو نحوها، للقاعدة المجمع عليها بين العُلَمَاء والعقلاء، على حَمْلِ ما يَصْدُرُ من العاقل البالغ قولاً أو فعلاً أو تقريراً على ما هو المقصود منه ظاهراً، بحَسبِ المتعارف لبيان الواقع، لا لغرض التقية، ولا لغَرَض الاستهزاء أو الافتراء ونحوها، ولذا لا يسمع دعواه ذلك، إذا لم يأتِ عليها بشواهد، وحيثُ أنّ هذه الجهة معلومَةُ الحال لم يتكلم فيها على سبيل الاستقلال.

ثالثها: إثباتُ دلالة الحاكي للسنة على الحكم الشرعي، قولاً كانت، أو فعلاً، أو تقريراً، وقد تكلَّفَ للبحث عن دلالة الحاكي للسنة إذا كانت قولاً، مباحث الألفاظ، وأثبتوا فيها أنَّ الظهور اللفظي هو الحُجَّة، كما أنَّ البَحْثَ عن دلالة الحاكي للسنة إذا كانَتْ فعلاً أو تقريراً قد تقدَّمَ في المقام الأول.

رابعها: إثباتُ عَدَمِ المعارض للسنة، وعلاجُ المعارض لها، وقد تكفل لهذه الجهة مبحث التعارض.

وعليه: فالبحثُ عند الأصوليين في هذا المقام، إنما هو في الجهة الأولى فقط، مع الفراغ عن تماميّةِ الجهاتِ الأخرى؛ وعليه يتلخَّصُ البحث في المقام عن الخبر الحاكي للسنة المفروض أنّها لبيانِ الحكم الواقعيّ، والمفروض تمامية دلالته عليها، والمفروضُ عدمُ المعارض له في أنَّها هل تَثْبُتُ بالخَبَر الحاكي لها أمْ لا تَثْبُتُ إلاّ بما يُفيدُ القَطْعُ بصدورها من تواتُرٍ أو قَرائنٍ أو نحوها.

ثُمّ إنّ الخَبَرَ المحكيّ للسنة، إنْ كان رُواته متّصلِين واحداً عن واحد بأسمائهم، سَمَّاهُ الفقهاء بــ(الحديث المسند)، أو المتّصل السند، وإنْ كانوا منقطعين، بمعنى أنّ في السلسلة مَنْ لَمْ يَذْكُر، أو عَبَّرَ عنهُ بلَفْظٍ مُبْهَمٍ، كأنْ يقولُ: عن رجلٍ، أو عَنْ بَعْض أصحابنا، سَمَّاهُ الفُقَهَاءُ بــ(الحديث المرسل أو المنقطع)([174])، والمسند ثلاثةُ أنواع:

الأوّل: المتواتر، وهو ما رواهُ جماعةٌ كثيرة كثرة يمتنع بحسب العادة تواطئهم على الكذب من زمن المعصوم  عليهم السلام  حتّى وَصَلَ إلينا، ويعتبر ذلك في جميع الطبقات لو تعدّدت، وهو على قسمين:

متواترٌ لفظي: وهو ما يفيد القطع بصدور هذا اللفظ من المعصوم  (ص) .

ومتواتر معنوي: وهو ما يفيد القطع بصدور مضمونه كشجاعة علي  عليهم السلام .

والمتواتر حجة بقسميه لإفادته القطع واليقين بالسنة.

الثاني: المشهور، ويسمّى بالمستفيض، وهو ما رواه جماعَةٌ عن المعصوم -ما يفوقون على الثلاثة- مع عدم بلوغهم حَدَّ التواتر، فلو وقعت الشهرة في الطبقة الأولى من الرواة، سمّاهُ الفُقهاءُ مشهوراً قديماً([175])، وإنْ وقعت بين المتأخرين سُمّي مشهوراً متأخراً([176])، وإنْ كانت الشهرة بين المتقدمين والمتأخرين سُمّي مشهوراً على الإطلاق([177])، والأغلب على حجيته، حتّى أنّهم يخصّصون عموم القرآن به، ويقيّدون إطلاق القرآن به، وذلك لحصولِ الوثوقِ بصدور السُنَّة به والاطمئنان بذلك؛ ويكفي في معرفة كونِ الخبر مشهوراً بمراجَعَةِ المصنّفات الفقهية وكتب الروايات.

الثالث: خبرُ الواحد أو الآحاد، وهو مَنْ لم تبلُغْ رواته حَدَّ التواتر ولا الشهرة.

وبعبارةٍ أخرى: هو ما لم يَتَجَاوز رواته الثلاثة، ولو في طبقة من طبقاته.

والكثير من الفُقَهاء على جَعْل القسمين الأخيرين قسماً واحداً، ويجعل الخبر المشهور من الخبر الواحد، فيكونُ عنده الخبر المسند على قسمين: خبر متواتر، وخبر واحد، وقسموا الخبر الواحد غير المشهور إلى أربعة أقسام:

الأول: صحيح، وهو ما كان مسنداً، تتّصلُ رواته بالمعصوم، وكُلُّهم عدول.

الثاني: الحَسَن، وهو ما كان رُواته ممدوحين بمدحٍ لم يبلغ التصريح بالعدالة، أو كانوا عدول، ولكنْ فيهم واحِدٌ ممدوح ولم يصرِّح بعدالته.

الثالث: الموثوق، وهو ما كان رواته مأمونين من الكذب بأجمعهم، أو واحد منهم، وكان الباقون عدولاً.

الرابع: الضعيف، وهو ما لم يحرز كونُ رواته كذلك، ويدخل فيه المرسل.

والعلامة الحلي  رحمه الله  في كتابه المختلف كان يذكر الخبر بوصفه بالصّحة وغيرها ويترك الخبر الضعيف بلا وصف، وقد ذكر  رحمه الله  في خلاصته وصف أخبار كتاب الاستبصار والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه، وميّز الصحيح والحسن والموثوق والضعيف([178]).

وكيف كان، فمَحَلُّ الكلام هو الخَبَرُ الغير المفيد للعلم بالصدور، لا الخبر المتواتر، ولا الخبر المفيد للقطع ولو بمعونة القرائن الخارجية، حيث أنّ حجيتهما لا ريب فيها، لحصول القطع بصدور السُنَّةِ بهما، ويَنْحَصِرُ بحثُنا هنا في الخبر الذي لا يُفيد القَطْع، سواءٌ كانَ خبراً واحداً أو مشهوراً.

والكلامُ تارَةً عن إمكانِ التعبُّدِ به، وقد خالف فيه ابن قبة([179])، وبعض العامة([180])، وبطلانه واضح بعد ما سيظهر لك وقوع التعبد به، فإنّ الوقوع أدلُّ دليل على إمكان الوقوع، وإلا لما وقع.

وتارة في وقوع التعبد به شرعاً، وأنه حُجَّة شرعية، وهو محطُّ البحث هنا.

ثم إنّ البحث في حجيته، ووقوع التعبد به شرعاً، تارة يكون من حيث وقوع التعبد به من باب حجية مطلق الظّن في باب الأحكام الشرعية، لدليل الانسداد، أو غيره، فلا يكون خبرُ الواحد على هذا حجّة بنفسه، بل من باب إفادته الظّن ويكون حاله حال سائر ما يفيد الظن، والبحث في ذلك سيجيء إن شاء الله في مبحث حجية مطلق الظّن في باب الأحكام الشرعية.

وأخرى من حيثُ وقوع التعبد به بخصوصه، مع الغض عن حجية مطلق الظن، بحيث يتكلم في حجيته حتى لو كان مطلق الظن ليس بحجة، وهذا هو محطّ النظر في هذا المقام وهو المخصوص بالكلام؛ والفقهاء في ذلك على طوائف:

فمنهم من أنكر حجيّتَهُ مطلقاً، وقال: إنّ الخبر الغير الموجب لقطعية
صدور السنة من المعصوم ليس بحجة، وإنما الحجة ما أفاد القطع،
كالمتواتر، والخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للقطع، ونسب هذا القول لبعض
فقهاء الشيعة([181])،كالمرتضى([182])، وابنُ زهرة([183])، وابن البرّاج([184])، وابن
إدريس([185])، والطبرسي([186])، وربما ينسب للشيخ المفيد([187])، وابن بابويه([188])، والمحقق([189])، وعن الوافية أنه لم يجد القول بالحجية صريحاً ممن تقدم على العلامة([190])، وعن ابن الحاجب([191]) نسبة المنع عن العمل بخبر الواحد للرافضة([192])، وهو عجيب([193]).

ومنهم الإخباريون، حيث عوّلوا على ما في الكتب المعتبرة، وهي التي ألفها العلماء المعروفون بالعدالة، وأخذ مؤلفوها على عاتقهم أن ينقلوا فيها ما ثبت عندهم صحته، كالكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والاستبصار وغيرها، زعماً منهم بأنَّ ما فيها من الأخبار تُفيدُ القطع واليقين بالصّدور، لوجود قرائن ادّعوا إفادتها القطع بذلك([194])، وفي المحكي عن الوسائل إنهائها إلى خمس وعشرين قرينة([195])، وقد تفطن بعضهم لفساد هذه الدعوى، فتنزل عن قطعية السند إلى قطعية الاعتبار([196])، وعليه؛ فهو يقول بحجية الخبر الواحد، وإنْ لم يفد القطع بالصدور، ولكن يقول بحجية خصوص ما كان في الكتب المعتبرة مطلقاً، حتى ما كان منه ضعيف السند أو مرسل.

ومنهم من قال بهذه المقالة، إلا أنه استثنى ما كان منها مخالفاً للمشهور، فهو غير معتبر عنده، كما هو المحكي عن النراقي  رحمه الله ([197]).

ومنهم من قال: بأنّ الحجَّةَ من الأخبار التي لا تفيد القطع هو خصوص ما عَمَلَ بهِ الأصحاب، ويُنْسَبُ هذا القول للمحقق  رحمه الله ([198]).

ومنهم من قال بأن الحجة([199]) هو خصوص من كان رواته عدولاً أو
ثقاة.

وأمَّا أهلُ السنة فبعضهم أنكر حجيته([200])، ولكن جمهور فقهائهم على حجيته([201])، إلاّ أنَّ الحنفي اشترط في غير ما هو مشهور الرواية ألا يخالف رواية العمل به، وأن يكون موافقاً للقياس والقواعد الشرعية، وأن لا يكون في الوقائع التي تعمُّ بها البلوى، ولا فيما يتكرّرُ وقوعه؛ لأنه لو كان فيها لاشتهر أو تواتر([202]).

والمالكي اشترط في حجيته أن يكون موافقاً لما عليه أهل المدينة([203])؛ واشترط الشافعي أن يكون رواته ثقاة معروفين بالصدق، عاقلين لما يحدثون به، والخبر متصل السند([204]).

إن قلت: قد قام الإجماع من فقهاء الشيعة على العمل بالأخبار المدونة في كتبهم المعروفة المعتبرة، كالكتب الأربعة في هذه الأعصار، بل لا يبعد كون ذلك من ضروري المذهب، كما نص عليه الشيخ الأنصاري ([205]).

قلنا: إن الإجماع إنما قام على العمل بما فيها بنحو الإجمال، لا على العمل بكُلِّ واحدٍ منها، فلا يدرى أيّ نوع منها كيف، والعاملون بها اختلفوا، فبعضهم عمل بها باعتبار أنها قطعية الصدور، كما عن طائفة من الأخباريين([206])، وعليه؛ فالذي لا يقطع بالصدور ليست حجة عنده.

أو من جهة القول بحجية الظن المطلق([207])، وعليه؛ فالذي لا يقول بحجية الظن المطلق ليست بحجة عنده من هذه الجهة.

أو من جهة كون الراوي لها في كل طبقة عدلاً ضابطاً زَكَّاهُ عدلان ويُسمَّى بالصحيح الأعلائي، كما عن صاحب المدارك([208]) وغيره([209])؛ وعليه فلا يكون الخبر الموجود فيها الذي ليس له هذه الصفة حجة عنده، أو من جهة كون الراوي عدلاً زكاه ولو عدل واحد ويسمّى بالصحيح المشهور، وعليه؛ فلا يكون الخبر الموجود فيها الذي ليس فيه هذه الصفة حجّة عنده، أو من جهة كون الراوي ثقة في مذهبه، فيعتبر عنده من الأخبار الموجودة فيها خصوص ما كانت رواته ثقاة، أو من جهة شهرة الخبر، فلا يعمل بغير المشهور منها، أو من جهة عمل الأصحاب به، كما عن المحقق([210])، فلا يعمل بغيره، أو من جهة حصول الوثوق بالصدور، فلا يعمل بغير ما فيه هذه الصفة.

وهذا نظير ما إذا اتفق جماعة من الفقهاء على رؤية امرأة لكونها أخت لأحدهم، وزوجة لآخر، وأم لآخر، وربيبة لآخر، ورضيعة لآخر، فإنه لا يحل لغيرهم رؤيتها، ولو علم أن أحدهم المعصوم، إذا لم تكن هناك جهة محللة لرؤيتها له، فعلمهم هذا لا يعد إجماعاً على صحة الرؤية لتلك المرأة لغيرهم ممن لا تكون له جهة مصححة، فكذا ما نحن فيه، فإن عمل العلماء بالأخبار المدونة في الكتب الأربعة أو السبعة، لا يكون إجماعاً منهم على صحة عمل غيرهم بها، إذا لم تكن إحدى الجهات المحللة للعمل موجودة لديه.

إذا عرفت ذلك، فالتحقيق: إنَّ الخبر الغير مقطوع الصدور سواء كان خبراً مشهوراً أو خبراً واحداً، هو حجة شرعية، إذا حصل الوثوق بصدوره، والدليل على ذلك هو عمل المسلمين به، بل عمل جميع العقلاء به، مع عدم الردع من المعصومين عنه، ولو منعنا عن العمل بالخبر الواحد الموثوق الصدور، لأصبح لنا فقه جديد، مضافاً إلى الآيات والأخبار والروايات المتظافرة التي تؤكد إمضاء الشارع لذلك، وأما لو عارضت السنة القرآن الكريم، فإن أمكن الجمع العرفي بينهما فهو، وإلا فتطرح السنة.

والقرائن التي توجب الوثوق بصدوره:

أحدها: موافقته لأدلة العقل.

ثانيها: موافقته للكتاب، ولو كان خاصاً، والكتاب عاماً.

ثالثها: موافقته للسنة المقطوع بها من جهة التواتر.

رابعها: موافقته للمشهور.

وبعضهم([211]) ذكر أن هذه الأربعة لا توجب الوثوق بصدوره، وإنما توجب الوثوق بمضمونه، لجواز كونه موضوعاً على طبقها.

والحق: إنها إن أوجبت الوثوق بصدوره كان حجة، وإلاّ فلا.

خامسها: أن يَستند المشهور في الفتوى إليه، بأنَّ عملوا به، فإن ذلك
 يوجب الوثوق بصدوره، ولذا عمل الأصحاب بمراسيل ابن أبي عمير([212])، وغيرها([213]).

وأمّا رواية المشهور له مع عدم عملهم به، فيدلُّ على ضَعْفِهِ، إذا لم يكن هناك احتمالٌ لشيءٍ أوْجَبَ إعراضَهُم عَنْ غيرِ ضَعْفٍ لصدوره لديهم، ككونه مثلاً خلاف الاحتياط.

سادسها: أنْ تكونَ الرواة في سلسة سند الخبر جامعين لصفات خمس:

الأول: العقل.

الثاني: البلوغ.

الثالث: الإسلام.

الرابع: الضبط، بأنْ لا يكونَ النسيانُ والسهو والغفلة تغلب عليه، بحيث تكون أكثر من ذكره، أو مساوية له.

الخامس: العدالة، بمعنى الوثاقة، بمعنى: أنْ يكون الراوي متحرزاً عن الكذب وإنْ كان فاسقاً بجوارحه، ونُقِلَ عن الشيخ أنّ الطائفَةَ عَمِلَتْ بأخبار جَمَاعَةٍ هذه صفاتُهُم([214])، ونُسِبَ للمشهورِ اعتبارُ العَدَالة([215])، ونفيُ الخلاف عنه في العدّة للشيخ([216])، ولعَلَّ مراده العدالة بمعنى الوثاقة، بدليلِ ما تقدّم منه  رحمه الله ، وحيثُ أنه لا دليلَ عندنا صحيحٌ على اعتبار العَدَالة بمعنى الملَكَة في الراوي، وإنّما نَعْتَبِرُها في الرّاوي لحُصولِ الوثوق بالصُّدور، فلذا اعتبرنا فيه العَدَالة بمعنى التحرُّز عن الكذب.

وهذان الأخيران، أعني: استناد المشهور إليه، وجمع سلسة السند للصفات الخمسة، إنّما يُوجبان الوثوق بالصّدور في حَدِّ ذاتهما، بمعنى: إذا لم تكن قرائن تقتضي عدم الصدور.

أمّا دلالة الكتاب على حجية الخبر الموثوق الصدور فآيات:

منها آية النبأ في سورة الحجرات: [إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا]([217])، فإنّها
ظاهرة في عدم وجوب التثبُّت في النبأ عند مجيء غير الفاسق به، بحسب مفهوم الشرط.

وقد أورد على الاستدلال بها بما يبلغ أكثر من اثنين وعشرين رَدّاً([218])، إلا أنّ الإنصافَ كما ذكره بعضهم: إنَّ الآية لها دلالةٌ على حُجية الخبر الموثوق بصدوره، لا من جهة مفهوم الوصف، ولا الشرط، بل لأنّ ظاهر مساق الآية هو ورودها في مقام إمضاء ما جرى عليه ديدَنُ الناس من العمل بأخبار الآحاد فيما يتعلق بأمورهم دُنياً أو ديناً، والإنكار عليهم في إغماضهم عن معرفة حال المخبر من كونه فاسقاً لا يبالي بالكذب، أو ممن يتورّعَ من الكذب، فالآية دلت على إنكار الله عليهم ذلك في خصوص الفاسق، وذلك يقتضي أنّ الباقي من الأخبار باقي على حالِهِ من صِحّةِ العَمَلِ به([219]).

وهذا هو الذي يناسبه التعليل، وإلا فلا خصوصية للإصابة بجهالة بالعمل بخبر الفاسق، إذ العمل بخبر العادل تُوجِدُ فيه الجهالة أيضاً، لعدم العمل بالواقع معه، فلابُدَّ أنْ يكون المراد بالجهالة هو السفاهة، وهي فِعلُ ما لا ينبغي صدوره عن عاقل، أو الجهالة التي يصحُّ اللّوم معها، بل هذا هو الذي يقتضيه التعليل بالندم؛ لأنّ النَّدَمَ هو توبيخ العقل والعقلاء على العمل، وهو بحكم العقل مختص بالعمل بخبر الفاسق الذي لا يبالي بالكذب والافتراء، دون العمل بالخبر الموثوق، فإن العقل والعقلاء لم يندموا على العمل به، كالعمل بخبر أهل الخبرة والشهادة.

والحاصل: إن الآية لا تدل على النهي عن الإقدام على خلاف الواقع، وإنما تدلُّ على أنَّ العَمَلَ بخبر الفاسق طريقةُ السفهاء فيجب التبيّن فيه لذلك.

وأمّا طريقة عملهم بالخبر الموثوق بصدوره فهي باقية على حالها، فتكون ممضية من قبل الشارع، وإلا لمنع منها، شأن سائر طرائق العقلاء الغير ممنوع عنها.

وإن شئت قلت: إنّ العمل بخبر العادل لم يصدق عند العقلاء أنه فيه إصابة بجهالة، ولم يكُنْ فيه نَدَمٌ عندهم بالعمل به فيما لو خالف الواقع، فهو كالعمل بقول أهل الخبرة، وكالأخذ بالفتوى والشهادة، فينتفي وجوب التبيّن، ويكون حجّة بحسب المنطوق لانتفاء علة وجوب التبين عنه.

والخلاصة: إنّ المراد بالجهالة السفاهة، إذ لو كان المراد بها عدم العلم، للزم تخصيص التعليل بالعمل بالشهادة، بل بالفتوى، والتعاليل غير قابلة للتخصيص، وإلا لم تكن علة، لعدم انفكاك المعلول بحسب المرتكز الذهني عن علته، فلابّد أن يكون المراد بها السفاهة؛ وبدليل أنّ المراد بالندم هو التنديم من العقل والعقلاء، ولا ريب أنّ العمل بالخبر الموثوق الصدور ليس به تسفيه من العقلاء للعامل به، ولا تنديم من العقل له، كالعمل بالشهادة، وقول أهل الخبرة، والفتوى، وحينئذٍ فمنطوق الآية يدلُّ على عدم وجوب التبين في الخبر الموثوق الصدور؛ لانتفاء علة وجوب التبين فيه، كما أن ظاهر التعليل يقتضي الحصر، فيكون للحكم المعلول مفهوم مثل مفهوم القضية المحصورة.

ودعوى أنّ وجوب التبيّن ثابتٌ لكلٍّ من خبر الفاسق والعادل([220])، لوجوب الفحص عن الدليل المعارض، حتى لو أخبر العادل فاسدةٌ، فإنّ وجوب الفحص والتبين عن المعارض إنما يكون بعد ثبوت دليلية الدليل، ومع عدم دليليته لا يجب العمل به حتى يفحص عن معارضه ويتبين عدمه.

نعم، لو أريد العَمَلُ بخبر الفاسق، وَجَبَ التبيُّن والفحص عن صحته، فإنْ ظفر بما هو الدليل على صحته عمل على طبقه، ومع عدم الظفر لا يعمل به، بخلاف ما هو دليل، فإنّه يجب العَمَلُ به، ويَجِبُ الفحص عن معارضه، ومع عدم الظفر بالمعارضة له يعمل به، وإن لم يوجد دليل على صحته.

ومن الآيات، آية النفر من سورة التوبة([221]) قوله تعالى: [فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]([222])، حيث دلت على وجوب القبول بإنذار المنذرين، ولو كانوا آحاداً، نظير ما استدل به صاحب المسالك([223]) على قبول أخبار النساء عمّا في أرحامهن بقوله تعالى: [وَلاََ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ]([224])([225]).

ودعوى أنّ المستفاد منها ليس إلا مطلوبية الحذر عقيب الإنذار، ومن الممكن أن يتوقف وجوبه على حصول العلم بالواقع، ولذا أتى بـ(لعل)، فهي نظير ما دلَّ على وجوب إرشاد الناس، وبيان المعارف الدينية لهم، فإنه لا يقتضي وجوب القبول مطلقاً، حتّى لو لم يحصل العلم بالواقع، ولا نسلّم ما ذكره صاحب المسالك من الدلالة.

فاسدةٌ؛ فإنّها مضافاً إلى ظهورها في كونها تقريراً لما عليه بناء العقلاء من العمل بإنذار المنذر الموثوق به، أنّها ظاهرة في مطلوبية الحذر عقيب الإنذار مطلقاً.

ومجرّدُ إمكان توقف وجوب الحذر على حصول العلم، لا يقدح في الظهور اللفظي، فلو كان وجوبُ الحذر مقيّداً بالعمل بالواقع لنصب قرينة على التقييد، وأصالة الإطلاق تقتضي نفيَ التقييد.

وقد يُستَدَلُّ بالآية بتوجيهٍ آخر، وهو: لا ينكر أنّ الآية ظاهرة في وجوب الحذر بمجرّد الإنذار من غير توقف على شيء آخر، وقد كان الإنذار مطلقاً غير مقيّد، فكذا الحذر، وإلاّ لم يكن مرتّباً على الإنذار المطلق.

ومن الآيات: آيةُ الكتمان، وهي قولُهُ تعالى: [الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى]([226])، بتقريب: أنّ حرمة الكتمان تستلزم وجوب القبول عند الإظهار، وإلا فلا فائدة لإظهاره، نظير ما ذكرناه في آية النفر.

ويرد عليه: أنّه لا ملازمة بينهما، إذ وجوب الإظهار قد يكون للتنبيه على الحكم حتى يبحث عنه فيحصله من الدليل، أو يحصل منه العلم، فيقبل، فهي نظير الأمر بإظهار الحق، ونظير الأمر بأداء الشهادة للحاكم من الواحد، ولا يجب على الحاكم القبول إلا إذا انظمّ إلى الآخر، ولم يكن معارض بشهادة أخرى.

ومن الآيات آيةُ السؤال وهي قوله تعالى: [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ]([227])، حيث أنّ وجوب السؤال يستلزم وجوب القبول للجواب، وإلا لكان وجوب السؤال لغواً، فهي لبيان طريقة الاطلاع على المجهولات عند فقد العمل بها، لا لبيان طريقة العلم والقطع بها، فهي تقرير لما عليه طريقة العقلاء في معرفة ما يجهلونه، بالرجوع للمطلعين بالشيء الذي يكون أخبارهم يوجب الوثوق بالشيء لبصيرتهم به.

ودعوى أنّها مختصّةٌ بالأئمة  عليهم السلام ، كما هو مقتضى الأخبار المستفيضة المعقود لها باب في الكافي على حدة، من أنّ أهل الذكر هم الأئمة  عليهم السلام ([228])، فجوابها: بأنّ ذلك التفسير يحتمل لبيان التنبيه على بعضِ أفراد العام، حذراً من عدم التفات عامة الناس لذلك.

وأمّا دلالةُ السنة على حُجيّة الخبر الواحد الموثوق بصدوره، فطوائف كثيرة، كما يظهر من مراجعة كتاب الوسائل وغيرها.

ودعوى أنَّ الاستدلال بها على حجية الخبر الواحد يكون من الاستدلال بخبر الواحد على حجيته، وهو من الدور الواضح، فجوابها أنها:

أوّلاً: أخبارُ آحادٍ مقترنة بقرائن حالية ومقالية، توجبُ القطع بصدورها.

وثانياً: بتواترها، فإنّ التواتر على أقسام أربعة:

الأول: التواتر لفظاً، وهو ما اتفقت الأخبار على لفظ واحد، ومعنىً واحد.

الثاني: التواتر معنىً، وهو ما اتفقت الأخبار على معنى واحد كان هو القدر المشترك بينهما.

الثالث: التواتر إجمالاً، وهو ما كَثُرَتْ الأخبارُ، واختلفت لفظاً ومعنى، إلا أنّه يقطع بصدور بعضها إجمالاً؛ وهذه الأقسام الثلاثة يكون الاستدلال بها استدلالاً بالسنة.

الرابع: هو ما لو كثرت الأخبار المختلفة لفظاً ومعنى، إلاّ أنّها بأجمعها تعطي إنّ هناك أمراً مفروغاً عنه، كما في سؤال السائلين عن بعض خصوصيات شيء، ويكونُ جواب المعصوم عن تلك الخصوصيات تقريراً لهم على ما كان مغروساً في أذهانهم، ومفروغاً عنهم فيما بينهم، على وجهٍ يُفيد القطع بذلك.

وهذا القسم من التواتر يكون الاستدلال به استدلالاً بالسنة التي هي تقرير المعصوم، والقسمان الأوّلان لو سُلِّمَ عَدَمُ وجودهما في المقام، إلا أنّ القسم الثالث لا شكَّ في وجودِهِ؛ لأنّا نقطع بأنّ بعض هذه الأخبار في هذه الطوائف الكثيرة صادر عن المعصوم  عليهم السلام ، وإنْ لم نشخّصه، إلا أنّا نقطع بأنه يدل على حجية الخبر الثقة، إذ لو كان الصّادر هو ما يدلُّ على الأعمّ منه، فإنه يدل أيضاً على خصوصه.

وأمّا القسم الرابع، فلا إشكال في وجودِهِ أيضاً، فإنّ مَنْ تتبع هذه الطوائف من الأخبار يرى أن حجية خبر الثقة كان مفروغاً عنه فيما بين السائلين والمعصومين  عليهم السلام .

وأمّا دلالةُ السيّرة على حُجيّة الخبر الموثوق بصدوره، فهو ما نراه بالوجدان من استقرار سيرة العقلاء من ذوي الأديان وغيرهم على العمل بالخبر الموثوق به من قبل الإسلام إلى زماننا هذا، ولم يَرْدَعْ عن هذا العَمَل لا في الكتاب، ولا في السنة، وإلاّ لَوَصَلَ إلينا الرّدْعُ، واشتهر، وظَهَرَ، لتوفّر الدّواعي إلى نقله، لكثرة مورد الابتلاء، وهذا يكشف كشفاً قطعياً عن رضاء الشارع بالعمل بأخبار الآحاد الموثوقة.

إنْ قلتَ: يكفي في الرّدع الآياتُ والروايات الناهية عن اتباع غير العلم.

قلنا: هذه الآيات والروايات عامة ومطلقة، والسّيرة المذكورة دليلٌ خاصٌ قطعيٌّ، فيُخصَّص بها تلك العمومات وتلك الإطلاقات، ولذا نرى العلماء في كُلِّ أمرٍ استدلّوا به بالسيرة لا يعتنون بهذه العمومات والإطلاقات، كيف، والعمومات والمطلقات تكونُ حجية ظهورها في العموم أو الإطلاق من باب السيرة، فلا يُعْقَلْ أنْ يستند إليها في نفي حُجيّة أيّ سيرة من السير.

أدلة المانعيـن من حجية الخبر الغير المفيد للعلم

استدلَّ المانعون لحجيّة الخبر الواحد من الكتاب بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم([229]).

وجوابُهُ: أنّه بعد تسليم دلالتها على المنع، وأنّها ظاهرة في خصوص العقائد، تكونُ من باب العمومات والمطلقات، فهي تُخصِّص بالأدلة التي أقيمت على حجية الخبر.

واستدلّوا من السنّة بروايات، منها: ما في المحكيّ عن بصائر الدرجات ومستطرفات السرائر عن محمّد بن عيسى: (ما علمتم أنه قولنا فألزموه، وما لم تعلموه فردُّوهُ إلينا)([230]).

وجوابه: مضافاً إلى أنّها خبر واحد، فالاستدلال به على المنع من العمل بخبر الواحد يوجب المحال، وإلى أنّها معارَضَةٌ بالروايات والأدلة الدالة
على حجية الخبر، مضافاً إلى ذلك، إنّ العمل بالخبر الذي قامت الحجة على حجيته يكونُ من العمل بما علمنا أنّه قولُ المعصوم؛ لأنَّ الظاهر من العلم هو المعرفة، ولو عن دليلٍ معتبر، لا خصوص اليقين، وإلاّ لَزَمَ طرح أكثر أقوال المعصوم، ولا أقلّ إنّ هذا هو مقتضى الجمع بين ما دَلّ على حُجيّة الخبر وهذه الرواية.

ومنها: أخْبَارُ العَرْض على الكتاب والسنّة، فما وافقهما يؤخذ به، وما خالفهما لا يعمل به، حيثُ إنّها تدلُّ على المنع من العمل بالخبر الذي لم توجد قرينة من الكتاب والسنة عليه، وإنّ ما خالفهما لا يؤخذ به.

والظاهر أنّ المراد بالمخالفة هي المخالفة بنحو المباينة، بمعنى أنَّ المراد منها طرح الخبر المباين للكتاب والسنة، وإلا فالمخالفة بالعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والإجمال والبيان، ليست بمخالفة، ولو أريد منها ذلك لزم طرح أكثر الأخبار المقطوعة الصدور، حيثُ أنّها مخالفة للكتاب والسنة بهذا النحو من المخالفة، وهو لا يلتزم به أحد.

ودعوى تخصيصُ أخبار العرض بغير الأخبار القطعية الصدور، وإبقاء الأخبار المشكوكة تحتها.

فاسدةٌ؛ لإباء أخبار العرض عن قبول التخصيص، فإنَّ مثل المروي عن النبي  (ص) : (ما خالف الكتاب فليس من حديثي)([231])، أو (فلم أقله) ([232])، والمروي عنهم  عليهم السلام : أنه (زخرف)([233])، أو (باطل)([234])، يأبى عن قبول التخصيص، وإلا لزم أن يكون قد قالوا: الزخرف والباطل المخالف للكتاب والسنة، وهو ما كان مقطوع الصدور منهم.

والحاصل: إن الظاهر بالقرائن العقلية والنقلية، إنّ المراد هو المخالفة بنحو التباين.

ودعوى أنّ حملها على المخالفة بنحو التباين، حمل لها على النادر([235])، إذ يكاد يكون في غاية الندرة، بل معدوماً، ما يكون مخالفاً بنحو التباين، فلا يصحّ حملها عليها.

فاسدةٌ، فإنّ في زمان صدور هذه الأخبار قد كثر الافتراء والوضع والجعل على المعصومين، للحطّ من كرامتهم، ولا ريب أنَّ الذي يحطُّ من كرامتهم هو الوضع والجعل لما يخالف الكتاب والسنة النبوية بنحو المباينة، وإلا فالمخالفة بنحو العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ونحوهما، ليست مخالفة تحطُّ من كرامتهم، ولا تنقص من مقامهم، فلا ينفع الكاذبين عليهم في عصرهم إلا الجعل عليهم  عليهم السلام  بنحو المباينة.

واستدلوا بالإجماع المحكي عن المرتضى  رحمه الله ، على المنع من العمل بالخبر الغير المفيد للقطع([236])، والمحكي عن ظاهر كلام الطبرسي([237]).

وجوابه: أنه منقول وهو غير حجة، على أنه معارض بما هو المحكي عن الشيخ  رحمه الله  وجماعة على حجية خبر الواحد([238])، وموهون بما هو المشهور عند المتأخرين من حجية خبر الواحد([239])، وبالشُّهْرَةِ المحكيّة عن القدماء في العمل بخبر الواحد([240]).

وأما الخبر المرسل والمنقطع، فالمحكيّ عن أصحابنا أنهُ يعمل به إذا عُرف أنه لا يرسل إلا عن ثقة([241])، كابن أبي عمير، لدخوله إذ ذاك في الخبر الموثوق به وهو حجة، وأما إذا لم يعرف ذلك فليس بحجة؛ لأنّ العدل كما يروي عن الثقة كذلك يروي عن غيره.

والتحقيقُ: إنّ مجرّد ذلك لا يوجب كون الخبر موثوقاً به، إذ غاية الأمر أنه لا يروي إلاّ عن ثقة عنده، ولعلّه كان مجروحاً عند القوم، فلا يكون ثقة عندهم، نعم، لو عرف أنه لا يرسل إلاّ عمَّن كان ثقة عند الجميع، كان المرسل موثوقاً به، لكنّه مجرَّدُ فرضٍ، فالحقُّ أنَّ المرسل إذا عمل به المشهور كان حجة، لحصول الوثوق به، كمراسيل ابن أبي عمير، والمحكيّ عن فقهاء أهل السنّة إنهم متفقون([242]) على العمل بمرسل الصّحابي سواء منهم الأحناف([243])، أو المالكية([244])، أو الحنابلة([245])، أو الظاهرية([246])، أو الشافعية([247])، أما عدا مراسيل الصحابة، فالشافعي لا يعمل بها إلاّ إذا انضم إلى المرسل ما يعضده، كروايته عن طريق آخر، أو روي مسنداً من طريق آخر، أو عمل به بعض الصحابة([248])، وكان يأخذ بمراسيل سعيد بن المسيب؛ لأنه عنده شديد التثبت من الأحاديث المرسلة والتأكد من صحتها واتصالها([249]).

وأما الخبر الضعيف، فالمعروف أنه ليس بحجة، لعدم قيام الدليل على حجيته، فيدخل في أصالة عدم الحجية، ولكن إذا انجبر ضعفه باشتهار روايته، بشرط عدم إعراض الأصحاب عنه، ولو كان عدم إعراضهم بتوجيههم دلالته، أو تأويلهم لها، أو بيان المعارض له من دون القدح في سنده، فهو حجة لحصول الوثوق بصدوره، وهكذا لو عمل المشهور به، واستندوا في فتواهم إليه، وربما أدعي الإجماع على اعتبار الخبر الضعيف الموثوق بصدوره([250])، ويؤيد ذلك آية النبأ، فإن الظاهر من الجهالة فيها هو السفاهة، ومن الندم هو التنديم لو عمل به أحد من العقلاء؛ وخبر الضعيف الموثوق بصدوره لا سفاهة ولا تنديم من العقل والعقلاء على العمل به، فيكون حجة بحكم المنطوق؛ لانتفاء علة وجوب التبين بالنسبة إليه.

وأمّا ما اشتهر روايته، وأعرضوا عنه فليس بحجة، لعدم حصول الوثوق
 به، نعم مَحَلُّ الكلام هو ما إذا كانت الشُّهْرَةُ في الفتوى على طِبْقِهِ، فهل
تكونُ جابرة له، فقد يقال بعدم جبرها له؛ لأنها لا توجب الوثوق به
وإن أوجبت الظن بصدور حكم من الشارع مطابق للخبر، ولذا لا توجب الأولوية، والاستقراء وسائر الأمارات المفيدة للظنّ بالحكم الشرعيّ على طبق الخبر جبر ذلك الخبر الضعيف، وقد يدّعى دلالة ما دلَّ على الأخذ بالمشتهر
بين الأصحاب من المتعارضين في مقبولة ابن حنظلة([251])، ومرفوعة زرارة([252])،
فإن الترجيح للمشتهر عند التعارض يوجب حجيته في مقام عدم المعارض بالإجماع والأولوية.

وفيه ما تقدم، إن ذلك هو شهرة الرواية لا في شهرة الفتوى؛ وقد يدعى دلالة منطوق آية النبأ على حجيته، لحصول التبين فيه، بذهاب المشهور لمضمونه([253])، وفتواهم على طبقه، إلا أن يقال: إن المراد هو التبين الاطمئناني، فمع حصوله لا ريب من الحجية من أي أمارة حصل، وإلا فهو لا يوجب الحجية.

التسامحُ في أدلّةِ السُّنَنْ

ظاهر أكثر الفقهاء إنْ لم يكن كُلُّهم على اعتبار الأخبار الضّعاف في إثبات المندوبات والمكروهات، فقد حَكى غير واحد بأنّها ثبتت بالروايات الضعيفة الغير المنجبرة لا بالقرائن ولا بالشهرة([254])، بل حمل الأخبار الدالة على الوجوب والحرمة على الاستحباب والكراهة، عند ضعف سندها، وعدم الجابر لها، وقد استظهر المنع من التمسك بأدلة التسامح من الصدوق  رحمه الله  وشيخه([255]) في باب صلاة يوم غدير خم والثواب المذكور لصومه([256])، وعن المنتهى المنع أيضاً في موضعين([257])، وعن المدارك في باب الوضوء، إن ما يقال من أن أدلته يتسامح فيها منظور فيه؛ لأن الاستحباب حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي([258])، وإن حكي عن صاحب المدارك أنه رجع عن ذلك في باب الصلاة([259])، بل عن ظاهر العلامة أيضاً الرجوع عن ذلك([260]).

واستدل القائلون باعتبار الخبر الضعيف في السنن بأمور ثلاثة:

الأول: الإجماعات المنقولة، فقد حكي عن الوسائل نسبة ذلك إلى الأصحاب، مصرّحاً بشمول الأدلة للمكروهات أيضاً([261])، وعن الذكرى نسبته لأهل العلم([262])، وعن الشيخ الأنصاري نسبته للمشهور عند أصحابنا
والعامة([263])، بل قد اشتهر عندهم القول بالتسامح في أدلة السنن([264]).

والثاني: العقل، لحكمه بحسن إتيان ما يحتمل مطلوبيته للمولى، ورجحان ترك ما يحتمل مكروهيته للمولى.

الثالث: الأخبار المستفيضة، أو المتواترة معنىً، مع تَلَقّيها بالقبول من الأصحاب، وعملهم بها، مع صحّة بعضها، كالصحيح المروي في المحاسن عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله  عليهم السلام ، أنَّهُ قال: (من بَلَغَهُ عن النبي  (ص)  شيء فعمله كان أجر ذلك له وإن كان رسول الله  (ص)  لم يقله)([265])، وروي عن ثواب الأعمال بسندين أحدهما صحيح والآخر معتبر([266])، وعن البحار: إن هذه الرواية مشهورة بين العامة والخاصة([267])، والظاهر من: (شيء)، بقرينة: (فعمله)، وإضافة الأجر إليه، هو الفعل المشتمل على الثواب، وكالحسن أو كالصحيح المروي في الكافي، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله  عليهم السلام ، أنه قال: (من سمع شيئاً من الثواب على شيء، فصنعه كان له أجره وإنْ لم يكن على ما بلغه)([268])، ويحكى أنَّ صاحب الحدائق ذَكَرَ في آخر الدّرة النجفية اثني عشر حديثاً في هذا الباب([269])، وعن مرآة العقول للمجلسي أنّه: قد رَوَتْهُ العامَّةُ بأسانيد عن النبي  (ص) ، وقد نقل شهرة الفتوى بذلك عن المتقدمين والمتأخرين([270])، وعن عدة الداعي بعد ذكره طائفة من الأخبار المذكورة قال: فصار هذا المعنى مجمعاً عليه بين الفريقين([271])، وعن الشيخ البهائي: إن هذا صار سبب تساهل فقهائنا في البحث عن دلائل السنن([272]).

وأما المانعون من التمسك، فاستدلوا على ذلك بأصالة عدم ثبوت الاستحباب والكراهة، إلا أن يقوم الدليل المعتبر على ثبوتها، أو بأصالة عدم الحجية للخبر الضعيف إلى أن يثبت حجيته.

والتحقيق في المقام، أن يقال: إن القائلين بالتسامح إن أرادوا حجية الأخبار الضعاف في المسنونات والمكروهات نظير حجية الأخبار الموثوقة، بأن تكون حجة في مداليلها، في عرض الأدلة المعتبرة، من التمسك بعمومها وإطلاقها، ويخصص ويقيد بها حتى الأخبار الصحيحة التي هي أعم منها، ويؤخذ بجميع مداليلها، إلى غير ذلك من أحكام الحجية، كما هو الظاهر من كلام الفقهاء حيث يقولون: (هذا العمل مستحب للرواية الكذائية)، فإن ظاهره أن الرواية حجة شرعية يثبت بها الاستحباب، بل هو ظاهر جميع من حرر هذه المسألة([273])، حيث يظهر من كلامهم أن الخبر الضعيف حجة في السنن؛ بأن يثبت به جميع مدلوله، فإن تعبيرهم (التسامح في أدلة السنن)، معناها أن أدلة السنن يتسامح فيها، فلا يعتبر فيها ما يعتبر من الشرائط في أدلة الواجبات والمحرمات.

والحقُّ مع المانعين؛ لأن الأدلة المتقدمة لم يكن لسانها وسياقها لسان جعل الحجية للخبر، الذي تحقق به البلوغ، وإنما سياقها ولسانها هو جعل الاستحباب المولوي للعمل، الذي دَلَّّ عليه الخبر الضعيف، فهي غيرُ دالّةٍ على أنَّ الخبر الضعيف يكونُ حُجَّةً ودليلاً، كسائر الأدلّة على الأحكام الشرعية يثبت به مدلوله من الاستحباب الواقعيّ أو الكراهة الواقعية، مع ما اشتمل عليه مدلوله من جزئية الشيء، أو شرطيته، أو مانعيته، وإنما يقتضي قيامه استحباب العمل أو كراهيته، فمثلاً إذا قام الخَبَرُ الضّعيف على استحباب الوضوء للنوم، وأنه مما يثاب عليه، وأنه يكفي في الطّهارة لما يعتبر فيه الطهارة، فالأدلة المذكورة إنما تقتضي استحبابه للنوم، وحصول الثواب على فعله للنوم فقط، ولا تدل على أنَّ الخبر الضعيف الدال على ذلك يكونُ حُجَّةً شرعية، بأنْ يكون حجة يثبت به مدلوله، من استحباب الوضوء وكفايته في الطهارة لما يعتبر فيه الطهارة، بحيث يكون ذلك الخبر بنفسه دليلاً على ذلك، ولا يحتاج إلى دليل معتبر معه يدل على الكفاية، كما لو كان الخبر المعتبر قد قام على ذلك، فإنه بالخبر المعتبر لو قام على الاستحباب، وثبوت الآثار الشرعيّة يكون حُجَّةً يُتَمَسَّكُ بها على استحباب الوضوء، وثبوت تلك الآثار الشرعية التي دَلَّ عليها، كجوازِ الدّخول به للصَّلاةِ، أو لَمْسِ كتابَةِ القرآن، أو الطَّوافِ به، ونحو ذلك.

والحاصل: إنَّ الأدلّةَ المذكورة، لا تَدُلَّ على أزيد من كون قيام الخبر الضعيف على الثواب على العمل توجبُ استحباب ذلك العمل ممن بلغه ثوابه، وترتَّبَ الثوابُ المذكور عليه نظير الأخبار الدّالّة على جواز الشيء عند الشكّ في حليته، فإنها لا تقتضي حجية الشكّ ودليليته على الحلية الواقعية، بل نظير الأخبار الدالة على الأحكام للأعمال بعناوين طارئة عليها، الموجبة لحسنها، أو قبحها، كعنوان إجابة المؤمن، أو الحرج، أو الضرر، أو أن تلك الأخبار لا تدل إلا على مطلوبية العمل إذا طرأ عليه بلوغ ثوابه ممن بلغه ذلك الثواب، وليست دالّةً على أكثر من ذلك، بأنْ تدلّ على أنَّ الخبر الضعيف يكونُ حُجَّةً فيما دَلَّ عليه كالخبر المعتبر.

إنْ قلتَ: إنّها نظير الأخبار الدالة على ملكية ما في يد المسلم، فإنها تدل على دليلية اليد على الملكية الواقعية إذا طرأت على الملك، ولذا يرتب عليها آثار الملكية الواقعية.

قلنا: إنّ أدلّة اليد ظاهرة في ذلك بما اقترنت بها من القرائن، وليست الأدلة فيما نحنُ فيه ظاهرة في ذلك، بل ظاهرة في عدم الجعل؛ لأنَّ جعل الحجية يقتضي الكشف عن الواقع، وإلغاء احتمال الخلاف، لا فرض عدم الثبوت، كما هو الشأن في هذه الأخبار.

والحاصل: إنّ الأخبار المذكورة تدلُّ على استحباب العمل البالغ ثوابه على ممن بلغه ثوابه لوجوه:

منها: إنّها واردة في مقام الترغيب على العمل المذكور، والترغيب من المولى على شيء يوجب ظهور اللفظ في محبوبيته للمولى، إلا أنْ تقوم قرينة تمنع من انعقاد ذلك الظهور للفظ.

ومنها: الوعد بترتب الثواب عليه، وحُكْمُ الشارع بترتب الثواب على شيء يدلُّ بظاهره على استحبابه استحباباً شرعياً مولوياً، إذ لا ثواب على غير الواجب والمستحب، ولذا تجد الفقهاء يحكمون باستحباب كثير من الأفعال لمجرد ورود الثواب عليها، كالحكم باستحباب تسريح اللحية مثلاً، لقوله: من سرح لحيته فله كذا وكذا، إلا أنْ يكون هناك قرينة تمنع من ذلك الظهور، وإلا فمقتضى الظاهر هو الحكم باستحبابه، ولا ريب عدم وجود قرينة فيما نحن فيه تمنع منه.

ومنها: اهتمام الشارع بفعل ذلك العمل بالأخبار المتكثرة في ذلك، فإنه دليلٌ على مطلوبيته، وسيتضح لك أكثر من هذا.

إن قلت: أنه لا دلالة، ولا إشعار للأخبار المذكورة على أنَّ طُرُوَّ عنوان البلوغ عليها موجب لحدوث مصلحة في العمل بها يصير مستحباً.

قلنا: هي ظاهرةٌ في ذلك، لدلالتها على أنَّ العمل بذلك يوجب ترتب الثواب عليه، إذا صَدَرَ ممن بلغه، لا من غيره، فإنَّ البلوغ لو لم يحدث مصلحة وحسناً، لم يستحق خصوص من بلغه ذلك الثواب، كما هو الشأن في سائر الأدلة التي ترتب الثواب على الأعمال بواسطة طروّ عنوان عليها، كإجابة المؤمن، أو تعظيمه، ونحو ذلك، بل يمكن أنْ تكون نظير ما ذكره القوم في حجية خبر العادل، بناءً على السببية والموضوعية في أنَّ قيامَ خبر العادل موجب لحدوث مصلحة فيما قام عليه، توجبُ إنشاء الحكم على طبقه، غاية الأمر أنَّ أخبار خصوص العادل في وجوب شيءٍ أو حرمته تكون وجهاً من وجوه ذلك الشيء، يقتضي وجوبه وحرمته فعلاً، وأمّا في المستحبّات فيكفي مُطْلَقُ الخبر من كُلِّ مخبر، ويكونُ الإخبار بها وجهاً من الوجوه يقتضي الاستحباب.

إن قلت: إنَّ ظاهر الأمر بها للإرشاد إلى حكم العقل بحسن الانقياد في مورِدِ بُلوغِ الثواب، واحتمال المطلوبية على العمل الذي بلغه عليه الثواب، وإنْ كان الأمر ليس كذلك في الواقع، وتكونُ نظير الأخبار الآمرة بالاحتياط؛ فإنَّ الأوامر فيها ظاهرةٌ في الإرشاد إلى حسن الانقياد، بإتيان ما هو محتمل الوجوب، وترك ما هو محتمل الاستحباب، فإنَّ الظاهر من الأوامر المتعلقة بعنوانٍ يكون حسن عقلاً كونها إرشاد إلى ما يحكم به العقل، بل لا يمكن أن تكون مولوية؛ لأن الأوامر المتعلّقة بالطاعات إرشادية، وإلا لزم التسلسل.

قلنا: لا نسلّم إنّ الأوامر المتعلّقة بالطاعات لا تكون مولوية، فإنَّ من الممكن أن تكون مصلحةً في إطاعة أمر غير الأمر الذي تَعَّلقَ به، فيكون الأمر بإطاعته مولوياً، أو تكون مصلحةً في الاحتياط والانقياد لأمرٍ محتمل، أو نهي محتمل، فيكونُ الأمر بذلك الانقياد والاحتياط مولوياً، والتسلسل غير لازم؛ لأنه تنتهي الأوامر المولوية بعدم الجعل الشرعي لها، وإنما الإطاعة التي لا يمكن أن يكون الأمر بها مولوياً، هو الأمر بالطاعة المنتزع انتزاعاً محضاً من امتثال الأمر بمتعلقه، من غير أنْ يجعل عنواناً برأسه.

إن قلت: نعم، لكن لا ريب أن ظاهر الأوامر المتعلقة بما هو حسن عقلاً كونها إرشادية لحكم العقل، وعليه؛ فيكون الظاهر من أوامر (من بلغ) هي كونها إرشادية لا مولوية، نظراً إلى أنّ موضوعها هو الإتيان برجاء إدراك ما بلغه من الثواب، وفي بعضها قيد بطلب قول النبي  (ص) ([274])، وفي بعضها بالتماس ذلك الثواب، وبَعْدَ ضَمّ الأخبار المقيد منها للمطلق منها، يستفاد منها أن موضوعها هو الإتيان بالعمل برجاء إدراك ما بلغه من الثواب، مضافاً إلى ما يستفاد من تفريع العمل على البلوغ بقرينة الفاء الدالة على السببية، فإنه ظاهر في كون العمل مستند لبلوغ الثواب المحتمل، فينطبق على موضوعها الانقياد، الذي يستقل العقل بحسنه، فيكون الأمر به إرشادياً لا مولوياً.

قلنا: نعم، لا ريب في ظهور الأوامر الإرشادية إذا تعلّقت بموضوع حسن عقلاً، ولكن فيما نحنُ فيه لا نسلّم أنها تعلّقت بالعمل البالغ ثوابه، بقيد أنه يكون برجاء إدراك الثواب، لما فيها من الأوامر المطلقة المتعلقة بنفس العمل البالغ ثوابه، غير مقيد بإتيانه برجاء المطلوبية، كصحيحة هشام المتقدمة، والفاء لا تدل على السببية، بل تدلُّ على الترتُّبِ فقط، مثل قولنا: مَنْ سمع الآذان فدخل المسجد فله كذا من الثواب، وكقولنا: جاء زيد فعمر فخالد.

وعليه: فلم يكن الأمر فيها ظاهراً في الإرشاد، حيث لم يتعلق بالعمل بعنوان الانقياد، بل ظاهر في المولوية، كما هو الأصل في سائر الأوامر المتعلقة بنفس العمل؛ ومُجرَّدُ وجودِ ما في بَعْضِ الرّوايات من تَعَلُّقِ الطلب فيها بالعمل برجاء دَرْكِ الثواب، أو طَلَب لقول النبي  (ص) ، لا يوجبُ تقييد المطلقات، لما تقرّر في الأصول، من أنّ الأمر المطلق، لا يُقيَّد بالأمر المقيّد، خصوصاً في المستحبات، فيكونُ في المقام أمران؛ أحدهما بالمطلق، والآخر بالمقيد، مضافاً إلى أنها لا توجب التقييد، وإنّما هي لبيان عبادية ذلك الأمر الاستحبابي والترغيب إليه، فإنّهُ نظير أنْ يقال: (صَلِّ طلباً للثواب، أو خوفاً من العقاب)، فإنَّ هذا لا يقيّد العمل بكونه بهذا العنوان، بحيثُ يُقيّد به الأوامر الوجوبية بالصلاة، لما عَرَفْتَ أنَّ قصد القربة بأنحائه لا يؤخذ في متعلق الأمر العبادي، وإنما يكون لبيان أنّ العبادية المتحققة بهذا العمل، لا تكونُ إلا بقصد القربة، بنحو قصد الثواب، أو خوف العقاب، فلا رافع لظهورِ الأمر في المولوية في مطلقاتها.

وبعبارةٍ أخرى: إنّ المستفاد من الأخبار استحباب نفس العمل شرعاً، لا استحبابه عقلاً بعنوان الاحتياط والانقياد، والإتيان به لحصول الثواب، ولا رَيْبَ أنَّ العَقْلَ لا يرشد لمحبوبية نفس العمل.

وتوهّمُ أنَّ كونَ العمل يثبت له الأمر بعد عروض صفة البلوغ، يقتضي قصد البلوغ في إثباته مستحباً فاسدٌ، فإنّ ذلك لا يوجب ثبوت الحكم له بقصد البلوغ، ألا ترى أنّ الأحكامَ الثابتة للأعمال بعد عروض التقية أو الاضطرار لا توجد قصدها عند فعلها، إلا إذا قامَ الدّليلُ على لزوم قصدها، وهو أول الكلام.

على أنَّ في المقام قرائنٌ على كون الأوامر في أخبار (من بلغ) مولوية:

منها: ظهورُها في التأسيس لا التأكيد لحكم العقل، ومع الشكّ يحمل
اللفظ على التأسيس، وقد اشَتَهَر عنهم أنَّ التأسيس أولى من التأكيد([275])، وذلك لكون مقام المولى يقتضي إعمال مولويته بالإنشاء للحكم الشرعي، لا تأكيد حكم العقل.

ومنها: أنَّها لو كانت إرشاداً، وتأكيداً لحكم العقل على حسن الانقياد، لم تَكُنْ حَاجَةٌ لهذه الأهميّة في المستحبّات، بحيثُ يحثُّ عليها هذا الحثَّ الشديد، وتكثُرْ الأخبار فيه هذه الكثرة، ولهذا كان اللازم حَمْلُ أخبار الاحتياط على الطلب المولوي، لولا اقترانها بالقرائن الموجبة لحملها على الإرشاد.

ومنها: أنّها لو كانت إرشاداً لم يتوقف الثواب على البلوغ، إذ يكفي مجرد احتمال المطلوبية، فإنّ الظاهر من هذه الروايات أنّ للبلوغ عن النبي  (ص)  دخلٌ في ترتُّب الثواب، ولا رَيْبَ أنَّ ثوابَ الانقياد غير متوقّفٍ على ذلك، بل يكفي فيه مجرّدُ احتمالِ المطلوبية من أين ما حصل.

ومنها: أنّ العقل لا يحكم باستحقاق مقدار الثواب المسموع، كما هو مدلول هذه الأخبار، وإنما يحكم العقل باستحقاق أصل الثواب، فلا تكون هذه الأخبار مؤكدة لحكم العقل، ولا مرشدة له.

ومنها: إنّ فهمَ الأصحابِ للاستحبابِ المولويّ منها، وفهمُ الأصحاب جابر للدلالة عند أكثر الفقهاء، مضافاً للإجماعات المنقولة على استحباب نفس العمل، وفَهْمُ العلماء من الأخبار أنَّ العمل مستحب شرعاً استحباباً مولوياً في نفسه من حيث هو، فإنّ ذلك يقوّي به الظهور المذكور.

هذا كُلُّهُ على القول بثبوتِ الثّواب والعقاب على العَمَلِ الانقياديّ والمتجرّى به، وأمّا على القول بعَدَمِ ثبوتِها عليه، كما هو الظاهِرُ من كلمات الشيخ الأنصاري([276])، أو أنَّ الثوابَ والعِقابَ على صَرْفِ العَزمِ على الطاعة والمعصية، كما يَظْهَرُ من صَاحِبِ الكِفاية([277])، فلابُدَّ من جَعْلِ الأوامر مولوية، ولا تَصْلُحُ للإرشاد، لِعَدَمِ حُكْمِ العقل بثبوتِ الثواب على الانقياد.

إنْ قلتَ: إنّا لو حَمَلْنَاها على الاستحباب المولويّ، يلزم أنْ يُحْمَلَ فيها الثوابُ على الثواب الاقتضائي لا الفعلي؛ لأنه لو كان الخبر الضعيف مطابقاً للواقع، لكان الثواب ثابتاً للعمل في الواقع، وثواب ثابت له بمقتضى أخبار (من بلغ)، فيلْزَمُ اجتماعُ المثلين، فلابُدَّ من حملها على الثواب الاقتضائي، بمعنى أنَّ الثوابَ يَثْبُتُ له اقتضاءٌ لا بالفعل، بمعنى أنّه يَثْبُتُ له مَعَ عَدَمِ المانع، كاجتِماعِ المثلين.

قلنا: لا مَانِعَ من اجتماع الثوابين باعتبارين، سَلَّمنا، لكنَّ الأخبار المذكورة إنما تدلُّ على ثبوت الثواب لو كان الخبر غير مطابق للواقع، لا أنَّ الثَوابَ
يثبت حتَّى مع المطابقة للواقع، فهيَ دالَّةٌ على ثبوتِ الثّوابِ الفعليّ في هذه الصورة.

إنْ قُلْتَ: هذه الأخبارُ مفادها مُجرَّدُ الإخبار عن تَفَضُّلِ الله تعالى على عباده بترتُّبِ الثواب على العَمَلِ الصَّادر ممنْ بَلَغَهُ ثوابُه بمقدار ما بلغه من الثواب، فتكونُ هذه الأخبار شارحة ومخبرة عن تفضُّلِ الله بإعطائه الثواب البالغ على العَمَل الصادر ممن بلغه ذلك الثواب، نظير: (من سَنَّ سنّةً حَسَنَةً فله أجرها، وأجرُ من عمل بها)([278])، وليست في مقام بيان الحكم الشرعي للعمل المذكور حتى يكون مستحباً، ولا أقلّ من احتمال ذلك، والدليلُ متى تطرَّقَهُ الاحتمال بَطَلَ الاستدلال.

قلنا: قد عَرَفْتَ أنَّ الأخبار المذكورة في مقامِ التّرغيب والحَثَّ على العمل المذكور، فهي ظاهرة في بيان الحكم للعمل المذكور.

على أنه قد عرفت: أنَّ مجرَّدَ ترتيبَ الثواب على العمل يُوجِبُ ظهور اللفظ في استحبابه للملازَمَةِ العُرفيّة بينهما، ولذا الفُقَهَاءُ يستفيدونَ استحباب العمل من ترتُّبِ الثّوابِ عليه، كقولِهِ  (ص) : (مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فله أجرُها وأجرُ مَنْ عَمِلَ بها)؛ مضافاً إلى أنَّ بَعْضَها اشْتَمَلَ على لَفْظِ (كانَ أجْرُ ذلك له)([279])، وهو يقتضي الاستحقاق لا التفضُّلَ بالثواب.

مُضافاً إلى أنَّ التّفَضُّلَ بالثّوابِ لا ينافي المطلوبيَّة الشرعيَّة للعمل، فإنَّ الله في كُلِّ ثوابٍ يُعطيهِ للعبد من باب التفضّل، بل ظاهرُ التفضُّل بالثواب هو المطلوبية المولوية، والمحبوبية الشرعية، حيث لا يعقل تفضّله بالإحسان على عمل وهو غير مطلوب له.

إنْ قلت: إنَّ بلوغ الثواب عن النبي  (ص)  لا يصدق، إلا إذا قام الدليلُ المعتبر عليه، وأمَّا قيامُ الخَبَرِ الضَّعيفِ على الثوابِ فليس ببلوغٍ، وإطلاق البلوغ عليه مجازاً.

سَلَّمنا، ولكنّ الظاهر من هذه الأخبار بيانُ أنَّ حصول الثواب بالعمل البالغ عليه الثواب غير مشروط بمصادفة بلوغه للواقع، فهي بصَدَدِ بيانِ عدم اشتراط الثواب بالمصادفة للواقع، لا بيانُ أنَّ البلوغ بأيّ نحوٍ كان يُوجِبُ حُصولَ
الثواب من العمل، فلا يَصِحُّ التَمَسُّكُ بإطلاق البلوغ؛ لأنَّ الأخبار لَيْسَتْ
بصَدَدِ بيانه، وإنّما هي بصَدَدِ بيانِ حُكْمٍ آخر، وهو إعطاءُ الثواب، نظيرُ
قوله تعالى: [فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ]([280])، فإنّه لا يَصِحُّ التَمَسُّكُ بإطلاقِ الأمرِ بالأكلِ في جواز أكُلِ ما أمْسَكْنَهُ بدون تطهيرِهِ، حيثُ لم يُقيِّده بتطهيرِ مَوْضِعِ إمساك الكلب لها، ووَجْهُ عَدَمِ صحّة التمسّك بالإطلاق هو أنَّ الآية الشريفة بصدد بيان حكم آخر، وهو حلّيّة ما يصطاده كَلْبُ الصَّيد، وأنّه ليس بميتة.

وعليه: فلا يُستَفَادُ من هذه الأخبار حصول الثواب في صورة قيام الخبر الضعيف على الثواب، إذ ليس في الأخبار المذكورة ظهورٌ في خصوصها، كما هو واضِحٌ، ولا فيها ما يَشْمَلُها بإطلاقِهِ، لما عَرَفْتَ مِنْ عَدَمِ إطْلاقٍ للبلوغ المذكور فيها.

قلنا: إنَّ البلوغَ لا يختصُّ بصورَةِ قيامِ الدّليلِ المعتبر، بَلْ يَشْمَلُ مطلق البلوغ، ولو كان بنحوٍ غير معتبر، كالخبر الضعيف.

وأمّا دَعْوى عَدَمُ صِحَّةِ التمسُّكِ بإطلاق البلوغ؛ لأنَّ الأخبار ليست بصدد بيانه، وإنّما هي بصدد بيان ترتُّبِ الثواب ففاسدةٌ؛ لأنّ الأخبار ظاهرة في بيان البلوغ، وتعميمه بقرينة تزيلها بمثل قوله  عليهم السلام : (وإن لم يكن الحديث كما بلغه)([281])، وقوله  عليهم السلام : (وإن لم يكن الأمر كما نقل إليه)([282])، وقوله  عليهم السلام : (وإن كان رسول الله لم يقله)([283])، ونحو ذلك، فإن هذا التذييل بذلك وأمثاله يعقد ظهوراً للكلام في أنّه بصدد بيان أنَّ مطلق البلوغ وصرف وجوده بأيّ نحوٍ كان موجباً لترتب الأثر.

إن قلت: إنّه على هذا تكونُ أخبار (من بلغ) مخصّصة لما دلَّ على اعتبار الشرائط في العمل بخبر الواحد، مع أنَّ بينهما عمومٌ وخُصوصٌ من وجهٍ، حيث أنَّ أخبار (من بلغ) تَعُمُّ الخَبَرَ الواجد لشرائط الحجية، والفاقد لها، وأدلة اعتبار الشرائط في حجية الخبر تعم الخبر الدال على الاستحباب وغيره، فيقع التعارض بينها في صورة قيام الخبر الضعيف الدال على الاستحباب، فلا وجه لتقديم أخبار (من بلغ) على أخبار اعتبار الشرائط في هذه الصورة.

قلنا: إنّ أخبار (من بلغ) حاكمةٌ على الأدلّة المذكورة؛ لأنّها ناظرة إلى أنَّ الشرائط المعتبرة في البلاغ للأحكام غير معتبرة في البلاغ عن المستحبات، وإنَّ مُجرَّدَ البلوغ كافٍ فيها، والحاكم يُقدَّمُ على المحكوم، ولا يلاحظ النسبة بينهما، سَلَّمنا، لكن لو قدّمنا أدلّةَ اعتبارِ الشَّرائط في البُلوغ على أخبار (من بلغ)، إما أنْ لا يبقى لأخبار (من بلغ) مورد،ٌ أو نلتزمُ بأنّها ليست لتأسيس حكم الاستحباب للأعمال التي قام عليها الأخبار الضعاف، وقد تقدَّمَ أنها ظاهرة في التأسيس لحكم الاستحباب، بخلاف ما لو قدَّمنا أخبار (من بلغ)، فإنَّهُ يكون لِكُلٍّ منها مَوْرِدٌ يختَصُّ به، هذا مضافاً إلى أنَّ العمل بها في مورد الاجتماع معتَضِدٌ بالشُّهْرَةِ والإجماع المنقول، فيكونُ التّرجيحُ مَعَهَا، مُضَافاً إلى أنَّ ذلك ليس عَمَلاً بالخَبَرِ الضَّعيفِ، بَلْ هو عَمَلٌ بأخبارِ مَنْ بَلَغَ، غايةُ الأمر أنَّ الخبر الضَّعيف مُحقِّقٌ لوصف البلوغ الذي هو الواسطة في ثبوت الحكم الاستحبابي الشرعي.

حاصل المطلب

والحاصل: إنّ أخبار من بلغ تدلُّ على ثبوتِ استحباب نفس العمل البالغ عليه الثواب على من بلغه، نعم، لمّا كانَ استحقاقُ الثّواب من المولى لا يَثْبُتُ إلا إذا وَقَعَ العَمَلُ بقَصْدِ التَقَرُّبِ إليه، بأيّ نحوٍ كان، بقَصْدِ امتثال أمْرِهِ، أو رجاء امتثاله، أو رَجَاءِ الثّوابِ، أو خَوْفِ العقاب، أو قُرْبِ المنزلة، فمَنْ أتَى بالعَمَل المذكور بنحْوٍ يُوجِبُ التقرُّبَ إلى اللهِ استحَقَّ بمقتضى هذهِ الأخبار الثواب الموعود عليه، فيكون وزان استحباب هذا العمل، وزان وجوب الصلاة مثلاً، في أنه متعلق بنفس العمل، ولكن لا يسقط إلا إذا أتى به بقصد القربة، لكونه أمراً عبادياً، أما في عمل الصلاة فواضح، وأما في العمل الذي قام عليه الخبر الضعيف، فلأنَّ الثوابَ لا يُعْقَلُ أنْ يستحقّه العبد إلا إذا قَصَدَ القربة بأيّ نحو من أنحائها بفعْلِهِ، وبعض أخبار (من بلغ) صَرَّحَتْ بذلك، ومن هنا ظهر لك
وَجْهُ حمل الفقهاء الروايَة الضّعيفَةَ الصَّريحة في الوجوب، فَضْلاً عن الظاهرة فيه على الاستحباب، وإنَّ وَجْهَ الحمل هو أخبار (من بلغ)، باعتبارِ أنَّ الرواية لما كانت غيرُ مثبّتَةٍ للوجوب، ولكنّها يتحقَّقُ بها بلوغُ الثّواب، كانَتْ مقتضيةً لاستحباب العمل، وليس الوَجْهُ في ذلك كونُ ضعفها قرينة على الاستحباب، حتى يقال: إنَّ ضعف الرواية لا يكون قرينةً على التجوّز في دلالتها، وهكذا حملهم للرواية الضعيفة الدالة على الحرمة على استحباب الترك، إنما يكون من جهة ما ذكرناه.

كما ظهر إنَّ مجرَّدَ فتوى الفقيه باستحباب الفعل لا يحرز بها البلوغ، فلا يصحُّ من الفقيه الاعتماد عليها، لاحتمال أنَّهُ استَنَدَ في فتواه إلى روايةٍ غير دالة على الثواب على العمل، أو استند لحكم العقل بالتحسين، أو التقبيح، أو إلى أصلٍ عقلي، فإنّهُ في هذه الصُّوَر لا يتحَقَّقُ عنوانُ البلوغ عن النبي  (ص) .

فتوى المجتهد بمقتضى أدلة التسامح

من هنا ظهر لك صِحَّةُ ما حُكي عن المشهور من الفتوى باستحباب العمل المذكور من دون تقييد الفتوى بمن بلغه ثوابه كما عن بعض([284]).

وكذا لا حاجة إلى أن يذكر في فتواه بالاستحباب بأنَّ الخَبَرَ الضعيف قام على وجوبه واستحبابه، ليتحقَّقَ بذلك عنوانُ البُلوغِ للمقلّد، كما عن بعض آخر([285])، لما عَرَفْتَ مِنْ أنَّ الاستحباب يَثْبُتُ لِنَفْسِ العَمَلِ عند المجتهدِ بواسطة قيام الخبر الضعيف بنحو الواسطة في الثبوت.

إنْ قُلْتَ: إنَّ هذا لا يَتمُّ لو كانَ بأخبار (مَنْ بَلَغَ) يَثْبُتُ حجية الخبر الضعيف، إذ بقيامه حينئذٍ يكونُ الدّليلُ الصَّحيح قد قام على استحباب العمل في الواقع على الجميع، كما هو الحالُ في كُلِّ واقِعَةٍ قامت الأمارة المعتبرة على حكمها الشرعي.

وأمّا بناءً على أخبار (من بلغ) الأمر فيها للإرشاد لحكم العقل بحسن الانقياد، أو أنَّها لبيان التفضُّل على العباد، فلا يجوزُ الفتوى من المجتهد باستحباب العمل، حيثُ لا يجوزُ للفقيه البناءُ على استحباب العمل المذكور، وإنّما على الفقيه حينئذٍ أنْ يأتي به برجاء المطلوبية؛ لأنه لم يثبت عنده إلا استحسان الانقياد به، الذي هو عبارةٌ عن إتيانه برجاء المطلوبية، فلو أراد
أن يفتي فلا يَصِحُّ له أنْ يفتي إلا بإتيانه برجاءِ المطلوبية؛ لأنّ هذا المقدار هو الثابت عنده.

وأما بناءً على أنَّ أخبار (من بلغ) مفادها ثبوت الاستحباب للعمل من جهة البلوغ، فكذا لا يجوز للفقيه الفتوى باستحباب العمل، إلا بتقييد العمل المذكور بالبالغ ثوابه، نظراً إلى موضوعية البلوغ في ترتُّبِ الاستحباب، أو إذا أفتى باستحبابه فلابُدَّ أنْ يخبر بأنَّ في العَمَل خَبَرٌ ضعيفٌ على مطلوبيّته، ليتحقق بذلك البلوغ لمقلّده، ولا يجوزُ للفقيه أنْ يفتي باستحباب العَمَل مطلقاً من دون ذلك، لعدم ثبوتِ هذا الحكم لمن لم يبلغه الثواب، والفرض أنَّ مقلّده العاميّ لم يبلغه الثواب.

قال المرحوم الشيخ محمد تقي([286]) في تقريراته لأستاذنا أغا ضياء  رحمه الله ([287]): ولا يجدي في صحة ذلك أدلة نيابة المجتهد عن المقلد في استنباط حكمه لأنها إنما تكون في فرض شمول أدلة الحكم الشرعي ثبوتاً لغير البالغ إليه الثواب لا في فرض اختصاصه بخصوص البالغ إليه الثواب فلا بُدَّ من تقييدِ الفتوى بما ذكرنا([288]).

قلت: أمّا بناءً على أنّ أخبار (من بلغ) لبيان التفضل، أو أنها للإرشاد، فالحق مع المشكل، وأنَّ الفتوى لا تكون إلاّ مقيدة، كما هو الحال في أخبار الاحتياط.

وأمّا بناء على أنَّ أخبار (من بلغ) تثبت استحبابَ العمل من جهة عروض البلوغ له، فالحقُّ جواز الإفتاء من المجتهد باستحباب العمل غير مقيد؛ لأن بلوغ الثواب عنوان يكون واسطة في الثبوت، وليس له دخل في موضوعية الحكم، نظير الشك في الطهارة، في ثبوت الطهارة في الشبهات الحكمية، وليس داخلاً في موضوع الحكم، كالضرر والحرج، وقد ذكرنا في الجزء الأول من كتابنا النور الساطع، في مقام الردّ على صاحب الكفاية، حيثُ مَنَعَ من تقليد من عمل بالأصول ما فيه الشفاء للصدور بصحّة ذلك([289]).

وإن شئت قلت: إنَّ الإجماع قد قام، والأدلّةَ على جواز التقليد أيضاً قد دلَّتْ على أنَّ كُلَّ حُكْمٍ شرعيٍّ، وكُلَّ وظيفَةٍ شرعيَّةٍ لا يستطيعُ العامّيُ معرفته بنفسه لحكمها، ولا لوظيفته فيها، ولا حَظَّ له في ذلك أنْ يرجع للعالم بها؛ ولا رَيْبَ إنَّ معرفة أنَّ هذا العَمَلَ مما بَلَغَ عليه الثواب تحتاج إلى فهم مدلول الخبر، والبحث عن معارضه، وعلاج التعارض، ونحو ذلك مما هو وظيفة المجتهد، لا وظيفة العامي، فإنَّ معرفة مدلول الخبر تحتاج إلى معرفة علوم اللغة، التي يشخّص بها مدلول اللفظ، والبحث عن المعارض يَحْتَاجُ إلى البَحْثِ عن الأدلَّة، والحاكم منها، والوارد، والبَحْثُ عن الأصول، وعن مجاريها، فلَعَلَّ في المورد أصلٌ يقتضي التحريم أو الكراهة.

وعليه: فلا يصحُّ بقيامِ الخبر الضعيف العمل على طبقه؛ وهذا لا يتحقَّقُ إلاّ ممن عندَهُ مَلَكَةُ الاجتهاد وقوَّةُ الاستنباط.

وعليه: فلا يَصِحُّ من العامّي أنْ يقلّد المجتهد في نفس قاعدة التسامح، إذ ليس يتمكّن من تعيين مجراها، نعم، يجوز من المجتهد أنْ يرخّص للمقلِّد فيما يؤمن فيه من الخطأ، كترخيصِهِ للعامّي العَمَلَ ببعض الأدعية والزيارات، التي لم يكن فيها من الفقرات ما تنافي العقيدة، ولكنّ ذلك في الحقيقة إفتاءٌ منه باستحباب تلك الزيارات أو الأدعية، لا إفتاءٌ منه بقاعدة التسامح.

 

 

 

المصدر الرابع
العقل

والمراد بالعقل: هي القوّةُ المدبّرة والمديرة للبدن، والمسيّرة له في تصرّفاته الاختيارية في صالحه، وليس مرادهم منها: هي القوة الكاملة الموجودة في الأنبياء والأوصياء، ولا الناقصة الموجودة في الهمج الرعاع، وإنما مرادهم بها الموجودة في أواسط الناس الخالية من الشوائب، والأوهام.

فإنّ للعقل المذكور دلالةً على الحكم الشرعي، كالكتاب، والسنة، والإجماع، بواسطة المقدّمات التي أسّسها واستنتج منها الحكم الشرعي، فتلك المقدمات تُسمّى بدليل العقل؛ وليس المراد بدليل العقل، ما دَلَّ العَقْلُ على حُجيّته، وإلا لكان الكتاب، والسنة، والإجماع من دليل العقل.

فتلخص: إنّ العقل باعتبار دلالته على الحكم الشرعي عُدَّ من الأدلة، كالكتاب، فإنّه إنما عُدَّ من الأدلّة باعتبار دلالته على الحكم الشرعي.

ثم إنْ كانت المقدمات التي استنتج منها العقل الحكم الشرعي عقلية محضة، لا يتوقف استنتاجه للحكم الشرعي منها على خطابٍ شرعيّ، كاستنتاجه لوجوبِ رَدِّ الوديعة شرعاً، من حكم العقل بحسن رَدّها، بحيثُ لا يرضى بعدم ردها، مع مقدمة كلّما حكم به العقل حكم به الشرع، فإنَّ العقل يستنتج من هاتين المقدمتين العقليتين وجوبُ رَدّ الوديعة واقعاً، وكحكمه بعدم حرمة شرب التتن الذي استنتجه العقل من مقدمة وجدانية، وهي أنَّ شرب التتن لم يقم دليلٌ على حرمته شرعاً([290])، مع المقدمة التي حكم العقل بها، وهي قبح العقاب بلا بيان، فيسمّى هذا الدليل بالدليل العقلي المستقلّ، ومن هذا الباب سائر المحسّنات والمقبّحات العقلية؛ وربّما يخص الدليل العقلي المستقل بالقسم الأول، وهو ما دَلَّ على الحكم الواقعي باعتبار أنَّ مقدّماته كلها عقلية.

وأما القسم الثاني: وهو ما دَلَّ على الحكم بواسطة مقدمة وجدانية، فيجعل من الدليل العقلي الغير المستقلّ، لكون إحدى مقدّماته وجدانية غير عقلية، فالمقدّمات التي استنبط العقل منها الحكم الشرعي، إنْ كان بعضها عقلية وبعضها شرعية، فيسمّى بالدليل العقلي الغير المستقل، كحكمه بوجوب هذه المقدمة شرعاً، فإنّ الدليل العقلي عليه متوقفٌ على خطابٍ شرعي بذي المقدمة، وعلى مقدّمة عقلية، وهي استلزام وجوب المقدمة شرعاً لوجوب ذيها شرعاً، وكحكم العقل بحرمة هذا الضدّ شرعاً، فإنّه يتوقَّفُ على مقدمة شرعية، وهو حكم الشارع بوجوب ضدّهِ، وحُكْمُ العقل باستلزام وجوب الضدّ شرعاً لحرمة ضدّه شرعا.

وهكذا حُكْمُ العقل بانتفاء هذا الحكم الشرعي، عند انتفاء شرطه بواسطة قيام الخطاب الشرعي على الحكم الشرعي بذلك الشرط، بصيغة مثل الجملة الشرطية، أو الوصفية، أو اللقب.

نعم، لو قلنا بأنَّ استلزام وجوب المقدمة لوجوب ذيها، واستلزام وجوب الشيء لحرمةِ ضِدِّهِ، واستلزام الانتفاء للحكم لانتفاء ما عُلِّقَ عليه بدلالة اللفظ، لا بدلالة العقل، لم يكُنْ الحكم المذكور بوجوبِ هذه المقدمة أو حرمة هذا الضدّ أو الانتفاء عند الانتفاء من الأحكام العقلية أصلاً، لا المستقلة ولا غير المستقلة، وإنّما تكون من الأحكام النقلية المحضة.

والذي يُعَدُّ في صراط الأدلة الأربعة لموضوع الأصول على الأحكام الشرعية، هو القسم الأول، أعني: الدليل العقلي المستقل، الذي يدلُّ على الحكم الواقعي، كمثالِ وجوبِ رَدِّ الوديعة، وأمّا الدليلُ العقليّ المستقلّ الذي يدلُّ على الحكم الظاهري، أعني: ما أخذ الشكُّ في موضوعه، كمثال إباحة التتن، فقد بحثوا عنه في مباحث الأصول العملية([291]).

أما القسم الثاني: أعني: دليل العقل الغير المستقل، فقد بحث عنه الأصوليون في صدر كتبهم، في أبوابٍ متعددة، كباب مقدمة الواجب والنهي عن العبادة، والنهي عن الضد، والمفاهيم، وذلك لأنّ الدليل العقلي الذي جعله الأصوليون في صراط الأدلة الفقهية، هو ما كانَ على وزانها ونظرها من دلالته على نفس الحكم الواقعي، مثلُ الكتاب والسنة، لا الدّليلُ العقليُّ المستقلُّ على الحكم الظاهري، ولذا فإنَّ الأدلّة الدالة على الحكم الواقعي، تسمى بالأدلة الفقاهتية، والدالة على الحكم الظاهري تسمّى بالأدلّة الاجتهادية.

وقد ذَهَبَ المعتزلة إلى أنَّ العقل إذا دَلَّ على شيء فهو حُجَّة، وباعتبار حصول القطع منه يُقدّمُ عند مخالفته للكتاب، أو الإجماع، أو غير ذلك، أو يؤوّلُ ما خالفه، سواء في أصول الدين، أو فروعه، وسواء استقل بالحكم، أو استلزمه([292])؛ وخالفهم الأشاعرة، فذهبوا إلى أنَّ العقل لا دخل له في أصول الدين ولا في فروعه، وإنما عليه الانقياد والإذعان للنصوص الدينية، والعمل على طبقها([293]).

والحاصل: إنّ مَحَلَّ كلامِ القوم في هذا المقام هو البَحْثُ عن حجية العقل، باعتبار دلالته على الأحكام الشرعية الفرعية الواقعية، وأنّها متبعة وحجة عليها أم لا؛ كما أنَّ مَحَلَّ كلامهم في الكتاب، والسنة، والإجماع في أبوابها، باعتبار دلالتها على الأحكام الشرعية الفرعية الواقعية، وأنها متبعة وحجة عليها أم لا.

وليس كلامهم في حجية الدليل العقلي باعتبار دلالته على الطريق للحكم الشرعي، كأنْ يدلّ على حجية الكتاب، أو الإجماع، أو السنة، فإنه بذلك لم يعد في مقابلها، ويكون البحث عنه في أبوابها في علم الأصول([294])، فإنَّ الدليل العقلي على حجية الكتاب يبحث في علم الأصول في باب حجية الكتاب عنه، وهكذا الكلام في الباقي، كالدليل العقلي على حجية الظنّ بالحكم، أو استصحاب الحكم، أو الشهرة، أو القياس، أو الاستحسان، أو غيرها من الطرق لمعرفة الحكم الشرعي، فإنّه يبحث عن الحكم العقلي على حجيتها في أبوابها.

كما أنَّهُ ليس محلّ كلامهم في هذا المقام في حجيّة العقل باعتبار دلالته على وجوب الطّاعة للتكاليف، فإنَّ ذلك من مباحث علم الكلام، إذ فيه يبحث أن العقل يلزم بالطاعة بإتيان الواجبات وترك المحرّمات، سواءٌ علم بها تفصيلاً، أو إجمالاً، أو احتملت احتمالاً؛ نعم، في علم الأصول تَعَرَّضوا لذلك في باب الاحتياط للشُّبْهَةِ التَّحريمية والوجوبية عند العلم الإجمالي بالتكليف([295])، والشبهةِ قبل الفحص، باعتبار أنَّ العقل يَدُلُّ على وجوب الاحتياط ظاهراً في هذه الأمور، فيكونُ العلم الإجماليُّ أو الشبهة المذكورة طريقاً عند العقل للوجوب الشرعي بالاحتياط فيها.

والحاصل: إنَّ البَحْثَ في هذا المقام للأصوليين عن العقل من حيث حجية دلالته على الحكم الشرعي الفرعي الواقعي، كالبحث عن حُجيّة الكتاب من حيث دلالته على الحكم الشرعي الفرعي الواقعي، فإنَّ الكتاب تارةً يبحث عن حجية دلالته على نفس الحكم الشرعي كآية [أَقِيمُوا الصَّلاَةَ]([296]) على وجوب الصلاة، وبهذا الاعتبار يعدُّ من أدلة الأحكام الأربعة، وهو الذي يعد في صراطها وعدادها.

وتارة يبحث عن دلالة الكتاب على حجية الخبر الواحد كآية: [إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا]([297])، وبهذا الاعتبار يبحث عنه في باب حجية الخبر في علم الأصول، وتارة يبحث عن دلالة الكتاب على حجية الأصل، كأصل البراءة، وبهذا الاعتبار يبحث عنه في باب حُجيّة ذلك الأصل، وتارةً يبحث عن دلالة الكتاب على الإطاعة والامتثال للتكاليف، كقوله تعالى: [أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ]([298])، وبهذا الاعتبار يبحث عنه في علم الكلام.

ثمّ إنّ مقتضى القاعدة أنْ يبحثوا في هذا المقام عن الدليل العقلي على الحكم الشرعي، سواءٌ كانَ دليلاً عقلياً مستقلاً أم غير مستقل، لكن المتأخرين من الأصوليين في هذا المقام خصّوا البحث عن الدليل العقلي بالمستقل([299])، وبحثوا عن غير المستقل في أوائل كتبهم، لكون بعضهم ادّعى دلالة اللفظ على الاستلزامات المذكورة دون العقل، لذهابه إلى أنَّ اللزوم بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها، ووجوب الشيء وحرمة ضده، وغيرها من الاستلزامات، من لزوم البين، ينتقل له الذهن بمجرّدِ سماعه للخطاب، كدلالة الأربعة على الزوجية([300]).

وعليه: فيكون الدليل على وجوب المقدمة شرعاً ونحوه دليلاً نقلياً محضاً، لا عقلياً غير مستقل، فباعتبار هذا القول أفرد الأصوليون البحث عن ذلك في صدر كتبهم([301]) في مبحث الألفاظ، فبحثوا عن وجوب المقدمة شرعاً، والنهي عن الضد، والمفاهيم، وغيرها مما كان حكم العقل فيها موقوفاً على خطاب شرعي آخر، وإنْ كان أغلبهم لم يذهب إليه، فاختصّ البَحْثُ في هذا المقام، أعني مقام التعرض للأدلة الشرعية على الحكم الواقعي، بالدليل العقلي المستقل، ولكن الشيخ الأنصاري  رحمه الله  لم يذكر الدليل العقلي في عداد الأدلة على الأحكام الشرعية([302])، وإنما ذكر القطع بالحكم الشرعي، فجعل الميزان هو القطع من الدليل العقلي، فالدليلُ العقليّ إنْ أفاد القطع بالحكم الشرعي، كردّ الوديعة يعمل به، وإلاّ فلا؛ كما أنَّ الظنَّ بالحكم الشرعي الحاصل من الدليل إنْ ثبت حجيته من الشرع يعمل به، وإلاّ فلا، فاستراح هو ومن تبعه من مبحث الدليل العقلي ولم يتعب نفسه فيه، وإنْ كانوا قد تعرّضوا في أثناء بحثهم عن القطع لأدلّة المانعين من حجية العقل.

إلاّ أنّ التحقيق: إنّ القطع لا رَيْبَ في وجوب متابعته، ولزوم العمل به، والجري على طبقه؛ لانكشافِ الواقع به لدى القاطع انكشافاً تاماً، لا يتطرَّقُ له أدنى وَهْمٌ أو احتمال، وإلاّ لما كان قاطعاً، فثبوتُ الكَشْفِ له، نظير ثبوت الزوجية للأربعة، ولا يعقل أنْ يَقَعَ النّزاعُ في حُجيّته، وإنّما كلامُ الأصوليين في تشخيص الأدلّة العقلية التي تُوجِبُ القطع بالأحكام الشرعيّة، والعُمْدَةُ عندهم الذي هو مَحَلُّ النزاع في حصول القطع به([303])، هو دليلُ الحسن والقبح العقليين، وهو مبني على دعامتين:

[الدعامة] الأولى: إنّ الأفعال عند العقل مختلفة في نفسها، مع قطع النظر عن الشرع، فبعضها ما يمدح فاعلها، وبعضها ما يذم فاعلها، لخصوصية في ذاتها، أو صفة حقيقية متّصفة بها، أو جهة اعتبارية تقضي ذلك، وإنّ الأفعال كسائر الأشياء المختلفة في الآثار في حَدِّ ذاتها، كالأحجار، والأشجار، والجمادات، فالضرب المورث للحزن والغم والألم يُذَمُّ فاعله، ورَدُّ الوديعة الموجب للفرح والسرور، يمدح فاعله.

وكما أنَّ الأشياء بالنسبة إلى كُلِّ واحدٍ من الحواسّ الظاهرة والباطنة، والطبائع، والغرائز، قد تكون ملائمة، وقد تكون منافرة، وقد لا تكون كذلك، وقد تكون على حدّ سواء، لا ملائمة، ولا منافرة، كذلك القوة العاقلة تكون لها ما يلائمها وما ينافرها، وما هو على حدّ سواء بالنسبة لها، مع قطع النظر عن الشرع بحسب مالها من الخصوصية؛ فالفعل الملائم للعقل يعجبه ويستحسنه من فاعله، إذا صدر عنه بالاختيار، والفعل المنافر للعقل يشمئز منه، ويقبح فاعله، إذا صدر منه بالاختيار، والفعل الذي ليس بمنافر للعقل، ولا بملائم له، لا يقبح فاعله، ولا يستحسنه منه، ولا فرق في ذلك بين الأفعال الصادرة من المولى، أو من العبد، وينسب القول بذلك للإمامية، والمعتزلة، والخوارج، والبراهمة، والثنوية، والحنابلة، والكرامية([304])، بل ولبعض الأشاعرة([305]).

وقد خالف في ذلك جمهورُ الأشاعرة، فقالوا بأنَّ أفعال الله لا تتصف بالحسن أو القبح المذكورين، فلو أثاب العاصي، وعاقب المطيع لم يأت بقبيح([306])؛ لأنه تَصَرُّفٌ منه تعالى في ملكه، فما يفعله فهو في محلّه، وأمّا أفعال العباد، فلبنائهم على عَدَمِ صدورها منهم بالاختيار، وإنّما كانَ صُدورها منهم بالجبر والاضطرار، وإنَّ العَمَل إنّما يكونُ حَسَناً لو أمَرَ بهِ الشَّارع، وقبيحاً لو نهى عنه الشارع، وأنّه قبل الشرع أفعال العباد ليست بحسنة ولا قبيحة، وإنَّ الشارع هو المثبت لها.

والبحث في هذا المقام يسمّى بمبحث الحسن والقبح العقليين، وتتفرع عليه مطالب كثيرة، وثمرات عظيمة.

والحاصل: إنّ الدعامة الأولى للدليل العقلي المستقلّ على الحكم الشرعي ترجع لقضية جزئية، وهي: أنّ العقل قد يحكم في بعض الأفعال بمدح فاعلها، ومنعه من تركها، فتكون واجبة عقلاً، أو بمرجوحية تركها، فتكون مستحبة عقلاً، وبعضها يحكم بذمّ فاعله ومنعه من الفعل، فتكون محرمة عقلاً، أو بمرجوحية الفعل فتكون مكروهة عقلاً، وبعضها يحكم بعدم الذم، وعدم المدح فتكون مباحة عقلاً؛ وبعضها يجهل الحال فيها، وهي الأفعال التي لم يطلع العقل على المصلحة أو المفسدة الموجودة فيها فلا يحكم فيها بشيء.

واستدلَّ القائلون بالتّحسين والتقبيح العقليين([307]):

أولاً: بالضّرورة، فإنَّ العُقلاءَ لا يرتابون في حُسْنِ الإحسان، بمعنى: أنّ فاعله يستحق المدح أو الثواب من حيث كونه فاعلاً له، وقبح الظلم والعدوان، بمعنى أن فاعله يستحق الذم والعقاب من حيث كونه فاعلاً له، وليس ذلك بالشرع، فإنّه يقول به حتى الملاحدة.

وثانياً: أنّه لو كان بالشَّرع يلزم إفحامُ الأنبياء، إذ ليس هناك ما يوجب على العقل النظر لمعجزاته إلا حكم العقل بحسنه، لخوف الضرر، واستحقاق العقاب على الترك.

فلو قلنا بعدم حكم العقل بالحسن والقبح، لم يكن هناك موجب وملزم للنظر عليهم، وللزم تجويزُ العقل ظهور المعجزة على يد الكاذب، لعدم ثبوت القبح عند العقل في ذلك.

وثالثاً: لو لم يكونا بالعقل، للزم ارتفاعُ الوثوق بالمعاد، وبوعد الله ووعيده، إذ لا مانع عند العقل سوء قبح ذلك على الله تعالى، وإذا لم يكن قبيحاً عند العقل جوّز العقل صدوره من الله تعالى.

ورابعاً: جملة من الآيات القرآنية، والأخبار النبوية، كالآيات الدالَّة على إرجاعهم لعقولهم، وأفكارهم، وكالأخبار الآمرة بالرّجوع إلى العقل، وليس إثباتُ هذه الدّعامة يَحْتَاجُ إلى مَزيدِ بيانٍ وإقامة برهان.

ما فرَّعوا على هذه الدعامة الأولـى:

ولقد رَتَّبوا على القول بالتحسين والتقبيح العقليين أمور:

أحدها([308]): مسألة التكليف بالمحال، فمن قال بأنهما عقليان منع منها، ولم يقل بجواز ذلك، وأمّا التكليفُ المحال فهو ممتنع عند الجميع لكون المحال ممتنع بالذات.

ثانيها([309]): وجوب الأصلح على الله تعالى، فإنّ من قال بأنّ التحسين والتقبيح عقليان، قال بوجوب الأصلح على الله تعالى، وفرّعوا عليه وجوب اللطف على الله تعالى، وفرعوا على وجوب اللطف عليه تعالى حسن التكليف، ووجوب صدوره من الله تعالى، ووجوب بعث الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الإمام، وغير ذلك من الألطاف الإلهية، مما يوجب القرب للطاعة والبعد عن المعصية.

ثالثها([310]): وجوب شكر المنعم، فأثبته العدلية لحسنه العقلي، وأنكره الأشاعرة.

رابعها([311]): إنّ الأصل في الأفعال الاختيارية التي لا ضرر فيها هو الحظر أو الإباحة.

هذا كلامٌ وقع في البين جرّنا له ناموس تتابع الأفكار، فإنَّ المقصود لنا في المقام بيان الدعامة الأولى للدليل العقلي المستقل على الحكم الشرعي، وقد عرفت أنها ترجع لقضيّةٍ جزئية، وهي أنَّ العقل يحكم في بعض الأفعال بالتحسين والتقبيح العقليين.

الدعامة الثانية: التي يتركَّزُ عليها الدليل العقلي على الحكم الشرعي: هو أنَّ الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، ترجع لقضية كلية، وهي: كلُّ ما حكم به العقل حكم به الشرع([312])، سواء قلنا بأنها بمعنى التطابق بين الشرع والعقل، بأنْ يكونَ حكمان حكم الشرع وحكم العقل، وحاكمان الشرع والعقل، أو بمعنى: الشرعُ يُصدِّقُ العقلَ في حكمه، لا أنّه يحكمُ بحكمٍ آخر، بأنْ يكون حكماً واحداً هو للعقل، ولكنّ الحاكم اثنان الشرع والعقل؛ فبأيّ التفسيرين فسّرناها تكون هي الدعامة الثانية التي يتركز عليها الدليل العقلي المستقل، حيثُ أنَّ العقل بواسطة هذين الدعامتين يستنتج الحكم الشرعي للحادثة التي يتحققان فيها، فالعقل يحكم بردّ الوديعة، وبمدح فاعله، والمنع من تركه، ولذا قرّر الإلزام به الحكومات والدول حتّى الملحدة منها، فيجبُ بحكم العقل وُجوباً عقلياً، فيتحقَّق فيه الدعامة الأولى، ثمّ بواسطة الدعامة الثانية، وهي كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، يثبت وجوبه شرعاً، فقد استفاد العقل الحكم الشرعي بوجوب رَدّ الوديعة من المقدمات التي هي ثابتة عنده، من دون حاجة لخطاب شرعي، بخلاف وجوب المقدمة شرعاً، فإنه يحتاج إلى نصّ شرعي خارج عن الدليل العقلي عليه، يدلُّ ذلك النصُّ على وجوب ذيها، وهكذا في مثل أكل مال اليتيم بلا عوض، يحكُمُ العقل بذمّ فاعله، ومنعه عن فعله، فيحرم بحكم العقل حرمة عقلية، فيتحقَّقُ فيه الدعامة الأولى، ثمَّ بواسطة الدعامة الثانية، وهي كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، يثبتُ حرمته شرعاً، فاستفيد الحكم الشرعيّ من الدليل العقليّ المستقلّ، بدون الاحتياج إلى نصٍّ شرعيٍّ في أيِّ مقدّمةٍ من مقدمات هذا الدليل العقلي، أو في الخارج منها، بخلاف حرمة الضدّ على القولِ بها، فإنه يحتاج إلى نصٍّ شرعيٍّ خارج عن الدليل عليها، يدلُّ على وجوب الشيء، لكنّك قد عَرَفْتَ أنَّ هذا إنما يتمُّ فيما لو اطّلع العقلُ على المصلحة والمفسدة في الفعل، وأمّا مع الجهل فلا مجال له، ولذا لم يكن للعقل المستقلّ مسرح في أغلب العبادات، ولا في سائر كيفياتها، والأكثر ذهبوا إلى ثبوتِ الدعامة الثانية([313]).

وناقش في صِحَّةِ هذه الدعامة الثانية بعض الأخباريين([314]) وجملة من فطاحل المتأخرين([315]).

والدليل عليها: إنّ الميزان في صيرورة الفعل محرّماً أو واجباً هو بغضُ المولى له، وإرادته له ولو لم يكن في البين خطابٌ، وليس الميزان الخطابات الصادرة من المولى بالحرمة أو الوجوب، بدليل استقلال العقل بصحّةِ معاقبة العبد على المخالفة، لو علم بإرادة المولى للعمل منه، أو بغض المولى العمل منه، ولو لم يكن خطابٌ للمولى بذلك العمل، بل العقل يستقلُّ بأنَّ العبد لا يستحق العقاب على مخالفة الخطاب بوجوب العمل إذا علم بعدم إرادة المولى لذلك العمل، وهكذا عَدَمُ استحقاق العقاب على فعل العمل إذا خالف الخطاب الحرمة، إذا علم العبد بأنَّ المولى لا يبغض العمل، كما هو الشأنُ في إنقاذ ابن المولى، وإنقاذ عدوّ المولى، فليسَ الحكمُ الشرعيُّ هو الخطاب الشرعي الفعلي، بأنْ يصل إليهم قولُ النبيّ  (ص)  صلّ أو صم، وإنّما هو إرادة المولى وكراهته المكشوف عنهما بالخطاب الشرعي، كما يشهد بذلك الوجدان، فإنَّ من علم إرادة المولى بشيء أو كراهته له وخالفه، عُدّ عاصياً، من غير حاجَةٍ إلى كاشفٍ لفظيٍ عنهما، كيف؛ ولو قلنا بأنَّ العقاب والثواب مقصوران على الخطاب اللفظي، لزم أن لا عقاب ولا ثواب لو قام على إرادة المولى الإلزامية الإجماعُ، أو الضرورةُ، أو التقريرُ، أو السيرةُ على القول بحجيّتها؛ وإذا حَسَّنَ العقلُ شيئاً نراه حسناً
عند المولى، فالمولى يريده، وإذا قَبّحَ العقلُ شيئاً يراهُ قبيحاً عند المولى، فالمولى يبغضه.

ودعوى احتمال إنّ علم العبد بالحسن جهلاً، مدفوعةٌ بأنَّ العالم لا يحتمل ذلك، وإنْ احتمل غيره.

وقد أورَدَ على هذا الدليل بعضُ الفطاحل بما حاصله([316]):

إنّ مجرّد حسن الفعل أو قبحه لا يوجب إرادة المولى له من العبد وزجره عنه، بل لابدّ في حصول الإرادة الباعثة من المولى له، أو الكراهة الزاجرة من المولى عنه، وهما لا يحصلان إلا لدواعٍ أخرى، ولأغراضٍ أخر، بشهادة الوجدان، فإنّ العقلاء كثيراً ما يريدون عدم صدور هذا العمل الحسن من العبد، حرصاً على راحة العبد، أو يريدون صدور هذا العمل القبيح من العبد لبغضهم وكراهتهم لذلك العمل، كإنقاذ العبد لمن تكرهه نفوس مواليهم، فالخطابُ الطلبي متقوّمٌ بالبعث نحو العمل، والخطاب الكراهي متقوّم بالزجر، وهما مرتبتان متأخّرتان بعد الإرادة والكراهة، وليس عِلْمُ المولى بالحسن عِلّةٌ تامّةٌ للبعث نحو العمل، إذ قد يكونُ له دواعٍ وأغراض توجب عدم بعثه نحو ما علم حسنه، وهكذا علم المولى بقبح العمل لا يوجب زجره عنه، إذ قد يكون له دواع توجب عدم زجره.

والحاصل: إنَّ البعث والزَّجر يختلفانِ باختلافِ الأحوال والأشخاص، وغَلَبَةِ الشَّهوات، والتفاوت في الملكات، وملاحظة نظام الكائنات؛ وذلك حتى بالنسبة لله تعالى، كما في صُورَةِ مزاحَمَةِ ما فيه المصلحة الملزمة، لما كان فيه مصلحةٌ ملزمةٌ أهمُّ منه، فإنّه يَقْبُحُ من الله تعالى أنْ يريد المهمّ دونَ الأهمّ، مع ما في المهم من المصلحة الملزمة، وكما في صُورَةِ عَدَمِ استعدادِ العبد وقابليّتِهِ لتلبية بَعْثِ المولى وزَجْرِهِ، فإنّه لا يصدران من المولى للعبد، مع علمِهِ بحسنِ العمل أو مَفْسَدَتِهِ، ألا ترى، كما هو الحالُ بالنّسبة للمسلمينَ في مبدأ الإسلام، فإنَّهُم لم يخاطبوا بتكاليف الإسلام بأجمعها، مع ما فيها المصالح والمفاسد الملزمة، حيثُ لم يَكُنْ لهم استعدادٌ وقابليّةٌ لإرادتها منهم، لنُفْرَتِهِمْ منها، ولذا جَاءَتْ لهم الأحكامُ الشرعيّة الإلزامية تدريجية، وهكذا الصبيُّ المراهق للبلوغ، فإنّه لم يحكم عليه بأحكامِ الإسلام، مع أنَّ الموجبات والمحرّمات بالنسبة إليه فيها مَصَالحُ ومفاسد ملزمة، لكنْ لم يكُنْ له استعدادٌ وقابليّةٌ لإرادتها منه، أو من جهة المشقة والحرج، كما في السّواك فقد رُويَ عن النبيّ  (ص) : (لولا أنْ أشِقَّ على أمّتي لأمرتُهُم بالسِّواكِ مع كل صلاة)([317]).

وكما في صُورَةِ عَدَمِ قابليّةِ المحلّ للإرادة والزَجْر، نظيرُ نفس الطاعة والمعصية، فإنّه يحكم العقل بحسن الطاعة وقبح المعصية مع عدم تعلّق طلب الله تعالى بالطاعة له ولا نهيه بالمعصية له، لعدم الفائدة، فلو تعلّقا كانا لغواً، فظَهَرَ أنّه لا ملازَمَةَ بينَ حُسْنِ العَمَل أو قُبْحِهِ عَقْلاً، وبينَ إرادَةِ الشَّارع وبعثه نحوه، أو كراهَتِهِ لهُ وزَجْرِهِ عنه، اللّتين هُمَا القوام والرّوحُ للخطاب بالإيجاب أو التحريم.

هذا مُلَخَّصُ المناقشة في الدعامة الثانية، ولكنَّ الحق عَدَمُ صِحّتها، فإنَّ المراد بالحسن هو الحسن الفاعلي، أعني: الذي يقطع العبد بأنْ يستحق الثواب بفعله ممن هو وليُّ الأمر، والعقاب على تركِهِ منه، ومَنْ قَطَعَ بذلك لا يتطرّقُهُ الاحتمال بمزاحمة الأهمّ، ولا غير ذلك، وإذا قَطَعَ بذلك لا محالة يقطع بأنَّ المولى يريده منه، ولا يرضى بتركِهِ، وهكذا المرادُ بالقُبح هو القُبح الفاعلي، أعني: الذي يقطع العبد بأنه يستحقُّ العقابُ بفعلِهِ ممّن بيدَهِ الأمر، ومَعَ قَطْعِهِ بذلك لا يتطرّقُهُ كُلُّ احتمالٍ ينافيه، فلا محالةَ عند ذا يُدْرِكُ عقلُهُ أنَّ الشارع الذي هو بيده الأمر يُبْغِضُ صدور ذلك منه، وقد حقّقنا ذلك وأوضحناه في كتابنا الأحكام وشؤونها([318]).

وأمّا الإيراد على هذه الدعامة بالأوامر الامتحانية، بأنْ يأمر المولى العبدَ بشيءٍ لا يريدُهُ المولى ولكن اختباراً للعبد، فهو لا يردُ على هذه الدعامة؛ لأنه لم يحكم العقلُ بشيءٍ لم يحكم به الشرع، وإنّما يرد على عكسها، وهو كل ما حكم به الشرع حكم به العقل، وليس هو محلُّ كلامنا، فمن أراد تحقيق ذلك فليراجع كتابنا الأحكام وشؤونها([319]).

وأمّا الإيراد عليها بالطّاعة والمعصية، وعدم تعلُّق الأمر والنَّهي بهما؛ فجوابه ما أجبنا به عن الإيراد بالحرج من طروِّ عنوانٍ عليهما يبدل الحكم العقلي، وهو حُكْمُ العقلِ باللّغويةُ يُدْركُهُ نفس العاقل للحسن والقبح.

وينبغي التنبيهُ على أمور:

أحدها: إنَّ خلاصَةَ ما تقدَّمَ هو أنَّ الكلام في الدليل العقلي يكون في تشخيص الدليل العقلي الذي يستفاد منه القطع بالحكم الشرعي، ولذا تجدهم في هذا المقام يبحثون في إفادة قاعدة التحسين والتقبيح للقطع بالحكم الشرعي، وهكذا يبحثون عن الاستحسان، والمصالح المرسلة، والاستقراء، والقياس، بناء على أنّها أدلّةٌ عقليةٌ غيرُ مستقلّةٍ، وغيرها من الأدلة العقلية المستقلة.

وأمّا البَحْثُ عن حُجيّة القطع، فليسَ مَحَلُّ كلامهم، كما هو الحال في الظنّ، فإنّهم يَبْحَثون في حُجيّة ما أفاده الظنّ، كخبر الواحد، وظهور الكتاب، والشهرة، ونحوها.

وأمّا مَسْألَةُ حُجيّة الظّن المطلق فيه إنّما كانت في الأزمنة المتأخرة، ولهذا لا نجُد أحداً من المنكرين لحجية القياس ونحوه ويقولون بحجية الدليل العقلي يمنعون من حُجيّة القياس أو الاستقراء أو نحو ذلك إذا أفادت القطع بالحكم الشرعي([320]).

ثانيها: إنّا إذا قلنا: إنَّ العقلَ إنّما تكونُ دلالته حُجَّةً إذا أفاد القطع، كأنَّه مقدَّمٌ على سائر الأدلّة النقلية؛ لأنه مع القطع بالواقع ينكشف الواقع، فتسقط دلالة كلّ دليل بالنسبة للقاطع، فمن المستغرَب جداً ممن يعد العقل الذي يدل دلالة قطعية على الحكم الشرعي في عداد الأدلة الدالة على الحكم الشرعي، ويجعله دليلاً رابعاً عند فقد الأدلة الثلاثة؛ الكتاب، والسنة، والإجماع، مع أنّه من الواضح أنَّ القطع يتجلَّى به الواقع فلا يؤثّر أيُّ دليلٍ معه، فإنَّ مَنْ قَطَعَ بأنَّ هذه هي الشمس الواقعية، لا يؤثّر أيُّ دليلٍ عنده على أنَّها ليست بالشَّمْسِ الواقعية، ويعدُّ القاطع البرهان على خلاف ما قطع به من السوفسطائيات، ولعلَّ منشأ الاشتباه هو اختلاط الأمر عليه بين العقل بحسب دلالته على الحكم الشرعي الواقعي، وبين العقل بحسب دلالته على الحكم الظاهري، فإنَّ الثاني لا يدلُّ إلاّ بعد عدم الظفر بالكتاب والسنة والإجماع، فإذا ظفر بواحد منها أخذ به لا بحكم العقل لزوال موضوع حكم العقل، ومع عدم الظفر بدلالة واحد منها على الحكم الشرعي يحكم العقل حينئذٍ إمّا بالبراءة، أو الاستصحاب، أو التخيير، أو الاحتياط، كما هو رأيُ بعض الأصوليين([321])، وبعضهم الآخر يرجع للنقل مع عدم الظفر، حيثُ أنّ من النقل ما يدل على البراءة، والاستصحاب، والتخيير، والاحتياط([322])؛ وما دَرَى بأنَّ مَحلَّ الكلام هو العقل باعتبار دلالته على الحكم الواقعي الشرعي الفرعي، كالكلام في القرآن والسنة؛ كما يحتمل أنّ منشأ الاشتباه هو أنَّ مثل الاستقراء والقياس، ونحوهما من الأدلّة العقلية، يرجع إليها بعد فقد الكتاب، والسنة، والإجماع في المسألة، وهي تدلُّ على الحكم الواقعي، وما دَرَىَ أنَّ مثل القياس ونحوه من أدلة العقل الظنية لا تفيد القطع، وأما لو أفادت القطع بالحكم تُقدَّمُ على سائر الأدلة النقلية.

ثالثها: إنّ من قال بحكم العقل في الحكم الشرعي([323])، هو حكم العقل بواسطة المقدمات الموجودة عنده، المؤدية إلى حكمه، بأنَّ الشرع قد حَكَمَ بهذا الحكم في هذه الواقعة، وهذا لا ينافي ما هو ضروريُ الدين، من أنّ الحاكم هو الله تعالى، فالعقل وإنْ كان له أحكامٌ إنشائية، وإلزامية، واستحبابية، وكراهية، وإباحية، كما هو الشأن حتّى في عقول الملحدين، فإنَّ عقولهم تنشىء أحكاماً كذلك يعملون على طبقها، ومنها القوانين والأنظمة الدولية، إلا أنّه ليس المراد هي هذه الأحكام، وإنما المرادُ بها هو حكم العقل بأنَّ الشرع هذا هو حكمه في المسألة، نظيرُ ما يحكم العقلُ بأنَّ الملكَ قد حكم بأخذ الضريبة من ذوي الأملاك، وأما ما ذكر من الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، فالمرادُ بحكم العقل باستحقاق العقاب على فعل الواقعة أو تركها ممن بيده الأمر، فإنَّ هذا الحكم من العقل يلزمه عقلاً أنْ يكون الشّارعُ قد حَكَمَ على طبقِهِ، كما حقَّقْناه في عدَّةٍ من مباحثنا([324]).

رابعُها: إنّ العَقْلَ باعتبارِ دلالَتِهِ الاستقلالية القطعيّةِ على الحُكْمِ الشرعيّ، لا توجد إلاّ في الموارد التي هي من ضروريات الدّين، وهي لابُدَّ وأنْ يوجد على طبقها دليلٌ نقليٌ من الكتاب أو السنة، ولعلّه من الشاذّ النادر، وحتَّى الآن لم أَجِدْ مورداً للعقل يدلُّ على حكمه الشرعي دلالةً قطعية، ولم يكُنْ في مورده دليلٌ نقلي، وربما يُتَوَهَّمُ بأنَّ الاستقراء والقياس وأمثالها هي أدلّةٌ عقلية، وتوجد في موارد كثيرة لم يقم النصُّ عليها، فإنه فاسد لأنها:

أولاً ليس من أدلة العقل القطعية، وإنّما هي من أدلّة العقل الظنية، ولو سلّمنا أنها دلَّتْ دلالةً قطعية، فهي لدى الحقيقة من الأدلّة العقلية الغير الاستقلالية، التابعة للنصّ الشرعي، المسمّاة بالأدلة العقلية التبعية الاستلزامية؛ لأنّ القياس هو إلحاقُ الواقعة بواقعةٍ أخرى في حكمها الشرعي، لمشابهتها له في علّة الحكم، فيكونُ الحكم في المقيس تابعاً للدليل العقلي الموجود في الواقعة المقيس عليها، وهكذا الاستقراء، فإنَّ استقراءَ العقل للأحكام الشرعية للجزئيات ليحكم على كُلِّيها المجهول الحكم بحكمِ تلك الجزئيات، فيكونُ حُكْمُ العقل على هذا المجهول بواسطة الأدلّةِ النقلية على جزئياته، ونحنُ كلامُنا في دليلِ العقل المستقل.

نعم، لو قلنا إنَّ دليلَ العقل المستقلّ يدلُّ على الحكم الشرعي المستقل ولو كانت من جهة انضمام النقل إليه كانَ القياسُ ونحوه دليلاً عقلياً مستقلاً؛ لأنه يدل على حكم الفرع مستقلاً، لا تبعاً لحكم الأصل، فهو ليس نظير وجوب المقدمة، فإنه دائر مدارها.

والحاصل: إنّ المناط في الاستقلال وعدمه هو استقلالُ الحكم المدلول عليه في الوجود، لا استقلال الدليل، إلا أنَّ الظاهر من كلمات الفقهاء بل الذي يقتضيه الاعتبار إنّ المناط في استقلال الدليل العقلي هو عدم توقفه في دلالته على النقل، فالاستقلالُ باعتبار الدلالة لا باعتبار المدلول، وهو الحكم الشرعي.

وقد يتوهَّم فيقال: كيف تدّعي استغناء الشريعة الإسلامية عن الأحكام العقلية، مع أنَّ المدنية الإسلامية في أمَسِّ الحاجة إلى البحث الذي يزيل الغبار الذي تراكم عليها من أمدٍ بعيد، عن أهليتها لقيادة الإنسانية نحو المثل العليا، وتوجيهها نحو المرتبة الأسمى من الصلاح والإصلاح، وهذا لا يتم لنا إلا إذا ظفرنا بالمناهل التي نستمدُّ منها الأحكام الشرعية على الوجه الصحيح، ونستند في فهمها إلى العقل السليم، كيف لا، والمدنية الإسلامية ليس كغيرها من المدنيات التي حددت لنفسها الحياة ضمن إطارٍ خاصّ، أو نظرة للإنسانية من زاوية خاصّة، وإنّما اتجهت للشؤون الحيوية من جميع نواحيها، وتطلَّعت إلى رَفْعِ مستوى الحياة في سائر ميادينها، ونَظَرَتْ للإنسانية بوجودها الفردي والنوعي، وأرعت صالحها في سائر ظروفها وتقاديرها في أسلوبٍ منقطع النظير، وتشريعٍ يساير تطوّر الحياة وتقدّمها، ويشايع شعاب آرائها وتفكيرها في سائر اتجاهاتها.

وعليه: فليس من المعقول والمنطق أنْ نَجْعَلَ العقل بمعزل عن هذه المدنية، بل لابدّ أنْ نراعي مصادر هذه الشريعة على ضوء العقل السليم المجرّد من مخالطة الهوى والشهوات، ولهذا كانت مهمّة الفقيه شاقّة جداً، تتطلّبُ الإحاطة الدقيقة بمصادر الحكم الشرعي، وبالتبصُّر في مؤدّاها، وبالظروف التي وردت فيها، ومدى المصلحة التي اقتضتها، وبطبيعة الحياة الحاضرة، ومساعدة ظروفها للأخذ بها بأيّ نحوٍ، وعلى أيِّ كيفيةٍ، ودرس سنن الطبيعة العامّة المسيّرة للحياة على وجهِ الأرض، وما قد تفاجئ به من التقلُّباتِ والأحداث التي تجعل من الضرورة التوسُّعُ في الحكم والتضييق فيه مراعاةً لرفعِ الحَرَجِ والضَّرَرِ في هذه الشريعة، ومسايرةً للسَّمَاحَةِ والسُّهُولَةِ فيها.

ومما يُحكى في هذا الباب أنَّ بَعْضَ الفقهاء كانَ جَالِساً في مكانٍ جميل، هُيّئتْ فيهِ وَسَائلُ الرّاحة، فسُئل عن الطواف في الحج، فأجابَ السّائل: أنه ينبغي الاحتياط بإعادة الطواف مرّتين، مرّةً بين المقام والكعبة، ومرَّةً خارج المقام؛ فأجابَهُ السَّائلُ قائلاً: سيدي أنتَ هنا في هذا الجوِّ الجميل، وما تَدْري ما يُقاسي الطائفُ بالبيتِ من الصُّعوبة، وهذا ما يَجْعَلُ الإنسانَ يَتْركُ الحَجَّ، ويُصْبحُ من الأعمال التي لا تطيقُها النّفوسُ، ولا تَرْضَاها العقول، فعليكَ بإتعابِ النَّفْسِ في الاجتهاد لمعرفة الحُكْمِ والفتوى دونَ الاحتياط([325]).

نعم قد يتخيّلُ المتخيّلون ذلك، ولكن لا يَصِحُّ أنْ يعطي للعقل السلطة التامة في معرفة الأحكام، والحرية الكاملة في تفهمها، وتعقّلها، ونبذ الكتاب، والسنة، والإجماع وراء الظهر؛ لأنّ ذلك ينتهي بنا إلى إيجاد شرعٍ جديد، كيف؛ والأحكام الشرعية أمورٌ توقيفية لا مسرح للعقل فيها، لقصورِهِ عن الإحاطة بجهاتها وخواصّها وأسرارها، مع ما نَرَى من بناءِ الشَّرْعِ على جمع المختلفات، وتفريق المجتمعات، كما يَشْهَدُ بذلك دِيّةٌ أصابع المرأة([326])، فأيّ عقلٍ يدرك ذلك، وكيف يطمئن العاقل، فضلاً عن الفقيه الخبير بالحكم بالتأمل فيما بدا له من الجهات، ولهذا لا نرى فقيها من أول الطهارة إلى آخر الديات اعتمد على عقله في حكم من الأحكام، بدون الاستناد إلى النصوص والقواعد الشرعية.

نعم، لو حصل له القطع بالحكم الشرعي، كان القطع حجة له وعليه، لكن الكلام في حُصُولِهِ من الأدلة العقلية التي ذكروها، كالأقيسة، والاستحسانات، وغيرها، بل وحتى قاعدة التحسين والتقبيح، فإنها لا توجد إلا في موارد نادرة، ثبتَ حكمُها بالضّرورة، كرَدّ الوديعة، وقتل النفس المحترمة؛ لأنَّ موضوعها هو ما حكم العقل باستحقاق العقاب على تركه، والثواب على فعله، مما بيده الأمور، وله السُّلْطَةُ والسَّطوة، كيفَ؛ ولا رَيْبَ في أنَّه ليس للعاقل الاطلاع على أسرار الأشياء، والإحاطة بجميع جهاتها من حاضرها ومستقبلها، حتَّى يستطيع الجزم باستحقاق العقاب أو الثواب، ويَسْتَكْشِفُ من ذاك حُكْمُ الشَّرْعِ، ولذا نَجِدُ أخبارنا مَشْحُونَةً بما يدلُّ على أنَّ الدّين لا يُصَابُ بالعقول، وأنَّ الأحكام الشرعية لا تدرك بالأفكار، وأنَّ الاستقلالَ في استنباطها مَحْقٌ للشريعة([327]).

نعم، على العقل البحثُ في الأدلّةِ الشرعية، ومعرفة مقاصدها، وكَشْفِ أسرارها، وإظهارِ دفائنها، وما تَهْدِفُ إليه من حقائقَ ودقائق، على أنَّ تكون الأدلّةُ النقليّةُ زَيْتُ سراجٍ، ولولَبُ جهاز، لا أنْ يكون العقلُ له الاستقلال والاستبداد بالحكم بالاستحسانات والظنون التي ما أنزل الله بها من سلطان، وقد أشبعنا هذا الموضوع بحثاً وتدقيقاً في عدة من مقالاتنا المنشورة والمسطورة.

 

 

 

المصدر الخامس
القياس

هو إلحاقُ واقعةٍ لا دليلَ معتبرَ على حكمها بواقعةٍ أخرى قام الدليلُ المعتبر على حكمها، بتسرَيةِ حُكْمِها لها، لاشتراكِهِما في العِلَّةِ التي شرع لها الحكم، قياساً للوقائع بأشباهها، وإلحاقاً لها بنظائرها([328])، ومما مثلوا له به، ما ذكروه في النّبيذ، من أنّه مُحرَّمٌ شربُه قياساً على الخمر، لاشتراكهما في علّة تحريم الخمر وهو الإسكار([329]).

وتسمّى الواقعة المقيس عليها بالأصل، والواقعة المقيسة بالفرع، وهذا يرجع للدليل العقلي الغير المستقلّ المسمّى بالاستلزام؛ ومنع داود الظاهريّ من الأخذ به، وقال: إنّه لا يفيدُ إلاّ الظنّ بالحكم([330]).

والحنفيّةُ يأخذون به، ويقدّمونه على خبرِ الواحِدِ الغير المشهور([331])، وأحمد بن حنبل لا يعمل به إلا عند الضرورة([332]).

والحق: أنه ليس بحجّة إلا إذا أحرز العلة التامة للحكم عند المشرع، لاستحالة انفكاك المعلول عنها، وإحرازها قد يكون بالإجماع، كقوله: اغسل ثوبك من بول ما لا يؤكل لحمه، فإنه يقاس على الثوب كل ما يشترط فيه الطهارة، كالبدن، وموضع السجود، للإجماع على أنَّ علة الغسل النجاسة به، وقد يكون إحراز العلة من الكتاب والسنّة، بأنْ يقال: لعلة كذا، أو لأجل كذا، أو باللام، أو بالباء، أو نحو ذلك، ودعوى أنَّ القياس مطلقاً يفيد الظن، لو سلمت، فالظنّ ليس بحجّةٍ ما لم يقم دليلٌ على اعتباره.

وتوضيحُ الحال؛ أنَّ القياسَ على أقسام ثلاثة:

الأول: هو القياسُ المستنبط العلّة بالحدس، وهو الذي لم يصرّح الشارع بعلّةِ الحكم في الأصل، أعني: المقيس عليه، بل الفقيه استنبط علّة الحكم
في الأصل حدساً، وللعاملين بهذا القسم من القياس طرق في معرفة
العلّةِ واستنباطها.

منها: الدّوران، وهو استلزامُ الشيء للحكم في الأصل وُجوداً وعَدَماً، بمعنى: أنّه عندَ وجودِهِ يوجَد الحكم في الأصل، وعند عَدَمِهِ ينعدِمُ الحكم في الأصل، فيحْدِسُ من ذلك أنَّ هذا الشيء هو العلّةُ للحُكْم، فإذا وُجِدَ في موضعٍ آخر يَثْبُتُ الحكم له، وقد مَثَّلوا له بما لو قال الشارع: الخَمْرُ حَرَامٌ، فيستنبط الفقيه أنَّ عِلَّة حرمة الخمر هو الإسكار، لَدَوَرانِ الحُرْمَةِ مداره؛ لأنَّ ماء العنب قبل بلوغه حَدَّ الإسكار ليس بحرامٍ، وبعد تجاوزِهِ الإسكار وخلوّه عنه وصيرورتِهِ خَلاً أيضاً ليس بحرامٍ، فيفْهَمُ الفقيهُ أنَّ عِلَّةَ الحكم هو الإسكار؛ لأنه قبله ليس بحرامٍ، وَبعْدَهُ أيضاً ليس بحرام، فيحكُم بحرمَةِ النّبيذ لوجودِ تلك العلّةِ المستنبطة فيه.

ومنها: الترديد، ويسمَّى بالسَّبر والتقسيم، وهو عَدُّ أوصافِ الأصل، وسَلْبِ صلاحيّة علّية كُلِّ واحِدٍ منها، فما لا يصلح سلبُ علّيتِهِ للحكم، يحدس بأنه هو العلّة، وإلاّ لزم ثبوتُ الحكم بدونِ ثبوتِ العلّة له، فإذا ثَبَتَ هذا الوصف في الفرع ثَبَتَ الحُكْمُ للفرع.

ومنها: تنقيحُ المناط، وهو إلغاء الفارق بينَ الأصلِ والفرع، فيقال: لا فرق بينَ الأصل والفرع إلاّ كذا وكذا، وهي لا تَصْلُحُ للتفرُّق بينهما في الحكم، فيحدسُ أنَّ القدر المشترك بينَهُما هو العلّة للحكم.

ومنها: تخريجُ المناط، وهو تعيينُ العلَّة في الفرع بمجرّد المناسبة بينها وبين الحكم من غير نصٍّ، كالعدوان في القتل عَمْداً، فإنَّ العَقْلَ ينسبُ إنّه هو سَبَبُ أَخْذِ القِصاص، فلو اعتدى على عضو اقتص منه.

وهذا القسم من القياس، أعني: المستنبط العلة، هو العَمَلُ بالرأي، والتفسير بالرأي، الذين نُهيَ عنهما في أخبارٍ متواترةٍ عن الأئمة الشيعة، وقام الإجماع المحقق، والمنقول من الإمامية على عَدَمِ حُجيّته وحُرْمَةِ العَمَل به([333])، خلافاً لشاذ منهم، فقد حكي القول به عن ابن جنيد الإسكافي من قدماء الإمامية في أوائل أمره([334])؛ والمحكيّ رجوعه بعد ذلك عنه([335]).

وجعلوا تمسُّكَ بعض علمائهم به، كالفاضل والشهيدين في بعض المسائل، إنّما كان لإلزام المخالف([336])، وما يترآى من عمل أئمتنا  عليهم السلام  به، فهو من باب التقية([337])، بل ادّعيَ أنَّ حرمته من الضّرورياتِ في مذهب الإمامية([338])، ولذلك صارت كتبُ ابن جنيد الفقيه الاستدلالية مهجورةً عند الشيعة مع أنَّ له كتب كثيرة جيّدة كما ذَكَرَهُ بعضُ الأصحاب([339])، وقد روى البيضاوي وغيره على ما حُكيَ عنهم أنه  (ص)  قال: (تعمل هذه الأمّة برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضَلَّوا)([340])، وحكي عن الرازي في محصوله أنه  (ص)  قال: (ستفترق أمتي على بضعٍ وسبعين فرقة، أعظمهم فتنة قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فيحرّمون الحلال ويحللون الحرام)([341]).

الثاني: هو القياسُ المنصوصُ العلَّة؛ وهو ما نَصَّ الشارع بعلّةِ الحكم في الأصل، كما لو قال الشارع: الخمر حرام لأنه مسكر، وهذا وقع الخلاف في حجيته بين الخاصة على أقوال ثلاثة:

قول عن السيد  رحمه الله  بعدم كونه حجة([342])، يعني لا يمكن التعدّي عن مورد النصّ إلى غيره؛ لأنّ العلل الشرعيّة ليست بعللٍ تامّة حقيقية، حتى لا يمكن تخلّف المعلول عنها حيثُ وجدت العلة.

وقولٌ عن العلامة بحُجيّتِهِ مطلقاً([343]).

وقولٌ بالتفصيل بين كونِ العِلّة بطريقِ الإضافة، كما لو قال الشارع: الخمر حَرَامٌ لأنه مسكر، ولإسكاره، وبين كون العلّة المنصوصة لا بطريق الإضافة، كما لو قال الشّارع: الخمر حَرَامٌ للإسكار، فعلى الأولى ليس بحجّةٍ، وعلى الثاني يكون حجة([344]).

لكنّ المختار عندي هو حُجيَّةُ القياسِ المنصوصِ العِلَّةِ مطلقاً، من غير تفصيل، لفهم العرف من قوله: الخمر حرام لكونه مسكراً، أو للإسكار، هو حرمةُ كُلّ مسكرٍ، من دونِ فرقٍ بين المثالين، فالعُرْفُ يَفْهَمونَ من التعليل المذكورِ ترتيب الشّكل الأوّل، وإنّ التعليلَ بمنزلَةِ كُلّيةِ الكبرى، فالمعنى بمقتضى فهم العرف: أنَّ الخمر مسكر، وكُلُّ مسكرٍ حَرَامٌ، فالخَمْرُ حَرَامُ، وكذا الفرع مثلاً النبيذ مسكر بالوجدان، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، لقولِهِ: لأنّه مسكِرٌ، أو للإسكار، فيُنتجُ: النبيذُّ حَرَامٌ، فيكونُ القياسُ المنصوصُ العلّةُ مُطلقاً حجّة، لحجية الظهور، بدليلِ فَهْمِ العُرْفِ منهُ أنَّ ذلك تمام العلة مطلقاً.

إن قلتَ: إنّ إضافَةَ الإسكارِ إلى ضَمير الخَمْرِ تُفيدُ التقييدَ بالخَمْر، فيكونُ العِلّةُ هو الإسكارُ المقيّد بالخمرية، لا مُطْلَقُ الإسكار، فلا يتعدَّى إلى إسكار غير الخمر؛ لأنّ التعليلَ بالمقيّد لا يُوجِبُ عِلّيةَ المطلَقْ.

قلنا: إنّ مرجع التعليل بشيء هو الاستدلال به بنفسه عليه، فإذا قيل: لا تأكل الرمان الحامض لأنه حامض، أريد الاستدلال بالحموضة على حرمة أكله، ولذا يقتنع به في مقام الخصومة والجدال، ولو أريد به المقيد أعني: حموضة الرّمان، خَرَجَ التعليلُ عن كونه استدلالياً، ويكون من قبيل المصادرة وتعليل الشيء بنفسه، إذْ يرجع إلى قولنا: لا تأكُلْ الرُّمان الحامض؛ لأنه رمان حامض، وهو من السخافة بمكان.

إنْ قلتَ: سَلَّمنا ذلك، وإنَّ العلَّة هي المطلق، لا المقيّد، ولا خصوصية للمورد في التعليل، لكن لا نُسلِّم أنَّها هي العلَّة التامة، فلعلَّها عِلَّةٌ ناقصة، من قبيل المقتضي.

قلنا: إنَّ ظاهر التعليل بشيءٍ لآخر، أنَّهُ هو العلَّة التامة لذلك الآخر؛ لأنه لو تَخلَّفَ عنه في مَورِدٍ، لكانَ أمّا لاشتراطه بأمرٍ غير موجود، أو بعدم شيء كان موجوداً، وهو خلافُ ظاهر التعليل؛ لأنَّ ظاهره أنَّ المذكور وحده علة، وخلاف ما يقتضيه الاقتصار عليه في مقام التعليل، بَلْ في الحقيقةِ يكون المذكور ليس بعلّةٍ، وهو خِلافُ ما تقتضيه الحِكْمَة من المتكلّم، وأمّا يلزم تخلَّف المعلول عن علته التامة.

إنْ قلت: إنّ السيد المرتضى  رحمه الله  ذكر إنَّ العلل الشرعية إنما تنبئ عن الدواعي إلى الفعل، أو عن وجهِ المصلحة فيه، ولا ريبَ أنَّ الشيئين قد يشتركان في صِفَةٍ واحدة، وتكونُ في أحدهما داعية إلى فعله دون الأخرى، وقد تدعو الصفة للشيء في حالٍ دون حالٍ، وعلى وجهٍ دون وجهٍ، وقدرٍ دُونَ قَدَر، وقد تكونُ مثلُ المصلحة مفسدة، تمنعُ من تأثير المصلحة في الفعل، ولهذا جازَ أن يعطي لوجهِ الإحسان فقيرٌ دون فقير، ودرهَمْ دون درهم، وحالٌ دون حال، وإنْ كان فيما لم يفعله الوجه الذي لأجله فَعَلَ الآخر، ثُمَّ ذكر  رحمه الله : أنَّه إذا صَحَّتْ هذه الجملة لم يَكُنْ في النصِّ على العلّةِ ما يُوجِبُ القياس، وجَرَى النصُّ على العلّة مجرى النصّ على الحكم في قصره على مورده، وليس لأحدٍ أنْ يقول: إنَّ ذكر العلّة يكونُ عبثاً؛ لأنّا نقول: إنّه يفيدُ ما لم نكن نعلمه لولاه، وهو ما كان لهذا الفعل المعيّن من المصلحة([345]).

قلنا: الظاهر من كلامه  رحمه الله ، أنَّ العلل الشرعية ليست بعللٍ تامّة، إذ لعله تكون من المقتضيات، فيجبُ الاقتصار على موردها، لكنّك قد عَرَفْتَ أنَّ التعليل بالشيءِ ظاهرٌ في كونِهِ علَّة تامة، والظهور هو الحجة.

نعم، لو قام على التعليلِ ما لا ظهورَ له في ذلك كالأدلّة اللّبية مثل الإجماع، أو اللفظية المجملة، وَجَبَ الاقتصارُ على موردها.

إنْ قلتَ: إنَّ المعروف بين الفقهاء أنَّ علل الشرع مُعرِّفاتٍ([346])، لا عِلَلَ حقيقيّة، فهيَ يَجوزُ انفكاكُها عن معلولها؛ لأنَّ الشيء قد يكونُ مُعرِّفاً لعدّة أشياء، كالظُّلْمَة، فإنّها مُعرِّفَةٌ لوجوبِ صلاة المغرب، ولجوازِ الإفطار.

قلنا: العِلَلُ الشَّرعيّةُ على قسمين:

أحدهما: ما يكونُ الشَّارع قد بيّنها بلسانِ أنَّها أسبابٌ لأحكام
خاصة، كالزّوال لوجوبِ الصّلاة، والعقود والإيقاعات، للنقل والانتقال، والزوجية، والطلاق، والحدث للطهارة، ونحو ذلك، فإنّها تكونُ مُعرِّفات وعلامات للأحكام المرتبة عليها شرعاً، وليست بعلل حقيقية للأحكام المرتبة عليها.

ثانيهما: ما يكون الشارع قد بيّنها بلسانِ أنَّها هي الموجبة للتشريع للحكم، وأنَّها هي المنشأ لجعلِ الحكم، وأنَّ مطلوبيّةَ الفعل أو مبغوضيَّتَهُ مستَنَدِةٌ إليها، كالإسكار في الخمر، فمرادُ الفقهاء بكونِ العلل مُعرِّفات، هو القسم الأول لا الثاني، فإنَّ ما يكون من قبيل القسم الثاني ظاهرٌ في كونه علّة تامة لمحبوبية الشارع للعمل، أو مبغوضيته له؛ ولا رَيْبَ في سَرَيَانِ المحبوبيّةِ بَسَرَيان علّتها التامة، نعم، لو شُكَّ في كونِ العلّة من أيِّ القسمين، كانَ اللّفْظُ مُجْمَلٌ، فلا يسري الحكم بسريان تلك العلة.

الثالث: هو القياسُ بطريقٍ أولى، وتعريفُهُ أنْ يقال: هو إجراءُ الحكم الثابت في الأصل للفرع، لكونِ علّة الحكم في الفرع آكد وأشدّ وأقوى، كقوله تعالى: [فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ]([347])، حيثُ يدلُّ على حرمة ضربهما وشتمهما بطريق أولى، فإنَّ علة حرمة التأفيف كَفُّ الأذى عن الوالدين، ولا شَكَّ أنَّ ذلك آكد وأقوى في الفرع، وهو الضّربُ والشَّتم، وهذا القِسْمُ من القياس على نوعين:

الأول: أنْ يكونَ الأولويةُ مستفاد من اللفظ، بأنْ يكون كلام المتكلم منساقاً للترقي من الأدنى إلى الأعلى، كالآيةِ الشريفة المذكورة، فإنّها منساقة للترقي من الأدنى، وهو حُرْمَةُ التأفيف إلى الأقوى، وهو حُرْمَةُ الضَّرب، وكآية القنطار، وهذا القسم من القياس بطريقٍ أولى حُجّة؛ لأنّ الأولوية فيه مستفادة من اللفظ عرفاً، فيكونُ للّفظِ ظهورٌ في ذلك، والظّهور حجّة وإنْ كانت الدلالة ظنية، وهذا القسم هو المسمَّى بفحوى الخطاب، ولحن الخطاب ومفهوم الموافقة.

الثاني: هو أنْ يستفاد الأولوية من العقل، لا من اللفظ، كما إذا سئل
الإمام  عليهم السلام  عن رَجُلٍ تزوَّجَ امرأةً في العدّة الرجعية، فهل تَحْرُمُ عليه، فقال  عليهم السلام : (إنها مُحرَّمَةٌ عليه أبدا).

فيستفادُ منه عقلاً أنَّ العقد على ذاتِ البَعْلِ أيضاً سَبَبٌ للتَّحريم الأبديّ بطريقٍ أولى؛ لأنّ المطلَّقَةَ الرّجعية في حكم الزوجة، فإذا ثَبَتَ أنَّ العقد عليها في العِدَّةِ يُوجِبُ التّحريمَ الأبديّ مع وجودِ الطَّلاق، فبالطريق الأولى يكونُ العقد موجباً للتحريم الأبديّ مع عَدَمِ الطلاق؛ وهذا القِسْمُ من القياس بطريق الأولوية على قسمين:

أولوية قطعية: وهو مما لا ريب في حُجيّتها لكونِ القَطْعِ حُجّة بنفسه.

وأولوية عقليّة ظنية: وقد وَقَعَ الخلافُ في حُجيّتها على قولين:

فقيلَ بعَدَمِ حُجيّتها، كما عن المحقِّق الثالث  رحمه الله ([348])؛ وقولٌ بحُجيّتها كما هو مختارُ بعض المحققين([349])، وللقول الأوّل أدلّة أربعة:

الأول: الأصل، فإنّ الأصل الأصيل حرمة العمل بالظن.

الثاني: الشهرة العظيمة، إذ المشهور على عدم حُجيّة الأولوية الظنية.

الثالث: إطلاقُ الأخبار الدالّة على حرمة العَمَل بالقياس مطلقاً، وخصوصُ الأخبار الخاصَّة الواردة في الأولوية الظنية الدالة على عدم اعتبارها، منها: ما روي من قوله  عليهم السلام  لأبي حنيفة: (الصّلاة أفضل أم الصيام)؟ قال: بل الصلاة أفضل، قال  عليهم السلام : (فيجب - على قياس قولك - على الحائض قضاء ما فاتها من الصّلاة حال حيضها دون الصيام)([350])، وكذا قوله  عليهم السلام  له: (أيّما أعظم عند الله القتل أو الزنا)؟ قال: بل القتل؛ فقال  عليهم السلام : (فكيف رَضيَ بالقتلِ بشاهدين، ولم يرضَ في الزّنا إلا بأربع)([351])، وكذا قوله  عليهم السلام  له: (البول أقذر، أم المني) فقال: البولُ أقذر، فقال  عليهم السلام : (يجب على قياسك، أنْ يجب الغسل من البول دون المني، وقد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول)([352]).

إن قلت: إنّه يدلّ على عدم حجية الأولوية مطلقاً، القطعية والظنية، ما رواه الصدوق، وثقة الإسلام في باب ديّات الأطراف عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله  عليهم السلام : ما تقولُ في رجلٍ قَطَعَ إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: (عشرة من الإبل)، قلت: قطع اثنين، قال: (عشرون)، قلت: قطع ثلاثاً، قال: (ثلاثون)، قلت: قطع أربعاً، قال: (عشرون)، قلت: سبحان الله، يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعة فيكون عليه عشرون، إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنتبرأ ممن قاله، ونقول إنّ الذي قاله شيطان، فقال  عليهم السلام : (مهلاً يا أبان، هذا حكم رسول الله  (ص) ، إنَّ المرأة تعاقل الرجل ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين)([353])؛ فإنَّ في هذه الرواية قياسين:

أحدهما: القياس المساوي، وهو أنَّ دية قطع أربعة من أصابع المرأة أربعون من الإبل، وذلك لأن الواحد كان ديته عشرة، والاثنين عشرون، والثلاث ثلاثون، فيكون دية الأربعة أربعين، أو ديته مطلق ما يزيد على ثلاثين، كما هو قضية القياس المساوي.

وثانيهما: هو القياس بطريق أولى، وهو إنه إذا كان دية الثلاث ثلاثين، لا يكون دية الأربع أقل من ثلاثين بطريق أولى.

ثم إنّ وجه الاستدلال بالرواية، إنَّ أبان عمل بالأولوية القطعية في القياس بطريق أولى، كما يشهد عليه إصرار أبان ومبالغته في الإنكار، حيث قال: (سبحان الله)، بتعجّب، ثمّ قال: إنّ هذا كان يبلغنا ونحنُ بالعراق فنتبرّأ ممن قال، ونقولُ إنَّ قائله شيطان، ولا شَكَّ أنَّ تبرأه ممن قال ذلك، والحكم بأنه شيطان، يدلُّ على أنَّه كان قاطعاً بأنَّ ديَّة الأربع ليس أقلّ من ديّة الثلاث، ويشهد عليه الوجدان، فإنّك لو خُلّيت وطبعك، ورجعت إلى وجدانك إذا لم يكن مسبوقاً بالشبهة، ولم تَرَ هذه الرواية أو نظائرها، قَطَعْتَ بأنَّ دية قطع الأربع ليس أقل من دية قطع الثلاث، وعَلِمْتَ أنَّ أبان كان قاطعاً بذلك، والإمام  عليهم السلام  نهاه عن العمل بالأولوية القطعية، فإذا لم تكن الأولوية القطعية حجة، لا تكون الأولوية الظنية حُجّة بطريق أولى، كما لا يخفى.

لا يقال: إنَّ تعجُّبَ أبان إنّما هو للتأسُّف، وإظهارِ النَّدَامَة على ما فَعَلَهُ في العراق من التبرّؤ من قائلِ ذلك الحكم، بأنّه شيطان.

لأنّا نقول: صَرَّحَ أبان بوجهِ التعجُّب، حيثُ قال: سبحان الله، يقطع ثلاثاً فيكونُ عليهِ ثلاثون، ويقطع أربعاً وعليه عشرون؛ فلا معنى للتأويل المذكور في وجه التعجب.

لا يقال: إنّ عتابَ الإمام  عليهم السلام  بالنسبة إلى أبان ليس لأنّه عَمَلٌ بالقياس بطريقٍ أولى، وهو نَهَاهُ عن العمل به، بل لأحدِ أمرين:

الأول: إنّ قوله  عليهم السلام : (أخذتني بالقياس)، معناه: إنّك يا أبان مع دُنوِّ رُتبتك مِنّي، وانحطاطِ شأنِكَ عنّي، لَستُ أقابلها بالمجادلة بالقياس، لا أنَّ القياس غير قابل لأن يجادل به.

الثاني: معنى قوله  عليهم السلام : (أخذتني)، أنّه وإنْ كنتَ رَجُلاً جليل القدر، إلاّ أنَّه لا ينبغي منك أنْ تُجادِلَ معي، مع أنَّي معصومٌ عالم بعلوم الأوّلين والآخرين.

لأنا نقولُ: قوله  عليهم السلام : (والسنة إذا قيست محق الدين)، يدفع كُلاًّ من الاحتمالين، ويعين الاحتمال الأوّل الذي تعنيه، وهو أنّه  عليهم السلام  نَهَاهُ عن العمل بالقياس من حيثُ أنّه قياس كائناً ما كان؛ لأنَّ قوله  عليهم السلام : (والسنة إذا قيست محق الدين)، الذي بمنزلة كلية الكبرى ظاهرٌ في نفي حُجيّةِ القياس من حيث هو قياس.

والجواب: إنَّ هذه الرواية مشتركة الورود؛ لأنها تنفي حجية مطلق المستقلات العقلية، والقطعيات العقلية، وذلك لأنها تنفي حجية الأولوية القطعية، ونفي حجية الأولوية القطعية تنفي حجية المستقلات العقلية، لكون المدرك هو حكم العقل القطعي.

ودعوى الفرق بينها تحكُّمٌ بَحْتٌ؛ لأنَّ العقل إذا حَصَلَ له القطع يحكم على طبق قطعه، سواء كانَ قَطْعُهُ تفصيلاً أم إجمالاً.

فالتحقيقُ أنْ يقال: إنّها بصريحها، وإلاّ فبظاهرها، تَدُلُّ على عدم حجية الأولوية العقلية، بَلْ وسائر المستقلات العقلية، مع وُجودِ النّصّ الصريح، القطعيّ الدلالة والسند.

والحقُّ كذلك؛ لأنَّ النَّص من المعصوم أقوى دلالةً على الحكم الشرعي من العقل، فإنَّ العقل في الأمور الشرعية التعبدية قطعُهُ يكونُ موجوداً ما لم يظفر بنصٍّ أو دليلٍ أقوى منه، كما هو الشأنُ في سائر الأدلة العقلية في تشخيص أحكام الموالي، ولا ريبَ إنَّ النصَّ المقطوعَ السَنَد والمتن من نفس الشارع أقوى دلالةً على الحكم الشرعي من دليلِ العقل، حيثُ لم يَحْصُلُ به القطع مع
وجودِ النصّ الشرعيّ المقطوع الدّلالة والسند، لا أنّه مَعَ حُصولِ القَطْعِ به لا يعمل به.

وبعبارةٍ أخرى: إنَّ الدليلَ القطعيّ يجوزُ أنْ يكونَ الواقع على خلافه، فإذا ظَهَرَ الواقعُ تزول الاستفادَةُ منه، وتَذْهَبُ القطعية بالواقع منه.

والمقام من هذا القبيل، حيثُ إنَّ الإمام  عليهم السلام  أظْهَرَ لَهُ الواقع، لإزالَةِ القطعية من هذا الدليل، كما هو الحالُ في سائر الأدلّة القطعية، كالتي تُقَامُ على وجود اللهِ وصِفاتِهِ، ونبوّةِ أنبيائه، وخلافَةِ أوصيائه في مقابل المنكرين لها.

 

المصدر السادس
الاستحسان

الاستحسان، قد يُفَسَّرُ بالدليل في مقابل القياسِ الجليّ، أعني:
القياس الذي تسبق إليه الأفهام، فإنَّ الدليلَ الذي يعارضُ هذا القياس
الجليّ يكونُ أقوى منه، يسمّى بالاستحسان، سواء كان نصّاً من الكتاب،
أو السنّة، أو إجماعاً، أو قياساً خفياً أقوى من ذلك القياس الجليّ،
وهكذا الرّجوعُ للدّليل المخصِّص، أو المقيّد لقاعدةٍ كليّةٍ من الاستحسان، كالرُّجوعِ لقاعِدَةِ الحَرَج والضَّرر، وبهذا تعرفُ أنَّ الاستحسان يَرْجِعُ
للأدلّة الأربعة المتقدمة. وقد تَمسّكَ به الأحناف([354])، والمالكية([355])،
والحنابلة([356]).

وهو بهذا المعنى لا ريب في صحته إذا كان يرجع فيه للدليل الصحيح الموجود في الواقعة الذي هو أقوى من غيره، وقد يُفَسَّرُ الاستحسان بترك القياس، والأخذ بما هو أوفق للناس أو بطلب السُّهُولَةِ في الأحكام فما يبتلى به الأنام، أو الأخذ بالسَّمَاحَةِ، وابتغاء ما فيه الرحمة([357])، ولا ريب في بطلان الاستحسان بهذه المعاني، فإنه لا دليل على صحته، ويلزم منه التلاعب بالأحكام الشرعية، والقوانين الإلهية، وإعطاء الناس رغباتهم في الإطاعة والامتثال، وفي ذلك فساد عظيم وشر جسيم.

وإلى هذا الاستحسان بهذا المعنى تشير الأخبار الدالة على أن دين الله لا يصاب بالعقول([358]).

وعن الشافعي أنه قال: من استحسن فقد شرع([359]).

والأصحّ والذي هو مَحَطُّ نظر الفقهاء، إنَّ مرادهم بالاستحسان: أنه ما يستحسنه المجتهدُ بطبيعته وعادته وسليقته وذَوْقِهِ، من دونِ دليلٍ شرعيٍّ معتبر، ولعلَّهُ هو المعبّر عنه بشَمِّ الفقاهة، وهو ليسَ بحُجَّةٍ عندنا، لإجماعِ الإمامية على بطلانه، وأنَّه يرجع للعَمَل بالرّأي الذي دَلَّتْ الأخبارُ على بطلانه، والنهي عنه([360]).

وقد يستدلّ على صحة الاستحسان بما روي عن رسول الله  (ص) : (ما رآه المسلمون حَسَناً فهو عند الله حَسَن)([361]).

ويردُّهُ بأنّا لو سَلَّمْنا صِحّتها، فهي دليل على حجية الإجماع، نظيرُ قوله  (ص) : (لا تجتمعُ أمّتي على الخطأ)([362])؛ لأنَّ الظاهر بقرينة (المسلمون) في الرواية، جمعٌ محلّى باللام، هو إرادَةُ جميعهم بنحو الاستغراق المجموعي.

ودعوى أنَّ المرادَ به الاستغراق الأفرادي، نظير: (إنْ جاءك العلماءُ فأكرمهم)، حيثُ يَدُلَّ على وجوبِ الإكرام، ولو بمجيء واحد منهم، فكذا ما نَحْنُ فيه، فيكونُ دليلاً على حُجيّة ما يستحسنه الفقيه الواحد.

فاسدة، إذ يلزم عليها التخصيص بالأكثر؛ لأنّ المسلمين فيهم العوام والفساق، فلا يعقل أنَّ استحسانَ كُلّ واحدٍ منهم يوجب استحسان الله تعالى، ولو سلمنا ذلك، فالرّوايَةُ محتملةٌ لمعنيين الاستغراق المجموعي، والاستغراق الإفرادي، والدليل متى تطرَّقَهُ الاحتمالُ بَطَلَ به الاستدلال.

 

المصدر السابع
المصالح المرسلة

المصالحُ المرسَلَة في السّنة تُسمَّى عندَ المالكيّة([363])، ويسمّيها الغزالي بالاستصلاح([364])، والأصوليون بالمناسب المرسل الملائم([365])، وهو وجود المصالح التي يريدها الشارع، وقد حصرها علماء الأصول في خمسة حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال([366])، في واقعة لم يقم على حكمها دليل، فإنه يُستفادُ من ذلك حُكْمُ الشارع بمقتضى تلك المصلحة، ومرادهم بالمصلحة: هو ما به الصّلاح والنفع، وليس مرادهم بها اللذة، وإلا فقد يكونُ باللذة المفسدة والضَّرَرُ، كشرب الخمر، وبعضهم عَمَّمَ المصلحة للمنفعة ودفع المفسدة، فجعل دفع المفسدة من المصلحة، وأرادوا بالمفسدة الضَّرر لا الألم، وإلا فقد يكون بالألم النفع، كَقلْع السنّ وشرب الدواء([367]).

وسُمّيت بالمرسلة لأنَّها مطلقة غيرُ مقيّدة في لسانِ الشَّارع بنوع خاص من الوقائع، ولا بوجهٍ عامّ، وعنوانٍ عام من الوقائع، وإنما عرفت، واستنتجها العقل من أهداف الشريعة ومقاصدها، ومصبّ عموماتها، وما ترمي إليه من قواعدها، كالأمور الخمسة المتقدمة، ولهذا لو كانت المصلحة مما نصَّ عليها الشارع بخصوصها في نوع خاص من الوقائع، كالمنع من سبّ الأصنام أمام عبدتها، لأجل أنْ لا يسبّوا الله تعالى، فتسريةُ الحكم بواسطتها ليس من الاستصلاح والمصالح المرسلة، بل هو من القياس، وهكذا، لورود النصّ بوجهٍ عامٍّ من المصالح، كالأمر باجتناب الخبائث، فتسريَةُ الحكم لما كان فرداً من الخبائث، كالدخان ليس من باب المصالح المرسلة، وإنّما هو من باب التمسُّك بالعام في أحد مصاديقه، وبهذا يظهر لك أنَّ التمسُّك بنفي الحرج والضرر في مورد الضرر والحرج، ليس من باب المصالح المرسلة، وإنّما هو من باب التمسّك بالعامّ في أحد مصاديقه، وهكذا التمسُّك بالأمر بالإحسان والعدل، لقوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ]([368]) في مورد الإحسان والعدل، ليس من الاستصلاح والمصالح المرسلة، وإنما هو من التمسّك بالعام في أحد مصاديقه.

وبعضهم قسّم المصالح إلى مصالح ثلاث([369]):

الأولى: المصلحة المعتبرة، سواء كانت منفعة، أو دفع مفسدة ومضرة، وهي التي شرع الشارع أحكاماً لتحققها، ودَلَّ الدليلُ على أنَّه قَصَدَها عند تشريعه، وهذه لا إشكالَ في وجودِ الحكم عند وجودها، وتبعيّتِهِ لها، وتسمَّى بملاك الحكم ومناطه، وقد قسموا هذا النوع من المصلحة إلى ثلاثة أقسام([370]):

الأول: ما كانت ضروريةً لا بُدَّ منها؛ بحيثُ إذا لم تنفذ فَسَدَ الاجتماع، واختلَّ نظامُ الحياة، وحَدَثَ الهَرَجُ والمرج، وهو خمسة: حِفْظُ الدّين، والنفس، والمال، والنسل، والعقل، فإنَّ الشارع قد شَرَّعَ أحكاماً لحفظها، ودفع ما يفسدها، كالجهاد، وحرمة الإلقاء في التهلكة، وحرمة الغصب، وحلية النكاح، وحرمة الزنا، وحرمة شرب الخمر، ومن ذلك قتل الكافر المضلّ، فإنَّ المصلحة في قتله هي دَفْعُ مفسدته بالإضلال للغير([371]).

الثاني: ما كانت حاجيّة، وهي التي يحتاجُ الناسُ إليها من حيث التوسعة، ودفع الضرر، والعسر، والحرج، كالإباحة لبعض المحظورات في بعض المناسبات، وكالرخصة لترك بعض العبادات في بعض الأحوال، كالصلاة
من جلوس للعاجز، وكالإفطار للصوم للضرر، وإباحة الطيبات من المأكولات والمشروبات، وإباحة المعاملات، كالبيع، والإجارة، والمصالحة، ورفع
الحرج، والضرر([372]).

الثالث: تحسينية، وهي التي ترجع لمكارم الأخلاق، وتهذيب النفوس، كالأمر بالتستر، والضيافة، والشجاعة، والكرم، وآداب الطعام والشراب، وحسن الجوار، ونحوها([373]).

وهذه المصلحة المعتبرة بأنواعها الثلاثة، هي المصلحة التي لو أدركها العقل لحكم على طبق الشرع، ومن هذا الباب ذكر الفقهاء المستقلات العقلية، فإنّ المراد بها هي الأحكام الشرعية التي يحكم العقل بها، لو لم يطلع العقل على نصٍّ من الشارع عليها، إذا أدرك هذه المصلحة بأحد أنواعها الثلاثة في الواقعة، وقد عرفتَ أنّ مرادهم بالمصلحة أعمّ من جلب المنفعة الموجودة فيها التي تقتضي إرادتها، أو دفع المفسدة الموجودة فيها التي تقتضي عدم إرادتها، وهي محطّ البحث في التحسين والتقبيح العقليين.

والثانية: المصلحة الملغاة، وهي المصالح التي ألغاها الشـارع، كمساواة المرأة للرّجل في الإرث، وهذه لا خلافَ بين العلماء في عَدَمِ وجودِ الحكم بوجودها([374]).

الثالثة: المصلحة المرسلة، وهي التي لم يعلم من الشارع أنه ألغاها أو اعتبرها([375])، ولكنّ العقل أدركها من عمومات الشريعة، واستنتجها من قواعدها، وأهدافها، كإيذاء المتهم بالسرقة للاعتراف بها، فإنّه لم يقم دليل عليه إلا من باب المصالح المرسلة، وهي محلُّ الكلام.

وكيف كان، فهذا الدليل يرجعُ لحكم العقل بالاستلزام، لإدراكه لهذه المصلحة من القواعد والعمومات الشرعية، وقد اعتمد على هذا الدليل المالكية([376])، والحنبلية([377])، والمحكيّ عن الآمدي منع الشافعية والحنفية من التمسك به([378])، وعن الخوارج التمسك به ما دام لم يصادم نصاً ولا إجماعاً، ومنع من العمل به الشيعة([379]) والظاهريون([380])، معللين ذلك بأنَّ فتح هذا الباب معرض لاستغلال أهل الأهواء وذوي النفوذ والسلطان.

ويمكن أنْ يقال في رَدِّهِم: إنَّ الأحكام لما كانت تابعة للمصالح والمفاسد ودائرةً مدارها، لكون الشرع إنّما جاء لسعادة البشرية لا لشقائها، ومعالجة مشكلات الحياة ومسالكها، كان للعقل مجال لمعرفة الحكم الشرعي، إذا أدرك المصلحة والمفسدة، من دون توقفٍ على النصّ الشرعي، وبهذا الاعتبار نقول: إنّ الحكم الشرعي تابعٌ لعلته وجوداً وعدماً، من جهة اشتمال علته على المصلحة والمفسدة، والقائلون بالتحسين والتقبيح العقليين، لا بدّ لهم من الالتزام بذلك، إذا أدرك العقل المصلحة القائمة في العمل الموجبة لحسنه العقلي، للملازمة بين الحسن العقلي، والحسن الشرعي الموجب للحكم عليه.

اختلاف الأحكام باختلاف المصالح والمفاسد

ولما ذكرناه، وَقَعَ النّزاعُ في تغيير الأحكام وتبدُّلها، تبعاً لتبدُّلِ المصالح والمنافع وتغيرها، وإنْ خالفت النصّ والإجماع؛ لأنَّ عَدَمَ التبدّل يوجبُ الضَّرَرَ والحرج، والشريعة الإسلامية تأباه؛ لأنّها قد جاءت لكلّ زمان ومكان ما دام الدهر، فلا بدّ أنْ تساير شؤون الناس ومصالحهم، وذلك لا يكون إلا إذا التزمنا بتبعية الأحكام للمصلحة، ويؤيّدُ ذلك وقوعُ النَّسْخ في الشريعة، والتدرّج في بلاغ أحكامها، فإنّه لا يكونُ ذلك إلاّ لمراعاة مصلحةِ المكلّفين، وإنّ ذلك ليس تقديماً للمصلحة على النصّ، وإنّما هو تفسيرٌ وتقييدٌ للنصّ بحكم العقل، فإنه نظير ما لو قال: (اقتل الأعداء)، فإنَّ العقلُ يقيِّده بغيره الذي فيه مصلحة في بقائه، لعدم قيامه بالضَّرر والفساد، فمثلاً الأضاحي كانت لا تخرُجُ من منى لقلة الحجيج، أمّا اليوم بعد كثرتهم وزيادتهم، أوجب الفساد والضرر في بقائها، فالحكم يتغيّر ويوجب إخراجَ ما فضل منها، أو ذبحه في خارجها، وهكذا الطّوافُ حول البيت، فقد كان بين البيت والمقام، أما اليوم لما كثر الزحام، بحيث يفقد الإنسان الاطمئنان والتوجه في هذه العبادة، فالمصلحة تقتضي تبدل هذا الحكم، إلى الطواف في البيت خارج المقام.

وقد يُجاب عن ذلك: إنَّ هذا منافٍ لما رُويَ من: (حلال محمّدٍ حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامُهُ حرامٌ أبداً إلى يوم القيامة)([381])، وفي ذلك فتحٌ للتلاعب بالأحكام الشرعية وتأثّرها بالأهواء والشهوات، ومراعاة ذوي النفوذ والسلطان، ويكون الإفتاء بحسب الهوى لا بحسب الحجة العليا.

ويمكنُ الجوابُ عن الرّواية المتقدمة، بأنّه مع تغيّر المصلحة يكون حلال
 محمد  (ص)  وحرامه هو خصوصُ ما فيه المصلحة، وما عداه ليس بحرام لمحمد  (ص)  ولا يشمله دليلُ الحرمة، والمقيّد له هو حكم العقل بإرادة الشارع لحرمته، المستكشفة هذه الإرادة بحكم العقل، بوجوب متابعة المصلحة، والفرضُ إنّ مصلحة الحرمة موجودة، ويؤيّدُ ذلك ويؤكّده ما وَرَدَ في القرآن الشريف، وسنة النبي الكريم من تعليل بعض الأحكام الشرعية بالمصالح والمفاسد، وقد ألف الصدوق كتابه علل الشرائع([382])، تضمن هذا الأمر.

والحقّ في المقام: إنْ أوْجَبَ ذلك القطع بكونِ العلّةِ التامة هي المصلحة الكذائية أو المفسدة الكذائية سَرَى الحكم بسريانها وإلا فلا، لعدم الدليل على اعتبار الظن المذكور.

 

 

 

المصدر الثامن
سد الذرائع وفتحها

والمراد بهذا الدليل: هو ما يتوصل به، ويكون ذريعةً ووسيلةً لشيءٍ معلوم الحكم، فإنّه يكونُ تابعاً لما يُتوصَّلُ به إليه في الحكم، فإذا حَرَّمَ الشارعُ شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه، وتوصل له ولو بنحو الأغلب، تكونُ تلك الوسائل والذرائع محرّمة عند الشارع، ومفسدة عنده، تحقيقاً لحرمة ذلك الشيء، وتثبيتاً لحرمته، إذ إنّ إباحتها من الشارع نقضاً لتحريمه ذلك الشيء، وإغراءً للنفوس بفعله، وهو خلافُ عدله تعالى وحكمته، وهكذا ذرائعُ الواجبات، وهي: الوسائل والمقدّمات التي تفضي إليها في الأغلب تكون واجبةً عند الشارع، ومفتوح فعلها، وهكذا ذرائعُ المستحبّات والمكروهات، فإنها تابعةٌ لما هي ذريعة له في الحكم الشرعي.

فمقدّماتُ الحرام ووسائله الموصلة له، ولو في الغالب، قد ذهب قسم من الفقهاء إلى سدِّها، وقالوا بحرمتها وعبّروا عنه بسَدّ الذرائع([383])، ومقدمات الواجبات ووسائلها الموصلة لها في الغالب، قد ذهب قسم من الفقهاء إلى فتحها وقالوا بوجوبها وسموه بفتح الذرائع([384])، ولكنّ القوم ركزوا البحث عن خصوص ذرائع المحرمات لاكتفائهم عن البحث في ذرائع غيرها بمبحث مقدمة الواجب، وأنت خبيرٌ بأنَّ هذا البحث يرجع للدليل العقلي الاستلزامي([385]).

والحاصل: إنّ مواردَ الأحكام نوعان:

الأول: ما كانت محطّاً للحكم بالذات، ومطلوب فعلها أو تركها بالذات، وهي ما كانت المصلحة والمفسدة قائمة في ذاتها.

الثاني: ما كانت ذريعة ووسيلة مفضية ومؤدية لما فيه المصلحة أو المفسدة، فالذريعة والوسيلة تأخذ حكم ما يترتب عليها، والفقهاء الأربعة يأخذون بأصل الذرائع([386])، بمعنى أنَّهم يعطون الوسيلة حكم الغاية إذا انحصر الطريق بها، وبعضهم لا يشترط الانحصار، فالنظر إلى عورة الأجنبية حرام؛ لأنه يؤدي إلى المفسدة، وهي الزنا. وقالوا: إنَّ من هذا القبيل ضرب المرأة رجلها للإعلام بزينتها؛ لأنّه وسيلة للافتتان بها، ولذا قال تعالى: [وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ]([387])، و[وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُوُنَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُّبُوا اللهَ]([388])، فإنَّ السبَّ للأصنام ونحوها كان ذريعةً ووسيلة قد تفضي لسبّ الله تعالى، وينسب القول بسد الذرائع وفتحها لمالك، وأحمد، وغيرهم([389])، وينسب المنع للظاهرية وغيرهم([390])، وقد حققنا الكلام في مبحث المقدمة للواجب.

 

 

 

المصدر التاسع
العرف والعادة

وهو ما تَعَارَفَ واعتاد بين الناس فعله، أو تركه أو قوله، وهو المسمّى بالعادة العامة، ويسمّى بالسيرة مع عدم ردع الشارع عنه.

وذكروا إنّ العرف والعادة قد تكون لفظية، وهي ما كانت في اللفظ كاستعمالهم لفظ الولد في الذكر، مع أنه يشمل الذكر والأنثى، وهكذا لفظ الدابة، فإنّ العرف إنما استعملها في خصوص ذات القوائم، مع أنّها موضوعة لكلّ ما يَدِبُّ على الأرض([391]).

وقد تكونُ عملية، وهي ما اعتادَ عَمَلُ النّاس عليه في حياتهم، وكان متعارفاً في تصرُّفاتهم، ومعاملاتهم، وأفعالهم، كما تعارَفوا على بيع المعاطاة، وكما تعارفوا على السبح في الحمامات، والجلوس في المقاهي بأجور معينة، من دون تحديدٍ لزمن البقاء، وقد يكونُ العرف والعادة عندَ بلدٍ خاصّ، كما تعارف في العراق أن البيض يباع بالعدد، فيكون من المعدود، دون البرتقال، فإنه من الموزون([392]).

ومن المعلوم أنّ هذا الدليل:

إنْ كان لمعرفة الحكم الشرعي، كصحة بيع المعاطاة، فهو يرجعُ للسنة؛ لأنَّ منها تقرير المعصوم، فبيعُ المعاطاة كان في زمن المعصوم، وهو لم يَرْدَعْ عنه.

وإنْ كان لمعرفة الموضوع، كاستعمال لفظ الولد في الوصية، فهو يرجع لتشخيص المعنى المراد به.

ولا ريب أنَّ العرف يوجب انعقاد الظهور للفظ في ما يستعمله فيه، وهكذا في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً، فإنه يرجع للعرف في تشخيص موضوعات الأحكام وتحققها.

والحاصل: إنّ العرف والعادة تارةً يُستَدَلُّ بها على الحكم الشرعي، وهذا يقتضي ثبوتَها في زمن المعصوم، مع عدم رَدْعِهِ عنها، وتمكنه من الردع، وتارة يُستدلّ بها على تشخيص الموضوع للحكم الشرعي، وهذا أيضاً صحيحٌ؛ لأنَّ الأحكام الشرعية يُرْجَعُ في موضوعاتها للعرف وفهمه؛ لأنّهم هم المخاطبون بها([393]).

نعم، يقعُ الإشكالُ فيما لو كان التعارُفُ والعادة، في مثل ما لو كان قيمة السبح في الحمام، أو الجلوس في المقهى خمسين فلساً، فلما سَبَحَ أو جَلَسَ في المقهى طلب منه صاحبهما أكثر من ذلك، فهل يُرجَعُ للعرف باعتبار أنهما الطرفان للمعاملة، حيثُ لم يظهر منهما خلافُ المتعارف، ويكون البناء منهما على المتعارف، أو يعطي ما طُلِبَ منه، باعتبار أنَّ الناس مُسلَّطون على أموالهم، وهكذا لو خاط عنده ثوباً، وكان المتعارف والعادة قيمة الخياطة ديناراً، فطلب منه الخياط بعد الخياطة أكثر من ذلك، وهكذا لو كان المتعارف ضريبة الملك على المالك، فبعد الإجارة أو البيع، امتنع المالك عن أدائها، ولذلك أمثلة كثيرة في المعاملات والتصرفات.

 

 

 

المصدر العاشر
التلازم القطعي

التلازمُ القطعيُّ الثابتُ من الشرع بين أمرين، مثل قول
الصادق  عليهم السلام : (إذا قَصَّرْتَ أفْطَرْتَ)([394])، فإذا ثَبَتَ التقصير في موردٍ ثَبَتَ الإفطارُ فيه، وهذا يرجع للسنة، لثبوتِ التلازُمِ بواسطتها، وإنْ أرجعه بعضهم لدليل العقل([395])، باعتبار انضمام حكم العقل إليه من امتناع انفكاك المتلازمين، وكيف كان فهو لا يخرج عن دليل العقل والسنة.

 

 

 

المصدر الحادي عشر
عدم الدليل

الحادي عشر: عدم الدليل، فإنّه عندهم دليلٌ على العدم، وقد يعبّر عنه بعدم الوجدان، ويجعل دليلاً على عدم الوجود، فيقال: عدم الوجدان دليل على عدم الوجود.

وهو أعمُّ من أصل البراءة مُطلقاً، لاختصاص أصل البراءة بالأحكام الشرعية التكليفية، وأمّا عدم الدليل، وعدم الوجدان، فهو يجري فيها، وفي غيرها من المسائل الأصولية، كعدم الدليل على حجية الخبر دليلٌ على عدم حجيته، بل ويجري في مباحث الألفاظ، كعدم الدليل على وضع الشارع للألفاظ دليلٌ على عدم وضعه لها.

فيكون عدم الدليل أعمُّ من أصل البراءة مطلقاً؛ لأنّ أصل البراءة مختصٌ بنفي الوجوب والحرمة التكليفيين على ما هو المشهور([396]).

وعدم الدليل يعم جميع الموضوعات، والأحكام الإلزامية، والأحكام الوضعية، والتكليفية.

نعم، لو قلنا مفادُ أدلّة البراءة نفيُ العقاب والمؤاخذة، تكونُ النسبة بينهما بحسب مدلوله المطابقي التبايُن الكلّي، وكيف كان؛ فأصلُ البراءة أصلٌ فقاهي، وعدمُ الدليل دليلٌ اجتهادي، فهو عند العامل به أمارة على عدم الحكم الشرعي، وينسب([397]) القول به للشيخ([398])، وابن زهرة والفاضلين([399]) والشهيد([400])، وغيرهم([401])، ويستند في حجيته، إلى قضاء العادة، واستمرار السيرة من العقلاء والفقهاء على ذلك، وأن السيرة ثابتة في الموارد عموم البلوى بها، وتتوافر الدواعي فيها.

إلاّ أنّ التحقيق أن يقال: إنّ عدم الدليل على الشيء إنْ أفاد القطع بعدم ذلك الشيء فلا إشكال في حجيته، كما في الموارد التي لو وجد الدليل على الحكم لظهر لأغلب الناس، وكما يقال في الأمور الشرعية العامة البلوى، فإنّ عدم الدليل على التكليف بها دليلٌ على عدم التكليف بها.

وأمّا إذا كان لا يفيدُ القطع، فإنْ استقرَّ بناءُ العقلاء وسيرتهم على الأخذ به في الموارد، كما في وضع الألفاظ أخذ به، وإلاّ فلا دليلَ على حجيته واعتباره، فإنّ عدم الوجدان لا يدلُّ على عدم الوجود.

نعم، في الأحكام الشرعية، عدمُ الدليل عليها يُوجبُ قُبْحَ العقاب على مخالفتها، لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لا أنه يوجب انكشاف عدم وجودها، فيكون أصلاً فقاهياً، ولا دليل عليه إلا أدلّة أصل البراءة، بخلافه على الأول، فإنه يكون دليلاً اجتهادياً مستنده قضاء العادة والسيرة.

هذا، وعدم الدليل غير أصل العدم، فإن أصل العدم إنما هو من الأصول اللفظية، كأصالة عدم القرينة، وأصالة عدم التجوز، ونحوها.

 

 

 

المصدر الثاني عشر
التسامح في أدلة السنن

وهو يرجع للسنة؛ لأنه لا دليل عليه إلاّ الأخبار الدالة على أنَّ من بَلَغَهُ ثوابُ عَمَلٍ، فأتى به، فله ذلك الثواب([402])، وأما إذا قلنا بأنه مستفاد من العقل، باعتبار حكم العقل بحسن جلب المنفعة المحتملة([403])، وبقيام الخبر الضعيف على المطلوبية، يحتمل النفع، فهو من الدليل العقلي الاستلزامي، باعتبار أنَّ بلوغ الثواب يستلزم ذلك، لحسن كمال اهتمام العبد في استرضاء مولاه عقلاً، وقد تقدّمَ البحثُ في ذلك مفصلاً في مبحث حجية السنة والخبر، فراجعه([404]).

 

 

 

المصدر الثالث عشر
الاستقراء

فإنّه يرجع لحكم العقل الاستلزامي الظنّي، باعتبار أنَّ ثبوتَ الحكم لأغلب أفراد الكلّي، يستلزم عقلاً بنحو الظنّ ثبوتُهُ لكُلِّيّها، ولباقي أفراده؛ لأنّ ثبوته لأغلب أفراد الكلّي يدرك العقل منه أنَّ طبيعة الكلّي تقتضي ثبوته لها أينما وجدت وحلّت.

وتوضيح الحال: إنّ الاستقراء لغةً هو عبارة عن التتبع([405])، وقَصْدُ القُرى قريةً فقرية.

واصطلاحاً: عبارةٌ عن الحكم على الكلّي بما وُجِدَ في جزئياته([406])، كما في المصابيح، أو بما وُجِدَ في الجزئيات كما في القوانين([407])، قال في النهاية: المراد به إثباتُ الحكم في كلّيٍّ لثبوته في جزئياته، وفي الشمسية: هو الحكم على كلّيٍّ لوجوده في أكثر جزئياته([408])؛ قال الشارح: لأنّ الحكم لو كان موجوداً في جميع جزئياته لم يكن استقراءاً، بل قياساً، ثم قال: ويسمّى استقراءً؛ لأن مقدماته لا تحصل إلا بتتبع الجزئيات، كقولنا: (كُلُّ حيوانٍ يُحرِّكُ فَكَّهُ الأسفل عند المضغ)؛ لأنّ الإنسان والبهائم والسباع كذلك، ثمّ قال: وهو لا يفيد اليقين، لجواز وجود جزئيٍ آخر لم يُستقرأ، ويكون حكمه مخالفاً لما استقرئ، كالتّمساح، حيث نسمع إنه يحرك فكه الأعلى عند المضغ([409]).

ثم لا يخفى عليك، إنَّ التعاريف المذكورة للاستقراء المصطلح في هذا الفن بأسرها مخدوشة ومنقوضة عكساً؛ لعدم شمولها لما إذا قطعنا بانتفاء الحكم في بعض الجزئيات، مع وجوده في غالبها، ولا ريبَ أنَّ العاملين بالاستقراء يأخذون به في الصّورة المذكورة، ويلحقون الجزئيّ المشكوك بالغالب في هذا الحكم، وإنْ حصل لهم القطع بانتفائه عن بعض الجزئيات، ولا ريبَ أنّه
لا يصدق على الاستقراء في الصورة المفروضة أنّه الحكم على الكلّي، إذ لو كان الاستقراء موجباً للحكم على الكلّي امتنعَ انتفاؤه عن بعض الأفراد كما
لا يخفى.

ومن هذا الباب ما اشتهر: من أنّ الشيء يلحق بالأعمّ الأغلب([410])، إلاّ اللّهم أن يقال: إن مرادهم بها بيان مصطلح أهل الميزان، وهو كما ترى منافٍ لما نقلناه عن علماء الأصول في الكتب الأصولية، أو يقال: إنَّ الاستقراءَ في الصورة المفروضة غيرُ معتَبَرٍ عندهم، وهو أيضاً منافٍ لتصريح جَمْعٍ([411]) منهم كالاسترآبادي في المصابيح حيثُ قال: والأقوى هو التَّفْصيل، بأنْ نقولَ بالحُجيّة في الأحكام الشرعية عند تحقُّق المظنّة المطمئنة بها النفس، سواء تحقَّقَ الاستقراءُ في الأجناس، أو الأنواع، أو الأصناف، أو الأشخاص، وسواءٌ ظَهَرَ في مخالفة بعض الأفراد أم لا([412]).

أقول: إذا عَرَفْتَ هذا، فنقول: الأصَحُّ في تعريف الاستقراء في مُصْطَلَحِ هذا الفنّ، أنْ يقال: هو تَصَفُّحُ الجزئيات لتعَدّي الحكم الثابت في غالبها إلى الجزئي المشكوك، الواقع في عَرَضها ومرتبتها.

أو هو تصفّحُ الجزئيات لالتحاق الجزئي المشكوك الواقع في عَرَضِها بحُكْمِ غالبها، أو هو الحُكْمُ على الجزئيّ المشكوك بما وُجِدَ في غالب الجزئيات الواقعة في عَرَضِهِ، سواءٌ كانت الجزئيات المستقرأ فيها مع الجزئي المشكوك أفراداً لصنفٍ واحد، أو أصنافاً لنوع واحد، أو أنواعاً لجنسٍ واحد، فيشمل جميع أفراده.

ثم أنّه قد اشتهر بينهم أنَّ الاستقراء على قسمين([413]):

الأول: الاستقراءُ التام، وهو ما وُجِدَ الحُكْمُ في جميعِ الجزئيات، مثل أنْ يقال: (إنَّ الجسم إمّا حيوان أو نبات أو جماد)، وكلٌّ منها مُتحيِّز، فكلُّ جسمٍ مُتحيِّزٌ، وهو المسمَّى بالقياس المقسم، قال في النهاية([414]): إنّه دليلٌ صحيح؛ وفي القوانين: هو مفيد لليقين، ولا ريب في حجيته([415]).

لكن لا يخفى، أنّه لا يكادُ يوجدُ في الأحكام الشرعية، كما أنَّه ليس ذلك من الاستقراء المصطلح عندنا معاشر الأصوليين([416])، ولا بمثمرٍ لنا في شيء، إذ المفروض ثبوتُ الحكم في كُلِّ واحدٍ من الجزئيات بدليلٍ مُنفَصِلٍ، بحيثُ لا يوجد في البين فردٌ مشكوك، وقد صَرَّحَ في النهاية بأنَّ إطلاق الاستقراء في كلماتهم
لا يشمل هذا القسم.

إنْ قلتَ: إنَّ المشكوكَ حينئذٍ هو نَفْسُ الكُلِّي، وبعد وجود الحكم في جميع الجزئيات، نقطعُ بأنَّ نفس الكلّي حكمه ما وجدناه في جميع جزئياته، فيثمر في مثل ما لو فرضنا وجود فردٍ من هذا الكلّي في الأزمنة الآتية، ونشُكُّ في مشاركته مع الجزئيات الموجود المستقرأ فيها وعدمها، فَنحْكُمُ بالمشاركة لوجود الكلّي في ضمنه قطعاً، وثبوتُ الحكم لنفسِ الكُلّي للاستقراء في جميع جزئياته.

قلنا: لا يخفى ما فيه، إذ لَعَلَّ هذا الفرد ليس حكمه حكمُ كلِّيّهِ، فالأولى أنْ يقال: إنْ حَصَلَ القطعُ أو الاطمئنان بذلك فهو، وإلاّ فلا دليلَ على أنَّ حكم هذا الفرد هو عَينُ حُكْمِ كُلّيّه.

لا يقال: إنَّ الحكم إذا ثَبَتَ للكلّيِّ بنَصٍّ، فإنَّ الأفراد لهذا الكلّي الحادثة في الأزمنة المتأخّرة يثبت لها حُكْمُ ذلك الكلّي، فكذا ما نحن فيه.

فإنّا نقولُ: نَعَم، ولكنْ يَثْبُتُ بواسطة ظهور اللفظ وإطلاقه، وفي المقام ليس لنا ذلك، ولذا لو قَامَ الإجماعُ على حُكْمٍ كُلِّيٍّ، ولم يَكُنْ له مَعْقِدٌ، يستشكل في ثبوتِ حُكْمِ ذلك الكُلّيِّ لأفراده الحادثة.

والثاني: الاستقراءُ النّاقِصُ، وهو ما وُجِدَ الحكم في أكثر جزئياته، كما نقلنا عن شارح الشمسية من التمثيل به([417])، وهذا القسم هو الّذي ينصرف إطلاق لفظ الاستقراء إليه، كما صَرَّحَ به في النهاية، ويَصْدُقُ عليه التّعريفاتُ المذكورة.

ثم أنّه لا ريبَ في كونِهِ مفيد للظّن، بل قد يفيد القطع، ولو بانضمام العادة، كما لا يخفى، خلافاً للعلامة في النهاية، حيثُ قال([418]): والأقربُ أنّه لا يفيد الظنَّ أيضاً إلاّ بدليلٍ مُنْفَصِلٍ، تَبَعَاً للمحقِّقِ في المعارج حيثُ مَنَعَ إفادتَهُ للظنّ أيضاً([419])، على ما حكي عنه في المفاتيح([420])، وهو مخالفٌ للحِسِّ والوجدان والظن المستفاد من الاستقراء بتفاوت درجته، وبتفاوتِ كثرة الأفراد المستقرأ فيها، بل ربما يحصل منه كثرتها الظنّ المتاخم للعلم، كما صَرَّحَ به غير واحد([421]).

بقي الكلامُ في حجية هذا القسم من الاستقراء، وعدم حجيته؛ فنقول: اختلفوا فيه على قولين:

فقولٌ بالحُجيّة في الأحكام الشرعية، وهو مختار المحقق الثالث([422])، والمقدس الاسترآبادي([423])، وشريف العلماء([424])، وهو المحكي عن جمهور القائلين بحجية الظن المطلق([425])، كما استفاده السيد السند في المفاتيح، ونفى الوفاق على عدم حجية الاستقراء، وترقى عن ذلك ونفى الشهرة على عدم حجيته، واستفادة حجيته من القائلين بحجية مطلق الظن، وعلل ذلك بقوله: لأنه من الظنون التي لم يقم دليل على عدم حجيته([426])، بل يظهر من الكرباسي حجية الاستقراء في اللغات، وحكي([427]) عن ابن الحاجب([428])، وصاحب المعالم([429])، أنه طريقٌ قَطْعِيٌّ لا ينكر، أي في اللغات، وبه انقطع النزاع بين كافة العلماء في الحقيقية الشرعية.

ثم استكشف الكرباسيّ المذكور من كلامهما كون حجيّته في اللغات متفق عليها بينهم([430]).

ثم قال: وهو في الجملة مما لا رَيْبَ فيه([431])، لكنّ الاسترآبادي صَرَّحَ بعدَمِ حُجيّتِهِ في اللغات.

وقولٌ بعَدَمِ حُجيَّةِ هذا القسم، وهو المحكيّ عن المحقّق في المعارج([432])، والعلّامة في النهاية([433])، والمنسوب إلى القائلين بحجيّة الظّن المخصوص، وهو الحقُّ لعدم الدليل المعتبر على حُجيّتِهِ، حيثُ إنّا لا نقولُ بحجيّةِ الظنِّ المطلق، كما سيجيء إنْ شاء الله.

 

 

 

المصدر الرابع عشر
ثبوت الحكم في الشرائع الإلهية السابقة

ثبوت الحكم في الشرائع الإلهية السابقة، كالنصرانية واليهودية، ولم ينسخ في شرعنا، وكان مسكوتاً عنه.

فجمهور الفقهاء على الالتزام به في شرعنا([434])، ويحكى الخلاف عن الأشاعرة([435])، والمعتزلة([436])، وبعض الشافعية([437])، بدعوى أن الشرائع السابقة

 


([1]) ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر ال محبوبة، ج1، ص176.

([2]) آل كاشف الغطاء مناهل عطاء، شاكر جابر موسى البغدادي، ص23.

([3]) العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية، الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، ص12.

([4]) ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر ال محبوبة، ج1، ص183.

([5]) ذروٌ من حياة الشيخ علي كاشف الغطاء، السيد عبد الستار الحسني، ص10- 11.

([6]) المصدر السابق، ص11.

([7]) مقدمة رسالة الماجستير الموسومة، الشيخ علي كاشف الغطاء ودوره الإصلاحي الديني في العراق.

([8]) ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر ال محبوبة، ص176.

([9]) موسوعة العتبات المقدسة، جعفر الخليلي، ص245.

([10]) ذِرْوٌ من حياة الشيخ علي كاشف الغطاء، السيد عبد الستار الحسني، ص14.

([11]) ذِرْوٌ من حياة الشيخ علي كاشف الغطاء، السيد عبد الستار الحسني، ص36.

([12]) الفصول الغروية من الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص226.

([13]) الفوائد المدنية والشواهد المكية، المولى محمد أمين الاسترآبادي، ص49.

([14]) ذكر الاخباريون روايات تدل على مطلبهم، حتّى جعل لها في الوسائل باباً خاصاً ذكر فيه 82 حديثاً، وأسماه: باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن، إلا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة المعصومين. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، ج27، ص176، ص206، باب 13 من أبواب صفات القاضي.

([15]) ومنهم جماعة من الاخبارية المدعين انحصار مدارك العلم بالأحكام في الأخبار المأثورة عن
الأئمة G، وأول من أشار إلى ذلك المحدث الأمين الاسترآبادي، وقد ذكر ذلك في الفوائد المدنية. هداية المسترشدين، الشيخ محمد تقي الرازي، ج3، ص539 - 540.

([16]) الفوائد المدنية والشواهد المكية، المولى محمد أمين الاسترآبادي، ص104. والمولى الاسترآبادي من علماء الأخبارية، بل هو رئيس المحدثين وكبيرهم، توفي سنة (1033هـ).

([17]) التبيان في تفسير القرآن، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج1، ص4 - 5.

([18]) نهاية الوصول إلى علم الأصول، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ج1، ص354.

([19]) الحشوية: وسُمّي الحشويةُ حشويَّةً؛ لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها. المقالات والفرق، سعد بن عبد الله الأشعري، ص136.

([20]) نذكر بعض مصادره من الفريقين: كتاب سليم بن قيس، ص201. عيون أخبار الرضا B، الشيخ الصدوق، ج1، ص34، ح40. ص68، ح259. كمالُ الدّين وتمامُ النعمة، الشيخ الصدوق، ص235، ح46. ص236، ح52. ص238، ح56. ص239، ح58. الأمالي، الشيخ المفيد، ص134 - 135، ح3. الأمالي، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ص161 - 162، ح268. ص255، ح460. مسند أحمد، الإمام أحمد بن حنبل، ج3، ص14، ص17. المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، ج3، ص148. خصائص أمير المؤمنين، النسائي، ص93. وغيرها كثير.

([21]) الاصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج2، ص599، كتاب فضل القرآن، ذيل ح2.

([22]) المصدر السابق، ج2، ص600، كتاب فضل القرآن، ح8.

([23]) المصدر السابق، ج1، ص8. ج6، ص58، باب من طلق لغير الكتاب والسنة، ح2.

([24]) سورة البقرة، الآية 2.

([25]) سورة القمر، الآية 17.

([26]) ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الاخبار، العلامة محمد باقر المجلسي، ج10، ص389.

([27]) عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ابن أبي جمهور الإحسائي، ج4، ص104، ح154.

([28]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، ج18، ص151، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ح79.

([29]) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص55، المجلس الثاني، ح3.

([30]) مجمع البيان في تفسير القرآن، الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي، ج1، ص39.

([31]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، ج27، ص192، ح41. ص203، ح69، ح73. ص204، ح74، باب 13 من أبواب صفات القاضي.

([32]) قال: والأحاديث في ذلك كثيرة جدا، وكذا أحاديث الأبواب السابقة، وإنما اقتصرت على ما ذكرت لتجاوزه حد التواتر. وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، ج27، ص205، باب 13 من أبواب صفات القاضي.

([33]) المكاسب، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج1، ص155.

([34]) سورة المائدة، الآية 1.

([35]) سورة البقرة، الآية 275.

([36]) سورة النساء، الآية 29.

([37]) سورة البقرة، الآية 283.

([38]) سورة النساء، الآية 5.

([39]) سورة الأنعام، الآية 152. سورة الإسراء، الآية 34.

([40]) سورة النساء، الآية 24.

([41]) سورة الحجرات، الآية 6.

([42]) سورة التوبة، الآية 122.

([43]) سورة النحل، الآية 43.

([44]) سورة النحل، الآية 75.

([45]) سورة التوبة، الآية 91.

([46]) سورة التوبة، الآية 28.

([47]) سورة البقرة، الآية 222.

([48]) قال: قرأ أهل الكوفة إلاّ حفصاً (حتى يطّهّرن) - بتشديد الطاء والهاء - الباقون بالتخفيف. البيان في تفسير القرآن، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج2، ص219.

([49]) سورة البقرة، الآية 223.

([50]) قال: وفي الباب عن حفصة عند مالك في الموطأ، قال عمرو بن رافع: إنه كان يكتب لها مصحفا، فقالت له: إذا انتهيت إلى (وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) فآذنِّي، فآذنتها، فقالت: اكتب: (والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار، محمد بن علي الشوكاني، ج1، ص399.

([51]) تفسير القرآن، عبد الرزاق الصنعاني، ج1، ص193. جامع البيان عن تأويل آية القرآن، محمد بن جرير الطبري، ج7، ص41، ح9754 - 9755. تفسير ابن كثير، اسماعيل بن عمر بن كثير، ج2، ص9.

([52]) لعل السبب في تقديم الإجماع على السنة هو أن الإجماع حاكٍ عن السنة، فهو لو تم يكون سنة مجمع عليها.

([53]) لسان العرب، ابن منظور، ج8، ص57.

([54]) لم نعثر على الحكاية عن القاضي والجويني، وأما الغزالي فحكاه عنه في درر الفوائد، الشيخ عبد الكريم الحائري، ج2، ص371.

([55]) هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم الباقلاني، أو ابن الباقلاني، ولد بالبصرة، وعاش في بغداد وفيها مات سنة (403هـ).

([56]) وهو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، المعروف بإمام الحرمين، شافعيٌ، له مؤلفات عديدة، منها الورقات في أصول الفقه، البرهان في أصول الفقه، الإرشاد في الكلام، العقيدة النظامية، توفي سنة (478هـ). أُنظر وفيات الأعيان، ابن خلكان، ج3، ص167 - 169.

([57]) الغَزَّالي هو أبي حَامِدْ مُحمَّد بن محمد بن محمد الغزالي، فيلسوف، متصوف، له مؤلفات في الكلام والجدل وأصول الفقه والفقه، بلغت نحو مائتي مصنف، توفي سنة (505هـ). المستصفى في علم الأصول، أبو حامد الغزالي، ص137.

([58]) المحصول في علم أصول الفقه، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، ج4، ص20.

([59]) قائلا: وقال مالك: إجماع أهل المدينة حجة نقله ابن حجر في فتح الباري، ج13، ص256. قال الدسوقي في حاشيته: ومذهب مالك أن إجماع أهل المدينة حجة، ج4، ص153.

([60]) قال الغزالي في ما نصه: ذهب داود وشيعته من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة في إجماع من بعد الصحابة. المستصفى في علم الأصول، أبو حامد الغزالي، ص149.

وداود الظاهري: هو أبو سليمان داود بن علي بن خلف، إصبهاني الأصل، سكن بغداد، المشهور بداود الظاهري، نسبة إلى ظاهر نصوص الكتاب والسنة، لتمسكه به، ولد في الكوفة، وكان رئيس أهل الظاهر، ومؤسس المذهب الظاهري، له مؤلفات كثيرة، منها: الإيضاح، الإفصاح، الأصول، توفي في بغداد سنة (270هـ).

([61]) أنظر: القوانين المحكمة في الأصول المتقنة، الميرزا أبو القاسم القمي، ج2، ص261.

والنظّام: هو إبراهيم بن سيار النظام، رأس المعتزلة، وهو من الموالي، وقد ضاعت كُلُّ كُتُبِهِ، ولكن آراءه ذكرت في ثنايا الكتب.

([62]) الحدائق الناضرة، المحدث يوسف بن أحمد البحراني، ج22، ص340. الفصول المهمّة في أصول الأئمة، محمد بن الحسن الحرُّ العامليُّ، ج1، ص553.

([63]) قال ما نصه: والذي نذهب إليه أن الأمة لا يجوز أن تجتمع على خطأ، وأنّ ما يجمع عليه لا يكون إلاّ حُجَّة. العدّة في أصول الفقه، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج2، ص602، ص631. القوانين المحكمة في الأصول المتقنة، الميرزا أبو القاسم القمي، ج2، ص234. فرائد الأصول، الشيخ مرتضى، ج1، ص197.

([64]) ويُسمَّى الإجماع المدركي.

([65]) وقال: (.. فالعادة أيضا تحيلُ اتّفاقهم على الحكم الواحد، كما أنّها تحيلُ اتفاقهم على طعام واحد، وهو باطل، فإنّه إنْ كانَ إجماعهم عن دليل قاطع، فإنّما يمتنع عَدَمُ نَقْلِهِ أنْ لو دَعَتْ الحاجة إليه). الإحكام في أصول الأحكام، سيف الدين الآمدي، ج1، ص197.

([66]) سورة النساء، الآية 115.

([67]) قال بعد ذكر الآية: فقد أوجب به اتباع سبيل المؤمنين، وحظر مخالفتهم، فدَلَّ على صحة إجماعهم. الفصول في الأصول، أحمد بن علي الرازي الجصاص، ج3، ص262.

([68]) سورة آل عمران، الآية 110.

([69]) قال بعد ذكر الآية: فشهد للأمة بهذه الخصال، ولو جاز إجماعهم على الخطأ لما كانوا بهذه الصفة، ولكانوا قد أجمعوا على المنكر وتركوا المعروف. الفصول في الأصول، أحمد بن علي الرازي الجصاص، ج3، ص263.

([70]) سورة البقرة، الآية 143.

([71]) قال: فإنه لما وصف الأمة بالعدالة بقوله تعالى: [جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا]، فجعلهم شهداء بعد وصفه إياهم بالعدالة. الفصول في الأصول، أحمد بن علي الرازي الجصاص، ج3، ص261.

([72]) الرواية مذكورة في تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي، وهو ليس في أيدينا، والحديث مذكور في جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، ج2، ص26، واستدلّ به الكثير من الأصوليين.

وأبو اللّيث السَّمْرقندي: هو أبو الليث نَصْرُ بن مُحَمَّد بنُ إبراهيم بن الخطّاب الفقيه، الحنفي، له مصنّفاتٌ كثيرة، منها: بستانُ العارفين، تفسيرُ القرآن، تنبيهُ الغافلين، حصر المسائل في الفروع، وغيرها، توفي سنة (373هـ).

([73]) نسبه إليهم المحقق النراقي في عوائد الأيام، ص702، قائلاً: إذ المصرّح به في كلام أرباب الاصطلاحين الأولين، أن الإجماع هو: اتفاق كلّ العلماء، أو اتفاق كلّ علماء الرعية.

([74]) تقدم في قوله: وأنكر حجيته النظام المتوفى سنة (231هـ)، فراجع.

([75]) هو السيد الشريف أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم ابن الإمام موسى بن جعفر H، الأجلّ المرتضى، علم الهدى، مقدم في العلوم، مولده في رجب سنة (355هـ)، كان أوحد أهل زمانه علماً وكلاماً وفقهاً وحديثاً وشعراً، له مؤلفات عديدة، منها: المقنع في الغيبة، تنزيهُ الأنبياء، الشافي في الإمامة، الانتصار، الناصريات، وغيرها كثير، توفي سنة (433هـ). اُنظر: أمل الآمل، محمد بن الحسن الحُرّ العاملي، ج2، ص182 وما بعدها.

([76]) هو الشيخ سعد الدّين بن عبد العزيز بن نحرير (بحر) بن عبد العزيز بن براج الطرابلسي، من كبار فقهاء الشيعة الإمامية، تلميذ السيد المرتضى، له مؤلّفات عديدة، منها: المهذّب، المعتمد، الرّوضة، وغيرها كثير، توفي سنة (481هـ). اُنظر مستدركات أعيان الشيعة، محسن الأمين، ج1، ص91 وما بعدها.

([77]) هو محمد بن أحمد بن الجُنَيد، أبو علي الإسكافي، وجهٌ في أصحابنا، ثقة، جليل القدر، صَنَّفَ فأكثر، لقب بالإسكافي لأنه منسوب إلى إسكاف، وهي من النهروانات في العراق، له مؤلفات كثيرة جدا، لم يصلنا منها شيء، منها: تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة، الأحمدي في فقه المحمدي، توفي سنة (381هـ). راجع رجال النجاشي، ابو العباس احمد بن علي النجاشي، ص358، ر1047.

([78]) هو السيد أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحلبي، ينتهي نسبه إلى الإمام الصادق B، من كبار علماء الشيعة الإمامية، له مؤلفات عديدة، منها: غنية النزوع إلى علم الأصول والفروع، توفي سنة (585هـ). أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج3، ص9.

([79]) هو الشيخ أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز الديلمي الطبرستاني، المعروف بــ(سلاّر)، ذكره ابن داود في رجاله، قائلاً: فقيه، جليل، معظم، من تلامذة المفيد والسيد المرتضى، من تصانيفه: كتاب الأبواب والفصول في الفقه، والرسالة التي سمّاها المراسم (المراسم العلوية)، وغير ذلك P، توفي سنة (448هـ). رجال ابن داود، ص104، ص711.

([80]) هو العلامة الكبير ذو الفنون فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين القرشي البكري الطبرستاني الأصولي المفسّر، كبير الأذكياء والحكماء والمصنفين، ولد سنة أربع وأربعين وخمس مئة، مات بهراة يوم عيد الفطر سنة ست وستمئة وله بضع وستون سنة. اُنظر: سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، ج21، ص501.

([81]) قال: (السلطان العظيم يمكنه جمع علماء العالم في موضع واحد). المحصول في علم أصول الفقه، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، ج4، ص34.

([82]) في بيان مناقشة الطريق الأول من طرق تحصيل الاجماع.

([83]) أُنظر: بحر الفوائد في شرح الفوائد، محمد حسن الأشتياني، ج1، ص132.

([84]) مرآة العقول، العلامة محمد باقر المجلسي، ج1، ص23.

([85]) معالم الدين وملاذ المجتهدين، الشيخ جمال الدين الحسن ابن الشهيد الثاني، ص175.

([86]) المحصول في علم أصول الفقه، فخر دين محمد بن عمر الرازي، ج4، ص34 - 35.

([87]) النص موجود في شرح مختصر المنتهى الأصولي، لابن الحاجب، ج2، ص319.

([88]) المصدر السابق.

([89]) لعله يشير إلى ما في جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، ج2، ص40.

([90]) الذريعة إلى أصول الشريعة، السيد المرتضى علم الهدى، ج2، ص622.

([91]) العدة في أصول الفقه، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج2، ص633.

وفي ص637، قال: (فأما إذا أجمعوا على قولٍ فلا يجوز أن يراعى الخلاف الذي بعده؛ لأن بالإجماع الأول علم قول المعصوم في تلك المسألة).

([92]) قال المحقق النراقي: ومنهم الشيخ سديد الدين محمود الحمصي، قال في التعليق العراقي: إن الحُجَّةَ هو الإجماع المشتمل على قولِ المعصوم في الجملة، من غير احتياج إلى العلم بتعيينه. عوائد الأيام، أحمد بن محمد مهدي النراقي، ص674.

والحمصي: هو الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي، المتوفى بعد سنة (583هـ)، صاحب التعليق العراقي، وهو من مشايخ الشيخ منتجب الدين، ترجمه وذكر تصانيفه التعليق الكبير، والتعليق الصغير، والتعليق العراقي. الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الشيخ آغا بزرك الطهراني، ج2، ص319.

([93]) قواعد المرام في علم الكلام، ميثم البحراني، ص137.

وميثم البحراني هو: كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، فيلسوف محقق، متكلم بارع، فقيه، محدث، عالم رباني، من مؤلفاته: آداب البحث، اختيار مصباح السالكين (شرح على نهج البلاغة)، استقصاء النظر في إمامة الأئمة الإثني عشر، البحر الخضم (في الالهيات)، شرح الإشارات، غاية النظر، ولد سنة (636هـ)، وتوفي سنة (689هـ) وقيل: سنة (679هـ) وقيل: (699هـ). اُنظر الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي، ج1، ص433. أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج10، ص197.

([94]) المعتبر في شرح المختصر، المحقق الحلي، ج1، ص31.

([95]) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، الشهيد الأول، ج1، ص49 - 50.

([96]) العماد الدّاماد هو: العلامة الفيلسوف العماد مير محمد باقر الداماد، ابن بنت الشيخ الكركي، توفي سنة (1041هـ).

([97]) الغيبة، أبو جعفر محمد بن الحسين الطوسي، ص20.

([98]) الانتصار، على بن الحسين الشريف المرتضى، ص81.

([99]) الشافي في الإمامة، علي بن الحسين الشريف المرتضى، ج1، ص78.

([100]) غُنيةُ النّزوع، ابن زُهْرَة الحلبي، ص243.

([101]) كنزُ الفوائد، ابو الفتح الكراجكي، ص193.

([102]) الكراجكي الشيعي مُحمَّد بن علي أبو الفتح الكراجكي شيخ الشيعة، والكراجكي بكافين وجيم هو الخيمي، مات بصور في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وكان من فحول الرافضة، بارعاً في فقههم، لقي الكبار مثل المرتضى، له كتاب تلقين أولاد المؤمنين، والأغلاط فيما يرويه الجمهور، وموعظة العقلاء للنفس والمنازل، وكتاب عدد ما جاء في الاثني عشر، وكتاب المؤمن. الوافي بالوفيات، الصفدي، ج4، ص96.

([103]) قال: وإجماعُ العلماء من الإمامية يقتضي دخول الحجة المعصوم في جُمْلَتِهِم لكونه واحدا منهم. الكافي في الفقه، ابو الصَّلاح الحلبي، ص507.

([104]) هو أبو الصَّلاح تقيّ أو تقيّ الدّين بن نجم أو نجم الدّين بن عبيد الله بن عبد الله بن محمد
الحلبي، وُلِدَ بحَلَب سنة (347هـ) وتوفي بها سنة (447هـ). قال الشيخ في رجاله فيمن لم يرو
عنهم G: تقي بن نجم الحلبي، ثقة، له كتب، قرأ علينا وعلى المرتضى، يكنى أبا الصلاح.
له مصنَّفاتٌ كثيرةٌ، منها: (الكافي في الفقه، التهذيب ذكره الذهبي، المرشد في طريق التعبد ذكره الذهبي ايضاً، تقريبُ المعارف نسخة منه في مكتبة الحسينية في النجف الأشرف). أعيان الشيعة،
السيد محسن الأمين، ج3، ص634 - 635.

([105]) واستدل بعضهم بقوله تعالى [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ]: على أنّ إجماع الأمّة حُجّة بأنْ قالوا: إنّما أوجب الله الرد إلى الكتاب والسنة بشرط وجود التنازع، فدلَّ على أنّه إذا لم يوجد التنازع لا يجب الردُّ، ولا يكونُ كذلك إلاّ والإجماع حجة. وهذا الاستدلال إنما يصح
لو فرض أن في الأمة معصوماً حافظاً للشرع. مجمع البيان في تفسير القرآن، الشيخ الفضل بن
الحسن الطبرسي، ج3، ص115.

([106]) العدة في أصول الفقه، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج2، ص642.

([107]) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص139، باب 4 في غيبة إبراهيم B، ذيل ح7، والحديث طويل.

([108]) سورة الرعد، الآية 7.

([109]) الاصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج1، باب أن الأئمة G هم الهداة، ص191- 192، ح2 - 3 - 4.

([110]) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، باب 21 العلة التي من أجلها يحتاج إلى الإمام B، ص207، ح22.

([111]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج1، ص68، باب اختلاف الحديث، ح10، والحديث طويل.

([112]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج1، ص178.

([113]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج1، ص68، ح10.

([114]) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص207، باب 21 العلة التي من أجلها يحتاج إلى الإمام B، ح22.

([115]) قال: على ما يراه المتأخرون في الإجماع من أنه الاتفاق الكاشف بطريق الحدس. الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص6. في ص262، وقال: (.. ولا على ما قررناه في معنى الإجماع من أنه الاتفاق الكاشف عن قول المعصوم بالحدس).

([116]) زرارة بن أعين بن سنسن، مولى لبني عبد الله بن عمرو بن السمين بن أسعد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان أبو الحسن، شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم، وكان قارئا، فقيها، متكلما، شاعرا، أديبا، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقا فيما يرويه، ومات زرارة سنة خمسين ومائة. رجال النجاشي، ابو العباس احمد بن علي النجاشي، ص175، ر463.

([117]) محمد بن مسلم بن رياح، أبو جعفر الأوقص الطحان، مولى ثقيف الأعور، وجه أصحابنا
في الكوفة، فقيه، صحب أبا جعفر وأبا عبد الله H، وروى عنهما، وكان من أوثق الناس،
ومات محمد بن مسلم سنة خمسين ومائة، رجال النجاشي، ابو العباس احمد بن علي النجاشي، ص323 - 324، ر882.

([118]) ليث بن البختري المرادي أبو محمد، وقيل: أبو بصير الأصغر. رجال النجاشي، ابو العباس احمد بن علي النجاشي، ص321، ر876. قال: سمعت أبا عبد الله B: (بشر المخبتين بالجنة، بريد بن معاوية العجلي، وأبو بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزرارة، أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء لانقطعت آثار النبوة واندرست). في اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج1، ص398، ح286.

وفي ح287: (..، ومنهم ليث المرادي وبريد العجلي، وهؤلاء القوامون بالقسط، وهؤلاء السابقون السابقون أولئك المقربون).

([119]) يونس بن عبد الرحمن، مولى علي بن يقطين بن موسى، مولى بني أسد، كان وجها في أصحابنا، متقدما، عظيم المنزلة، ولد في أيام هشام بن عبد الملك، وكان الرضا B يشير إليه في العلم والفتيا..، وكان وكيل الرضا وخاصته، إني سألته فقلت: إني لا أقدر على لقائك في كل وقت، فعمن آخذ معالم ديني؟ فقال: (خذ عن يونس بن عبد الرحمن). اُنظر رجال النجاشي، ابو العباس احمد بن علي النجاشي، ص446، ر1208.

([120]) أُنظر: مقالات الاصول، آغا ضياء الدين العراقي، ج2، ص176.

([121]) أنظر: أوثق الوسائل في شرح الرسائل، موسى التبريزي، ص305.

([122]) عطف على قوله: أو أصل صحيح.

([123]) أنظر: تقريرات في أصول الفقه، تقرير بحث البروجردي، الاشتهاردي، ص281، قال: ثانيهما: أعم من هذا، وهو اتفاق أهل كل فن على أمر متعلق بذلك الأمر، كاتفاق النحوي على مسألة نحوية، والصرفي على الصرفية، ونحو ذلك.

([124]) أُنظر: فرائد الاصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج3، ص350.

([125]) نسبه إليهم في تحفة الأحوذي، المباركفوري، ج3، ص141 - 142، قائلاً: قلت: العجب من العيني أنه لم يجب عن الإجماع السكوتي بل سكت عنه وهو حجة عنده وعند أصحابه الحنفية.

وقال في إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، العلائي، ج1، ص20، وهذا هو المسمى بالإجماع السكوتي، ولأئمة الأصوليين في تصوره طريقان:

أحدهما: من جعل ذلك في حقّ كلّ عصرٍ من عصور المجتهدين، وهذا هو الذي صرح به الحنفية في كتبهم.

عندما نقل قول ابن الهمام الحنفي، وقال: بل ذكر الإمام ابن الهمام وقوع الإجماع السكوتي من الصحابة على الوقوع. تفسير الآلوسي، الآلوسي، ج28، ص130.

([126]) القول الرابع: أنه إجماع بشرط انقراض العصر؛ لأنه يبعد مع ذلك أنْ يكون السّكوتُ لا عن رضا، وبه قال أبو علي الجبائي، وأحمد في رواية عنه. إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ج1، ص153.

وتفصيل المذاهب على هذه الطريقة أنّ أحْمَد بن حنبل وجُمْهُورُ الحَنَفيّة وكثيراً من أصحابنا قالوا إنّه إجماع وحجة. وفي إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، العلائي، ج1، ص20.

([127]) الثاني: أنّه إجماعٌ وحُجَّةٌ، قال الباجي: وهو قولُ أكثرِ أصحابنا المالكيين، والقاضي أبي الطيّب، وشيخنا أبي إسحاق، وأكثر أصحاب الشافعي. البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي، ج3، ص539.

([128]) الذي ذهب إليه جمهور أصحابنا وبعض الحنفية وداود الظاهري أن ذلك لا يكون إجماعاً ولا حجة. إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، العلائي، ج1، ص20.

أقول: العلائي هو صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، وهو شافعي.

([129]) في مسألة اختلاف الخلفاء في القسمة بين الناس، وسكوت الصحابة ورضاهم، قال: لا يقال لشيء من هذا إجماع، ولكن ينسب كُلُّ شيء منه إلى فاعله، فينسب إلى أبي بكر فعله، وإلى عمر فعله، وإلى علي فعله، ولا يقال لغيرهم ممن أخذ منهم موافقة لهم ولا مخالفة، ولا ينسب إلى ساكت قول قائل ولا عمل عامل. كتاب الأم، الإمام الشافعي، ج1، ص178.

قال: مسألة: (الإجماع السكوتي) إذا أفتى بعض الصحابة بفتوى، وسكت الآخرون، لم ينعقد الإجماع، ولا ينسب إلى ساكت قول، وقال قوم: ..، والمختار: أنه ليس بإجماع ولا حجة. المستصفى في علم الأصول، أبو حَامِدْ الغزالي، ص151.

 الأول: أنه ليس بإجماع ولا حجة، قاله داود الظاهري، وابنه المرتضى، وعزاه القاضي إلى الشافعي واختاره، وقال: إنه آخر أقوال الشافعي، وقال الغزالي والرازي والآمدي: إنه نص الشافعي في الجديد، وقال الجويني: إنه ظاهر مذهبه. إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ج1، ص153.

ولكن في نسبة نفي الحجية للشافعية كلام، فقد صرح ابن حجر (الشافعي) في فتح الباري: ج12، ص16، بحجيته، قائلاً: فإن الإجماع السكوتي حجة، وهو حاصل في هذا.

وفي ص248: لأن عمر أطاع أبا بكر فيما رأى من حق مانعي الزكاة، مع اعتقاده خلافه، ثم عمل في خلافته بما أداه إليه اجتهاده، ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم، وهذا مما ينبه عليه في الاحتجاج بالإجماع السكوتي، فيشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار.

وفي ص539: وقال النووي في شرح الوسيط: لا تغترن بإطلاق المتساهل القائل بأن الإجماع السكوتي ليس بحجة عند الشافعي، بل الصواب من مذهب الشافعي أنه حجة وإجماع.

وقال في هداية المسترشدين: ويتدرج في الاجماع السكوتي وليس بإجماع عندنا.

([130]) قال: (..، علمت أقواله بإجماع الطائفة التي نقطع على أن قوله في جملة أقوالهم، وإن كان العلم بذلك من أحواله لا يعدو أما المشافهة أو التواتر). رسائل المرتضى، على بن الحسين الشريف المرتضى، ج1، ص11.

وفي ص250، قال: (وهاهنا طريق آخر يتوصل به إلى العلم بالحق والصحيح من الأحكام الشرعية، عند فقد ظهور الإمام وتميز شخصه، وهو إجماع الفرقة المحقة من الإمامية التي قد علمنا أن قول الإمام - وإن كان غير متميز الشخص - داخل في أقوالها وغير خارج عنها).

([131]) قال: (لأن الإجماع عندنا إذا اعتبرناه من حيث كان فيه معصوم، لا يجوز عليه الخطأ، ولا يخلو الزمان منه، وطريق ذلك العقل دون السمع). العدة في أصول الفقه، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج1، ص8.

([132]) فلم يبق مما يصلح أن يكون المستند في الاجماعات المتداولة على ألسنة ناقليها إلا الحدس. اُنظر: فرائد الأصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج1، ص198 - 199.

([133]) المفيد والطوسي.

([134]) المرتضى وابن زهرة.

([135]) عوائد الأيام، أحمد بن محمد مهدي النراقي، ص683 - 684.

([136]) الفصول الغروية في الاصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص258. وقال في الوافية في أصول الفقه، عبد الله بن محمد البشروي، ص155، (الحق التوقف في الاجماع المنقول بخبر الواحد لما عرفت. ولاختلاف الاصطلاحات في الاجماع، فإن الظاهر من حال القدماء - كالسيد المرتضى والشيخ وغيرهما- إطلاق الاجماع على ما هو المصطلح عند العامة، من اتفاق الفرقة غير المبتدعة - ولو في زمان الغيبة- على أمر. وحينئذ، فكيف الوثوق بالاجماعات الواقعة في كلامهم.

([137]) مفاتيح الاصول، محمد الطباطبائي الكربلائي، ص459، ص461.

([138]) فرائد الاصول، الشيخ مرتضى الانصاري، ج1، ص179.

([139]) تعليقة على معالم الاصول، السيد علي الموسوي القزويني، ج5، ص186.

([140]) أنظر جواهر الكلام، حسن الجواهري، ج9، ص344، ص347.

([141]) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، الشهيد الاول، ج3، ص323.

([142]) المقاصد العلية في شرح الرسالة الالفية، زين الدين بن علي الشهيد الثاني، ص69.

([143]) نزهة الناظر في الجمع بين الاشباه والنظائر، يحيى بن سعيد الحلبي، ص13.

([144]) تفصيل الشريعة في شرح تحليل الوسيلة كتاب النكاح، فاضل النكراني، ص371.

([145]) الحدائق الناظرة، المحدث يوسف بن أحمد البحراني، ج24، ص88.

([146]) نقلا عن ذخيرة المعاد، محمد باقر السبزواري، ج1، ص6، ق1.

([147]) أنظر: تذكرة الفقهاء، الحسن بن يوسف بن المطهر العلامة الحلي، ج4، ص8.

([148]) أنظر: تذكرة الفقهاء، الحسن بن يوسف بن المطهر العلامة الحلي، ج2، ص137.

([149]) درر الفوائد، عبد الكريم الحائري، ج2، ص653.

([150]) بحوث في علم الاصول، تقريرات بحث محمد باقر الصدر، محمود الشهرودي، ج4، ص317.

([151]) راجع القوانين المحكمة في الأصول المتقنة، الميرزا ابو القاسم القمي، ج2، ص286، وأما العامة، فأكثرهم قد وافقنا على ذلك، وذهب الأقلون منهم إلى الجواز.

([152]) الفوائد المدنية والشواهد المكية، المولى محمد أمين الاسترآبادي، ص573.

([153]) الهداية في الاصول تقرير بحث السيد الخوئي، حسن الصافي، ج3، ص92.

([154]) النور الساطع في الفقه النافع، الشيخ علي كاشف الغطاء، ج1، ص546، ص556، (الطبعة الاولى).

([155]) فرائد الاصول، الشيخ مرتضى الانصاري، ج1، ص83.

([156]) أوثق الوسائل في شرح الرسائل، موسى التبريزي، ص206.

([157]) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، ج2، ص409.

([158]) إرشاد الفحول، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ص33.

([159]) ملاذ الأخيار، العلامة محمد باقر المجلسي، ج1، ص203.

([160]) كتاب الأحكام، الشيخ علي كاشف الغطاء، ج2،ص93ـ97.

([161]) زبدة الاصول، بهاء الدين محمد بن الحسين البهائي، ص87.

([162]) تهذيبُ الأحكام، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج1، ص83، باب 4 صفة الوضوء، ح67.

([163]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، ج26، ص14، باب 1 من أبواب موانع الإرث
من الكفر والقتل والرق، ح10.

([164]) عمدة القارئ، محمود بن أحمد العيني، ج1، ص102.

([165]) اقطاب الدوائر، الشيخ عبد الحسين بن مصطفى، ص11.

([166]) لسان العرب، ابن منظور، ج2، ص133.

([167]) زبدة الاصول، بهاء الدين محمد بن الحسين البهائي، ص87.

([168]) فقه الرضا، الشيخ الصدوق، ص212. المغني، أبن قدامة، ج2، ص260.

([169]) مفاتيح الاصول، محمد الطباطبائي الكربلائي، ص224.

([170]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، ج1، ص239.

([171]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج5، ص280، باب في إحياء أرض الموات، ح6.

([172]) الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص344.

([173]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، ج3، ص487، باب 47 من أبواب النجاسات والأواني والجلود، ح1 - 2.

([174]) المصطحات، إعداد المجمع الفقهي، ص957.

([175]) رسائل آل طوق القطيفي، أحمد بن صالح آل طوق القطيفي، ج2، ص295.

([176]) جواهر الكلام، محمد حسن النجفي، ج1، ص338.

([177]) جامع المدارك، أحمد الخوانساري، ج1، ص222.

([178]) قال: الفائدة الثامنة: اعلم أن الشيخ الطوسي  عليهم السلام  ذكر أحاديث كثيرة في كتابي التهذيب والاستبصار عن رجال لم يلق زمانهم، وإنما روى عنهم بوسائط، وحذفها في الكتابين، ثمّ ذكر في آخرهما طريقه إلى رجل رجل مما ذكره في الكتابين، وكذلك فعل الشيخ أبو جعفر ابن بابويه. خُلاصَةُ الأقوال في معرفة الرجال، الحسن بن يوسف بن المطهر العلامة الحلي، ص435.

([179]) حكاه المحقق الحلي قائلاً: (المسألة الثانية: يجوز التعبد بخبر الواحد عقلاً، خلافاً لابن قبة من أصحابنا، وجماعة من علماء الكلام). معارج الأصول، المحقق الحلي، ص141.

وابن قبة: هو محمد بن عبد الرحمن بن قبة -بكسر الأول وتخفيف الثاني- الرازي، أبو جعفر، متكلم، عظيم القدر، حسن العقيدة، قوي في الكلام، كان قديماً من المعتزلة، وتبصَّر وانتقل، له كتب في الكلام، وقد سمع الحديث، وأخذ عنه ابن بطة، وذكره في فهرسته. رجال النجاشي، ابو العباس احمد بن علي النجاشي، ص375 - 376، ر1023. الذريعة إلى تصانيف الشيعة، آغا بزرك الطهراني، ج2، ص335، المعاصر للشيخ الكليني تقريباً، وتلميذ أبي القاسم عبد الله ابن أحمد الكعبي، المتوفى سنة (317هـ).

([180]) كإبن داود والقاساني، نسبه إليهم الآمدي، قائلاً: المسألَةُ السّابعة: الذين قالوا بجواز التعبُّد بخبر الواحد عقلاً، اختلفوا في وجوب العمل به، فمنهم من نفاه، كالقاساني، والرّافضة، وابن داود. الإحكام في أصول الأحكام، سيف الدين الآمدي، ج2، ص51.

أقول: إنّ رافضة الباطل لم يقولوا بما نسبه إليهم، بل أكثرهم على العمل بخبر الواحد، ولم يشذ منهم إلاّ المرتضى وابن إدريس على ما أعلم.

([181]) نسبه في الوافية، قائلاً: فالأكثر من علمائنا الباحثين في الأصول، على أنه ليس بحجة، كالسيد المرتضى، وابن زهرة، وابن البراج، وابن إدريس، وهو الظاهر من ابن بابويه في كتاب الغيبة، والظاهر من كلام المحقق، بل الشيخ الطوسي أيضا. الوافية في أصول الفقه، عبد الله بن محمد البشروي، ص158.

([182]) قال: (الصحيح أن العبادة ما وردت بذلك، وإن كان العقل يجوز التعبد بذلك وغير محيل عنه). الذريعة إلى أصول الشريعة، السيد المرتضى، ج2، ص528 - 529.

([183]) قال: (لكان من أخبار الآحاد، التي لا يجوز العمل بها في الشرعيات). غنية النزوع، ابن زُهْرَة الحلبي، ص329.

([184]) حكاه في معالم الدين؛ قائلاً: وهل هو واقع أو لا؟ خلافٌ بين الأصحاب، فذهب جمع من المتقدمين، كالسيد المرتضى، وأبي المكارم بن زهرة، وابن البراج، وابن إدريس إلى الثاني. معالم الدين وملاذ المجتهدين، الشيخ جمال الدين الحسن ابن الشهيد الثاني، ص189.

([185]) قال: ولذلك أبطلنا العمل في الشريعة بأخبار الآحاد؛ لأنها لا توجب علما ولا عملا. السرائر، ابن إدريس الحلي، ج1، ص47.

([186]) قال: وفي هذا دلالة على أنَّ خبر الواحد لا يوجب العلم ولا العمل؛ لأنَّ المعنى: إنْ جاءكم من لا تأمنون أنْ يكون خبره كذباً فتوقفوا فيه. تفسير مجمع البيان، الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي، ج9، ص221.

([187]) نسبه في المعارج، قائلاً: وذهب شيخنا أبو جعفر إلى العمل بخبر العدل من رواة أصحابنا، لكن لفظه وإن كان مطلقا فعند التحقيق تبيّن أنه لا يعمل بالخبر مطلقاً، بل بهذه الأخبار التي رويت عن الأئمة G، ودوّنها الأصحاب، لا أنّ كُلَّ خبر يرويه الإمامي يجب العمل به، هذا الذي تبيّن لي من كلامه. معارج الأصول، المحقق الحلي، ص147.

([188]) نسبه في الوافية، وقد تَقَدَّمَ، وكتاب الغيبة للشيخ الصدوق مفقود.

([189]) وهو الذي يظهر من مناقشته لأدلة القائلين بحجيته، في المسألة الثالثة، راجع معارج الأصول، المحقق الحلي، ص142، ص147.

([190]) الوافية في أصول الفقه، عبد الله بن محمد البشروي، ص158.

([191]) هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر ابن يونس الدوني ثم المصري، الفقيه، المالكي، المعروف بابن الحاجب، ولد سنة (570هـ) وتوفي سنة (640هـ). اُنظر وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان،
ابن خلكان، ج3، ص 248- 250.

([192]) راجع شرح مختصر المنتهى الاصولي، ابن الحاجب، ج2، ص426.

([193]) لا عجب من ابن الحاجب ومن غيره، فالافتراء على المذهب الحق بدأ ولم ينته، وسوف يبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

([194]) وأقول سابعا: لنا لتصحيح الأحاديث مقام آخر، وهو أنا نعلم عادة أن الإمام ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، وسيدنا الأجل المرتضى، وشيخنا الصدوق، وشيخ الطائفة - قدس الله أرواحهم- لم يفتروا في إخبارهم بأن أحاديث كتبنا صحيحة، أو بأنها مأخوذة من الأصول المجمع عليها، ومن المعلوم أن هذا القدر من القطع العادي كاف في جواز العمل بتلك الأحاديث. الفوائد المدنية والشواهد المكية، المولى محمد أمين الاسترآبادي، ص492 – 493.

([195]) الظاهر أنها اثنان وعشرون قرينة، راجع وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، ج30، ص249، ص265، في الفائدة التاسعة.

([196]) حكاه المحدث يوسف بن أحمد البحراني في عوائده الايام، وقال: (ولما رآى جمع آخر من متأخري الأخباريين، ظهور فساد هذه الدعوى، قالوا: إن المراد من قطعية الأخبار: قطعية حجيتها). عوائد الأيام، أحمد بن محمد مهدي النراقي، ص356- 357.

وحكاه في توضيح المقال، فقال: ومن هؤلاء من راعى بعض الإنصاف، وتحرز عن
بعض الجزاف، لكن بنى على اعتبار جميع ما في الكتب الأربعة لشهادة مصنفيها الثقات بذلك، فأخبارها وإنْ لم تَكُنْ قطعيّةَ الصُّدور، إلا أنّها قطعيّةُ الاعتبار. توضيح المقال في علم الرجال،
 الملا علي كني، ص36.

([197]) بداية الوصول إلى شرح كفاية الاصول، محمد طاهر آل الشيخ راضي، ص158.

([198]) قال: والتوسُّط أصْوَب، فما قبله الأصحاب أو دلَّت القرائن على صحّتِهِ عُمِلَ بهِ، وما أعرض الأصحابُ عنه أو شذَّ، يجب اطّراحه. المعتبر في شرح المختصر، المحقق الحلي، ج1، ص29.

([199]) لعلَّ مقصوده من الحُجَّة هو الصحيح، فلا قائل - على ما نعلم - بأن الحجة في الحديث هو خصوص من كان رواته ثقات أو عدول، وبين الحجة والصحيح عموم وخصوص من وجه، وفي منتهى المطلب في تحقيق المذهب، الحسن بن يوسف بن المطهر العلامة الحلي، ج1، ص9 - 10 ما نصه: الصحيح، ونعني به: ما كان رواته ثقات عدول. انتهى. ولعله أول من قال بهذا التعريف للصحيح.

([200]) قد ذهب الجمهور إلى وجوب العمل بخبر الواحد وأنه وقع التعبد به، وقال القاساني والرافضة وابن داود: لا يجب العمل به. وحكاه الماوردي عن الأصم وينسب لابن علية، وقال: أنهما قالا: لا يقبل خبر الواحد في السنن والديانات ويقبل في غيره من أدلة الشرع. إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ج1، ص93.

ثم قال: قال ابن السمعاني: واختلفوا، يعني القائلين بعدم وجوب العمل بخبر الواحد في المانع من القبول، فقيل: منع منه العقل، وينسب إلى ابن علية والأصم، وقال القاشاني من أهل الظاهر والشيعة: منع منه الشرع.

([201]) قال: فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي، أو من انتهى به إليه دونه. الرسالة للإمام المطلبي، الامام الشافعي، ص369 - 370، باب خبر الواحد.

وفي ص383، قال: وتثبيت خبر الواحد أقوى من أن أحتاج إلى أن أمثله بغيره، بل هو أصل في نفسه. قال: ..، وأنه يجوز العمل بالظن، وهو خبر الواحد هنا مع القدرة على اليقين بالمشافهة. المجموع، محيي الدين النووي، ج2، ص144. وقوله (ولو أخبرت..) ببناء المفعول، فيصدق بما لو كان المخبر واحداً، فيرشد إلى أنَّ خبر الواحد كاف، كما سيأتي. حواشي الشرواني، الشرواني والعبادي، ج2، ص427. قال: لأن خبر الواحد في أمر الدين حجة، إذا كان المخبر حجة. المبسوط، السرخسي، ج1، ص87. وغيرها كثير.

([202]) ولأن أبا حنيفة لا يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى. المجموع، محيي الدين النووي، ج5، ص221. ومذهب أبي حنيفة أن خبر الواحد إذا ورد على خلاف القياس لم يقبل، ولهذا لم يقبلوا حديث المصراة. أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية، ص369.

([203]) قائلاً: (ومن يرى حجية) إجماع أهل (المدينة) كمالك (يستثنيه) فيقول: إلاّ أن يكون فيه إجماع أهل المدينة فالعمل بإجماعهم (كإجماع الكل) لأن الإجماع متقدم على خبر الواحد. التقرير والتحبير في علم الأصول، ابن أمير الحاج، ج2، ص355.

([204]) قال: ولا تقوم الحجة بخبر الخاصَّة حتى يجمع أموراً: منها: أن يكون من حَدَّثَ به ثقة في دينه، معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به. الرسالة للإمام المطلبي، الامام الشافعي، ص370، باب خبر الواحد.

([205]) قال: ثم اعلم أنَّ أصل وجوب العمل بالأخبار المدوَّنَةِ في الكتب المعروفة مما أجمع عليه في هذه الأعصار، بل لا يبعد كونه ضروري المذهب. فرائد الأصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج1، ص239.

([206]) تقدَّمَ عن الفوائد المدنية والشواهد المكية.

([207]) قال: لنا أن الضابط في قبول خبر الواحد العدالة، فلا يثبت القول مع عدمها، ولأن مطلق الظن لا يجوز الرجوع إليه. مختلف الشيعة، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ج2، ص72.

([208]) هو السيد شمس الدين بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي، صاحب المدارك، كان فاضلاً متبحراً ماهراً محققاً له مؤلفات عديدة منها مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، نهاية المرام في شرح مختصر شرائع الإسلام، حاشية الاستبصار، حاشية التهذيب، حاشية على ألفية الشهيد، ولد سنة (946هـ) وتوفي ليلة السبت 18 ربيع الأول سنة (1009هـ). اُنظر أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج10، ص6- 7.

([209]) قال: أصل: تعرف عدالة الراوي بالاختبار بالصحبة المؤكدة، والملازمة بحيث يظهر أحواله، باشتهارها بين العلماء، وأهل الحديث، وبالقرائن المتكثرة المتعاضدة.. وهذا عندي هو الحق، لنا أنها شهادة ومن شأنها اعتبار العدد فيها. معالم الدين وملاذ المجتهدين، الشيخ جمال الدين بن الحسن ابن الشهيد الثاني، ص203.

([210]) قال: والتوسط أصوب، فما قبله الأصحاب، أو دلت القرائن على صحته عمل به، وما أعرض الأصحاب عنه أو شذ، يجب اطراحه. المعتبر في شرح المختصر، المحقق الحلي، ج1، ص29.

([211]) قال: (المسألة الرابعة: قد يقترن بخبر الواحد قرائن تدل على صدق مضمونه، وإن كانت غير دالة على صدق الخبر نفسه، لجواز اختلافه مطابقا لتلك القرينة، والقرائن أربع: إحداها: أن يكون موافقا لدلالة العقل، أو لنصّ الكتاب، خصوصه، أو عمومه، أو فحواه، أو السنة المقطوع بها، أو لما حصل الإجماع عليه). معارج الأصول، المحقق الحلي، ص148.

([212]) هو محمد ابن أبي عمير، زياد بن عيسى، أبو أحمد الأزدي، لقى أبا الحسن موسى B، وسمع منه، وروى عن الرضا B، جليل القدر، الجاحظ يحكي عنه في كتبه، وقال في البيان والتبيين: حدثني إبراهيم بن داحة عن ابن أبي عمير، وكان وجها من وجوه الرافضة. رجال النجاشي، ابو العباس احمد بن علي النجاشي، ص326، ر887، بتصرف.

([213]) قال الشيخ الطوسي في العدة، ج1، ص154. وإذا كان احد الراويين مسندا والاخر مرسلا، نظر في حال المرسل... ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم.

([214]) قال: (فأما من كان مخطئا في بعض الأفعال، أو فاسقا بأفعال الجوارح، وكان ثقة في روايته، متحرّزا فيها، فإن ذلك لا يوجب رد خبره، ويجوز العمل به؛ لأن العدالة المطلوبة بالرواية حاصلة فيه، وإنما الفسق بأفعال الجوارح يمنع من قبول شهادته، وليس بمانع من قبول خبره، ولأجل ذلك قبلت الطائفة أخبار جماعة هذه صفتهم). العدة في أصول الفقه، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج1، ص152.

([215]) نسبه السيد محمد المهدي بحر العلوم P، قائلا: وبهذا يزول الإشكال في القول بحجية الحسن، مع القول باشتراط عدالة الراوي، كما هو المعروف بين الأصحاب. الفوائد الرجالية، السيد بحر العلوم، ج1، ص460.

([216]) قال: (إن من شرط العمل بخبر الواحد، أن يكون راويه عدلا، بلا خلاف). العدة في أصول الفقه، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج1، ص129.

([217]) سورة الحجرات، الآية 6.

([218]) فرائد الأصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج1، ص256، ص274، وقد أحصى أكثرها.

([219]) راجع الأصول العامة للفقه المقارن، السيد محمد تقي الحكيم، ص206، فقد قال: (والظاهر من الآية بقرينة مورد نزولها، أنها واردة مورد الردع عن بناء عقلائي قائم إذ ذاك، وهو الاعتماد على خبر الواحد، وإن كان غير مؤتمن على النقل، وقد صبت الآية ردعها على خصوص خبر الفاسق بما أنه غير مؤتمن على طبيعة ما ينقله، بقرينة تعليقها التبين على نبأه بالخصوص).

وتخصيص التبين بخبر الفاسق، يكشف بمفهوم الشروط عن إقرارهم على الأخذ بخبر غيره.

([220]) منتهى الاصول، تقريرات بحث السيد الروحاني، السيد صاحب الحكيم، ج4، ص261.

([221]) في الأصل (البقرة).

([222]) سورة التوبة، الآية 122.

([223]) روض الجنان في شرح ارشاد الاذهان، زين الدين بن علي العاملي، ج1، ص211.

([224]) سورة البقرة، الآية 228.

([225]) قال: لأن النساء مؤتمنات في أرحامهن، وقد قال تعالى: [وَلاََ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ]، ولولا أن قولهن مقبول لم يأثمن بالكتمان؛ لأنه لا اعتبار بكتمانهنّ حينئذ. مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، الشهيد الثاني، ج9، ص194.

([226]) سورة البقرة، الآية 159.

([227]) سورة النحل، الآية 43.

([228]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج1، ص210 - 212، باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة G.

([229]) الذريعة اصول الفقه، الشريف الرضي، ج2، ص555.

([230]) بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد G، محمد بن الحسن الصفار، ص544 - 545، باب 20 في التسليم لآل محمد G فيما جاء عندهم، ح26. مستطرفات السرائر، محمد بن إدريس الحلي، ص584.

([231]) قرب الإسناد، عبد الله بن جعفر الحميري القمي، ص92، ح305.

([232]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج1، ص69، ح5.

([233]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج1، ص69، ح3 - 4.

([234]) المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج1، ص221، ح129.

([235]) فرائد الاصول، الشيخ مرتضى الانصاري، ج4، ص148.

([236]) قال: (وإنّما أوردنا بهذه الإشارة أنَّ أصحابنا كلهم، سلفهم، وخلفهم، ومتقدّمهم، ومتأخّرهم، يمنعون من العمل بأخبار الآحاد). رسائل المرتضى، علي بن الحسين الشريف المرتضى، ج1، ص203.

([237]) قال: (وفي هذا دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم، ولا العمل). مجمع البيان في تفسير القرآن، الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي، ج9، ص221.

([238]) قال: إنَّ خبر الواحد إذا كان وارداً من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، وكان ذلك مروياً عن
النبي صلى الله عليه واله وسلم..، ثمّ قال: والذي يدل على ذلك إجماعُ الفرقة المحقّة، فإنّي وَجَدْتُها مجمعة على العَمَلِ بهذه الأخبار، التي رووها في تصانيفهم ودَوَّنُوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك، ولا يتدافعونه. العدة في أصول الفقه، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج1، ص126.

([239]) راجع مختلف الشيعة، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ج2، ص72، قال فيه: (ولأن مطلق الظن لا يجوز الرجوع إليه، أما أولاً: فلعدم انضباطه، وأمّا ثانياً: فلحصوله من الكافر، فلابُدَّ من ضابطٍ، وليسَ إلاّ خَبَرُ العادل؛ لأنه أصْل ٌثبت في الشرع اعتباره في خبر الواحد).

وفي الوافية، عبد الله بن محمد البشروي، ص159، ولكنّ الحقَّ أنّه حُجَّةٌ كما اختاره المتأخرّون منا، وجمهور العامة.

([240]) قائلاً: (والأصوليون منهم- كأبي جعفر الطوسي وغيره- وافقوا على قبول خبر الواحد، ولم
 ينكره أحد، سوى المرتضى وأتباعه لشبهة حصلت لهم). نقله عنه في معالم الدين وملاذ المجتهدين، ص191.

([241]) وقال: (ومراسيل ابن أبي عمير نص الأصحاب على العمل بها؛ لأنه لا يرسل إلا عن ثقة، باتفاق الكل). إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ج4، ص162.

قال: (ولا يعمل أصحابنا من المراسيل، إلا بما عرف أن مرسله لا يرسل إلا عن ثقة، كابن أبي عمير، وأبي بصير، وابن بزيع، وزرارة بن أعين، وأحمد بن أبي نصر البزنطي، ونظرائهم ممن نص عليه علماء الأصحاب). رسائل الكركي، المحقق علي بن الحسين الكركي، ج3، ص43.

([242]) قال بعض العلماء: (وإطلاق رواية أبي داود من غير أن يقول مرسلاً يدلُّ على أن له رواية، مع أن مرسل الصحابي حجة إجماعاً). عون المعبود شرح سنن أبي داود، محمد شمس الحق العظيم آبادي، ج10، ص219.

([243]) بل ادعى بعض الأحناف الإجماع على أن مرسل الصحابي حجة. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الشنقيطي، ج8، ص175.

وأيضا في عمدة القاري، محمود بن أحمد العيني، ج2، ص105. وفي الفصول في الأصول، أحمد بن علي الرازي الجصاص، ج3، ص145.

([244]) قفو الأثر في صفوة علوم الأثر، رضي الدين محمد بن إبراهيم الحلبي الحنفي، ج1، ص67، والمختار في التفصيل قبول مرسل الصحابي إجماعاً ومرسل أهل القرن الثاني والثالث عندنا وعند مالك مطلقاً.

([245]) فصل: مراسيل أصحاب النبي صلى الله عليه واله وسلم مقبولة عند الجمهور، وشَذَّ قومٌ وقالوا: لا يقبل مرسل الصحابي إلاّ إذا عرف بصريح خبره أو بعادته أنه لا يروي إلاّ عن صحابيّ، وإلاّ فلا لأنه قد يروي عَمَّنْ لم تثبت لنا صحبته، وهذا ليس بصحيح. روضة الناظر وجنة المناظر، ابن قدامة المقدسي، ج1، ص125.

([246]) لم أعثر على تصريح لهم بما عندي من مصادر، ولعلهم يدخلون بالإجماع المتقدم.

([247]) قال: (وأما مرسل الصحابي، وهو روايته ما لم يدركه أو يحضره كقول عائشة Oأول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، من الوحي الرؤيا الصالحة، فمذهب الشافعي والجماهير أنه يحتج به). صحيح مسلم بشرح النووي، ج1، ص30.

قال: (إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو من السنة كذا، أو مضت السنة بكذا، أو السنة بكذا، ونحو ذلك، فكله مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، على مذهبنا الصحيح المشهور، صرح به الغزالي، وآخرون). المجموع، محيي الدين النووي، ج1، ص59. صرح في فتح الباري، ابن حجر، ج1، ص133.

([248]) قال: (فقلت له: المنقطع مختلف، فمن شاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من التابعين، فحدث حديثا منقطعا عن النبي، اعتبر عليه بأمور، منها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون، فأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، بمثل معنى ما روى، كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه، وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما يفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر، هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإن وجد ذلك، كانت دلالة يقوي بها مرسله، وهي أضعف من الأولى، وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قولا له، فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله). الرسالة للإمام المطلبي، الامام الشافعي، ص461، ص463.

([249]) قال: (وإرسال ابن المسيب عندنا حسن). مختصر المزني، اسماعيل المزني، ص78.

([250]) قال: (اتفق المتقدمون والمتأخرون من القائلين بحجية الخبر الواحد، على أن الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة وأمثالها، حجة، بل استنادهم إلى الضعاف أضعاف استنادهم إلى الصحاح، بل الضعيف المنجبر صحيح عند القدماء، من دون تفاوت بينه وبين الصحيح). الفوائد الحائرية، الوحيد البهبهاني، ص487.

([251]) قال: (..، ينظر إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكمنا به، المجمع عليه عند أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ النادر..). وسائل الشيعة، ج27، ص106 - 107، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح1.

([252]) قال: وروى العلامة قدست نفسه، مرفوعا إلى زرارة بن أعين، قال: سألت الباقر B، فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان، فبأيهما آخذ؟ فقال: (يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر..). عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ابن أبي جمهور الإحسائي، ج4، ص133، ح229.

([253]) الهداية في الاصول تقريرات بحث السيد الخوئي، سيد حسن الصافي، ج3، ص214.

([254]) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، محمد بن مكي العاملي، ج1، ص448. قال: إلا أن روايات السنن مبنية على المسامحة، فيقبل فيها الخبر الضعيف، خصوصا إذا اشتهر مضمونه. جامع المقاصد في شرح القواعد، المحقق علي بن الحسين الكركي، ج1، ص440.

قال: ومع أن الخبر الضعيف في مقام الاستحباب في حكم الصحيح، ولا يعجز عن إثبات الحكم. مستند الشيعة في أحكام الشريعة، المحقق أحمد بن محمد مهدي النراقي، ج4، ص111.

([255]) محمد بن الحسن بن الوليد القمي، جليل القدر، عارف بالرجال، موثوق به. اُنظر الفهرست، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ص237، ر124.

أقول: هو شيخ القميين في وقته، وكان ضليعاً في الرجال، خبيراً بهم، وأقواله في الرجال - توثيقاً وتضعيفاً - معتبرة عند الطائفة، بل مدار التوثيق والتضعيف عليها عند كثير منهم.

([256]) قال: وأما خبر صلاة يوم الغدير، والثواب المذكور فيه لمن صامه، فإن شيخنا محمد بن الحسن L، كان لا يصححه، ويقول: إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني، وكان كذاباً، غير ثقة، وكل ما لم يصححه ذلك الشيخ P، ولم يحكم بصحته من الأخبار، فهو عندنا متروك، غير صحيح. من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج2، ص90- 91.

([257]) في مسألة رؤية الهلال، والعمل برواية الخمسة من العام الماضي، فقال: قال في الاستبصار: هذان الخبران خبر واحد، لا يوجب علماً ولا عملاً، وأنَّ راويهما عمران الزعفراني، وهو مجهول، وفي إسناد الحديثين قوم ضعفاء لا نعمل بما يختصّون بروايته، وهو جيد. منتهى المطلب في تحقيق المذهب، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ج2، ص592، (ط.ق).

([258]) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، السيد محمد بن علي العاملي، ج1، ص13.

([259]) لم نعثر على الحكاية، ولعله الظاهر من قول السيد محمد بن علي العاملي: وألحق به
الشارح - الشهيد الثاني- كل مكتوب ومنقوش، وهو جيد للمسامحة في أدلة السنن، وإن كان للمناقشة في أمثال هذه المعاني المستنبطة مجال. مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، السيد محمد بن علي الموسوي العاملي، ج3، ص238.

([260]) قال في مسألة رؤية الهلال: فإن غمت الأهلة أجمع، فالأقرب الاعتبار برواية الخمسة. منتهى المطلب، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ج2، ص593، (ط.ق).

أقول: مستنده رواية ضعيفة.

([261]) قائلا: وعن الوسائل نسبته إلى الأصحاب، مصرّحاً بشمول المسألة لأدلة المكروهات أيضاً. حكاه في الرسائل الفقهية، الشيخ مرتضى الأنصاري، ص138 - 139.

أقول: لم أعثر عليه في الوسائل بالرغم من البحث والتدقيق؛ ولعله موجود في كتاب آخر غير الوسائل.

([262]) قال: لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم. ذكرى الشيعة، الشهيد الأول،
ج2، ص34.

([263]) قال فيه: المشهور بين أصحابنا والعامة التسامح في أدلة السنن. رسائل فقهية، الشيخ مرتضى الأنصاري، ص137.

([264]) قال - بعد نقل الروايات- : فصار هذا المعنى مجمعا عليه عند الفريقين. عدة الداعي ونجاح الساعي، احمد بن فهد الحلي، ص10.

ولا يخفى أن إثبات الحكم به مشكل، لكن لا بأس بالقول به للشهرة بين الأصحاب، بناء على التسامح في أدلة السنن. مشارق الشموس في شرح الدروس، المحقق الخوانساري، ج1، ص34، (ط.ق).

في صلاة يوم الغدير، ما نصه: والظاهر أن ما ذكرناه من هذه الأخبار مع ما اشتهر من التسامح في أدلة السنن، صار سببا في اشتهار هذه الصلاة بين قدماء الأصحاب ومتأخريهم. الحدائق الناضرة، المحدث يوسف بن أحمد البحراني، ج10، ص535.

([265]) المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج1، ص25، باب 1 ثواب من بلغه ثواب شيء فعمل به طلبا لذلك الثواب، ح1 - 2.

([266]) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص132.

أقول: لا يوجد إلاّ سند واحد في ثواب الأعمال، ولم نعثر عليه في مصنفات الشيخ الصدوق الأخرى، والظاهر أنه سهو من المصنف؛ فالمحاسن هو من رواه بسندين.

([267]) قال ما نصه: بيان: هذا الخبر من المشهورات، رواه الخاصة والعامة بأسانيد. بحار الأنوار، العلامة محمد باقر المجلسي، ج2، ص256.

([268]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج2، ص87، ح1.

([269]) الدرة النجفية، المحدث يوسف بن أحمد البحراني، ص229.

([270]) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، العلامة محمد باقر المجلسي، ج8، ص113.

([271]) عدة الداعي ونجاح الساعي، احمد بن فهد الحلي، ص10.

([272]) حكاه عنه في هداية المسترشدين، قائلا: وقال شيخنا البهائي  عليهم السلام  بعد الإشارة إلى بعض ما مر من الأخبار: وهذا هو سبب تساهل فقهائنا في البحث عن دلائل السنن. هداية المسترشدين، الشيخ محمد تقي الرازي، ج3، ص466.

([273]) فرائد الاصول، إفادات النائيني، الشيخ كاظمي الخراساني، ج3، ص407. رسائل في دراية الحديث، أبو الفضل حافظيان البابلي، ج2، ص555.

([274]) دراسات في علم الاصول، السيد علي الهاشمي الشاهرودي، ج3، ص306.

([275]) راجع إيضاح الفوائد، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ج4، ص143. الدروس الشرعية في فقه الإمامية، الشهيد الأول، ج2، ص151. الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني، ج9، ص134. كشف اللثام عن قواعد الأحكام، الفاضل الهندي، ج6، ص171. وغيرها كثير.

([276]) حيث قال: الثاني: مجرد إتيان محتمل المطلوبية، من دون ملاحظة كون الداعي هو الاحتمال، وهذا لا يترتَّبُ الثواب عليه إلا إذا وَرَدَ الأمر به شرعاً؛ لأنَّ ترتُّبَ الثواب لا يكون في فعل، إلا إذا كان الداعي عليه طلبا محقّقاً أو محتملاً، واحتمال الأمر موجود، لكنه لم يَصِرْ داعيا بالفَرْضِ، فإذا كانَ الأمر المحقق غير موجود، فلا ثواب. ما يظهر من الرسائل الفقهية، الشيخ مرتضى الأنصاري، ص152، ص153.

([277]) قال: وإنْ قلنا بأنّه لا يَسْتَحِقُّ مؤاخذةً أو مثوبة، ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة. كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ص259.

([278]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج5، ص9 - 10، باب وجوه الجهاد، ح1.

([279]) المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ج1، ص25، ح2.

([280]) سورة المائدة، الآية 4.

([281]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج2، ص87، باب من بلغه ثواب من الله على عمل، ح2.

([282]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، ج1، ص82، باب 18 من أبواب مقدمة العبادات، ح8.

([283]) تقدم ذكره عن المحاسن.

([284]) نقل الحكاية آغا ضياء الدين العراقي، وإن أشكل عليهم، وقال: وعليه: يشكل ما حكي عن المشهور من الفتوى باستحباب العمل مطلقاً من غير تقييدٍ بكونه لمن بلغ إليه الثواب، حيث لا ينطبق على القواعد. نهاية الأفكار، تقرير بحث آغا ضياء الدين العراقي، الشيخ محمد تقي البروجردي، ج3، ص281.

([285]) أما بناء على استفادة الحكم الطريقي منها، الراجع إلى حجية الخبر الضعيف، القائم على وجوب شيء واستحبابه بالنسبة إلى أصل الرجحان، فلا محذور في الفتوى باستحباب العمل على الإطلاق. نهاية الأفكار، تقرير بحث آغا ضياء الدين العراقي، الشيخ محمد تقي البروجردي، ج3، ص281.

([286]) هو الشيخ محمد تقي البروجردي، من أبرز تلاميذ آغا ضياء الدين العراقي، وكان من تلاميذ المحقق النائيني والسيد أبو الحسن الإصفهاني، له مؤلفات عديدة، منها: حاشية استدلالية واسعة على العروة طبع منها جزءان فقط، ورسالة في الرد على البابية مخطوطة، ورسالة في منجزات المريض مخطوطة، ورسالة في الاجتهاد والتقليد مطبوعة، وغيرها كثير، توفي في طهران سنة (1391هـ).

([287]) هو الشيخ ضياء الدين العراقي، ولد في مدينة آراك، وانتقل في بداية شبابه إلى إصفهان ودرس فيها، وانتقل إلى النجف، وأكمل دراسته فيها على يد السيد محمد الفشاركي والآخوند الخراساني، له مؤلفات عديدة منها: شرح التبصرة (دورة فقهية كاملة)، حاشية استدلالية على العروة الوثقى مخطوط، حاشية على كفاية الأصول، حاشية على فوائد الأصول، مقالات الأصول، توفي في النجف الأشرف سنة (1361هـ). انظر موسوعة طبقات الفقهاء في اصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين، اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق، ج14، ص287.

([288]) نهاية الأفكار، تقرير بحث آغا ضياء الدين العراقي، الشيخ محمد تقي البروجردي، ج3، ص281.

([289]) النور الساطع في الفقه النافع، الشيخ علي كاشف الغطاء، ج1، ص59، ص61.

([290]) مصباح الاصول، تقرير بحث السيد الخوئي، محمد سرور الواعظ البسهودي، ج3، ص266.

([291]) زبدة الاصول، السيد محمد صادق الروحاني، ج1، ص21.

([292]) نسب إليهم في المواقف، عبد الكريم الإيجي، ج3، ص281، وأما المعتزلة فقالوا: ما يدرك جهة حسنه أو قبحه بالعقل من الأفعال التي ليست اضطرارية ينقسم إلى الأقسام الخمسة.

وفي نخبة اللآلي لشرح بدأ الأمالي، محمد بن سليمان الحلبي، ص92، وقالت المعتزلة: العقل علة موجبة لما استحسنه، ومحرمة لما استقبحه على القطع فوق العلل الشرعية.

وفي نظرات في التصوف والكرامات، محمد جواد مغنية، ص33، قال المعتزلة: إذا تعارض ظاهر نص مع العقل وجب تأويله بما يتفق مع منطق العقل.

([293]) نسب إلى الأشعري في نظرات في التصوف والكرامات، محمد جواد مغنية، ص31، بل صرح الأشعري بأن النظر العقلي المستقل عن الوحي لا يجوز أن يؤخذ به طريقاً إلى العلم بالشؤون الإلهية، وهو - أي الأشعري- وإن رآى أن العقل في وسعه أن يدركه الله، إلاّ أن هذا العقل عنده ليس إلاّ أداة للإدراك، وأما الطريق الوحيد لمعرفة الله فهو الوحي.

([294]) هداية المسترشدين، محمد تقي الرازي، ج3، ص498.

([295]) مصباح الاصول، تقريرات بحث السيد الخوئي، محمد سرور الواعظ البسهودي، ج2، ص79.

([296]) سورة الأنعام، الآية 72.

([297]) سورة الحجرات، الآية 6.

([298]) سورة النساء، الآية 59.

([299]) أصول الفقه، محمد رضا المظفر، ج2، ص264.

([300]) قال: والثاني: مسائل الملازمات، كاستلزام وجوب الشيء وجوب مقدمته، واستلزام وجوب الشيء حرمة أضداده، والظاهر أن ما كان فيها اللزوم بيّنًا بالمعنى الأخص، خارج عن الأدلة العقلية؛ لاندراجه اذن في المداليل اللفظية. هداية المسترشدين، الشيخ محمد تقي الشيرازي، ج3، ص497.

([301]) بحوث في علم الاصول، تقريرات بحث محمد باقر الصدر، محمود الشهرودي، ص271.

([302]) فرائد الاصول، الشيخ مرتضى الانصاري،ج1، ص168.

([303]) الفصول الغروية في الاصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص316. الدرر النجفية من الملتقات اليوسفية، المحدث يوسف بن احمد البحراني، ج2، ص245.

([304]) قال: قال المصنف في نهاية الوصول: هذا المذهب، أي الحكم بكون الحسن والقبح عقليين صار إلية جميع الإمامية والكرامية والخوارج والبراهمة والثنوية وغيرهم، سوى الأشاعرة. إحقاق الحق وإزهاق الباطل، السيد المرعشي النجفي، ج1، ص370 في الشرح.

([305]) قال: قد نسب إلى جملة من الأشاعرة إنكار الحسن والقبح العقليين، وأن العقل لا يدرك حسن الأشياء وقبحها. راجع فوائد الأصول، الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني، ج3، ص57.

([306]) الفصل في الملل والأهواء والنحل، علي بن أحمد بن حزم الظاهري، ج3، ص70.

([307]) الفوائد الطوسية، الشيخ محمد بن الحسن العاملي، ص368.

([308]) المواقف، عبد الكريم الإيجي، ج3، ص262.

([309]) بداية المعاراف الإلهية في شرح عقائد الإمامية، محسن خرازي، ج1، ص232.

([310]) دلائل الصدق لنهج الحق، محمد حسن المظفر، ج2، ص155.

([311]) فرائد الاصول، الشيخ مرتضى الانصاري، ج2، ص90.

([312]) انظر: هداية المسترشدين، الشيخ محمد تقي الرازي، ج3، ص503. تعليقة على معالم الاصول، السيد علي الموسوي القزويني، ج5، ص503 وما بعدها.

([313]) درر الفوائد، عبد الكريم الحائري، ج2، ص475.

([314]) نسبه إليهم في الفوائد، وقال: وأنكر هذه الملازمة بعض الأخباريين، وتبعهم بعض الأصوليين، كصاحب الفصول، حيث أنكر الملازمة الواقعية بين حكم العقل وحكم الشرع، والتزم بالملازمة الظاهرية. راجع فوائد الأصول، الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني، ج3، ص60.

([315]) قال: فالحق عندي في المقام الأول - استلزام حكم العقل بالوجوب والحرمة لحكم الشرع كذلك أو لا- أنه لا ملازمة عقلاً بين حسن الفعل وقبحه، وبين وقوع التكليف على حسبه ومقتضاه. الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص337.

قال: أمّا امضاءً، فالوجه في دعوى ذلك هي قاعدة الملازمة بين ما حكم به العقل وما حكم به الشرع، ولكنَّها دعوى فاسدة، فإنّه مضافاً إلى ما سيأتي من عدم صِحّةِ هذه القاعدة. بداية الوصول في شرح كفاية الأصول، الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي، ج6، ص167.

([316]) الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص339.

([317]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج3، ص22، باب السواك، ح1.

([318]) كتاب الأحكام، الشيخ على كاشف الغطاء، ج2، ص93، ص98، (الطبعة الاولى).

([319]) المصدر السابق.

([320]) بحر الفوائد في شرح الفرائد، محمد حسن الاشتياني، ج1، ص140.

([321]) حيث قال: بحيث لا يبقى مانع عن الرجوع في المسائل الخالية عن الخبر وأخواته من الظنون الخاصة، إلى ما يقتضيه الأصل في تلك الواقعة من البراءة، أو الاستصحاب، أو الاحتياط، أو التخيير. راجع فرائد الأصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج1، ص386.

([322]) لم نعثر عليه.

([323]) قوانين الاصول، الميرزا أبو القاسم القمي، ص105.

([324]) كتاب الأحكام، الشيخ علي كاشف الغطاء، ج2، ص93، ص97، (الطبعة الاولى).

([325]) لم نعثر عليه.

([326]) نصه: عن أبان بن تغلب، قال: قلت لأبي عبد الله B: ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: (عشر من الإبل)، قلت: قطع اثنين؟ قال: (عشرون)، قلت: قطع ثلاثا؟ قال: (ثلاثون)، قلت: قطع أربعا؟ قال: (عشرون)، قلت: سبحان الله، يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون؟ إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق، فنبرأ ممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: (مهلا يا أبان، فهذا حكم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، إن المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان، إنك أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست محق الدين). الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج7، ص299 - 300، باب دية المرأة في النفس والجراحات، ح6.

([327]) قال: قال علي بن الحسين H: (إنَّ دينَ اللهِ U لا يُصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة، والمقاييس الفاسدة، ولا يُصَابُ إلاّ بالتسليم، فمَنْ سَلَّمَ لنا سلم، ومن اقتدى بنا هدى، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه شيئاً مما نقوله أو نقضي به حرجاً كَفَرَ بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم)؛ وتقدم ما عن الكافي. كمال الدين وتمام النعمة،
الشيخ الصدوق، ص324، الباب 31 ما أخبر به علي بن الحسين H من وقوع الغيبة، ح9.

([328]) معارج الاصول، المحقق الحلي، ص182، ص183. الفصول في الاصول، أحمد بن علي الرازي الجصاص، ج4، ص9.

([329]) قال: (ومثاله حكمنا أنَّ كلّ ما أسكر من مشروب أو مأكول فيحرم، قياساً على الخمر). المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص173. في تعليقه على قول المصنف: أيّ الدليل على كونها علّة شرعية. فقال: كقياس النبيذ على الخمر لعلّة الإسكار. شرح الأزهار، الإمام أحمد المرتضى، ج1، ص28. قال: وأمّا النبيذ فقسمان: مسكر، وغيره، فالمسكر نجس عندنا، وعند جمهور العلماء، وشربه حرام، وله حكم الخمر في التنجيس والتحريم ووجوب الحدّ. المجموع، محيي الدين النووي، ج2، ص564. قال: وأما النبيذ، فبالقياس على الخمر، مع التنفير عن المسكر. مغني المحتاج، محمد بن أحمد الشربيني، ج1، ص77.

([330]) لم نعثر على عبارة داود الظاهري، ولكنا عثرنا على من نسب إليه القول بنفي القياس، قال: وذلك شبيه بما يقول بعضهم بداود الظاهري: أنه القياسي، ومعناه: نافي القياس. تفسير البحر المحيط، ابو حيان الأندلسي، ج4، ص286.

([331]) فلم يعملوا بحديث المفلس وحديث المصراة - لكون راوي الأول ليس فقيهاً، والثاني خبر آحاد- وعملوا بالقياس، ذكر ما قالته الحنفية عن حديث المفلس، وقال: وقال بعض الشافعية: في الحديث المذكور حجة على أبي حنيفة، حيث قال: هو أسوة الغرماء، وأجابوا عن الحديث بأجوبة..، وقالوا: والحديث إذا خالف القياس يشترط فيه فقه الراوي. عمدة القاري، محمود بن أحمد العيني (الشافعي)، ج12، ص241.

([332]) قال: الخامس: القياس للضرورة، فإنْ لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص، ولا قول الصحابة، أو واحد منهم، ولا أثر مرسل، أو ضعيف، عدل إلى الأصل الخامس - وهو القياس - فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلال: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة. إعلام الموقعين عن رَبّ العالمين، ابن القيم الجوزية، ج1، ص32.

([333]) كما أنَّ نفي القياس في الشريعة من شعارهم، الذي يعلمه منهم كل مخالط لهم. رسائل المرتضى، علي بن الحسين الشريف المرتضى، ج3، ص309.

([334]) حكاه في المسائل السروية، الشيخ المفيد، ص72، قائلاً: فأما كتب أبي علي الجنيد، فقد حشاها بأحكامٍ عمل فيها على الظنّ، واستعمل فيها مذهب المخالفين في القياس.

([335]) وقال: وأمّا القياسُ: فقد قال به ابن الجنيد من أصحابنا، ثم رجع عنه، على ما قيل. حكى القول بالرجوع صاحب الفوائد المدنية والشواهد المكية، المولى محمد أمين الإسترآبادي، ص269.

قال: وقد أطبق أصحابنا على عدم حجيته، إلا ابن الجنيد، فإنه قال بحجيته، على ما حكي عنه، في أوائل الأمر، ثم رجع عنه. والفصول الغروية في الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص383.

([336]) قال: وما يرى من تمسّك العلامة في بعض المسائل بالقياس، فإمّا أنْ يريد بذلك الرّد على من خالفه من أهل الخلاف بطريق الإلزام، أو تنبيههم عليه..، ومثله الكلام فيما وقع في كتب الشهيدين من الاحتجاج به في بعض المسائل. الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري. ص383.

([337]) قال: ويقوى بذلك احتمال حمل الأخبار المتقدمة -على تقدير تسليم دلالتها- على التقيّة، وكذا يحمل عليها ما له على الجواز ظهور دلالة أو صراحة. رياض المسائل، السيد علي الطباطبائي، ج3، ص94.

([338]) ورابعاً: إنَّ القياس ليس بحديث، بل حرام عند الشيعة بالضرورة، وكونه حراماً ضروري مذهب أهل البيت. الرسائل الفقهية، الوحيد البهبهاني، ص224.

قال: وبطلانه في مثل زماننا يُعَدُّ من ضرورياتِ المذهب عند المحصّلين. والفصول الغروية في الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص383.

([339]) قال: محمد بن أحمد بن الجنيد، يكنّى أبا علي، كان جيّد التصنيف، حسنه، إلاّ أنه كان يرى القول بالقياس، فتركت لذلك كتبه ولم يعوّل عليها. الفهرست، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ص209، ر601.

([340]) الحديث مروي في عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ابن أبي جمهور الإحسائي، ج4، ص64، ح18. ولم نعثر على الحكاية عن البيضاوي بما لدينا من مصادر.

([341]) المحصول في علم أصول الفقه، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، ج5، ص104- 105. ولم نعثر على من حكاه عن الرازي، والحديثُ مرويٌّ في العديد من المصادر.

([342]) قال: بل الذاهب إلى هذه الطريقة ربما يقول: لو نص الله تعالى على العلة في تحريم الخمر، وصرح بأنها الشدة المطربة، لوجب حمل ما فيه هذه العلة عليها، وإن لم يتعبد بالقياس، ويجري عنده مجرى أن ينص على تحريم كل شديد. الذريعة إلى أصول الشريعة، السيد المرتضى، ج2، ص683 - 684.

وهذا غير صحيح؛ لأن العلل الشرعية إنما تنبيء عن الدواعي إلى الفعل، أو عن وجه المصلحة فيه، وقد يشترك الشيئان في صفة واحدة، وتكون في أحدهما داعية إلى فعله، دون الآخر مع ثبوتها فيه.

([343]) الأقوى عندي أن العلة إذا كانت منصوصة وعُلم وجودها في الفرع كان حجة. تهذيب الوصول إلى علم الأصول، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ص248.

([344]) ذكره في الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص384.

([345]) الذريعة إلى أصول الشريعة، السيد مرتضى علم الهدى، ج2، ص683 - 684، وقد تقدم بعضه.

([346]) المحقق الكركي في رسالة الارض المندرسة المطبوعة ضمن رسائل الكركي، ج2، ص205.

([347]) سورة الإسراء، الآية 23.

([348]) مما يُوجِبُ التّعَدِّي عن مقتضى النصِّ أيضاً: القياسُ بطريقٍ أولى، والشّيعَةُ مُجْمِعَةٌ على حُجيّتِهِ، نعم نزاعهم في طريقها. الفوائد الحائرية، الوحيد البهبهاني، ص149 - 150.

والحق: أنّه الدلالة الالتزامية، فلو لم يصل إلى هذا الحد لم يكن حجة.

([349]) منتهى الاصول، بحث تقريرات السيد الروحاني، ج4، ص110.

([350]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، ج27، ص48، باب 6 من أبواب صفات القاضي، ح28.

([351]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، ج27، ص48.

([352]) المصدر السابق.

([353]) من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج4، ص118 - 119، باب الجراحات والقتل بين النساء والرجال، ح5239. الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج7، ص299 - 300، باب دية المرأة في الجراحات، ح6. وفيه: تقابل بدل تعاقل.

([354]) الفصول في الأصول، أحمد بن علي الرازي الجصاص، ج4، ص223. قال: (قال أبو بكر: تَكَلَّمَ قومٌ من مخالفينا في إبطال الاستحسان، حيثُ ظنّوا أنّ الاستحسان حُكْمٌ مما يشتهيه الإنسان ويهواه، أو يلذه، ولم يعرفوا معنى قولنا في إطلاق لفظ الاستحسان).

وقال في ص226: (وجميع ما يقول فيه أصحابنا بالاستحسان، فإنهم إنما قالوه مقرونا (بدلائله وحججه)، لا على وجه الشهوة واتّباع الهوى، ووجوه دلائلِ الاستحسان موجودة في الكتب التي عملناها في شرح كتب أصحابنا).

 وفي ص243: (قال أبو بكر: قد بيّنا وجه الاستحسان، الذي هو إلحاقُ الفرع بأحد النظيرين اللذين يأخذ الشبه منهما، وهذا الضربُ ليس فيه تخصيصُ الحكم مع وجود العلّة، ولا تركها لمعنىً أوجب ذلك لها، وإنّما هو قياسُ الحادثة على أحَدِ الأصلين دون الآخر). اما السرخسي فقال: (أو معناه: طلب الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به، كما قال تعالى: [فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعونَ الْقَوْلَ فَيَتَبِعونَ أَحسَنَه]). أصول السرخسي، ابو بكر السرخسي، ج2، ص200.

([355]) قال: إن الاستحسان يراه معتبرا في الأحكام مالك وأبو حنيفة، بخلاف الشافعي. الاعتصام، ابو إسحاق الشاطبي، ج2، ص137.

فإن قلت: كيف تكون مستحسنات الإمام قاصرة عن هذه المسائل الأربعة، مع أن الاستحسان في مسائل الفقه أغلب من القياس، كما قال المتيطي، وقال مالك: إنه تسعة أعشار العلم. حاشية الدسوقي، شمس الدين الدسوقي، ج3، ص479.

([356]) قال: الاستحسان: ولابد أولا من فهمه، روضة الناظر وجنة المناظر، ابن قدامة المقدسي، ص167.

قال: وهذا ظاهر كلام أبي الخطاب في كتاب الهداية، في مسألة العينة، حيث قال: لا يجوز استحسانا. المسودة، آل ابن تيمية، ص399.

([357]) قال: كان شيخنا الإمام يقول: الاستحسان: ترك القياس، والأخذ بما هو أوفق للناس؛ وقيل: الاستحسان طلب السهولة في الأحكام، فيما يبتلي به الخاص والعام؛ وقيل: الأخذ بالسعة، وابتغاء الدعة؛ وقيل: الأخذ بالسماحة، وابتغاء ما فيه الراحة؛ وحاصل هذه العبارات: أنه ترك العسر لليسر. المبسوط، السرخسي، ج10، ص145.

([358]) وقد تقدم ذكرها.

([359]) نقل قول الشافعي غير واحد، ولم نعثر عليه في مؤلفاته الموجودة عندنا. المغني، ابن قدامة، ج7، ص24.

([360]) (.. إذ عَدَمُ حجيّةِ جُمْلَةٍ من الظنون في الشريعة ولو بالنسبة إلى هذه الأزمان مما قضى به إجماع الفرقة، بل ضرورة المذهب، كظنّ القياس والاستحسان ونحوهما). هداية المسترشدين، الشيخ محمد تقي الرازي، ج3، ص438.

([361]) عمدة القاري، محمود بن أحمد العيني، ج23، ص226. الاستذكار، ابن عبد البر، ج8، ص13.

([362]) لم نعثر على الحديث بهذا اللفظ، وما عثرنا عليه عدة ألفاظ، منها: (سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها..). اُنظر مسند أحمد، أحمد بن حنبل، ج6، ص396. ومنها: (.. وإن الله U وعدني في أمتي وأجارهم من ثلاث: لا يعمهم بسنة، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالة). سنن الدارمي، عبد الله الدارمي، ج1، ص29. ومنها: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم). سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني ابن ماجة، ج2، ح3950.

([363]) قال في التوضيح: وذَكَرَ أبو المعالي أنَّ مالكاً كثيراً ما يبني مذهبه على المصالح، وقد قال: إنه يقتل ثلث العامة لمصلحة الثلثين. المازري: وهذا الذي حكاهُ أبو المعالي عن المالكي صحيح، انتهى. راجعُ مواهب الجليل لشرحِ مُخْتَصَر خليل، الحطّاب الرعيني، ج7، ص558.

([364]) الأصل الرابع من الأصول الموهومة: الاستصلاح، وقد اختلف العلماء في جواز اتباع المصلحة المرسلة. المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص173.

([365]) شرح مختصر المنتهى الاصولي، ابن الحاجب، ج3، ص424.

([366]) لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو: أن يحفظ دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم. المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص173.

أما التي في محل الضرورة، فهي التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة، وهي: حفظ النفس، والمال، والنسب، والدين، والعقل. المحصول في علم أصول الفقه، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، ج5، ص159 - 160.

([367]) المصلحة: هي ما يوافق الإنسان في مقاصده لدنياه، أو لآخرته، أو لهما، وحاصله: تحصيل منفعة أو دفع مضرة. معارج الأصول، المحقق الحلي، ص221.

قال: أما المصلحة؛ فهي في الأصل عبارة عن جلب منفعة، أو دفع مضرّة. ثمّ قال: ولسنا نعني به ذلك، فإنّ جلب المنفعة، ودفع المضرة من مقاصد الخلق. وراجع المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص174.

المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، عبد القادر الدمشقي، ج1، ص293. والمصلحة جلب نفع، أو دفع ضرر.

([368]) سورة النحل، الآية 90.

([369]) المصالح تنقسم ثلاثة أقسام: معتبرة شرعا، وملغاة، ومرسله. معارج الأصول، المحقق الحلي، ص221.

المصلحة بالإضافة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام: قسم شهد الشارع لاعتبارها، وقسم شهد لبطلانها، وقسم لم يشهد الشارع لا لبطلانها ولا لاعتبارها. المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص173 - 174.

([370]) المصلحة باعتبار قوّتها في ذاتها تنقسم إلى ما هي في رتبة الضرورات، وإلى ما هي في رتبة الحاجات، وإلى ما يتعلق بالتحسينات والتزيينات. المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص174.

([371]) وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح. المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص174.

([372]) الرتبة الثانية: ما يقع في رتبة الحاجات من المصالح والمناسبات، كتسليط الولي على تزويج الصغيرة والصغير. المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص175.

([373]) الرتبة الثالثة: ما لا يرجع إلى ضرورة، ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين، والتيسير للمزايا والمزائد، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات. المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص175.

([374]) القسم الثاني: ما شهد الشارع لبطلانها. المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص174.

([375]) القسم الثالث: ما لم يشهد له من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نصّ معيّن، وهذا في محل النظر. المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص174.

([376]) نسبه الغزالي إلى مالك، قائلاً: فإن قيل: فالضرب بالتهمة للاستنطاق بالسرقة مصلحة، فهل تقولون بها؟ قلنا: قد قال بها مالك  عليهم السلام ، ولا نقول به. المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص176.

([377]) واختلف في حجية المصالح المرسلة، فذهب أصحابنا إلى اعتبارها، على ما أسلفناه. المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، عبد القادر الدمشقي، ح1، ص293.

([378]) النوع الرابع: المصالح المرسلة: ..، وانقسامها باعتبار شهادة الشارع لها إلى معتبرة، وملغاة، وإلى ما لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا إلغاء..، ولم يبق غير القسم الثالث، وهو المعبر عنه بالمناسب المرسل، وهذا أوان النظر فيه. الإحكام في أصول الأحكام، سيف الدين الآمدي، ج4، ص160.

وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم، على امتناع التمسك به، وهو الحق، إلا ما نقل عن مالك أنه يقول به، مع إنكار أصحابه لذلك عنه، ولعل النقل إن صح عنه، فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة.

([379]) كذا لا حجة لنا في التعرض للاستحسان والمصالح المرسلة، بعدما أطبق أصحابنا على عدم حجية ذلك. الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص387.

([380]) ما عدا الظاهرية، فإنهم لا يفرقون بين العبادات والعادات، بل لكل تعبد غير معقول المعنى، فهم أحرى بأن لا يقولوا بأصل المصالح، فضلاً عن أن يعتقدوا بالمصالح المرسلة. الاعتصام، ابو إسحاق الشاطبي، ج2، ص133.

([381]) الأصول من الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ج1، ص58، باب البدع والرأي والمقائيس، ح19.

([382]) الشيخ الأجل ورئيس المحدثين أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه الصدوق القمي  عليهم السلام ، ولد بقم حدود سنة (306ه‍)، ولم ير في القميين من يضاهيه في سمو مكانته ورفيع مقامه العلمي. وبنو بابويه من بيوتات القميين الذين ذاع صيتهم بالعلم والفضيلة. الذريعة، آغا بزرك الطهراني، ج1، ص72.

([383]) وقال ابن الرفعة: أنه قد ينازع في ذلك قول بعض الأصحاب، أن الشخص إذا باع في مرض موته شقصاً من دار بدون ثمن مثله، ولوارثه فيه شفعة، أن الوارث لا يأخذ بالشفعة سدّاً لذريعة التبرع عليه، وكذا قول الأصحاب، أن الولي إذا باع على اليتيم شقصاً له شفعة، لا يأخذه بالشفعة. المجموع، محيى الدين النووي، ج10، ص158. وفي ص159- 160، قال: فسَدُّ الذرائع الذي هو محلّ الخلاف بيننا وبين المالكية، أمرٌ زائد على مطلق الذرائع، وليس في لفظ الشافعيّ تعرض لهما، والذرائع التي تضّمنها كلام لفظه لا نزاع في اعتبارها... فحاصل القصة: أنا قلنا بسدّ الذرائع أكثر من غيرنا. انتهى كلامه.

وذكر القرطبي والآبي في أوائل شرح مسلم في منع بيع العنب لمن يعصرها خمراً قولين. قال الآبي: والمذهب في هذا سدّ الذرائع. مواهب الجليل، الحطّاب الرعيني، ج6، ص50.

([384]) اعلم أن الذريعة كما يجب سدها، يجب فتحها، ويكره، ويندب، ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة، والحج. الذخيرة، شهاب الدين القرافي، ج1، ص153.

([385]) تطرق علماء الإمامية لقسم آخر من هذه المسألة، وهو ذريعة الحرام تحت عنوان مقدمة الحرام، ولكن لم ينتهوا إلى حرمة المقدمة للحرام، إذ بإمكان المكلف أن يأتي بمقدمة الحرام ولم يأت بنفس الحرام، نعم إذا كانت مقدمة الحرام بمثابة العلة التامة التي لم يتمكن من عدم إتيان الحرام إذا جاء بها فحرمت أيضا. وبهذا نعرف أيضاً أن ما يرد على لسان الشارع من ردع عن المقدمات التي هي علة تامة للمحرمات إنما هو من قبيل الإرشاد إلى حكم العقل. الربا فقهياً واقتصادياً، حسن محمد تقي الجواهري، ص33 - 34.

([386]) الواقع أن الفقهاء جميعاً يأخذون بأصل الذرائع، مع اختلاف في مقدار الأخذ به، وتباين في طريقة الوصول إلى الحكم، إذ المشاهد في أحكام الفروع أن أكثر الفقهاء يعطي الوسيلة - الذريعة- حكم الغاية إذا تعينت الوسيلة لهذه الغاية، أما إذا لم تتعين طريقاً لها، فالمشهور عن الإمام مالك أنها تعتبر أصلا للأحكام، ويقرب منه في ذلك الإمام أحمد، وتبعهما ابن تيمية، وابن القيم. المدخل للفقه الإسلامي، محمد سلام مدكور، ص270.

([387]) سورة النور، الآية 31.

([388]) سورة الأنعام، الآية 108.

([389]) الذريعة: الوسيلة للشيء، ومعنى ذلك حسم مادة وسائل الفساد، دفعا له، فمتى كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى المفسدة، منعنا من ذلك الفعل، وهو مذهب مالك. الذخيرة، شهاب الدين القرافي، ج1، ص152.

([390]) أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان احوال العلوم، صديق بن حسن القنوجي، ج1، ص105. أيضاً ابن القيم الجوزية يمنع هذه القاعدة وتبعه في ذلك تلميذه بن تيمية، والشافعي الظاهري وغيرهم على المنع. شرع المعتمد في اصول الفقه، الدكتور محمد حبش، ج1، ص67.

([391]) أنظر: القواعد الفقهية، السيد محمد حسن الموسوي البجنوردي، ج4، ص294.

([392]) تقسيمه إلى عرف عملي وقولي:

1. العرف العملي: وأرادوا به العرف الذي يصدرون عنه في قسم من أعمالهم الخاصة، كشيوع البيوع المعاطاتية في بعض البيئات.

2. العرف القولي: وهو الذي يعطي الألفاظ عندهم معاني خاصة، تختلف عن مداليلها اللغوية، وعن مداليلها عند الآخرين من أهل الأعراف، كإطلاق العراقيين لفظة الولد على خصوص الذكر، بينما يطلق في اللغة على الأعمّ من الذكر والأنثى. راجع الأصول العامة للفقه المقارن، السيد محمد تقي الحكيم، ص421.

([393]) أنظر: كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، الشيخ جعفر كاشف الغطاء، ص166.

([394]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي، ج10، ص184، باب 4 من أبواب من يصح منه الصوم، ح1.

([395]) والتلازم: قد يكون مستفادا من الشرع، كتلازم القصر في الصلاة، المستفاد من قوله: (إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت). وقد يكون مستفاداً من حكم العقل، كما يقال: إن الأمر بالشيء في وقت معين لا يزيد عليه، يستلزم عدم الأمر بضده في ذلك الوقت بعينه، وإلا لزم التكليف بما لا يطاق، وهو قبيح عقلا. الوافية في أصول الفقه، عبد الله بن محمد البشروي، ص219.

([396]) الوافية في أصول الفقه، عبد الله بن محمد البشروي، ص199، والظاهر أن الفقهاء يستدلون بهذه الطريقة على نفي الحكم الواقعي، وبأصالة البراءة على عدم تعلق التكليف. هداية المسترشدين، الشيخ محمد تقي الشيرازي، ج3، ص550 ..، بل هو كالصريح في حجية أصالة البراءة مطلقا في نفي التكليف عنا بعد الفحص... الفصول الغروية في الأصول الفقهية، الشيخ محمد حسين الحائري، ص51، وأما أصل العدم، فإن أريد به عدم التكليف، كان بمعنى أصل البراءة. فرائد الأصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج1، ص396، وقد ثبت في مسألة البراءة أن مجراها الشك في أصل التكليف، وفي ج2، ص450، أن مفاد أدلة أصل البراءة مجرد نفي التكليف.

([397]) فرائد الأصول، الشيخ مرتضى الأنصاري، ج2، ص334، قال: (وأما عدم الدليل دليل العدم فالمستند فيه شيء آخر، ذكره كل من تعرض لهذه القاعدة، كالشيخ، وابن زهرة، والفاضلين، والشهيد، وغيرهم).

([398]) العدة في أصول الفقه، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ج2، ص758، قال: (وإذا تتبعنا جميع الأدلة، فلم نجد فيها ما يدل على أن الحالة الثانية مخالفة للحالة الأولى، دل على أن حكم الحالة الأولى باق على ما كان).

([399]) المعتبر في شرح المختصر، المحقق الحلي، ص32، قال: (الثاني: أن يقال: عدم الدليل على كذا، فيجب انتفاؤه، وهذا يصح فيما يعلم أنه لو كان هناك دليل لظفر به، أما لا مع ذلك، فيجب التوقف، ولا يكون ذلك الاستدلال حجة، ومنه القول بالإباحة لعدم دليل الوجوب والحظر). نهاية الوصول الى علم الاصول، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (مخطوط)، ص424.

([400]) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، الشهيد الأول، ج1، ص51، قال: (ولا يلزم من عدم الظفر بالدليل عدم الدليل، وفي ص52: التمسك بأصالة البراءة عند عدم الدليل، وهو عام الورود في هذا الباب- كنفي الغسلة الثالثة في الوضوء، والضربة الزائدة في التيمم، ونفي وجوب الوتر - ويسمى استصحاب حال العقل).

([401]) الوافية، عبد الله بن محمد البشروي، ص199، قال: (القسم الخامس: التمسك بعدم الدليل، فيقال: عدم الدليل على كذا، فيجب انتفاؤه).

([402]) أنظر: معجم المحاسن والمساوئ، ابو طالب التجليل التبريزي، ص13.

([403]) أنظر: رسائل فقهية، الشيخ مرتضى الأنصاري، ص155.

([404]) تقدم بعنوان التسامح في أدلة السنن من هذا الكتاب.

([405]) تاج العروس، الزبيدي، ج20، ص74.

([406]) أوثق الوسائل في شرح الرسائل، موسى التبريزي، ص465. المصطلحات، إعداد مركز المعجم الفقهي، ص276.

([407]) القوانين المحكمة في الأصول المتقنة، الميرزا أبو القاسم القمي، ج3، ص178.

([408]) شروح الشمسية مجموعة حواشي وتعليقات، نجم الدين عمر بن علي القزويني، ج2، ص188.

([409]) شروح الشمسية مجموعة حواشي وتعليقات، نجم الدين عمر بن علي القزويني، ج2، ص188.

([410]) مصباح الفقاهة، السيد ابو القاسم الخوئي، ج4، ص19.

([411]) يمكن ان يستفاد من كلام مفاتيح الاصول، محمد الطباطبائي الكربلائي، ص525، قال: هل الاستقراء حجة في نفس الأحكام الشرعية كما أنه حجة في المسائل اللغوية، أو لا اختلفوا في ذلك على قولين:

الحكم في فرد من إفراد النوع لا يلزم منه وجوده في باقي الأفراد. ومنها أنه لا يفيد العلم بالحكم الشرعي فلا يكون حجة.

الثاني: أنّه حجة وهو للمحكي عن بعض، وإليه ذهب بعض فضلاء للقول الأول وجوه: منها ما تمسك به في المعارج فقال الحق أنه ليس بحجة. ومنها ما يفيد الظن بناءً على اصالة الظن. لا فرق في الاستقراء بين أن يكون في الأجناس أو الأنواع أو الأصناف، لا فرق في ذلك بين صورتي ظهور مخالفة بعض الأفراد وعدمه.

([412]) لم نعثر عليه.

([413]) أنظر: زبدة الاصول، السيد محمد صادق الروحاني، ج4، ص17.

([414]) نهاية الدراية في شرح الكفاية، الشيخ محمد حسين الغروي الاصفهاني، ج3، ص37.

([415]) قوانين الاصول، الميرزا أبو القاسم القمي، ص355.

([416]) تعليقة على معالم الأصول، السيد علي الموسوي القزويني، ج1، ص49.

([417]) شروح الشمسية مجموعة حواشي وتعليقات، نجم الدين عمر بن على القزويني، ج2، ص188.

([418]) نهاية الوصول إلى علم الاصول، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ج2، ص59.

([419]) معارج الأصول، المحقق الحلّي، ص220 - 221، فإنْ قيلَ: مع كثرة الصور، يَغْلِبُ الظنَّ أنَّ الباقي مماثلٌ لما وُجِدَ، والعمل بالظن واجب.

قلنا: لا نسلم أنْ يغلب على الظن (أن الباقي مماثل لما وجد)، إذ لا تعلق بين ما رأيت، وبين ما لم تره، وبين ما علمته من ذلك، وبين ما لم تعلمه، ولو سلّمنا حصول الظنّ، لكنّ الظنَّ الحاصل من غير أمارة لا عبرة به، وليس وجود الحكم فيما رأيته من أجزاء الجملة، أمارة لوجوده في الباقي، سلمناه، لكن الظن قد يخطيء، فلا يعمل به إلا مع وجود دلالة تدل عليه.

([420]) مفاتيح الأصول، السيد محمد الطباطبائي الكربلائي، ص73، وانظر أيضا ص526 وما بعدها.

([421]) مفاتيح الاصول، محمد الطباطبائي الكربلائي، ص72.

([422]) الفوائد الحائرية، الوحيد البهبهاني، ص277، والأولى التمسك بالاستقراء، ويقال: إن الفقهاء ربما يحكمون بحكم كلي، بتتبع جزئيات كثيرة غاية الكثرة، إلى حد يحصل لهم الاعتقاد بعدم مدخلية الخصوصية.

([423]) الفوائد المدنية والشواهد المكية، المولى محمد أمين الاسترآبادي، ص64.

([424]) هو الشيخ شريف ويقال: محمد شريف بن ملا حسن علي البيقسي المازندراني أصلا الحائري مسكنا ومدفنا، المعروف بشريف العلماء، توفي في طاعون (1246هـ) أو(1245هـ) بكربلاء، ودفن فيها في داره، شيخ الشيوخ، العالم المحقق المؤسس المتفنن المتبحر، صاحب التحقيقات التي لم يسبق إليها. أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج7، ص338.

([425]) بدائع الأفكار، حبيب الله الرشتي، ص88.

([426]) مفاتيح الأصول، السيد محمد الطباطبائي الكربلائي، ص527.

([427]) حكاه في إشارات الأصول، محمد ابراهيم محمد حسن الكرباسي، ص33.

([428]) نقلا عن مفاتيح الاصول، السيد محمد الطاطبائي، ص27.

([429]) معالم الدين، حسن العاملي، ص37.

([430]) إشارات الأصول، محمد ابراهيم محمد حسن الكرباسي، ص33، قال: وهو يكشف عن كون حجيته متفقاً عليه بينهم.

([431]) المصدر السابق. محمد إبراهيم بن محمد حسن الكرباسي العجمي الفقيه الشيعي المتوفي سنة (1262هـ) في اصفهان نسبه إلى حوض كباس، محلة بهراة، له عشرة كتب بالعربية والفارسية، منها: منهاج الهداية إلى أحكام الشريعة، وكتاب اشارات الاصول. الأعلام، خير الدين الزركلي، ج5، ص305.

([432]) معارج الأصول، المحقق الحلي، ص220، ومثاله في الفقهيات، إذا اختلف في الوتر، فنقول: هو مندوب؛ لأنه لو كان واجباً لما جازَ أنْ يصلّى على الراحلة، والمقدّم مستفاد من الاستقراء، إذ لا شيء من الواجب يصلّى على الراحلة، والاستثناء معلوم بالإجماع.

([433]) نهاية الوصول إلى علم الاصول، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، ج2، ص50.

([434]) أضواء البيان، الشنقيطي، ج1، ص376، وكون شرع من قبلنا الثابت بشرعنا، شرعاً لنا، إلا بدليل على النسخ، هو مذهب الجمهور، منهم مالك، وأبوحنيفة، وأحمد في أشهر الروايتين.

المسودة في أصول الفقه، آل تيمية، ج1، ص174، مسألة شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بنسخه في أصح الروايتين، وبها قال الشافعي وأكثر أصحابه، واختاره القاضي، والحلواني، وأبو الحسن التميمي، وبها قالت الحنفية، والمالكية، وابن عقيل، والمقدسي.

([435]) المسودة في أصول الفقه، آل تيمية، ج1، ص174، والثانية: لا يكون شرعا لنا إلا بدليل، واختاره أبو الخطاب، وبه قالت المعتزلة والأشعرية.

([436]) المنخول من تعليقات الأصول، الغزالي، ص318، أجمعت المعتزلة أنه لم يكن على شرعة رسول، فإنه يورث التنفير، فإن التابع لا يكون متبوعا.

([437]) اللمع في أصول الفقه، ابو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، ص184، والذي يصح الآن عندي، أنَّ شيئاً من ذلك ليس بشرع لنا.

المستصفى في علم الأصول، ابو حَامِدْ الغزالي، ص165، الأصل الأول من الأصول الموهومة: شرع من قبلنا من الأنبياء، فيما لم يُصَرِّحْ شرعُنا بنسخه.

المنخول من تعليقات الأصول، الغزالي، ص321، والمختار: أن لا رجوع إلى دين أحد من الأنبياء.

الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، محمد بن أحمد الشربيني، ج2، ص20، ولم أستدل بالآية لأن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا وإنْ ورد في شرعنا ما يقرره.

أضواء البيان، الشنقيطي، ج1، ص376، وخالف الإمام الشافعي  عليهم السلام  في أصحّ الروايات عنه، فقال: إنَّ شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعاً لنا، إلا بنصٍّ من شرعنا على أنه مشروع.

ومنع منها الظاهرية أيضاً، راجع الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم الاندلسي، ج5، ص739، قال أبو محمد: فصح بهذه الآية (سورة البقرة، الآية 136) أنَّ الذي تساوى فيه كل من ذكر الله من النبيين، هو اللازم لنا، وليس ذلك إلا التوحيد وحده، وإلاّ فلا خلافَ بينَ أحدٍ من المسلمين، في أنَّ شرائعهم كانت مختلفة، فسَقَطَ عَنَّا بذلك جميع شرائعهم، إلاّ الذي سوى بينهم فيه، وهو التوحيد فقط.

مختصة بأممها، بخلاف شريعتنا، فإنها جاءت عامة ناسخة للشرائع السابقة، ولأن الرسول  (ص)  لما أرسل معاذ بن جبل لليمن ليحكم فيها قال له: (بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد اجتهد)([1])، فلو كان شَرْعُ مَنْ قبلنا مَصْدَراً عند انعدام النصّ، لأمره رسولُ اللهِ بالرُّجوعِ إليه، لا أنْ يُقِرُّهُ على الاجتهاد.

وهو يَرْجِعُ للسنّة، إنْ كان من بابِ تقرير النبيّ  (ص)  له، باعتبار أنَّه حُكْمٌ كان ثابتاً في الشرع السابق، وحيثُ لم ينسخه الرسول  (ص)  فقد أقره، أو للاستصحاب، باعتبار أنّ الحكم في الشريعة السابقة كان ثابتاً يقيناً، ونشك في ارتفاعه بشريعة الرسول، ولا ينقض اليقين بالشك، فنستصحبه إلى شرعنا الحاضر.

ولا نسلم أنَّ الشرائع السابقة قد نُسِخَتْ بأحكامها جميعاً، بل في القرآن ما يؤكد إمضاءه للشرائع السابقة، كقوله تعالى: [يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]([2])، وكقوله تعالى: [مُصدّقاً..]([3])، وكقوله تعالى: [مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ]([4]).

وأما قصة معاذ فإنه بأخذه بأحكام الشريعة السابقة، يكون آخذاً بالكتاب والسنة، لما قد عرفت أنّهما يدلان على ثبوتِ أحكامِ الشَّريعَةِ السَّابقة، وتحقيقُ الحال يُطْلَبُ ممّا كَتَبْناهُ في استصحابِ أحكام الشّرائع السابقة.

 

 

 

المصدر الخامس عشر
مذهب الصحابي

وهو القول والعمل الذي يصدر من الصحابي المشتهر بالفقه والفتوى، ولديه الملكة الفقهية، من دون أنْ يعرف له مستندٌ في الواقعة، فإنّه يَدُلُّ على حكمها؛ واستدلوا على حجيته: بأنَّ الصحابة كانوا أقرب الناس للنبي  (ص) ، فهم أعلمُ الناس بسنّته([5])، وبقول النبي  (ص) : (أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم)([6]).

ويُنْسَبُ لمالك([7]) وابن حَنْبَل([8]) الاعتماد على قول الصَّحابيّ، وهو مؤخَّرٌ عندهم عن الإجماع، ومُقدَّمٌ على القياس، واختار الآمدي أنه ليس بحجة([9])، وقد عَدَّه الغزالي من الأصول الموهومة([10]).

والحق: أنّه لا دليلَ لنا على حُجيّته، إذ لعلَّ الصّحابي استند قوله لحدسه ورأيه، وقد أخطأ، فهو نظير فتوى المجتهد ليس بحجة على الغير([11]).

والحديثُ لا يَدُلُّ على لزوم العمل والاقتداء برأي الصحابي، ولعله يراد به الأخذ بروايته لا برأيه، مضافاً إلى ضعف الحديث، كما في كتاب الإحكام([12]) وأعلام الموقعين([13]) والتقرير والتحبير([14]).

نعم، قولُ الصّحابي: (كنا نفعل كذا، ونصنع كذا، ونقول كذا، عند رسول الله  (ص) )([15]) هو داخل في نقل السنة، فهو من الخبر الواحد لتقرير الرسول  (ص) .

 

المصدر السادس عشر
تنقيح المناط

وهو معرفة تمام علّة الحكم للواقعة، فإنّه لو وُجِدَ في غيرها ثَبَتَ الحُكْمُ فيه([16])، وهو يَرْجِعُ للقياس، وَقَدْ عَرَفْتَ أنَّهُ من الدليل العقليّ الاستلزامي.

 

 

 

المصدر السابع عشر
السيرة

السيرةُ من المسلمين، أو من الفقهاء الصالحين على العمل، فإنّها تدلُّ على صِحّتِهِ، وتسمّى بالإجماع العملي([17])، فقد ذكر العلماء في وجه حجيتها: أنا إذا رأينا سيرة المسلمين، أو العلماء الصالحين قد استدامت، واستمرَّتْ طريقَتهُمُ على عملٍ خَاصٍّ يتعاطونه، مواظبين عليه، ويتداولونه راغبين إليه من غير دليل يوافقهم، أو يخالفهم، ولم ينكر إمامهم عليهم ذلك، كشف عن أنه راضٍ به، نظير استكشاف رأي المجتهد عن استمرار عمل مقلديه على شيء، فإنّ إطباقهم كاشفٌ عن رأيه، وكذلك استكشاف رأي كلِّ رئيسٍ في كُلِّ فنٍّ من طريقة اتباعه([18]).

نعم، للاستكشاف المذكور شرائط، مثل أنْ لا يكون العمل المذكور ناشئاً عن المسامحة وقلة المبالاة، إذ لو لم يعلم ذلك لما حصل العلم برأي الإمام، ولذا لا يكشف سيرتهم على المعاملة مع الأطفال بالبيع والشراء عن رأي إمامهم، مع أنه متداول في الأعصار والأمصار، ولا استقرارها على المعاطاة عن كونها بيعاً عند المشهور، ولا استقرارها على التكلّم مع الأجنبية أزيد من مقدار الحاجة عن الجواز، ولا على عدم تحفّظ النساء من ستر ما يقرب من الزند وحواشي الوجه في الصَّلاةِ عن الصِّحّة، وهكذا، ومثلُ أنْ لا يكونَ هُنالك إجماعٌ قولي، أو نَصٌّ، أو حُكْمٌ عقليٌّ على خلاف مُقتضى السيّرة، إذ لا يجامع ذلك الاستكشاف المذكور، ومثل أنْ لا يكونَ عملهم منتهياً إلى تقليد مجتهد، إذ لو علم ذلك كشف عن رأي المجتهد، ومع الشكّ لم يكشف عن رأي الإمام، ومثل أنْ يحرز وجه العمل، وهو العُمْدَةَ، إذ بدونه لا يمكن استكشاف وجهٍ خاصّ، فإنَّ العَمَل الواحد قابلٌ لوجوهٍ عديدة، والأفعالُ مسلوبَةُ الدلالة على جهَةٍ خاصّة، ولذا قالوا في بابِ التأسّي، كما يأتي إن شاء الله:

إنّ فعل المعصوم إنما يكون حُجّة إذا علمنا بوجهه الذي أوقعه عليه([19]).

فنظره  عليهم السلام  إلى امرأة، أو أكله شيئاً، لا يثبت جواز ذلك في حقنا، لاحتمال وقوعه في حقه عن ضرورة، أو محرمية، فلو نظر جماعة منا إلى امرأة، لا يكشف عن جواز النظر إليها في حَقِّ غيرهم، لجواز أنْ تكون زوجة لأحدهم، وأمّاً لآخر، واختاً لثالث، وهكذا.

ومن هذا لا يجوز استناد حجية أخبار الكتب الأربعة إلى عمل الأصحاب بها قديماً وحديثاً، بعد احتمالِ اختلافهم في الوَجْهِ، فيعمل واحد لقطعيتها صدوراً أو دلالة، أو صدوراً ودلالة أو عملاً، أو صدوراً وعملاً، أو لكونها آحاداً محفوفَةً بقرائنَ قطعية، أو لإفادتها الظنّ الشّخصي أو النوعي، أو من جهة الانسداد، وهكذا، فلا يحرز عنوانُ العَمَل، ومُجرَّدُ استكشاف الحُجيّة لا يجدي، بعد بناءه في مذهبه على جهة خاصة.

هذه هي الشروط التي ذكروها لحجية السيرة، والواجب إضافة أمر آخر، وهو عدم كون عملهم عن إكراه، فاجتماعُ الشيعة على مثل صلاة الجمعة في بلاد العامة، لا يكشف عن وجوبها، إلا أنْ يدرج في الشرط الثالث([20]).

والحاصل: إنّ اعتبار سيرة العلماء والمسلمين، إنما هو لأجل كشفها عن تقرير المعصوم  عليهم السلام ، ويشترط فيه -كما قُرِّر في محلّه- علمه  عليهم السلام  بما جرت عليه سيرتهم، وكون علمه على سبيل العادة المتعارفة، دون طريق الإعجاز وكشف المغيبات، وتمكنه من الردع، واحتماله  عليهم السلام  لارتداع الفعل عند ردعه  عليهم السلام  عن ذلك الفعل.

 

 

 

المصدر الثامن عشر
الشهرة

والشهرة لغةً: الواضح المعروف، ومنه: فلان شهر سيفه([21]).

وفي الاصطلاح اتفاقُ جُلّ العلماء على فتوىً أو رواية، ونظيرُها الشهرة في الموضوعات، إلا أنّ اسمَ الشُّهْرَةِ عندَ الفُقَهَاء قد خُصّ بالشهرة في الأحكام، كما أنَّ الشهرة في الموضوعات قد خُصَّتْ باسم الشياع واسم الاستفاضة.

وعن الروضة أنَّ الشياع هو إخبار جماعة بأمرٍ تأمَنْ النَّفْسُ من تواطئهم على الكذب ويحصل بخبرهم الظنُّ المتاخم للعلم([22]).

والشُهْرَةُ في الأحكام على ثلاثة أقسام:

الأول: الشهرة في الرواية، وهي عبارَةٌ عن اشتهار الرواية بين الرواة وأرباب الحديث، بكثرة نقلها، وسيجيء إنْ شاءَ اللهُ بيانُ أنَّها من المرجّحات في باب التعارض.

الثاني: الشُّهْرَةُ العملية([23])، وتسمَّى بالشُّهرَة الاستنادية؛ وهي عبارَةٌ
عن اشتهار العمل بالرواية عند قدماء أصحابنا، واستنادهم في فتواهم
إليها، وسيجيء إن شاء الله بيان أن هذه الشهرة في الاستناد إلى الرواية عند القدماء جابرة لضعف الرواية، وموجبة لاعتبارها وحجيتها، وقد ضرب لها بعض الفقهاء([24]) المثل بالحديث النبوي المشهور (على اليد ما أخذت حتى تؤدي)([25])، فإنَّ فقهاءنا تمسّكوا به لعمل الأصحاب القدماء به مع أنَّ هذا الحديث لم يَذْكُرْهُ أَحَدٌ من رواتنا في كتبهم([26])، وإنّما رَوَتْهُ العامَّةُ في كتبهم، وكان في سَنَدِهِ الحَسَنُ البَصْريّ، عن سمرة بن جندب، عن النبيّ  (ص) ، وسمرة بن جندب صاحب القضية التي قال فيها النبي  (ص) : (لا ضرر ولا ضرار)([27])، وحكي عن أرباب الحديث أن الحسن البصري لم يرو حديثاً منه قط، فمع هذه
الأمور كلها، كان الحديث المذكور حجة عند فقهائنا، باعتبار عمل القدماء
من أصحابنا به، وذلك لأن عمل المشهور من القدماء يوجب الوثوق
بصدوره.

الثالث: الشهرة في الفتوى([28]): وهي عبارة عن اشتهار الفتوى بالحكم الشرعي، وهي محل كلام القوم في مبحث الأدلة، فقد وقع النزاع بينهم في أن الشهرة في الفتوى حتى عند القدماء يثبت بها الحكم الشرعي الذي تدل عليه الفتوى أم لا، وفي المسألة أقوال:

الأول: القول بحجيتها مطلقاً، وقد حكي([29]) اختياره عن الشهيد في الذكرى([30])، والخوانساري([31])، وولده جمال العلماء([32]).

الثاني: القول بعدم حجيتها وهو المشهور([33])، ويرشد إلى ذلك ما ذكره القوم في الدليل على عدم حجيتها، من أن الشهرة لو ثبتت حجيتها، لزم عدم حجيتها؛ لأن المشهور عدم حجيتها، فيلزم من وجودها عدمها، وما يستلزم وجوده عدمه فهو باطل([34]).

الثالث: التفصيل بين الشهرة المدَّعاة قبل زمان الشيخ الطوسي فهي حجة، وبين الشهرة بعد زمانه فهي ليست بحجة، واختاره صاحِبُ المعالم([35]).

الرابع: التفصيلُ بين الشهرة المقترنة بوجود خبر ولو كان ضعيفاً لم يروه إلاّ أهل السنة، وبين غيرها، فالأولى حجّة دون الثانية، وحكي هذا القول عن صاحب الرياض([36])، وعن الوحيد البهبهاني([37]).

وهذه الشهرة التي يوجد على طبقها الخبر على قسمين:

استنادية: وهي التي يستند المفتون في فتواهم إلى ذلك الخبر([38]).

وتطابقية: وهي التي لا يستند المفتون في فتواهم إلى ذلك الخبر.

ولعلَّ السر في اعتبار ضَمّ الخبر، هو التحرُّزُ عن مخالفة المشهور القائلين بعدم حجيتها، حيث نزلوا كلام المشهور على الشهرة المجردة، فالقول بالحجية للشهرة المطابقة للخبر ليس فيه مخالفة للمشهور([39]).

وقد يستدل على حجيتها بأدلة:

منها: إن العقل حاكمٌ بأنَّ اتفاق جماعةٍ من العلماء الأخيار المتبحرين، يوجب العلم والاطمئنان الذي هو بمنزلة العلم بحصول مستند معتبر لديهم([40]).

وجوابه: إنا لو سلّمنا ذلك فهو إنّما يوجبُ الوثوق بحصول دليل صحيح، أو أصل معتبر لديهم، ولا يلزم أنْ يكون صحيحاً أو معتبراً عندنا.

ومنها: إنَّ رأي المتبوع يستكشف من رأي تابعيه، فإنا نستكشف رأي أبي حنيفة من آراء فقهاء الحنفية.

وجوابه: إن الاستكشاف لم يكن على سبيل القطع، بل هو على سبيل الظن، فنحتاج إلى الدليل عليه([41]).

ومنها: إنّ أدلة حجيّة الخبر الواحد تدلُّ على اعتبار الخبر من باب الظن، فتدلُّ بالفحوى، ومفهوم الأولوية، على حُجيّة الشهرة، لكون الظَّنّ الذي تفيده الشهرة أقوى مما يفيده الخبر، مضافاً إلى أنَّ عمومَ التعليل في آية النبأ شامل للشهرة، ضرورَة أنَّ المستفاد منه: أنَّ كلَّ ما لا يوجب العملُ به الوقوعَ في التنديم عند العقلاء يجوز العمل به([42]).

ومن المعلوم أنَّ العمل بالشهرة لا يوجب ذلك، ودعوى اختصاصُه بالخبر يدفعها أنّ العبرة بعموم التعليل لا بخصوصيّة المعلّل، بل لَعَلَّ التعليلَ في الشُّهْرَةِ أقوى وأولى من الخبر.

ويَرِدُ عليه: أنّ أدلّة حُجيّة الخبر تَدُلَّ عليه بخصوصِهِ أفادَ الظنَّ أم لم يفد، ولذا نقول بحجيّتِهِ حتَّى لو قامَ الظنُّ الشخصيُّ على خلافه.

ولو سَلَّمنا، لم ينفع ذلك، لوضوح الفرق بين الظنّ بالحكم الحاصل من إخبار العادل به عن الإمام، وبين الظنّ الحاصل من شهرة الفتوى به، فإنَّ
الظنَّ من جهة الشهرة ينتهي إلى الحَدَس، والظنُّ من الخبر الواحد ينتهي إلى الحس.

وأمّا عمومُ التعليل في آية النبأ، فهو إنّما يقتضي الاعتمادَ على المفتين في أنَّ فتواهم كانت مستندة لشيءٍ معتَبَرٍ عندَهُم، من دليلٍ أو أصلٍ، لا لقولِ الإمام، إذ لم يعلم، بل يُقْطَعُ بعَدمِ مشافَهَتِهِم له، ولا رَيْبَ أنَّ ما كان معتبراً عندهم ليس بمعلومٍ اعتبارُهُ عندنا، إلا إذا اطّلعنا عليه بنفسه([43]).

ومنها: ما في الرّوايَةِ المشهورة عن الشيعة من قوله  عليهم السلام : (خُذْ بما اشتهر بين أصحابك)([44]).

وفيه: إنَّ المراد به هو الأخذُ بالرواية المشتهرة به، ولا يَعُمُّ الفتوى المشتهرة، كما هو أوْضَحُ من أنْ يخفى؛ لأنّ مَحَطَّ النظر في الرواية المذكورة هي الروايات المتعارضة، وهي لا ربط لها بالفتوى.

وتوضيحُ ذلك: إنَّ الروايَة ليس فيها ما يَدُلُّ على العموم، عدا كلمة الموصول، والموصول عمومه تابع للعهد بصلته، ولم يكن هنا عهد بالصلة بنحو العموم للشهرة في الفتوى، حتّى يقال بعموم الموصول لها، ويدلُّ على ذلك قول الراوي في هذه الرواية بعد الفقرة المذكورة، (فقلت: يا سيدي هما معاً مشهوران مأثوران عنكم)، لوضوح عدم إمكان تحقق الشهرة في الفتوى في حكمين متضادين.

ثم إنّ الشهرة في الفتوى وإنْ لم تكن حجة، فهل توجب حجية الرواية المطابقة لها، بأنْ يفتي الكثرة بما يطابق مضمون الرواية الضعيفة من غير أن يستندوا في فتواهم إليها، كما أفتى المشهورُ بنجاسة العصير العنبي إذا غلى واشتدّ من دون تمسكهم بالرواية الضعيفة المطابقة لهذه الفتوى([45])، وقد ذهب جماعة إلى حجية هذه الرواية بواسطة هذه الشهرة المطابقية([46])، والظاهر أنه كذلك لحصول الوثوق بصدورها.

وأمّا الشهرَةُ في الفتوى الاستنادية، بأنْ يفتي الكثرة بما يطابق مضمون الرواية الضعيفة، مع الاستناد في فتواهم إلى تلك الرواية الضعيفة، كما حكموا بالطواف بين البيت والمقام([47]) استناداً لرواية ضعيفة تدل على ذلك([48])، فقد ذهب الكثير إلى أنَّ هذه الشهرة توجب حُجيَّة الرواية الضعيفة([49])، وهو الحق لحصول الثقة بصدورها.

نعم الشهرة في الرواية الّتي هي عبارة عن كثرة نقلها، ويقابلها الندرة والشذوذ في الرواية، وهي عبارة عن عدم اشتهار روايتها، وفي كتب الأخبار قد جعلوا باباً للنوادر، يريدون بها الأخبار التي لا مثيل لها في الدلالة على مطلبها، أو كان، ولكنْ قليلٌ جدا، ولا مُعارِضَ لها، ولا كلام في صِحَّتها([50]).

والشُّهْرَةُ من المرجّحات للرواية في بابِ التعارُض، بمعنى أنَّ الرواية إذا اشتهر نقلها بين الأصحاب تُرَجَّحُ على الرواية المعارضة لها، إذا لم تكن بمثابتها في الشهرة، وذلك لما في مقبولة عمر بن حنظلة([51])، ومرفوعة زرارة([52])، الواردتين في مورد تعارض الروايات من أمره  عليهم السلام  بالأخذ بما اشتهر بين الأصحاب، كما أنها موجبة لحجية الرواية، وإن كانت ضعيفة السند؛ لكونها موجبة للوثوق بصدورها، ولقوله  عليهم السلام  فيما تقدم بالأخذ بما اشتهر بين الأصحاب، لكن بشرط عدم إعراض الأصحاب عنها من جهة صدورها، وإلا فذكرها، والمناقشة في دلالتها، وإعراضهم عنها من جهة دلالتها لا يوجب وهنها، إذ لو لم تكن معتبرة الصدور لناقشوا في الصدور لا في الدلالة، فإنّ إعراضهم عنها مع كونها بمرأى منهم ومسمع يوجب وهنها، وعدم الوثوق بصدورها أو ضعف دلالتها.

وبهذا تعرف وجه ما ذكره القوم من أن الشهرة في الفتوى عند القدماء موجبة لضعف الرواية المخالفة لها، وإن كانت صحيحة، بحيث توجب الشهرة خروج الرواية الصحيحة عن الحجية؛ لعدم الوثوق إذ ذاك بصدورها([53]).

 

المصدر التاسع عشر
أصل البراءة

أصل البراءة من التكليف المشكوك وجوده، وهو يثبت به نفي التكليف في مورد الشكّ فيه شكّاً غير مسبوق بالعَمَل بالحكم للواقعة، وبعد الفحص عن حكمها بمقدار لا يوجب العسر والحرج، وعدم الظفر به، وهذا الدليل يسمّى بأصالة البراءة([54])، وأصالة النفي، والبراءة الأصلية، كما لو شككنا في وجوب نصح المستشير، فإنّ هذا الشك يثبت به عدم وجوب النصح المذكور، وكما لو شككنا في حرمة شرب التتن، فإنّ هذا الشكّ يثبت به عدم حرمته، خلافاً لبعضهم، كما هو المحكيّ عن معظم الأخباريين من القول بالاحتياط([55]).

والدليلُ على أنَّ الشك المذكور يثبُتُ به عدم التكليف من الكتاب آيات، منها: [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا]([56])، بناءً على إرادَة التكليف من الموصول، فواضح، وهكذا بناءً على أنّ المراد ما آتاها من القدرة عليه من العلم والمال، حيثُ لا يصدق الإتيانُ عند عدم الدليل المعتَبَر على التكليف الشرعي.

ولا ينافي عمومَ الموصولِ خصوصيّة المورد، على أنَّ الآيات القرآنية أحكامها مستقلة؛ لأنها نزّلت نجوماً، فلا يكونُ ما قبلها مُقيَّداً لما بعدها، أو بالعكس.

ومنها قوله تعالى: [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا]([57])؛ لأنَّ النفسَ لا وسعَ لها قبل معرفتها للتكليف.

ودعوى أنَّ لها الوسع بالاحتياط، ينافي كون الآية في مقام الامتنان، ولا رَيْبَ أنَّ الاحتياطَ فيه ضيّق لا وسعة.

وأمّا من السنة فأخبارٌ كثيرة، منها: النبويّ المرويّ في الخصال بسندٍ صحيح، كما في التوحيد([58])، عن حريز، عن أبي عبد الله  عليهم السلام ، قال: (قال رسول الله  (ص) : رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والطيرة، والحسد، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفه)([59])، والحديث عن التّهذيب([60]) (وضع) مكان (رفع).

والظاهر منه، هو رفع التكليف الفعلي المنَجَّز عن الشيء الذي لا يعلم حكمه، بقرينة السياق، فإنَّ رفع الخطأ والنسيان في الحديث المذكور، ليس المراد به عدم وقوع نفسهما في هذه الأمة قطعاً، لوجودهما فيها وجداناً، فلا بدّ أن يكون المراد رفع التكليف المنجّز عمّا وقع فيه الخطأ والنسيان، كما هو مقتضى وروده في مقام المنّة ممن هو مشرع.

والحاصل: إنّ المراد به في جميع الفقرات هو رفع الشيء الذي اضطر إليه، والشيء الذي وقع الخطأ فيه، والشيء المضطر إليه، والشيء المكره عليه.

وباعتبار أنّ الرفع إنما كان من الشارع بما هو شارع، فيكون المراد رفع الحكم الإلزامي المنجّز، بمعنى عدم العقاب على مخالفته، ومقتضى هذا السياق يكون معنى رفع ما لا يعلمون باعتبار صدوره من الشارع، وهو رفع حكمه المنجّز الإلزامي، بمعنى عدم العقاب على فعلِ شيءٍ لا يعلم حكمه، سواء كان عَمَلاً أو تركاً.

ومنها: الموثق الذي رَوَاه الكليني  دام ظله في باب حُجج الله على خلقه، عن الصَّادق  عليهم السلام : (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم)([61]).

ومنها: الخبر المشهور من قوله  عليهم السلام : (الناس في سعة ما لا يعلمون)([62])، فإنّ (ما) أما ظرفية، أي: في سعة ما داموا لم يعلموا، أو موصولة مضاف إليها، أي: في سعة من الذي لا يعلمونه، وكيف كان، فهي تقتضي عدم الضيق الحاصل بالتكليف عند الجهل به.

ومنها: ما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج في من تَزَوَّج امرأة في عدّتها قال  عليهم السلام : (أما إذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما تنقضي عدتها، فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك..)([63]) الخبر، فإنّه يدلّ على أنَّ الجهالة بالحرمة عذر في المخالفة.

وأما العقل، فلحكمه بقبح العقاب بلا بيان، ويشهد له حكم العقلاء بقبح مؤاخذة المولى عبده على فعل لم يبين له حكمه.

ودعوى حكم العقل بوجوب دفع الضَّرر المحتمل([64]) فاسدة، فإنّه إنْ أريد به الضَّرر الدنيوي، فالعقلُ غير حاكمٍ بوجوبه، ولذا ترى العقلاء يرتكبون أغلب الأشياء المحتمل ضررها الدنيوي، بل يرتكبون المقطوعة الضَّرر الدنيوي، ولو سلَّمنا وجوبَ دفعِهِ عقلاً، كما عن الشيخ  دام ظله([65])، فالشَّرْعُ قد جَوَّزَ ارتكاب القطعيّ منه إذا لم يبلغ حَدَّ التهلكة.

نعم، يمكن أنْ يقال: بأنه لو احتمل الضَّرر الدنيوي البالغ حَدَّ التهلكة، كما لو احتمل السّم، فالعقل يمنع منه، ولعلَّ ارتكابه يكون من باب إلقاء النفس في التهلكة؛ لأنه يكونُ بارتكابه للمشكوك السُمّية إقدام منه على التهلكة([66]).

وإنْ أريدَ به الضَّرر الأخروي، فحُكْمُ العقل بقُبْحِ العِقاب يَرْفَعُ احتمال الضرر الأخروي، فيكون وارداً عليه؛ لأنه مزيل لموضوعه، وهو احتمال الضرر الأخروي.

وبهذا ظهر لك أنَّ القاعدة هي البراءة عن التكليف المشكوك في الواقعة، سواء كان وجوباً أو تحريماً، وسواء كان من جهة فقد النصّ فيها، كما في شرب التتن، أو من جهةِ إجمال النصّ فيها، من جهة إجمال ما دَلَّ على الحكم الشرعي، كالأمر المردَّد بين الوجوب والاستحباب، والنهي المشترك بين التحريم والكراهة، أو من جهة إجمال متعلق الحكم كالغناء، فإنَّ مفهومه مجمل، والفرد المشكوك منه يجري فيه أصلُ البراءة، أو من جهةِ إجمالِ المراد منه، كما لو شُكّ في إرادة الخمر الغير المسكر من لفظ الخمر الذي حكم الشارع بحرمة شربه، فإنه يجري أصل البراءة إذا لم تجرِ أصالة إطلاق العموم، أو كان الشك من جهة الاشتباه في الشيء لأمر خارجي، كما لو شك في حرمة شرب مائع من جهة تردّده بين كونه خمراً أو خلاً، ونحو ذلك مما يكون الشكّ فيه شكّاً في واقعة جزئية، المعبّر عنه في لسانهم بالشبهة الموضوعية.

إن قلت: إنّه في الشبهة المذكورة، أعني: الشبهة الموضوعية، يحكم العقل بالاجتناب، نظراً إلى أنَّ الشارع قد بَيَّنَ حكم الخمر مثلاً، فيجب الاجتناب عن ما شَكّ في خمريته وخليته، مقدمة للعلم باجتناب الخمر، فيكون من قبيل المقدمة العلمية للامتثال، فكما أنّه يجبُ ترك المائعَيْن المعلوم كون أحدهما خمراً والآخر خلاً، من جهة كون تركهما مقدّمة علمية لامتثال التكليف بحرمة الخمر، فكذا ما نحنُ فيه، ولا يلزم العقاب بغير بيان للعلم بالحرمة، كما ذكره بعضهم في دَوَران الصّلاة الفائتة بين الأكثر والأقلّ من وجوب الاحتياط من باب المقدمة العلمية([67]).

وبعبارة أوضح: إنّ المقام يكون من باب الاشتغال؛ لأنه قد اشتغلت ذمته يقيناً بالتكليف، كحرمة الخمر، ويَشُكُّ في فراغ ذمّتِهِ من هذا التكليف لو ارتكب مشكوك الخمر، فتجيءُ قاعدة الاشتغال الناطقة، بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

قلنا: في الشبهة الموضوعية لا يوجد علم باشتغال الذمة بالتكليف، فإنّ هذا الفرد المشكوك خمريته لم يعلم بوجود التكليف بالاجتناب عنه، لا علماً تفصيلياً، ولا علماً إجمالياً، فلم يَكُنْ اشتغالاً يقينياً بالتكليف، حتّى يجب امتثاله في هذا الفرد، والمقدمة العلمية إنما تجب إذا كان التكليف معلوم وجوده فيها تفصيلاً أو إجمالاً.

وبعبارةٍ أوضح: إنَّ الأفراد المعلومة الخمرية يوجد فيها اشتغال الذمة يقيناً، فتجيءُ القاعدة العقلية، من أنَّ: اشتغال الذمّة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، وأمّا الأفراد المشكوكة الخمرية، فهي غير ميقن اشتغال الذمة بها، فلا اشتغال يقيناً بها حتّى يستدعي هذا الاشتغال فراغ الذمة منها.

ومن هنا يظهر لك الجواب عن شبهة وجوب الاحتياط، بدعوى إنا نعلم إجمالاً بمجيء الشريعة بتكاليف كثيرة، قد اشتغلت ذمّتنا بها، والاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، وهو لا يحصل إلا بالاحتياط بإتيان كُلّ ما احتمل فيه التكليف في موارد الشبه.

فإنّا نقول: إنَّ الاشتغال اليقيني بالتكاليف الشرعية إنّما هو في مورد قيام الأمارات المعتبرة والأصول الصحيحة، وأمّا فيما عدا ذلك، فعندنا شَكٌ في اشتغالِ الذمة، فلا يقينَ باشتغالها، لا تفصيلاً، ولا إجمالاً، فلا يجيء أصلُ الاشتغال.

وبعبارةٍ أوضح: إنّ الذي يسلّمه العقل ويحكم به، هو وُجوبُ تحصيل البراءة اليقينية بقدر ما ثبت به الاشتغال اليقيني، وليس هو إلاّ الأقلّ الذي قامت عليه الأمارات، والأدلّة، والأصول المعتبرة، والزائد عليه مشكوكٌ من أول الأمر، فلا تقتضي قاعدة الشغل وجوبه، هذا مضافاً إلى أنَّ المشرّع بوضعه للطرق والأصول يعلم منه اكتفاؤه بما قامَتْ عليه، ولم يَلْزَم بما عَدَاهُ في تكاليفه الشّرعية، وإلاّ لَنُصِبَ عليه الطرق.

شرائطُ الرُّجوع لأصلِ البراءة

ثمّ إنّ الرجوع لأصل البراءة في المورد المشكوكِ التكليف يشترط فيه:

أولاً: أنْ يكونَ بَعْدَ الفحص عن الدليل في الشبهة الحكمية، فإذا فَحَصَ ولم يظفر بالدليل صَحَّ له الرجوع لأصل البراءة، وذلك للأدلة الدالة على وجوب تحصيل العمل، كآية النفر([68])، والسؤال([69])، والأخبار المتظافرة الدالّة على وجوب تحصيل العلم والتفقه([70])، مؤيّداً ذلك بالإجماع المنقول([71])، ولأنّه لو أهمل الفحص عند إجراء البراءة يلزم إهمال التكاليف، بل حصولُ شرع جديد، ومقدار الفحص هو إلى حَدِّ عَدَمِ لزومِ الحَرَج والعُسْر، للأدلّة الدالّة على نفي العسر والحرج في تكاليف الشريعة الإسلامية.

وأمّا الشُّبهة الموضوعيّة فلا يعتبر في إجراء الأصل الفحصُ، فمتى شكّ في نجاسة بدنه، ولم يكن له حالة سابقة، أجرى أصل البراءة من وجوب تطهيره، وليس عليه الفحص، ويدلُّ على ذلك إطلاقُ الأخبار، مثل قوله  عليهم السلام : (كلُّ شيءٍ لك حلال حتَّى تعلم أو حتَّى تستبينُ لكَ غير هذا أو تقوم به البيّنة أو حتى يَجيئك شاهدان يشهدان أن فيه الميتة)([72])، ونحو ذلك([73]).

وثانياً: أنْ لا يكون أصلٌ مُقَدَّمٌ عليه، فإذا شكَّ في حرمة أكلِ لَحْمِ الحيوان من جهةِ الشكّ في تذكيَتِهِ، فلا يُرْجعُ لأصلِ البراءة في نفي الحرمة؛ لأنّ أصالة عدم التذكية مقدّمة عليه، إنْ قلنا بجريانه.

وثالثاً: أنْ لا يعارضه أصلٌ مثله، كما في الإناءين المعلومة خمرية أحدهما، فإنّ أصالَةَ البراءة من الحرمة في كُلٍّ منها معارَضٌ بأصالةِ البراءة عن الحرمة في الآخر، إذا قلنا أنَّ بينهما معارضة، وسيجيءُ إنْ شاءَ الله في أصالة الاشتغال تحقيق الحال.

ورابعاً: أنْ لا يكون في جريانه خلافُ الامتنان على الأمّة؛ لأنَّ أدلته واردة في مقام المنّة على العباد، كما يُرْشِدُ إلى ذلك قولُهُ  (ص) : (رُفِعَ عن أمّتي)([74])، فلو لزم جريان أصلُ البَرَاءَة والفساد والضرر، فلا يجري.

 

المصدر العشرون
أصالة التخيير

أصلُ التخيير فيما لو دَارَ الأمرُ بينَ محذورين، فإنّه يَرْجع لحكم العقل بقبح التكليف بالمتنافيين، ولكنّه بعد الفحص وعدمِ الظَّفَرَ بالدّليل على الحكم لأحدهما([75]).

وهو إنّما يجري في مَوْرِدٍ يَعْلَمُ بالتّكليف إجمالاً بينَ أمرين أو أكثر، ولكنْ لا يُمكنُ الجَمْعُ بينهما، كما لو علم بالوجوب بين أمرين متضادّين، لا يُمكِنُ وجودهما معاً، أو بالحرمة بين أمرين لا يمكن تركهما معاً، فإنّه يتخيّر بينهما لعدم التمكُّن من الإتيان بهما معاً، فلا يُعْقَلُ أنْ يريدهما الشارع من المكلَّف معاً، ولكنْ عليه أنْ يأتي بأحدهما، وإلاّ لَلَزَمَ المخالفة القطعيّة، فالموافقة القطعية وإنْ لم يمكن تحقّقها من العبد، لكنْ تَرْكُ المخالفة القطعية ممكنٌ أنْ يتحقَّقَ منه، فالعَقْلُ يمنع منه.

وهكذا يجري أصلُ التخيير فيما لو شُكَّ في التّكليف من جهَةِ تردُّدِهِ بين الوجوب والحرمة، مع عدم احتمال حُكْمٍ آخر في الواقعة، وعَدَم حالة سابقة لواحدٍ منها المعيّن، بحيثُ يكون مجرىً للاستصحاب، سواء كان من جهة فقد النصّ، كما لو اختلفت الأمّةُ على قولين بالوجوب أو بالحرمة، أو عُلِمَ بوجود حُكْمٍ في الواقعة، أمّا الوجوبُ أو الحرمة، وقامَ النّصُّ أو الإجماع البسيط على نفي الأحكام الثلاثة الغير الإلزامية([76])، وإنْ كان هذا الفَرَضُ نادراً، بل
لا يُوجد، كما لو شُكَّ في وجوب إيقاظ النائم للصلاة وحرمته([77]).

والعقلُ حاكمٌ بالتخيير بينهما، لعدم تنجّز العلم الإجمالي، لاضطرارِهِ لمخالفة أحدهما، إذ المكلّف لا يخلو عن الفعل أو التَّرك، فهو مُضْطَرٌ لمخالفة الوجوب أو الحرمة، فيجري أصلُ البراءة عن كُلٍّ منهما، ولذا لا يترتَّبُ الآثار الخاصّة للوجوب، ولا الآثار الخاصة للحرمة.

ومَحَلُّ الكلام فيما كان الوجوبُ والحرمة توصليين، أو أحدهما لا بعينه تعبدّي، مع وحدة الواقعة، إذ لو كانا تعبديين، أو أحدهما بعينه تعبدي، يلزم من إجراء الأصلين -البراءة عن الوجوب والبراءة عن الحرمة- المخالفة القطعية لو أتى بالفعل بدونِ قَصْدِ القربة؛ لأنّه لو كانَ واجباً، فهو لم يأتِ به؛ لأنّه فَعَلَهُ بدون قصد القربة، ولو كان محرّماً فهو لم يتركه بقصد القربة، فالعقلُ غيرُ حاكم بالتخيير بين الفعل والترك، وإنّما يحكم بفعله بقَصْدِ القربة، أو تركه بقصد القربة، فيما لو كان تعبديين، أو بفعله تعبدياً، وبتركه، فيما لو كان الوجوب تعبدياً، أو بتركه تعبداً، وفعله، فيما لو كان الترك تعبديا.

نعم، لو كان أحدهما تعبدياً لا بعينه، لم يحرز المخالفة القطعية بارتكاب أحد الطرفين، فراراً عن المخالفة القطعية.

والحاصل: أنّه فيما ذكرناه، أعني: فيما كانا توصليين، أو أحدهما لا بعينه تعبدي، لم يتنجز التكليف المعلوم بالإجمال، لعدم قابليته لذلك؛ لأنّ إطاعته وامتثاله العلمي، ومخالفته وعصيانه العلمي غير مقدورين، والاحتمالي منهما مضطرٌ إليه، فالتّكليفُ الواقعيُّ المعلوم بالإجمال لا يكون باعثاً ولا زاجراً، وخصوصُ أحدهما المعيّن لا بيانَ عليه، فهو مرفوعٌ ومعذور عنه عقلاً، نظيرُ التكليف المعلوم بالإجمال في الشبهة المحصورة المضطرّ لارتكاب أحد أطرافها.

وأما مع تعدّد الواقعة، كأنْ يعلم الوليُّ بوجوبِ واحد لا بعينه، من دفع المال للوارث القاصر أو القصاص من القاتل، أو حُرْمَةِ أحدهما لا بعينه، ففي هذه الصُّورَةُ يدورُ الأمر بين الموافقة الاحتمالية مع المخالفة الاحتمالية، بأنْ يفعل أحدهما ويتركُ الآخر، فإنّه يحتمل الموافقة للواقع، كأنْ يكون ما فعله هو الواجب، وما تَرَكَهُ هو الحرام، وبَيْنَ الموافَقَةِ القَطْعيّة مع المخالفة القطعية، بأنْ يفعلهما معاً، أو يَتْرُكُهما معاً، فإنّه إذ ذاك يَعْلَمُ بأنَّ ما هو الواجبُ قد فعله، وما هو الحرام قد ارتكبه، ليعلم بالموافقة القطعية والمخالفة القطعية، والعقل يرجح الأول على الثاني؛ لأنّ عندَ دوران الأمرِ بَينَ مُحْتَمَلِ الهَلَكَةِ، وبين مقطوعها، يُقدَّمُ الأول على الثاني([78]).

ومن هنا يظهرُ لكَ أنَّ التخيير إنّما يكونُ بَدْويّاً لا استمرارياً، لِلُزومِ المُخَاَلَفَةِ القطعيّةِ من استمرار التخيير، وإنْ حَصَلَتْ بها الموافَقَةُ القطعيّة، من دونِِ فَرْقٍ بينَ ما لو كانت الواقعةُ متعدِّدَةً أو واحدة، فإنّه يحكم العقل بالاستمرار على ما اختاره أولا.

فتلخّص: أنَّ العقل يحكم بالتخيير بين الفعل والترك، عند الدوران بين الوجوب والحرمة، ما لم يلزم المخالفة القطعية، ويحكم بالتخيير الشرعي بناءً على الملازمة بين حكم العقل والشرع.

وأمّا وجوبُ الالتزام والتديُّن والانقياد - لو قُلنا به- فهو في المقام حاصِلٌ؛ لأنه مع العلم الإجماليّ المطلوب منه هو الالتزامُ والانقيادُ لِحُكْمِ الواقعة الواقعيّ على إجماله، وهو في المقام يمكنه الالتزام به على إجماله.

ودعوى لزوم خُلوِّ الواقعة عن الحكم الظاهري لا تضرّ؛ لأنه لا دليل على لزوم الحكم الظاهري للواقعة، وإنما الدليلُ دَلَّ على لزومِ الحكم الواقعي للواقعة، وهو موجودٌ فيها، غايةُ الأمر أنّه مُرَدَّدٌ بَيْنَ الوُجوبِ والحُرْمَةَ([79]).

ودعوى أنَّهُ قد ثَبَتَ شَرْعَاً عند تَعَارُض الخبريين يُتَخَيَّرُ بينهما، ولا رَيْبَ أنَّ المناط في التخيير هو الأخذُ بأحد الحكمين موجودٌ ههنا، فنأخُذُ بأحَدِ الحكمين، ونَعْمَلُ بهِ، كما في تَعَارُضِ الخَبَرين([80]).

فاسدةٌ؛ فإنّ دليل التخيير في الخبرين يرجع إلى التخيير بين الحجتين، ولم يعلم أنَّ مناطه هو العلم الإجمالي بأحد الحكمين، بل لَعَلَّ مناطه هو العلم الإجمالي بأحد الحجتين؛ وفيما نحن فيه فَرْضُ الكلام عدمُ الحجة في المقام.

ودعوى أنّه لا وَجْهَ للحُكم بالتخيير مطلقاً، بل يؤخذ بذي المزية منها، أو محتمل المزية منهما، ويكون المقام من باب اجتماع الأمر والنهي أو من باب المتزاحمين([81]).

مدفوعة: بأنّه في المقام يعلم بوجود أحدِ الحكمين وعدم الآخر في باب اجتماع الأمر والنهي، وباب التزاحم يعلم بوجودهما معاً، ولكنْ لا يمكن امتثالُهُما؛ هذا كلُّهُ في دَوَرَانِ الأمرِ بَينَ الوُجوب والحُرْمَة مع عَدَمِ النَّصّ.

وأمّا عندَ دورانه من جِهَةِ إجمال النَّصّ، كما لو أمَرَهُ بشيءٍ، ولكنْ تَرَدَّدَ الأمرُ بين الوجوب والتهديد، أو أمَرَهُ بشيءٍ مشتركٍ لفظيٍّ بين الفعل والترك، كلفظ (القرء)، فحكمُهُ حكمُ سابقه من صورة فقد النصّ.

وأما لو دارَ الأمرُ بينَ الوجوبِ والحرمة من جِهَةِ تعارُضِ النّصّين، فبيانُ حكمه في باب التعارض.

وأما لو دار الأمرُ بينهما من جهة اشتباه الأمور الخارجية، فإنْ كان إطلاق دليلْ الوجوب ودليلِ الحرمة يَشْمَلُ الواقِعَةَ أو عَلِمَ وُجودَ ملاكيهما في الواقعة، فالمقامُ من بابِ اجتماع الأمْرِ والنَّهي، أو يُعامَلُ مُعَامَلَةَ المتزاحِمَينِ، فمَعَ التّساوي يُتَخَيّر، ومَعَ وُجودِ المزيَّة أو احتمالها في أحَدِهِما يُؤْخَذُ به، وأما لو عَلِمَ بعَدَمِ وجودِ ذلك، واحتمل وجود أحدهما وعدم الآخر، كما لو نذرت المرأة قراءة سورةٍ للعزائم في يومٍ مُعيَّن، واتّفَقَ ذلكَ اليوم في أيام استظهارها، فالحكم هو التخيير الابتدائي.

هذا كلُّهُ بناءً على منجّزية العلم الإجمالي، وتمشّياً مع المشهور في منجزيته([82])، وإلاّ فسيجيءُ منّا إنْ شاء الله عَدَمُ منجّزيته في أصَالَةِ الاشتغال.

وشرطُ الرجوع للتخيير يُعتبر في الرجوع لهذا المصدر - أعني: أصالة التخيير- في موارد، هو الفحص عن المرجح لآية النفر، والسؤال، والأخبار الدالة على وجوب التعلم، والنفر مؤيداً ذلك بالإجماع المنقول، ومقدار الفحص أن لا يبلغ حد الحرج لأدلة الحرج.

 

 

 

المصدر الواحد والعشرون
الظن المطلق

واستدلّوا على ذلك [خمسة] أدلة([83]):

[الدليل] الأول([84]): إنّ في مخالفة المجتهد لظنّه المتعلّق بالوجوب أو التحريم مظنّةٌ للضرر، ودَفْعٌ الضَّرَر المظنونِ واجبٌ؛ أمّا الصُّغرى: فلأنَّ الظنَّ بالحكم الإلزامي يلزم الظنّ بالعقوبة الأخروية على المخالفة لظنّه؛ وأمّا الكُبْرى: فلاستقلال العقل بوجوب دفع الضَّرر الأخروي المظنون، بل هو من جبلاتِ النفوس؛ لأنَّ النفوس الرشيدة العاقلة قد طُبِعَتْ على عَدَمِ الإقدام على ضَرَرِها ولو لاحتمالٍ مُعْتَدٍّ به.

وجوابه: مَنْعُ الصُّغرى، فإنَّ الظنَّ بالحكم الإلزامي إذا لم يَقُمْ دليلٌ على حُجيّته، لا تكونُ مخالفَتُهُ موجبة للضَّرر الأخروي، لقبح العقاب بلا بيان.

إنْ قلت: إنَّ الظنَّ بالحكم الإلزاميّ احتمالُ الضَّرَر الدنيوي، وهي المفْسَدَةُ بناءً على تَبَعيّة الأحكام للمَصَالح والمفاسد، ودَفْعُ الضَّرر المظنون لازمٌ، ألا ترى إنَّ من احتمل أنَّ في الإناء سُمَّاً لا يُقْدِمُ على شربه.

قلنا: حيثُ أنّ العقل والشرع قد رَفَعَ التّكليف مع الظنَّ الذي لا دَليلَ على حُجيّتِهِ بأصلِ البراءة، لم يَبْقَ مع هذا الظنّ بالتكليفِ احتمالُ الضَّرَر،
وإلاّ يكونُ الشَّارعُ قد أوْقَعَهُ في التّهلُكَة، فلابُدَّ أنْ يكونَ الشّارعُ أمّا تداركه،
أو لم يكن موجوداً.

الدليل الثاني([85]): إنّه لو لم يؤخذ بالظنّ، لَزَمَ ترجيحُ المرجوحِ على الراجح، وهو قبيحٌ.

وفيه: إنَّ هذه القضية هي آخرُ مقدّمات دليلِ الانسداد، الذي هو الدليلُ الرّابع على حُجيّة مطلق الظنّ، وَيَلزَمُ الترجيحُ المذكور لو كان الظنُّ قد قام الدليلُ على حجيته؛ وأمّا مع عدم قيام الدليلِ المعتَبَرِ على حُجيّتِهِ، بَلْ قيام الدليل أو الأصل المعتَبَرِ على خِلافِهِ، فلا يَلْزَمُ التّرجيحُ المذكور، وفي موارد الظنّ مع عَدَمِ الدليل نرجع للأصول العملية التي هي المعتبرة والحجة، فيكون العمل بها ترجيحاً للراجح شرعاً.

الدليل الثالث([86]): إنه لا ريبَ في وجودِ واجباتٍ ومحرّمات كثيرة بين المشتبهات، ومقتضى ذلك وجوب الاحتياط، بإتيان كلّ ما يُحتَمَلُ وجوبه، وتَرْكُ كُلُّ ما يحتمل حرمته، لكن مقتضى قاعدة نفي الحرج عدمُ وجوبِ ذلك كله؛ لأنّ فيه عُسْرٌ شديدٌ، ومُقْتَضَى الجمع بينَ قاعِدَةِ الاحتياط، وقاعِدَةِ نفي الحَرَجْ هو العمل بالمظنوناتِ دُونَ المشكوكات والموهومات؛ لأنَّ الجَمْعَ بغيرِ ذلك باطلٌ إجماعاً.

وفيه: إنَّ هذا بَعْضُ مُقدِّماتِ دَليلِ الانسداد.

الدليل الرابع: على حجية مطلق الظن وهي باطلة؛ لأنّا بعدما أثبتنا وجود أدلّة خاصّةٍ على التكاليف، كالكتاب والسنّة كثيرة جداً بمقدار ما عُلِمَ إجمالاً بثبوتِهِ من التكاليف، فيكونُ المَرْجِعُ ما دَلَّتْ عليه، والباقي يُرْجَعُ فيه للأصول المعتبرة، ولا أَثَرَ لقاعدة الاحتياط؛ لانحلال العلم الإجمالي بها.

الدليل الخامس: ما يسمّى بدليلِ الانسداد، وهو مركَّب من مقدمات خمسة([87]):

أولها: إنّا نَعْلَمُ إجمالاً بثبوتِ تكاليفِ شَرْعية كثيرة فعليّة منجّزة علينا.

ثانيها: أنّه انسدَّ بابُ العلم والعلمي علينا في كثيرٍ منها، بمعنى أنَّه لا يوجد القَطْعُ بها، ولا تُوجَد حُجَّة شرعية معتبرة في أكثرها.

وهذه المقدّمة هي العُمْدَة في هذا الدليل، فلذا نُسِبَ هذا الدليل إليها.

ثالثها: إنه لا يجوز لنا إهمال تلك التكاليف وعدم امتثالها.

وهذه المقدمة ترجع للأولى؛ لأن العلم بأنها فعلية منجزة، معناه أنه لا يجوز إهمالها وعدم امتثالها.

رابعها: أنه لا يجب الاحتياط في أطراف علمنا؛ للزوم العُسْرِ والحَرَج، ولا الرّجوعُ إلى الأصول العملية؛ للزوم إهمالِ التّكاليف والخروج عن الشريعة الإسلامية.

خامسها: أنّه يَلْزَمُ تَرْجيحُ المرجوح على الرّاجح، وهو قبيحٌ لو تركنا العمل بالظنّ بالأحكام الشرعية، أمّا لو عملنا بالظنّ، فلا يلزم إهمال التكاليف، ولا يلزم العسر والحرج، ولا ترجيح المرجوح، وهو العَمَلُ بالوهم، أو الاحتمال على الرّاجح، وهو العَمَلُ بالظنّ([88]).

وفيه: إنّكَ قد عَرَفْتَ فيما تَقَدَّمَ أنَّ باب العلم والعلمي غير منسد، لقيام الدليل على حُجيّةِ كثيرٍ من الأمارات الخاصّة، كالكتاب والسنّة، وهي تَدُلُّ على التكاليف بمقدار المعلومة بالإجمال، بل أزيد منها، وحينئذٍ فيرجع فيما عَدَاها لما قامَتْ عليه الأصولُ المعتبرة، ولا يَلْزَمُ الخروجُ عن الشريعة بذلك.

 

 

 

المصدر الثاني والعشرون
أصل الاشتغال

أصلُ الاشتغال، وقاعدة الاشتغال، ويسمّى بذلك لأنه يوجبُ اشتغالَ ذِمّة المكلّف ومقدار اشتغالها، وموردُ هذا المصدر هو الشكُّ في المكلَّفِ بهِ، مع العلم بأصل التكليف، سواء علم بنوع التكليف، كما لو علم بحرمة الخمر وتردَّدَ بين إناءين، أو علم بخبر التكليف، كما لو علم بوجوب هذا الشيء أو بحرمة ذلك الشيء، وسواء تردَّدَ المكلَّفُ به بين متباينين، كما لو علم بوجوبِ الظُّهر أو الجمعة، أو تردَّدَ بين الأقلِّ والأكثر، كما لو عَلِمَ بوجوب دَيْنٍ عليه لزيد، ولكنّه لا يدري أنّها سَبْعَةُ دراهم أو أكثر منها.

ثمّ إنّ أصل الاشتغال قد يَكونُ في بَعْضِ مواردِهِ أصْلُ الاحتياط، فإنَّ الاحتياط هو الأخذ بما هو الأقرب للواقع، والعَمَل بما لا يحتمل الضَّرَرَ أصلاً، كالإتيان بجميع الأفراد المحتمل فيها التكليف الإلزامي عند دوران الفعل المكلف به بين أمرين متباينين، أو بما يحتمل الضرر احتمالاً مرجوحاً، كالإتيان بالمظنون للتكليف عند الدوران بين محذورين، أحدهما مظنون التكليف والآخر موهوم التكليف، أو بما يحتمل أن يكون أقل ضرراً، كالإتيان بذي المزية الراجحة عند الدوران بينه وبين فاقدها.

وأما أصل الاشتغال، فإنه تارة يكون موافقاً للاحتياط، وأخرى يكون مخالفاً له، حيثُ أنّه لما كان في بعض موارده يوجب الإتيان بما هو الأقرب للواقع، كما في دوران الأمر بين المتباينين، فإنَّ أصل الاشتغال يوجب الإتيان بهما معاً، كان موافقاً لأصل الاحتياط؛ لأنّه يُوجِبُ الإتيان بما هو الأقرب للواقع، وقد يتخلَّف عنه، كما في دوران الأمر بين الأقل والأكثر، فإنَّ أصل الاشتغال يقتضي الإتيان بالأقل؛ لأنه القدر المتيقن، ولكنّ الاحتياط يقتضي الإتيان بالأكثر؛ لأنه الأقرب للواقع؛ وعليه فلا وجه لتسمية بعضهم أصل الاشتغال بأصل الاحتياط([89]).

وكيف كان، فمورد أصل الاشتغال هو ما لو علم المكلف بالتكليف، وتَرَدَّدَ العَمَلُ المكلَّف به بين متباينين، أو بين الأقل والأكثر، فالكلام فيه يقع في فصلين:

أحدهما: فيما لو تردَّدَ المكلف بين أمور متباينة.

والثاني: فيما لو تردَّدَ المكلف بين الأقل والأكثر.

دورانُ الأمر بيـن المتباينيـن

وهو تردُّدُ العَمَل المكلّف به، ودورانه بين أمورٍ متبايَنَةٍ، سواء كان التردّد والدورانُ من جهة اختلاطِ الأمور الخارجية، كما لو تردَّدَ الخَمْرُ بينَ إناءين لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ أيُّهُما خمراً، وكما لو علم بوجوب القصر عليه أو الإتمام، لعدم معرفته ما هو الفائت منه، أو من جهة إجمال النصّ، كما في مفهوم الغناء الثابت حرمته، إذا تردَّدَ بين مفهومين بينهما عمومٌ من وجه، فإنَّ مادتي الافتراق تكونان من هذا الباب، وكقوله  عليهم السلام : (من جَدَّدَ قبراً أو مَثَّلَ مثالاً فقد خَرَجَ عن الإسلام)([90])، حيثُ قَرَأ (جَدَّد) بالجيم والخَاء والحَاء([91])، وكما في التردُّد بين وجوب الجمعة والظهر، لإجمال النص على وجوبها في زمن الغيبة، وكما لو تردد بين وجوب شيء عليه أو حرمة شيء آخر عليه، كما لو علم بأنه صدر منه يمين ولكنه لم يعلم بأنه على وطيء زوجته هند أو ترك وطيء زوجته فاطمة.

فإنَّ المشهور هو وُجوبُ الاحتياط([92])، بمعنى حرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، ووجوب الموافقة القطعية له بإتيان المتردد بينهما فيما لو كان التكليف المعلوم بالإجمال هو الوجوب، كما في مثالِ التردُّدِ بَينَ القصر والإتمام، والجمعة والظهر، فإنّه يَجبُ الإتيانُ بالقَصْرِ والتَّمَام، والجمعة والظهر، ويجبُ الاحتياطُ بتركهما، فيما كانَ المعلومُ بالإجمال هو الحرمة، كما في مثال الخمر المتردّد بين الإناءين، والغناء المتردّد مفهومه بين موردين، فإنّه يَجبُ عليه تركُ الإناءين، وعَدَمُ استماع الموردين، ويَجبُ الاحتياط بفعل أحدهما وترك الآخر، فيما كانَ المعلومُ بالإجمال هو التّكليف، ولكنّه تَردَّدَ بينَ وجوبِ هذا العمل أو حرمة ذلك العمل الآخر، كما في مثال اليمين المتقدم، فإنه عليه أن يطأ هند ويترك فاطمة.

والكلامُ في هذا يقع في مقامين:

الأوّلُ: في حُرْمَةِ المخَالَفَةِ القَطْعيّة للعِلْمِ الإجمالي.

والثاني: في وُجوبِ الموافقة القطعية له.

أمّا المقام الأول: وهو حُرْمَةُ المخالفة القطعية للعلم الإجمالي؛ فقد اختلفوا فيها على أقوال:

أحدها: وجوبُ الاجتنابِ عن الجميع كما نُسِبَ إلى المشهور([93])، وعليه الشيخ الأنصاري([94]).

وثانيها: جوازُ ارتكاب الجميع، كما قَوَّاهُ المجلسي في مَحكيّ أربعينه([95])، بل مَالَ إليهِ المحقّق الثالث بَعْضَ الميل([96]).

وثالثها: جواز الارتكاب إلى أنْ يبقى ما يُساوي الحرام فلا يَجوزُ، كَمَا اختاره المحقّق الثالث ([97])، والمحقق النراقي([98]).

لكن مع اختلافهما في المسلك، حيثُ أنَّ وجوب بقاءِ ما يساوي الحرام عند الأول على خلافِ القواعد، قد ثَبَتَ بدليلٍ خارجيٍّ، زاعماً بأنَّ الخطابات الشرعية مسوقَةٌ لبيان الكبريات خاصّة، من غير نظرٍ فيها إلى إحراز الصغريات، فلابُدَّ حينئذٍ في ترتيب كبرياتها على صغرياتها من إحراز الصُّغريات من الخارج بطريقِ العلم أو الظنّ المعتبر، فمَعَ الشّكّ فيها، كما هُو الفَرْضُ في المقام تَسقُطُ تلك الخطابات، فيُحْكَمُ بجوازِ ارتكاب المحتملات عَمَلاً بالبراءة السليمة عن المعارض، لكنّه لمّا ثَبَتَ بدليلٍ من خارج، وجوبَ الاجتناب عن الحرام أو النّجس، فيَجبُ إبقاءُ ما يُساوي الحرام، حَذَراً عن المخالفة القطعية لهذا الدليل، وإلاّ فلولاهُ لكانَ المتّجه جوازُ ارتكاب الجميع.

وعند الثاني أنّه على طبق القاعدة، زاعماً بأنَّ عموم أدلة البراءة يقضي بجواز ارتكاب الجميع، وقوله: اجتنب عن النجس([99]) مثلاً، يقضي بوجوب الاجتناب عن النجس، فيعمل بعموم الأول، إلى أنْ يلزم مخالفة الثاني، فيحكم بعدم الجواز فراراً عن المخالفة.

وبتقرير آخر: إنَّ في ذلك جَمْعَاً بين الدليلين، وذلكَ بعينه نظيرُ مسلكه في العام المخصّص بالمجمل، مثلُ قوله: (اقتلوا المشركين إلاّ بعضهم)، حيث قال بحجيته، وعدم سراية إجمال المخصِّص إليه، خلافاً للمشهور([100])، نظراً إلى أنّ العموم المذكور يَنْطِقُ بوجوبِ قتل كُلِّ مشرك، فيعمل بمقتضاه، إلى أن يلزم طَرْحُ قوله (إلا بعضهم)، فيجبُ حينئذٍ إبقاءُ واحدٍ منهم؛ لأنّه أقلُّ ما يصدق عليه البعض، لئلا يلزم مخالفة ذلك الخطاب، بل ويقتل الباقي عملاً بالعموم الناطق، ولَعَلَّ هذا هو الوجهُ في ما ذهب إليه من عَدَمِ وجوبِ الفَحْصِ عن المعارض والمخصِّص.

وكيف كان، فهُما وإنْ كان قد تخالفا في المدرك، إلاّ أنهما متفقان في
الحكم والنتيجة، وهو وُجوبُ إبقاءُ ما يساوي الحرام، وجوازُ ارتكاب
 ما عداه، بل قد نسب([101]) ذلك إلى المحقق الأردبيلي، وجماعة ممن تبعه كالسبزواري([102])، والبحراني([103])، وصاحب المدارك([104]).

ورابعها: القول بالقرعة؛ لأنَّهُ لكُلِّ أمرٍ مُشْكِل، ولخصوصِ ما وَرَدَ في قطيع الغنم، وإنْ أَرْجَعَهُ في الهداية([105]) إلى القول الأول، باعتبار أنه لا يجوز ارتكابهما قبل القرعة، وبعد القرعة يخرج عن الشبهة، فيَخْرُجُ عن محلِّ الكلام، لكنه محل نظر.

وخامسها: التفصيلُ بين ما لو كان المشتبهين مندرجين تحتَ حقيقة واحدة وبين غيره، فيجبُ الاحتياط في الثاني دون الأول، كما يُنْقَلُ من المحدّث البحراني([106]).

وسادسها: التفصيل بين ما لو تقصد ارتكاب الحرام وبين غيره، كما
يستفاد من الأنصاري([107])، وإنْ لم يكن مُخْتَارُهُ عند الرَّدّ على صاحِبِ الفُصول([108])، حيث اعترض على المحقق الثالث، بأن قضية ما ذكر إمكان التوصل إلى فعل جميع المحرمات على وجه مباح، بأن يجمع بين الحلال والحرام المعلومين على وجه يوجب الاشتباه فيرتكبهما.

وسابعها: التفصيل بين ارتكابهما دفعة فلا يجوز، وبين ارتكابهما تدريجياً فيجوز([109]).

قيل: إنه ليس قولاً بالتفصيل في المسألة إذ الإجماع على عدم جواز الارتكاب دفعة، فإنه مخالفة معلومة تفصيلاً، فما أظنُّ أحداً يتوهم جوازه فضلاً عن القول به.

والحاصل: إنَّ بعضهم جَوَّزَ المخالفة القطعيّةَ للعلم الإجمالي من جهة عدم وجودِ المقتضي لحرمتها، كما هو المحكيُّ من مسلك صاحب القوانين  رحمه الله ([110])، فإنه مَنَعَ من وجود المقتضي لها لاختصاص الخطابات بالمشافهين، واشتراك غيرهم معهم فيها إنما هو لأدلّة الاشتراك الموقوفة على الاتحاد في الصنف الغير الثابت في المقام، حيث يحتمل كون المشافهين عالمين بالخطاب حكماً وموضوعاً تفصيلاً فلم يتوجه الخطاب بالاجتناب عن الخمر مثلاً إلينا إذا لم نعلمه تفصيلاً، وبعضهم من جهة كون الخطابات لبيان الكبريات كما سيجيء إن شاء الله بيان ذلك تفصيلاً؛ وبعضهم من جهة وجود المانع، وهو ما دل على البراءة في أطراف العلم الإجمالي على تقدير وجود المقتضي.

وذهب أستاذنا المحقق الشيخ كاظم الشيرازي  قدس سره، تبعاً للمشهور إلى أن العلم الإجمالي علة تامة لحرمة مخالفته كالعلم التفصيلي، بمعنى أنه لا يجوّز العقل للشرع الترخيص فيها، فلو وَرَدَ دليلٌ كانَ ظاهرُهُ ذلك، وَجَبَ تأويله أو طرحه، مستدلاً  رحمه الله  على ذلك بأنّ العلم الإجمالي بالتكليف يقتضي الإرادة الجدية من المولى للتكليف، فيحكم العقل بتنجّزه، بمعنى عدم جواز مخالفته القطعية، واستحقاق العقاب عليها؛ لأنها عصيان للتكليف([111]).

ولا يخفى ما فيه، فإنّا وإنْ سَلَّمنا أنَّ الشارع له إرادةٌ جدّية للتكليف، لكن لا نسلّم تنجّزه على العبد المتردّد في مصاديق مَوضُوعِهِ، نظيرُ التكليف المعلوم مع الشُّبهة البدوية في مِصْداقِ موضوعه، فإنَّ التكليف مرادٌ بإرادةٍ جِدّية، لكنه غير مُنَجَّز على العبد، حتى لو كان ذلك المشتبه من مصاديق موضوعه في الواقع؛ لأنّ التكليف إنما يتنجَّز على العبد فيما إذا علم بأنّه مرادٌ منه، لا أنه مراد في نفسه، ولا يَحْصلُ للعبد العلمُ بذلك، إلا إذا صارَ لديه شَكْلٌ أوّلٌ مركَّب من صغرى، تثبت أنّ هذا الشيء الذي يصدر من العبد من مصاديق موضوع التكليف، ومن كبرى هي نفس التكليف، وهذه الصغرى أما أن تكون معلومة بالوجدان، أو محرزة بالدليل والبرهان، فإنَّ الخطابات المولوية، بل سائر القوانين الدولية، شرعية كانت أم غير شرعية، إنّما هي مسوقةٌ لبيان الكبريات، وتنجّزها الذي هو عبارة عن العقاب على مخالفتها، إنما يكون بعد إحراز الصغريات علماً أو ظناً معتبراً، وفيما نحنُ فيه الصُّغريات لم تُحْرَزُ بشيءٍ من الأمرين؛ لأنه ليس عندنا إلاّ نَفْسُ الخطابات، وهي لا تُحْرَزُ بها الصُّغريات، وإنّما تُحْرَزُ بها الكبريات.

والعِلْمُ الموجود عندنا لا يفيد شيئاً؛ لأن غاية ما يقتضيه هو وجوب الاجتناب عن الخمر الواقعي في الواقع، وهذا لا ينكره الخصم، والذي يدعيه الخصم سقوط هذا الخطاب عن التنجز عند الشك في تحقق موضوعه، وهو الخمر في كل من الأفراد، وعلى المستدل إثبات تنجز هذا الخطاب، ولذا نرى أن للموالي أن يرخصوا في أطراف العلم الإجمالي، فإن المولى إذا قال: (أكرم زيداً)، له أن يقول لعبده عند تردد زيد: معذور في ترك إكرامه، بل للعبد أن يترك إكرام زيد عند تردده فيه بين أفراد معدودين، وليس له أن يعتذر فيما لو علم بزيد تفصيلاً.

إن قلت: نرى بالوجدان ترك الأكل عند العلم بأنَّ أحد الإناءين فيه سُمٌّ.

قلنا: هذا حتَّى عند الشبهة البدوية، فإنّا نترك مُحْتَمَلَ السُّمّ، والسرُّ في ذلك عَدَمُ المؤمّن منه، بخلافِ ما نَحْنُ فيه، فإنَّ الخصم يَدَّعي المؤمّن من العقاب عند الشكّ، ليحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.

وبعبارةٍ أخرى: إنَّ احتمال الضَّرَر الدُّنيوي لا يزولُ مَعَهُ الضَّرَرُ حتى في الشبهة البدوية، بخلاف الضّرر الأخروي، فإنّه يزول عند الشك.

وإن شئت قلت: إنّ محلّ كلامنا العقاب، فإنّ احتماله هو الموجب للإطاعة، وبالشكّ يرتفع كما في الشبهة البدوية؛ والخصمُ يدّعي ارتفاعه عند الشبهة الإجمالية أيضاً.

إنْ قلت: إن الحكم المعلوم بالتفصيل لا يجعل في مورده حكماً ظاهرياً؛ لأنّ الحكم الظاهري سِمتُهُ سمةُ الطريق للواقع، ومع انكشافه لا يعقل جعله مماثلاً للواقع، ولا مغايراً له، وهكذا العلم الإجماليّ يكون كاشفاً للواقع، فلا يصحُّ جَعْلُ الحكم الظاهريّ في مَورِدِهِ؛ لأنّه يَصْطَدِمُ بمقدارِ الكَشْفِ الحاصِلِ بالعلم الإجمالي، فإنَّ هذا الكشف الجزئي يُنافيه التّرخيص في سائر الأطراف بمقداره، نعم ترخيص بعضها لا ينافيه.

وتوضيحُ الحال: إنَّ عَدَمَ فعلية التكليف: أمّا تكون لعدم المقتضي، لبلوغه إلى هذه المرتبة، كسائر الأحكام في صدر الإسلام، ثم صارت فعلية في زمن الأئمة  عليهم السلام ، وفي هذه الصورة لا وجه لجعل الحكم الظاهري لمثل هذه الأحكام الغير الفعلية.

وأما أنْ تكون عدم الفعلية لمانع من أمور خارجية كالعسر والحرج ونحوها، ومنه قوله  (ص) : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)([112])، فإنَّ وجوبَ السِّواك حكمٌ غيرٌ فعلي، لوجود المانع، وهو المشقة، ومن هذا الباب المستحبات التي يزيد ثوابها على ثواب الواجبات.

وأما أن تكون عدم الفعلية لعدم الانكشاف، فإنْ كان لعدمه أصلاً، بحيث لم ينكشف الواقع بأدنى منفذ، كالشبهة البدوية، فلا مانع من جعل الحكم الظاهري في مورد الحكم الواقعي، وإنْ كانَ لعدم الانكشاف في الجملة، بحيث يكون للواقع انكشاف في الجملة، كما في صورة العلم الإجمالي مع جعل الحكم الظاهري في أحد الأطراف، ولا يجوز جعله في كلها، ضرورة أنّ الإجمال يكون مانعاً بقدره، لكونه فيه مقدار من الكاشفية، فيقدر المنع بقدرها.

قلنا: إنّما يؤثّرُ هذا الانكشافُ الجزئيُّ لو أَوْجَبَ فعليّةَ التكليف وتنجُّزها، وهو أوّلُ الكلام، فلِلخَصْمِ أنْ يقول: إنَّ هذا التردُّد كانَ مانعاً من التنجُّز أو الفعلية.

والحاصل: إنَّ العِلْمَ الإجماليّ حَلَقَةٌ متوسطة بين العلم التفصيلي والشك البدوي، فهو يتبع أخسّ المقدمات الحاصلة به لمعرفة الحكم الشرعي.

إن قلت: إنَّ شمول الخطاب لأحدهما، يقتضي ثبوت الاجتناب عنه، فإنّ النزاع في منجّزية العلم الإجمالي، بحيثُ لو انقلب إلى عِلْمٍ تفصيليٍّ لتَنَجَّزَ التكليف، وهذا إنّما يكونُ بَعْدَ الفراغ عن تماميّة التكليف، وهي إنّما تكون بعد شُمولِ الخطابات لأحَدِ الأطراف، ولا رَيْبَ في ظُهورِ الخطابات الواقعيّةِ في فعلية التكاليف الواقعية على وجهٍ تَتّصِفُ بالباعثية والزاجرية الفعلية.

قلنا: لا يكفي شمول الخطاب، بل لابدّ للمستدلّ من إثبات تنجّزه في الطرف المشمول لها، وإنّ الشكَّ ليس بعذرٍ للمكلّف، فإنَّ أدلّة الخطابات الواقعية إنما يقتضي ظهورها في الباعثية والزاجرية الفعلية في ظرف وصولها للمكلّف، وإلا فنفس الخطاب لا يصلُحُ لإثباتِ التنجُّز، وفعليّةِ استحقاق العقاب، ولذا لا تقتضي ذلك عند الجهل بها، كما في الشُّبهَةِ البدوية؛ وفيما نحنُ فيه لم تصل إلى المكلّف؛ لأنّ وصولها له يحتاج إلى ترتيب قياس مركَّب من صغرى، تثبت تحقق الموضوع في الخارج، وكبرى الخطاب، وغاية ما يمكن أنْ يتصور القياس في المقام بوجهين:

أحدهما: أنْ يقال: هذا خمر، وكلُّ خَمْر يجب الاجتناب عنه، ولا ريب في بطلان الصغرى؛ لأنه لأيّ الفردين أشار إليه لم يحرز أنه خمر.

ثانيهما: أنْ يقال: إنّ أحد هذين الإناءين خَمْرٌ، وكُلُّ خَمْرٍ يجب الاجتناب عنه، أو كُلُّ شيئين يكون أحدهما خمراً يجب الاجتناب عنهما، ولا ريب في عدم تسليم الكبرى.

أمّا الكُبرى الأولى، فلأنه لا يسلّم الخصم أنّ كُلَّ خمر حتّى الذي يكون أحد هذين الإناءين لا على التعيين يجبُ الاجتناب عنه، لعدم تسليمه تنجز حكم الخمر، مع الاشتباه والتردّد، وعدم وصوله إليه تفصيلاً، بل هو عينُ المتنازع فيه.

وهكذا الكلام في الكبرى الثانية، فإنّها عَينُ المتنازع فيه.

وكيف يدّعى أنّ العلم الإجمالي علّةً تامة لحرمَة المخالَفَةِ القطعية، بحيثُ يؤوّلُ أو يطرح الدليل الدالّ على جوازها، مع أنّا لو رجعنا لوجداننا وعقولنا، نجد أنّ للمولى أنْ يقول: يجبُ رَدُّ السّلام على زيد أو إكرامه، ثُمَّ يقول: لو تردَّدَ زَيدٌ بين الجالسين، فلا يجب عليك الردّ عليه، ولا إكرامه، ولو لأجلِ المنّةِ من المولى والتفضُّل على عبده.

فمَنْ يا تُرى العَقْلُ والوجدان ليستنكر هذا الخطاب الثاني من المولى ويعتبره إذناً في المعصية التي استقلّ العقل بقبحها، ومناقضاً ومنافياً لتكليفه الأول، أو لحكم العقل بوجوب الطاعة، فيؤوّله أو يطرحه، كلا وحاشا، بل يراه نظير الحرج الذي يرفع العقاب عن التكليف مع بقاء التكليف، فإنَّ الشارع بطروّ الحرج رَفَعَ فعليّة التكليف وتنجُّزه، منةً منه وتفضُّلاً.

وفيما نَحْنُ فيه، للشّارع أنْ يرفع الفعلية والتنجّز للتكليف، ويأذن ويُبيحُ الأطراف مِنّةً منه وتكرُّماً.

إن قلت: نعم العلم الإجمالي ليس بعلّةٍ تامّةٍ لحرمَةِ المخالفة القطعية، ولكنّه مقتضي لها، لوجود المقتضي للاجتناب، وعدم المانع منه، أمّا ثبوتُ المقتضي فلعمومِ دَليل تحريم ذلك العنوان للمشتبه، فإنَّ قول الشارع: اجتنب عن الخمر، يشمل الخمر المعلوم المردَّد بين الإناءين، ولا وَجْهَ لتخصيصه بالخمر المعلوم تفصيلاً، مع أنّه لو اختصّ بهِ خَرَجَ الفَرْدُ المعلوم بالإجمال عن كونِهِ حراماً واقعياً، وهو التصويب الباطل؛ وأمّا عَدَمُ المانع، فلأنّه لا دليلَ عقلاً ولا شرعاً يمنعُ من وجوب الاجتناب عن المشتبه.

قلنا: شُمولُ الخطاب، وعمومُ الدّليل للخَمْرِ المشتبه، لا يُفيد شيئاً، ولا ينكره الخَصْمُ، بل الذي يدّعيه الخَصْمُ سقوط هذه الخطابات في الظاهر عند الشكّ في موضوعها عن التنجز والفعلية؛ لأنّ تنجُّزها إنّما يكون بعد إحراز صغرياتها، والمفروضُ عَدَمُ قابلية الخطابات بأنفسها لإحراز صغرياتها، وإلاّ لما نشك فيها، وليس عندنا في الظاهر ما يحرز الصغريات، فتسقط الخطابات في مرحلة الظاهر، لعدم وصولها لنا، وترجع للأصول المعتبرة التي تحرز صغرياتها في مرحلة الظاهر، كالبراءة في أطراف العلم الإجمالي، فالمقتضي الذي ادّعاه المستدل غير موجودٍ في مرحلة الظاهر، سَلَّمنا وجوده، لكنَّ المانع منه موجود، وهو الأخبارُ الدالّة على جوازِ ارتكاب الأطراف للعلم الإجمالي، كحديث الرفع، والحَجْبِ، والسَّعة، والحليّة، والطهارة.

ودعوى([113]) أنّها مُغيّاةٌ بالعلم، وهو يَشْمَلُ العلمُ الإجماليُّ، فاسدَةٌ؛ لانصراف الغاية فيها للعلم التفصيليّ؛ لأنّها غاية له، فمُقتضى المساق أنْ تكون مثله، بل ربما يقال: إنَّ ذلك لا يعقل؛ لأنّ كُلَّ واحدٍ من الأطراف تشمله الأدلّة في حَدّ ذاته من دون نظرٍ للآخر، وهو لم يَعْلَمْ عند ارتكابه حُرْمَته، لا تفصيلاً ولا إجمالاً، وإنّما يَعْلَمُ عند ضَمِّهِ لطَرَفِهِ الآخر عند الارتكاب به.

إنّ قلتَ: نِعْمَ، ولكنّ العلم الإجماليّ يقتضي نفي الآخر.

قلنا: هذا لازمٌ عَقْليٌ له، والأصول ليست حُجّة في اللوازم العقلية، سَلَّمنا عَدَمُ الظهور، لكنّ بعض الأخبار صريحٌ أو كالصّريح في أنَّ الغاية هو العلم التفصيلي والأخبار بَعْضُها يُفسِّرُ بَعْضَاً كقوله  عليهم السلام : (كُلُّ شيءٍ هو لك حَلالٌ حتّى تَعْلَم أنّه حَرَامٌ بعينِهِ)([114])، وكَمَا في موثّقة سماعة، في رَجُلٍ أصابَ مالاً
من عُمّالُ بني أمية، وهو يتصدّق منه، ويقولُ: [إِنَّ الحَسَنَاتَ يُذهِبنَ السَّيِئاتِ]([115])، فقال  عليهم السلام : (إنّ الخطيئة لا تَكْفُر الخطيئة، ولكنّ الحسنة تحطُّ الخطيئة - إلى أنْ قال-: إنْ كان خَلْطُ الحَرَام حلالاً فاختلطا جميعاً فلم يَعْرِفْ الحلال من الحرام فلا بأس)([116])، وكما في الصَّحيح: (كُلّ شيءٍ يكونُ فيه حلال وحرام، فهو حَلالٌ لك أبداً حتّى أنْ تعرف الحرام منه بعينه فتدعه)([117])، وكصحيح عليّ بن جعفر عن أخيه  عليهم السلام ، عن رَجُلٍ امتخط، فَصارَ الدَّمُ قطعاً صغاراً، فأصاب إناءه، هل يَصِحُّ الوضوء منه؟ قال  عليهم السلام : (إنْ لم يَكُنْ شيءٌ يستبين في الماء، فلا بأس)([118])، فإنّه إنْ لم يَكُنْ ظاهرٌ في الشُّبهة المحصورة التي أطرافُها محل الابتلاء، فلا أقلّ من شموله لها، ونحو ذلك مما يساعِدُ على ذلك إطلاق الأمثلة المذكورة في بعضها مثل الثوب المحتمل للسرقة، والمملوك المحتمل للرقية، والمرأة المحتملة للرضيعة([119])، إذ الغالب فيها ثبوتُ العلم الإجمالي، فإنّ قوله  عليهم السلام : (بعينه)، قرينة واضحة على إرادة العلم التفصيليّ من الغاية المذكورة فيها؛ لأنّ المعلوم بالإجمال لم يعلم حرمته بعينه.

ودعوى([120]) أنَّ قوله  عليهم السلام : (بعينه) في الحديث الأول تأكيداً للضّمير المنصوب، لإفادته الاهتمام في اعتبار العلم، نظير قولك: (رأيتُ زَيْداً نفسه)، فإنّه تأكيداً لوقوع الرؤية عليه لا على غلامه أو من يمثله، وفيما نحنُ فيه يكونُ تأكيداً لوقوع العلم على الحرام، لا على ما يُجاورُهُ أو يشارفه، فهو لا يدلُّ على اعتبار العلم التفصيليّ بالحرام؛ لأنّ كُلّ شيءٍ علم حرمته فقد علم حرمته بنفسه، فحرمة إناء زيدٍ قد علم بنفسه بأنه هو الحرام، غاية الأمر أنّه لم يميّز عن إناء عمر.

نعم، قوله  عليهم السلام : (بعينه) في الحديث الثاني ظاهر في ذلك؛ لأنه وقع قيداً للمعرفة، فيقتضي المعرفة بشخصه متميزاً عن الحرام، فإناء زيد لم يعرف بشخصه في المثال المذكور؛ لأنّ المعرفة الشخصية فَرْعُ إمكان الإشارة الحسية، ونحنُ نأخذ بالأخبار العامّة في معرفة الحكم، نظيرُ قولنا: (أكرم النحويين، وأكرم سيبويه).

فاسدةٌ؛ بأنّ الفرقَ بين الخبر الثاني والخبر الأول يجعل (بعينه) تأكيداً في الأول، وقيداً في الثاني خلافُ الظاهر، بل الظاهرُ كونُه فيهما قيداً للمعرفة، سلّمنا؛ لكن بقرينة الخبر الثاني الذي هو كالصريح في ذلك يوجب انعقاد ظهور الأول في ذلك، لاتحادهما لفظاً وسياقاً، بل في جميع الجهات.

كيف، والغايةُ للحُكْمِ الواحد يُؤخَذُ بالخاصّة منها، كما لو قال: (أكل السمكة إلى رأسها)، وقال: (أكل السمكة إلى أعلاها)، حمل أعلاها على رأسها.

وأخبارهم  عليهم السلام  يكشف بعضها عن بعض، ومجرّد زيادة (فيه حلال وحرام) في الثاني لا يوجب اختلاف الظهور في التأكيد والقيدية، إذ لا ربط له بذيل الخبر، بل يمكن دعوى أنّ المعرفة لا يستعمل إلاّ فيما إذا كان عرف الشيء على وجه يميزه عما عداه، بحيث يكون قابلاً للإشارة الحسية، وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت تفصيلية لا إجمالية.

ودعوى([121]) أنّ هذه الأخبار كما دلَّتْ على حِلّيّة كُلٍّ من المشتبهين، دلَّتْ على حرمة ذلك المعلوم بالإجمال، حيثُ أنّه مما علم حرمته، والحلّية فيها مُغيّاةٌ بعَدَمِ العلم بالحرمة، فلا تشمل المقام.

فاسدةٌ؛ فقد عَرَفْتَ أنَّ الغاية ظاهرةً في العلم التفصيلي، على أنّه لدى التحقيق، يمكن أنْ يقال: إنَّ العلم الإجمالي لا يَعْلَمُ بهِ حُكْمُ الفرد المشتبه، وإنما يعلم به الحكم المنتزع من الأطراف، فإنَّ الوجوبَ المشترك بين الظهر والجمعة منتَزَعٌ من وجوبِ كُلِّ واحِدٍ منهما، فهو ليس بشرعيٍّ، وإنّما الشّرعيُّ هو وجوب كُلُّ واحدٍ بخصوصه، وهو غيرُ مَعْلُومٍ، وأصلُ البراءة إنّما يَجري في الشرعيّ لا الانتزاعي العقلي.

ودعوى أنَّ دليل حرمة ذلك العنوان المشتبه، مثل قوله: (اجتنب عن الخمر)([122])، ينافي ظهور الحديثين المذكورين، لوضوح أنَّ الإذن في كُلِّ المشتبهين حُكْمٌ بعَدَمِ حُرْمَةِ الخمر في الواقع.

مدفوعةٌ، بأنّه إنّما يُوجبُ المنافاة لو قلنا بأنَّ مفادَهُ إباحة المشكوك في الواقع، بأنْ يكون مفاد الحديثين لبيانِ الحكم الواقعيّ للمشتبه؛ وهذا لا نقولُ به؛ لأنه يوجبُ التَّصويبَ الباطل بالنَّص والإجماع([123]).

أمّا لو قُلنا بأنَّها مسوقَةٌ لبيانِ الحُكْمِ الظَّاهريَّ عند عَدَمِ علم المكلّف بالحرام تفصيلاً، ولبيان معذوريّته في ارتكاب الحرام الواقعي، وعَدَم العقاب عليه مع عدم العلم التفصيلي به، ويكونُ طروُّ الجهل على الحرام الواقعيّ نظيرُ طروّ الحرج على القول، يكون الحرج عذراً مع بقاءِ الحكم الواقعيّ، فلا يَلْزَمَ المنافاة بينهُما أصلاً، ضرورَة أنَّ قوله: (اجتنب عن الخمر) إنّما يَدلُّ على حُرْمَةِ الخمر في الواقع، والحرمة الواقعية غير ملازمة للعقاب على مخالفتها، إلاّ على تقدير وصولها، ولذا صَحَّ ارتكابُ الشبهة البدوية.

والحاصل: إنَّ القَدَرَ المسلّم من التنافي هو ما إذا تَنَجَّزَ التكليف بالحرمة، بحيثُ يعاقب على مخالفته، وهو عينُ المتنازع فيه، فإنْ أذن الشارع بالارتكاب الكاشف عن عَدَمِ تنجُّزه ومخالفة الحكم الظاهريّ للواقعي لا إشكال في
جواز وقوعها من المشرّع مع الجهل لرجوعه إلى معذورية الجاهل، أو إلى بَدَليّة الحكم الظاهري عن الواقعي، أو كونه طريقاً مجعولاً إليه على اختلاف
المباني.

ودعوى([124]) أنّه بناءً على ذلك يلزم اجتماع المتضادَّين الموجب للتناقض في نفس الأمر؛ لأنَّ المشتبه يكونُ قد ثَبَتَ له الحكم بالحلَّ، والحُكْمُ بالحرمة، وهو اجتماع للمتضادّين في موضوعٍ واحدٍ، مدفوعةٌ:

أولاً: بأنَّ الشّارع إنّما حَكَمَ برَفْعِ المؤاخَذَة والعقاب عند الجهل والاشتباه، مُعَبّراً عنه بالحلّ، وهذا ليس حكماً شرعياً ليلزم التناقض، نظير موارد الحرج.

وثانياً: بأنّا لو سلَّمنا بأنّه حُكْمٌ بالحَلّ، فإنّما يلزم التناقض مع اتحاد المرتبة، أمّا مع تعدُّدها، كما في المقام، حيثُ أنَّ مرتبة الحرمة هو الواقع، ومرتبة الحلّ هو الظاهر ومقام الامتثال، فلا يَلْزَم التناقُضُ، نظير الماهية، وفي مرتبة نفسها ليست موجودَة، وفي مَرْتَبةِ وجودِ علّتها موجودة.

والحاصل: إنّ مرتبة الفعلية للحكم الواقعيّ التي يقتضيها ظهورُ الخطاب فيه، لا تنافي الحلّية في المرتبة المتأخّرة عن الواقع، الّتي هي مرتبة الإطاعة له، بداهة اجتماع القطع بالحكم تفصيلاً مع إباحة عَدَمِ امتثاله عند الشكّ في طاعته، كما في قاعِدَة الفراغ والتجاوز، وخُروجُ الوقت، والمخالفة التدريجية عند المشهور([125])، وفي الشُّبْهَة الغير المحصورة.

ودعوى([126]) أنَّ مُجرَّد تغايُر المرتبة واختلاف الجهة من حيث الواقع والظاهر، إنما هو باعتبار اختلاف حال المكلف، واتّصافه بالعلم التّفصيليّ والجهل، وذلك لا يُوجب تعدُّد الموضوع، فإنَّ الموضوع هو شُرْبُ الخَمْرِ على أيِّ حالٍ، فإنَّ الموضوع الخارجي لا يتبدَّل ولا يتغيّر، مدفوعة:

بأنّ مقتضى هذا إبطال أدلّة الطُرُق الشّرعيّة من الأدلّة والإمارات والأصول، حيثُ أنَّ مؤدّاها قد يُخالِفُ الواقع في الشُّبهاتِ البَدْويّة الحُكْميّة والموضوعية، حيثُ إنّه يمكن أنْ يكون الإناء المشكوك كونُهُ خَمْراً شَكَّاً بدوياً الذي حَكَمَ الشَّارع بحلّيّتِهِ، أنْ يكون خمراً واقعياً، فإنَّه يجيءُ فيهِ نَفْسُ الكلام من أنّه إنْ صارَ حلالاً واقعياً لَزَمَ التّصويب، وإذا لم يَصِرْ حَلالاً واقعياً لَزَمَ التناقُضُ، بَلْ الكلام يجري حتّى بالنسبة للشبهة الغير المحصورة، فإنّها كالشبهة المحصورة في اشتراكهما في جميع الجهات، حتّى في وجود العلم الإجمالي، وإنما يختلفان بالحصر وعدمه.

ودعوى أن في الشبهة البدوية لا تَلْزَمُ المخالفة من ارتكاب المشتبه، بخلافِ الشُّبْهَةِ المقرونَةِ بالعلم الإجمالي([127])، فإنّه يَلْزَمُ ذلك.

مدفوعة: بأنّ نقضنا بالشبهة البدوية ليس مبنياً على لزوم المخالفة، حتّى يمنع حصول المخالفة فيها، بل على إمكان جعل الشارع الحلّية في الظاهر في موضوع المحرّم الواقعي، مع أنَّ عَدَمْ لزوم المخالفة فيها، إنْ أريدَ بهِ عَدَمِ لُزومِ مخالفة الحكم الواقعي فهو باطل؛ لأنه لا رَيْبَ في مخالَفَةِ الحُكْمِ بالحلّية للحكم بالحرمة الواقعية في الشبهة البدوية، التي واقعها مُحرَّم، سواء كانت بدوية أو مقرونة بالعلم الإجمالي، وإنْ أريد به لزوم المخالفة المستتبعة للعقاب، فلزومها في المقام أول الكلام، وهو عَينُ مَحَلّ النزاع؛ لأنّا ننكر تنجُّز التكليف المعلوم بالإجمال؛ ومنه يعلم أنَّ لزوم العلم بالمخالفة في العلم الإجمالي لا يُقرّ؛ لأنه لم يكن مستتبعاً للعقاب، كما اعترفوا بذلك في الشبهة الغير المحصورة، وبعضهم في المخالفة التدريجية.

ودعوى أنّ في الشبهة الغير المحصورة لا يجوزُ ارتكاب جميع أطرافها، بل يترك من أطرافها ما يساوي الحرام بدلاً عن الواقع([128]).

مدفوعة: بأنّ القائلين بجواز ارتكاب الشبهة المحصورة أطلقوا القول بالجواز([129]).

قال بعض المحققين([130]): أنه لم يقع تقييد الجواز لارتكاب أطراف الشبهة الغير المحصورة من أحدهم بذلك، مع أنَّ في جعل غير الحرام بَدَلاً عن الحرام لا وجه له، ضرورةَ أنّه إنْ كانَ فيه المصلَحَة الملزمة للترك لكانَ أيضاً محرّماً، وإلا فكيف يكونُ الفعل الخالي عن المصلحة الملزمة بَدَلاً عن الحرام المتضمّن لتلك المصلحة، بل كيفَ يُصيّر المحرّم الواقعي حلالاً، مع أنّه إنْ أرادَ من جَعْلِ البَدَلِ تدارك المفسدة اللازمة من فعل الحرام الواقعيّ بشيء لا نَعْلَمُه والشّارع يعلمه، فهو أمرٌ ممكنٌ بلا جَعْلِ بَدَلٍ، كما في الشُّبهة البدوية ونظائرها، وإنْ أرادَ به جَعْلُ شيءٍ في الظاهر نحنُ نَعْلَمُه، كجَعْلِ أحدِ الإناءين بدلاً عن الحرام الواقعي، فلازم ذلك عَدَمُ جوازِ الإذن في الشّبهة البدوية، إذ لا بَدَلَ فيها للحرام الواقعيّ في الظاهر نحن نعلمه.

وإن شئت قلتَ: إنَّ الحكمَ بحرمة الخمر مثلاً، إنْ كانَ ثابتاً منجزاً لا يتغير ولا يتخلّف، فجَعَلَ البدل الظاهري لا يفيد في تحليله، كما أنَّ جعل البدل الواقعيّ مُوجباً للتصويب، وأَما إنْ كانَ حُكماً غيرُ مُنجَّز وغير ثابت، فكما يمكن رَفْعُ اليد عنه بجَعْلِ البَدَل، كذلك يُمكنُ رَفْعُها عنه مع عَدَمِ جَعْلِ البَدَل متداركاً للشارع له بما يراهُ من المصالح العامّة، مثل السُّهولة على المكلّفين، كما في الشبهة البدوية، والأمور الحرجية، وأمثال ذلك.

كيف، وليس في النّصوص والفتاوى ما يَشْعُرُ بجعلِ الشَّارع أحد الأطراف المشكوكة بدلاً عن الواقع، ولا فيها ما يَدُلُّ على أنَّ الآتي به آتياً به قاصداً البدلية، بل الذي تقتضيه القواعد رَفْعُ الشارع اليَد عن الواقع، على تقدير المخالفة، بمعنى جَعْلِ المكلَّف معذوراً، كما هو مَفَادُ أدلّةِ البراءة.

إنْ قُلْتَ: هذا بالنسبة إلى الأصول الغير التنزيليّة كالبراءة، يَتمُّ، وأمَّا
في الأصول التنزيلية كالاستصحاب ونحوِهِ مما كانَ ناظراً للواقع، فيُمْنَعُ من جريانها في أطرافِ العلم الإجماليّ، باعتبار أنّه بالعلم الإجماليّ يعلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدِ الأطراف، فالإناءان الطّاهران سابقاً إذا عُلِمَ
نجاسة أحدهما بالإجمال فقد انتقضت الحالة السابقة لأحدهما، فكيف يُعَبّدنا الشارع فيهما معاً ببقائهما، لامتناع التعبُّد بخلاف الواقع المحْرَز بالوجدان، بل لا يحرز في كُلِّ من الاستصحابين تماميّة أركان الاستصحاب؛ لأنّه في كُلِّ منهما يحتمل الانتقاض باليقين بالنَّجَاسة، لاحتمال أنَّ مورده هو المتيقّن النجاسة إجمالاً.

قلنا: قد عَرَفْتَ أنَّ الموضوع للاستصحاب هو كُلُّ واحدٍ من أطراف المعلوم بالإجمال في حَدِّ ذاتِهِ، من دونِ نَظَرٍ لغيره، وكلُّ واحدٍ منها لم تنقلب فيه الحالة السابقة بخصوصه، فإنّا بالوجدان نَشُكُّ بالطهارة فيه بخصوصه مع سبق اليقين بها، واحتمال انطباق المتيّقن الإجمالي عليه لا يخرجه عن الشكّ في بقاء الحالة السابقة، بل هو يَرْجِعُ أيضاً للشكّ؛ لأنّ النتيجة تتبعُ أخسَّ المقدمات.

وعليه: فلا منافاة في كُلِّ واحدٍ من الأطراف في حَدِّ ذاتِهِ بينَ التعبُّدِ ببقاء حالته السابقة، وبينَ العِلْمِ بانتقاضها أو انتقاض حالة الآخر منها، بل ظاهر أدلة الاستصحاب أنْ يكونَ الناقض لليقين السّابق هو اليقينُ بالخلاف المتعلق بما تَعَلَّقَ به اليقين السابق، وهنا لم يتعلَّق بكلِّ طرفٍ يقينٌ بخلاف حالته السابقة، مثل اليقين بحالته السابقة من كونه يقيناً تفصيلياً، ولذا تراهُمْ يجرون الاستصحابَ لبقائه الحدث، والاستصحاب لطهارة البدن في من توضّأ غفلة بمائع مردّد بين البول والماء، مع العلم الإجمالي بانتقاض أحدهما؛ لأنّه لو كان المائع بولاً فبدَنُهُ غيرُ طاهرٍ، وإنْ كان المائع ماءً فالحَدَثُ غيرُ باق.

إنْ قلتَ: إنَّ أدلَّة الاستصحاب غيرُ شامِلَةٍ لأطراف العلم الإجمالي؛ لأنه يَلْزَمُ من شمولها لها مُناقَضَةٌ ذيلها لصدرها؛ لأنَّ صدرها يتضمَّنُ عَدَمَ النقض للحالة السابقة، وذيلها يتضمَّن نَقْضَ الحالة السابقة باليقين بارتفاعها، وهنا كان العلمُ الإجماليّ قد تعلّق بارتفاعها، وما يلزم من شموله المناقضة يكون غير شامل لعدم صدور المناقضة من الحكيم، فلا يصحّ شمول أدلة الاستصحاب للأطراف ودخول الأطراف تحتها.

قلنا: الظاهر من أدلّة الاستصحاب ونحوها هو أنّ الغاية العلم التفصيلي، فإنّ الظاهر من اليقين الموجود في الذيل أنه متعلق بما تعلق به اليقين في الصدر، فهو غير شامل للإجمالي، على أنّ في بعض الأخبار ما هو خالٍ عن هذا الذيل، فيرجع لإطلاقها من عَدَمِ النَّقْض بالعلم الإجمالي.

إنْ قُلْتَ: إنَّ المجعول في الأُصولِ التنزيليّة كالاستصحاب ونحوه، هو البناءُ على الأخذ بمجراه على أنّه هو الواقع، فيَمْتَنِعُ جَعْلُهُ في جميعِ أطراف العلم الإجمالي، إذْ لا يُعْقَلُ التّنزيلُ على خِلافِ الواقع المعلوم بالوجدان إجمالاً، كما عن المرحوم النائيني  رحمه الله ([131]).

قلنا: الأصول سواء كانت تنزيلية أو غيرها، إنّما هي وظائف للجاهل، وليست لها حكاية عن الواقع.

نعم، الأصولُ التنزيلية فيها نَظَرٌ لجعل مؤداها منزلة الواقع، فإنّ أدلة الاستصحاب أو قاعدة الفراغ، إنما تقتضي أنْ يجعل أحد طرفي الشكّ المطابق لليقين السابق، كما في الاستصحاب، أو المطابق للصحة، كما في قاعدة الفراغ، مُنزّل منزلة الواقع، لا أنّه له كاشفية للواقع، بخلاف غير التنزيلية، فإنّها تجعل أحدَ طرفي الشكّ حُكماً ظاهرياً، لا أنّه مُنزّل منزلة الواقع، ولذا تلك سُمّيت بالتنزيلية، وهذه خُصِّصَتْ بغير التنزيلية.

سلّمنا إنّها جعلت باعتبار كاشفيتها عن الواقع، لكنّها إنّما اعتبر الشارع كاشفيتها عن خصوص مؤداه، لما تقرر في محلّه من أنّ الأصول مطلقاً إنما تُثبت مؤدّاها ولا تدلُّ على نفي ما عداه؛ لأنه من اللوازم العقلية، والأصول لا تثبت بها اللوازم العقلية، كما قُرِّر في محله؛ ولذا مَنْ توضّأ غَفْلَةً بماء مردَّد بين البول والماء، وصلّى، يُجري قاعدة الفراغ، ويستصحب الحَدَثَ الأصغر مع العلم الإجمالي بعدم مطابقة أحدهما للواقع، وذلك لأنّ قاعدة الفراغ إنما تثبت صحة الصلاة، ولا تثبت لازم ذلك من كون الماء طاهراً، وكون الوضوء صحيحاً، فإثباتُ كُلٍّ من الأطراف بالأصل لا يُوجبُ بطلانها بالمخالفة للواقع، لعدم إثبات خلاف مؤدّى الآخر حتّى يكونُ حُجَّةً عليه، ويعارض الأصل الآخر، بخلاف البيّنات والإمارات، فإنّها تثبت لوازمها، فلا تجري في أطراف العلم الإجمالي؛ لأنّ كُلاّ منها حُجّة على نفي خلاف مؤداها، فيعارض الحجة.

وبعبارة أخرى: أنه لا مانع من إجراء الأصول في أطراف الشبهة المحصورة؛ لأنّ كُلّ واحدٍ منها بخصوصه جامعٌ لشرائط الجريان، فإنْ كان له حالة سابقة استصحبت، وإنْ لم يكن له حالة سابقة، جَرَى أصل البراءة، وذلك لأنه كُلُّ واحدٍ منها بذاته غيرُ معلومِ الحكم الشرعي؛ لأنَّ العلم بالحكم الشرعي لا يتحقّق إلا بعد العلم بصدور الخطاب، والعلمُ بالموضوع والمحمول، فمع فَقْدِ أحدهما لا علم بالحكم الشرعي.

والعلم بالحكم المردّد بين الأفراد يكونُ علماً بأمرٍ انتزاعي عقلي، ليس بحكم شرعيّ واقعي، لما عرفت من أنَّ الحكم الشرعي، هو حُكْمُ كُلّ واحدٍ من الأطراف في حد ذاته، دون ما هو منتزع من مجموعها، فالتكليف الشرعي غير معلوم، والمعلوم لم يكن حكماً شرعياً.

ودعوى أنّ العلم الإجمالي يُوجِبُ العلم بكَذِبِ أَحَدِ الأصلين، فيكون كل من الأصلين دال على نفي الآخر عقلاً([132]).

فاسدةٌ؛ فإنَّ هذا العلم لا يمنعُ من جريانهما، ولا يُوجِبُ عَدَمَ التعبُّدِ بهما؛ لأنَّ الأصول إنّما تُوجبُ نفيَ الآخر عَقْلاً في الشّبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، وقد تقرَّر في محلّه أنَّ الأصولَ ليست بحجّة في نفي لوازمها العقلية، ونفي الآخر لازمٌ عقليٌ له، نعم، لو كانَ العلم الإجماليُّ مُنجِّزاً للتكليف يَقَعُ التعارض بين الأصلين، للعلم بفساد أحدهما، وعدم جعله؛ لأنّ الشارع لا يُعقل أنْ يجعل الأصل في الطرف الذي كان منجّز التكليف فيه، ولأنَّ جعلهما حينئذٍ يكون ترخيصاً منه في العصيان، لكنّ الخصم يمنع من تنجّز التكليف بالعلم الإجمالي.

وعليه: فلا مانع لديه من إجراء الأصول في الأطراف وإنْ خالفت العلم الإجمالي، وقد استدلّ المرحوم الهمداني ([133]) على ذلك، وأنّ العلم الإجمالي كالتفصيلي مُنجِّزٌ للواقع، تحرم مخالفته القطعية بما يرجع إلى مقدمات:

الأولى: إنّ محلَّ كلامنا في التكاليف الثابتة لنفس الشيء وذاته، من غير تقييد بالعَمَل بذلك الشيء، كما هُو الشأنُ في جُلِّ التكاليف الشرعية.

الثانية: يَجبُ على المكلّف بحكُم العقل بعد علمه بالتكليف المذكور الخروجُ عن عهدته، إلاّ إذا كان له عذرٌ مقبولٌ عقلاً في المخالفة؛ فالتكليفُ الواقعيُّ غير كافٍ في لزوم الخروج عن عهدته، بلْ هو مقتضٍ لذلك، والأعذار مانعة عن تأثيره، فيكونُ عَدَمُها شرطاً في تَنَجُّز التكليف الواقعي.

الثالثة: بأنَّ الجهل عُذْرٌ عقلي في المخالفة للتكليف، لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيانٍ، ولكنّه مع العلم الإجمالي لا يكون عذراً؛ لأنَّ العقل لا يحكم بقبح عقابه عند المخالفة، حيثُ يرى أنَّ هذا الجهل غيرُ صالحٍ لأنْ يعتذر به في المخالفة، لكون العلم الإجماليّ كالعلم التفصيلي في البيان.

سلّمنا وقلنا: إنّ العقل متوقّفٌ في عُذْريّة هذا الجهل، فهو أيضاً يكون مستقلاً بلزوم الاحتياط دَفْعاً للعقوبة المحتملة، هذا مع التنزّل، وإلا فلا تردُّد في ذلك أصلاً، بل من ضرورياتِ العقل أنّ المولى إذا كلَّفَهُ بشيءٍ ولم يعتبر العلم في موضوعه، وَجَبَ عليه امتثاله ولو علم به إجمالاً، ولا يعقل أنْ يُرَخِصّه الشارع في ذلك بعد التكليف به.

نعم، يُمكنُ أنْ ينصب الشارع طريقاً ظنياً، أو قاعدة تعبدية من قرعة ونحوها، لتشخيص ما به يتحقَّقُ التكليفُ من أطراف الشبهة المحصورة، كما أنه يمكن أنْ يقنع بالموافقة الاحتمالية، إذا كانَ في الموافقة القطعية مفسدة منافية لما تعلَّق به غَرَضُ الشارع من التوسِعَة والتسهيل، وغيرُ ذلك مّما يقتضيه اللطف والامتنان، إذ ليس في هذين الأمرين منافاةٌ لمطلوبيّة التكليف في الواقع، بل يؤكّدها، وإلاّ لم يُوجِبْ الموافقة للتكليف بنَصْبِ الطريق، أو بالاكتفاء بالموافقة الاحتمالية، إذ يكون ما وَافَقَ بهِ التّكليف احتمالاً، أمّا هو المكلف به، فيخرج عن عهدة التكليف، أو هو ما يدل عنه في مقام الامتثال في كونه مبرئاً للذمة.

وغاية ما يلزم في المقام، أنه يجب أنْ يكون رضا الشارع بالموافقة الاحتمالية، أو بما قام عليه الطريق أو القاعدة، مصلحة يتدارك بها المفسدة، لو فات الواقع، أو أخطأت القاعدة، أو لم يصب الطريق.

ودعوى أنَّ ذلك يستلزمُ أمّا نَسْخُ الحكم الواقعي، أو المنافاة لحكم العقل بوجوب إطاعته، حيثُ رَخَّصَ الشّارعُ في تركها([134]).

فاسدةٌ؛ فإنّ اعتبارَ العلم في موضوع حكم العقل بوجوب الإطاعة من باب الطريقية المحضة، فمتى أدرك العقلُ أنَّ الشارعَ أرادَ منه فعلَ شيء أو تركه إرادة حتمية استقلّ بلزوم تحصيل ذلك الشيء مع القدرة عليه، ولكنّ حكمه لهذا ليس لأجل أنّ حصول ذلك الشيء من حيث هو يكون له موضوعية بالذات في نظر العقل، بل لأجل أنّه مرادٌ للشارع ورضاه به، فإذا علم العقلُ أنَّ الشارعَ قد رضي بالخروج عن عهدة تكليفه بالموافقة الاحتمالية، صَحَّ له الخروج بها عن عهدة ذلك التكليف.

وعليه: يكونُ الدّليلُ الدّالُّ على رضا الشارع بها حاكماً على ما يَستقِلُّ به العَقْلُ من لزوم تحصيلِ الموافقة القطعية، لا منافياً له.

نعم، لو رَخَّصَ في ارتكابِ جميع أطراف الشُّبهة، فلا مَحالَةَ يتحقَّقُ التنافي بينه وبينَ دليلِ ذلك التكليف؛ لأنَّ الإذنَ في ارتكاب جميعِ الأطراف يكونُ إذناً في تَرْكِ ذلك التكليف.

إنْ قُلْتَ: إنّه قد قُرِّرَ في إمكان جعل الأصول الظاهرية ونصب الطرق الظنية، بأنَّ العقل يجوّز أنْ يكون في موردها مصلحةٌ يتدارك بها مفسدة مخالفة الواقع على وَجْهٍ لا يلزم التصويب؛ وعليه فمِنَ الجائز أنْ يكونَ في أطراف الشبهة المحصورة أيضاً كذلك.

قلنا: هذا إنّما يُعْقَلُ فيما إذا لم يكن التكليفُ الواقعي منجّزاً في حقّ المكلف، بأنْ كانَ مشكوكاً شكّاً بدوياً، أمّا مع عِلْمِهِ بالتّكليف، فلا يُعْقَل، لاستلزامه توارُدَ حُكمين مُتَضَادّين على مَوضُوعٍ واحِدٍ، في مَرْتَبَةٍ واحدة، لرُجُوعِهِ إلى التناقض والإذن في المعصية، وهُما مما يمتنع صدورهما من الشارع، فإنّ الإذن في ارتكاب أطراف الشبهة إذنٌ في ارتكاب مخالفة التكليف المعلوم بالإجمال، وهو غير جائز عقلاً.

وأما مع شكّ المكلّف بالتكليف شكّاً بدوياً، فلا يرد هذا المحذور، إذ لا أثر للتكليف الواقعي الذي لم يطّلع المكلف عليه في باب الإطاعة والمعصية، حيث أنه غير مؤثّر في اتصاف ما صَدَرَ منه بالقبح، وكونه معصية للشارع، فلا استحالة حينئذٍ في أن يلحقه حكم آخر في مقام تكليفه الظاهري، كالصّلاة في الدار المغصوبة لدى الجهل بغصبيتها، بخلافِ ما لو علم بالتكليف، فيمتنع أنْ يلحقه حُكْمٌ إلاّ على تقدير ارتفاع ذلك الحكم الواقعي، ألا ترى أنَّ الشارع إذا قال: الخَمْرُ حَرَامٌ، وعَلِمَ المكلَّفُ بالخَمْرِ في أَحَدِ الإناءين، فإنْ كانَ عُروض الاشتباه مؤثّراً في حُدوثِ مَصْلَحَةٍ في شِرْبِهِ، يُتدارَكُ بها مَفْسَدَةُ الخَمْرِ، امتَنَعَ بَقَاءُ الخمر على صِفَةِ الحُرْمَة، وهو خلافُ الفَرْضِ، وإنْ لم يؤثّر ذلك فلا يعقل الرخصة في ارتكاب ذلك الخمر المشتبه، كما في صورة العلم بالتفصيل، لرجوعه للتناقض والإذن في المعصية.

هذا خلاصة استدلال المرحوم الهمداني  قدس سره([135]).

وفيه: إنّ تَنَجُّزَ الخطاب على المكلّف يتوقّفُ على وصوله له، ووصوله له يتوقف على إحراز صغراه علماً أو ظناً معتبراً، وأمّا مع الشكّ فيها، فلا يكون واصلاً له، ومع الشبهة المحصورة الصُّغرى مشكوكة، كما عرفت سابقاً.

ودعوى أنّ العُقلاءَ يعدّون المخالفة القطعية معصية من دون فرقٍ بين الخطاب المعلوم تفصيلاً أو إجمالاً([136]).

فاسدةٌ؛ فإنَّ الوجدان شاهدٌ أنَّ الشَّاكَّ في صُغرى التكليفِ إذا خَالَفَ التّكليفَ، لم يُعَدَّ عاصياً، وإنْ ظَهَرَ بَعْدَ ذلكَ أنّه بعَمَلِهِ هذا قد خَالَفَ المولى.

ودعوى أنَّ المقتضي للامتثال موجود، وهو عمومُ الخطاب للجاهل والعالم([137])، إذ ليس مَحَلُّ كلامنا الخطابات المختص العالم بها، والمانعُ مفقودٌ لأنّ المانع المتصوّر في المقام هو الجهل بالصُّغرى في الشبهة المحصورة، وهو غَيرُ مَانعٍ عقلاً ولا نقلاً.

أمّا العَقْلُ، فهو إنّما يكونُ من جهة حُكْمِهِ بأنَّ الجهل عذراً، أمّا لعجز الجاهل عن الإتيان بالواقع حتّى يرجع الجهل إلى فَقْدِ شرطٍ، وهو القدرة والتمكّن من إتيان المطلوب، وهو باطلٌ، لفرض التمكّن مع الجهل المذكور من إتيان المطلوب، أو من جهةِ كَوْنِ المكلَّف الجاهل غيرُ قابلٍ لتوجّه الخطاب إليه، وهو باطلٌ أيضاً، لِصِحَّةِ عِقابِ الجاهل المقصر.

وأمّا النقلُ؛ فليسَ ما يَدُلُّ على العُذْرِ منه إلاّ أدلّة البراءة، وهي غَيْرُ جارية في المقام، لاستلزامِ جَرَيَانها التعارض.

فاسدةٌ؛ لأنّه إنْ أرَادَ بالخِطاب العام للعالم والجاهل الخطاب الواقعي الثابت في اللوح المحفوظ.

ففيه: أنّه مُسلَّمٌ، ولكنّه غيرُ مُجد في المقام، فإنَّ الخطابَ من حيثُ هو ما لم يتنجَّزُ لا يستدعي الإطاعة، ولا يَحْكُمُ العَقْلُ بوجوب امتثاله، لما تقرَّر في محله من أنَّ العلم من الشرائط العامّة، نظيرُ شرطيّة العقل والبلوغ والقدرة، غايةٌ الأمر أنَّها شَرْطٌ لنفسِ التكليف، والعِلْمُ شرط لتنجزه، وإنْ أرادَ بهِ الخِطابُ الظاهري الفعليُّ المنجّز، فهو مُختَصٌّ بالعالم دون الجاهل؛ وفي الشُّبْهَةِ المحصورة الأطراف تكونُ مجهولة الحكم.

والحاصل: إنَّ المانعَ من تنجُّز الخطاب العقل والنقل.

أمّا العقل؛ فبحُكْمِهِ بقُبْحِ العقاب بلا بيانٍ، ولا يَصْدُقُ البيان مع العلم الإجمالي، فالجاهلُ غيرُ قابلٍ لتوجّه الخطاب إليه، لوجود المانع من تَوَجُّهِ الخطاب إليه، وهو حُكْمُ العقل بقبح العقاب بلا بيان، كحُكْمِهِ بقبح الكذب والظلم، فحَيْثُ يوجَدُ هذا المانع يمتَنعُ التكليف؛ أمّا الجاهل المقصر، أو المطلوب منه الاحتياط بدليلٍ خاصٍّ في خصوص المسألة، كما في اشتباه القبلة، أو الشك في القصر والإتمام، أو الجمعة والظهر، فلا يوجد المانع، وهو قبح العقاب بلا بيانٍ؛ لأنّ حكم العقل بوجوب الفحص، والدليل الخاص في الأمثلة المذكورة أحسن بيان.

وأمّا النقلُ؛ فبَعْضُهُ صَريحٌ في اشتراط التَّكليف بالعلم التفصيلي، مِثْلُ ما
دَلَّ على حلّية المشتبه حتّى تعرفُ الحرام بعينه، ومنه ما هو ظاهرٌ في ذلك،
كقوله  عليهم السلام : (الناس في سَعَةٍ ما لم يعلموا)([138])، وأمثاله، ولعلّكَ بملاحظة ما ذكرناه سابقاً يتّضِحُ لك مواضع النظر في كلامه رفع الله مقامه أكثر وأكثر.

ودعوى أنَّ الاشتغال اليقيني يستدعي ويقتضي الفراغ اليقيني، وقد اشتغلت الذمة بالحرمة لشرب الخمر، وفراغها بترك الإناءين([139]).

مدفوعةٌ؛ بأنّ هذا صحيح إذا كان المقتضي وهو اشتغال الذمة موجوداً ومتيقناً، مع عدم صدور إذنٍ من الشارع، ولكنّنا نُنْكِرُ وجودَ المقتضي واليقين باشتغال الذمة بالتكليف المعلوم بإجمال، لما عَرَفْتَ مِنْ عَدَمِ إحرازِ الصُّغْرى المبيّنة لوجودِ مَوْضُوعِ التَّكليفِ في كُلٍّ من المشتبهين، ولو سَلَّمنا، فالإذنُ صادِرٌ من الشَّارع بارتكابها بأدلّة البراءة ونحوها.

ودعوى أنَّ تجويزَ ارتكاب المشتبهين يُفْضِي إلى إمكانِ التوصُّل إلى ارتكاب جميع المحرّمات على وَجْهِ مُباح، بأنْ يجمع بين الحلال والحرام المعلومين تفصيلاً، كالخمر والخلّ على وَجْهٍ يُوجِبُ الاشتباه، فَيرْتَكِبُ شرب الخمر محللاً([140]).

مدفوعةٌ؛ بأنَّ حرمة الارتكاب في هذه الصُّورة لا مَجَالَ لإنكارها، لتحقق قصد العصيان منه مع ارتكابه للحرام الواقعيّ عند امتزاجهما، فيكونُ مرتكباً للمُحرَّم المعلوم تفصيلاً؛ لأنه بَعْدَ الامتزاج صَارَ هذا المائع معلوماً بالتفصيل.

وأمّا عندَ عَدَم الامتزاج، فإنّه كذلك لا يَجوزُ له ارتكابُ أيُّ واحدٍ منها، فضلاً عن مجموعهما، لإمكانِ تحقُّقِ قصدِ ارتكابِ الحرام مَعَ فِعْلِ الحرامِ فيما لو ارتكبهما، وفي ما إذا ارتكب أحدهما، وكان هو الحرامُ الواقعيّ، كانَ وقوع الحرام منه بقصده، نظير من ألقى نفسه من شاهق للموت، فإن موته كان بقصده واختياره، والعقل يحكم باستحقاق العقاب أيضاً، لسوء تجريه بناءً على حرمة التجري.

ودعوى أنَّ الأحكام الظاهرية إنّما جُعِلَتْ نظراً للواقع، وللتوصُّل إليه، وجوازُ ارتكاب الأطراف للعلم الإجماليّ يُوجبُ انكشافَ خلاف الواقع، فلا يتوصل بها للواقع.

فاسدة؛ فإنّ الأصول إنّما هي وظائفُ للجاهل، فللشارع في مقام الجهل أنْ يجعل منها ما يشاءُ، ويمنع من فعليّة الواقع لمصلحةٍ هناك، وليست بمجعولَةٍ للطريق الواقع والتوصُّل إليه.

نعم، جعل الطرق في مورد العلم الإجماليّ على خلافه لا يجوزُ، ولذا كان قيامُ الأمارات على خلاف العلم الإجمالي يُوجِبُ تعارضها، كما لو قَامَتْ على طهارَةَ أحدِ الإناءين بيّنة، وعلى طهارة الآخر بينة أخرى، مع العلم الإجمالي بنجاسَةِ أحدهما، فإنَّ البينتين يتساقطان للعلم بكذب أحدهما.

ودعوى أنّ أمْرَ المولى مع موضوعِهِ قد أحرز في العلم الإجمالي، كما في العلم التفصيلي، فإنَّ التكليفَ في العلم الإجمالي قد علم، وهو الحرمة مثلاً، وموضوعه قد أحرز، وهو الخَمْرُ مثلاً، ولكنْ لم يُعْلَمْ كيفيّة امتثالِهِ بترك هذا الإناء أو ذاك الإناء([141]).

فالجَهْلُ في العلم الإجماليّ في مرتبة الامتثال لا في مرتبة التكليف، إذ التكليفُ بكامله قد وَصَلَ وجداناً، وعلمنا به عياناً، ولم ينثلم منه شيءٌ، وعليه؛ فالعقل يحكُمُ بلزوم إيجاده؛ لأنَّ مرتبة المطلوبية والتكليفية بكاملها حاصلة وواصلة لنا، بدليل أنَّ العلم الإجمالي لو انقلب إلى تفصيليٍ، بحيثُ تَعَلَّقَ بعين ما تَعَلَّقَ بهِ العلمُ الإجمالي لتنجُّز، وإنما المتردّد فيه هو مرتبة الامتثال، ولا ريب أنَّ حُكْمَ الشّارع بإباحةِ الأطراف يكون مناقضاً لها، وإباحة لعصيانه، وترك طاعته، نظير ما لو أباح في مرتبة الامتثال للتكليف بالحرام المعلوم بالتفصيل، فإنّ الإباحة تكونُ إباحةً لعصيانه، وترك لطاعته، وهو قبيحٌ عقلاً؛ لأنَّ التميُّز غير مأخوذٍ في موضوعاتِ التكاليف.

ونحنُ لا نمنع أنَّ الشارعَ يُبيحُ ترك إطاعة التكليف، حتّى المعلوم بالإجمال لشؤون خاصّة، كالحرج ونحوِهِ، فإنَّهُ عند ذا يكونُ ذلك أمّا من قبيل التخصيص أو التقييد، أو من قبيل النَّسخ، أو من قبيلِ التّكاليف الغير الواصلة، كالتكاليف في أوّلِ البعثة، لكنّ محلَّ كلامنا فيما لو خُلِّي التكليف وطبعه، من دونِ تصريحٍ من الشارع بإلغائه، فإنَّ محلَّ الكلام هل أنّه يرفعُ اليدَ عنه، وأنَّ التصريح الذي يكون عمومه وإطلاقُهُ بخلافه يُوجِبُ رَفْعَ اليدِ عنه، كما في أدلَّةِ البراءة بالنسبة لأطراف العلم الإجمالي، أو أنه يكونُ من قَبيلِ المناقِض والمضادّ له، نظير المتعارضين فيتساقطان، أو يجمعُ بينهما بظاهرية، أو أظهرية، أو حكومة، أو ورُودٍ، أو يُرَجَّحُ أحَدُهُما على الآخر، إلى غير ذلك مما يُذْكَرُ في باب علاج المتعارضين، وبهذا ظَهَرَ لكَ أنَّ العِلْمَ الإجماليّ عِلّةَ تامة لحرمة المخالفة القطعية.

وتوهُّمَ أنّه لو كانَ كذلك، لما جازت المخالَفَةُ القطعية في الشبهة الغير المحصورة، باطلٌ؛ فإنّا أيضاً لم نجوِّزها، ونلتزم بأنّه لابُدَّ مِنْ تَرْكِ بَعْضِ أطرافها بمقدار المعلومِ بالإجمال.

فاسدةٌ فإنّ التكليفَ إنّما يَجِبُ امتثاله إذا تَوَجَّهَ إلينا، ولا يتَوجَّهُ إلينا إلاّ إذا وَصَلَ إلينا، ولا يَصِلُ إلينا إلاّ إذا عَلِمَ بهِ، وعَلِمَ بتحقُّق موضوعِهِ، أمّا لو علم به، ولم يعلم بثبوتِ مَوضُوِعِهِ، فَلَمْ يَصِلْ إلينا، وفي صُورَةِ العِلْمِ الإجماليّ، وإنْ كان التكليفُ قد عُلِمَ به، ولكنّه في كُلِّ واحدٍ من أطرافِ العِلْمِ الإجماليّ لم يعلم بتحقُّقِ موضوعه، فلمْ يَصَلْ إلينا في كُلِّ واحدٍ منها، وليس لأدلّة التكاليف عمومٌ أو إطلاقٌ بالنسبةِ لحالتَيْ العِلم والجهل؛ لأنّها من الطوارئ على التكليف الحادثة بعده.

ولا نُسَلِّمُ أنَّ جَعْلَ الحُكْمِ في أَطْرافِ العِلْمِ الإجماليّ يكونُ بترخيصٍ في المعصية، بل هُو عَينُ المتنازَعِ فيه، حيثُ أنّه إنّما يكونُ كذلك لو كانَ العلم الإجمالي مُنَجَّزٌ للتكليف، ويُوجِبُ استحقاقَ العقاب على مُخالَفَةِ التكليف.

أمّا مَعَ عَدَمِ تنجُّزِهِ، كما هُو مدّعى الخصم، فلا يكونُ جَعْلُ الحُكْمِ على خلافه إذنٌ في المعصية، ولا يُقَبّحِهُ العقل، والاستدلالُ على ذلكَ بعَدَمِ أخذ التمييز في موضوعاتِ التّكاليف من أغرب الأشياء، فإنَّ التكاليفَ لا تُنجَّز إلا بقيام ما يَدُلُّ عليها، مع أنَّ قيامَ ما يَدُلُّ عليها ليس بمأخوذٍ فيها، فإنَّ العلم، والدليل، وعَدَمُ الفحص، كُلّها طوارئٌ على التكاليف، وفي مرتبة متأخّرة عنها، فلا يُعْقَلُ أَخْذُها فيها، مَعَ أنَّها معتبرَةٌ في تَنَجُّزها، فكذا التمييز لموضوعِ التّكليف ومعرفته، وكيفَ لا يُعتَبَرُ، فإنَّ موضوعَ التكليف إذا لم يُعرف لم يتنجز التكليفُ، كما إذا لم يَعْرِفْ نفس التكليف.

ودعوى أنَّ الأَصْلَ في كُلٍّ من الأطرافِ يَجري مُنْضَمَّاً إلى جَرَيانه في باقي الأطراف؛ لأنّها بالنسبة إلى الأصل في مرتبةٍ واحدةٍ، لا أنه يجري في كُلِّ واحدٍ متفرّداً عن الآخر، نظير الخبرين المتعارضين بالنسبة لدليلِ الحُجيّة، فإنّه يشملها دَفْعَةً واحدةً في مرتبة واحدة، فلذا نقول بتساقط الخبرين، لا أنه يَشْمَلُ كُلُّ واحدٍ منهما على حِدَه، وإذا كان الأمرُ كذلك لَزَمَ من إجراء الأصل في أطراف العلم الإجمالي مخالفة التكليف قطعاً؛ لا تنفعُ مدّعيها، فإنّ الخصم لا يُنْكِرُ ذلك، وإنّما يقول لا تضرّ مخالفة التكليف، كما في الشّبهة البدوية لعدم تنجُّزِهِ، وأنّه على المكلّف أنْ يرجع في أطرافِ الشُّبهة للأصولِ، كما لو كانت مشكوكة بالشكّ البدوي.

نعم، لو قام الدليلُ في موردٍ خاصّ على حُرْمَة المخالفة القطعية، أخذ به، كما فيما لو تردَّد الواجب بين القَصْر والإتمام، أو الظهر والجمعة، فإنّ الإجماع، بل الضّرورة قام على حُرْمَةِ المخالفة القطعيّة فيهما.

وحاصِلُ الكلام؛ إنّا نقول: إنّه للمشرّع رَفْعُ المؤاخذة والعقاب عن الحرام الواقعيّ الذي لم يعلمه المكلَّف تفصيلاً، ولا مانع عنه عقلاً، بل لا مانع من جعل الإباحة في الظاهر له، والمناقَشَةُ في ذلك تَرْجِعُ إلى ما ذَكَرَهُ ابنُ قِبة([142]) من الوجه في استحالة التعبّد بخبر الواحد، من أنّه يُوجبُ تحليلَ الحرام، وتحريم الحلال، فمَعَ الشُّبهة المحصورةُ يرجع للأصولِ الجارية في الأطراف، إلاّ إذا قام الإجماع، أو الضرورة، أو دليل خاصّ على حُرْمة المخالفة القطعية، كما لو تردَّد المكلّف بين وجوبِ صَلاة القصر عليه أو التمام، أو وجوب صلاة الجمعة أو الظهر عليه في يوم الجمعة، فإنَّ الإجماع أو الضّرورة قامتا على حرمة المخالفة القطعية في هذين المثالين، وقد وَرَدَ التّصريحُ بجواز المخالفة القطعية للعلم الإجمالي في الأخبار المتقدّمة، التي فيها الصّحيح والموثوق، ولا داعيَ لفتح بابِ التأويل فيها بتخصيصها بالشبهات البدوية، أو بالشبهة الغير المحصورة، بل هو كالاجتهاد في مقابل النصّ، بل مؤيّداً ذلك بما وَرَدَ في الشرع من جَعْلِ الطَّرف والأصول والإمارات المؤديّة كثيراً بخلافِ الواقع، بل وَقَعَتْ في الشَّرع المخالفة للعلم الإجماليّ في الشُّبهة المحصورة فَوْقَ حَدّ الإحصاء، كالأخبار الدالّة على حَلِّ جميع المال المختلط بالرّبا، التي سيجيءُ إنْ شاء الله نقل بعضها.

فلو كانَ يستحيلُ ترخيصُ الشّارع في ارتكاب المشتبهين، لما صَحَّ من الشارع الترخيص المذكور، وقد أفتى الفقهاء لا سيّما في أبوابِ المعاملات والسياسيات بما دَلَّ على جواز المخالفة القطعية:

منها: إنّ المقرّ إذا قال: هذا المالُ لزيدٍ، بل لبكرٍ، بأنَّ الحاكم يَحْكُمُ
بأخذ المال لزيد، وقيمته لبكر، مع أنّه نعلم إجمالاً بأنَّ أحدهما أخذ المال بالباطل([143]).

وهكذا ذكروا أيضاً في باب الصّلح، أنّه لو كانَ لأحدِ الوَدَعيين درهم، والآخر درهمان، فتلف درهمٌ من الثلاثة، لا يَعْلَمُ لأيّهما، من أنّه يقسم واحداً من الدرهمين الباقيين نصفين بينهما([144])، فإنّ في ذلك مخالفة للعلم الإجمالي، من أنّ هذا الدرهم لأحدهما، إلى غير ذلك مما يجده المتتبّعُ في كلماتِ القوم وفتواهم([145]).

ودعوى أنَّ الحاكم وظيفته أخذ ما يستحقّه المحكوم له بالأسباب الظاهرية، كالإقرار، والحلف، والبيّنة، وغيرها، فهو قائمٌ مقام المستحقّ في أخذِ حَقِّهِ، ولا عبرة بعلمه الإجمالي.

قال جَدّي الهادي  رحمه الله ([146]): وذلك لأنَّ الملحوظ حالَ المستحقّ، دون علم الحاكم، قال الشيخ  رحمه الله : ونظير ذلك ما إذا أفتى المفتي لكلٍّ من واجدي المني في الثوب المشترك بدخول المسجد، فإنّه إنّما يفتي لكلٍّ منهما بملاحظة تكليف نفسه([147]).

وإنّ مسألة الصُّلح حُكْمٌ تعبديّ، وكأنّه صُلْحٌ قهريٌ بين المالكين، أو يحمل على حصولِ الشركة بالاختلاط.

وبالجملة: فلا بُدَّ من التوجيه لكلِّ ما يُتوَهَّمُ منه جوازُ المخالَفَةِ القطعيّة لمنعِ العَقْلِ منها والنقل.

مدفوعةٌ: بأنّ الكلام في إمكان جعل هذه الوظيفة للحاكم فيما يلزم العمل بها المخالفة القطعية، ولا رَيْبَ أنّه لو يُحْكُمُ العَقْلُ بحُرْمَةِ المخالفة القطعية يستحيلُ أنْ يجعل تلك الوظيفة للحاكم مِنْ أخذِ المال ودَفْعِهِ لكلٍّ من زيدٍ وبكر، وهكذا يستحيلُ أنْ يجوز له الشَّارع أنْ يحكم بما لا يُجوِّزُهُ العَقْلُ من المخالفة القطعية، ولو جوّز الشارع للحاكم أخذ المال المذكور ودفعه للمقرّ لهما مع علمه بالمخالفة العملية القطعية، وجوّزنا له الحكم بذلك، لكانَ يجوز للشارع أنْ يجوّز ارتكاب المشتبهين، وفتوى المفتي بذلك؛ لأنّه يَعْلَمُ من ذلك أنَّ العلم الإجمالي ليس بعلّة تامة، فإنّ تَخَلُّفَ المعلول عن العلّة في موردِ يعلم منه أنَّ العلة ليست بتامة، وإنّ تماميتَهما بشيءٍ آخر، وتنظيرُهُ ذلك بفتواه لواجد المني لعلّه يؤكد عَدَمَ تأثير العلم الإجمالي؛ لأنه قد عُلِمَ إجمالاً بحُرْمَةِ إحدى الفتويين، لعدم مطابقتها للواقع، فلابُدَّ من الالتزام بجوازِ المخالفة القطعية لهذا العلم الإجمالي.

وأمّا مسألة الصُّلح، فكونُ الحكم فيها تعبُّديّ، ولو بصُلْحٍ قَهْريّ لا يرفع الإشكال، إذْ الكلامُ في إمكانِ مثل هذا التعبُّد ولو بالصُّلْحِ القهريّ، مع مخالفته للعلم الإجمالي.

وتخيّل توقُّف رَفْع الخصومة به ممنوع، لعدم انحصار الطريق فيه، ضرورةَ إمكان رَفْعُ الخصومة بالقرعة، بَلْ هو المتعيّن بناء على حُرْمَةِ مُخَالَفة العلم الإجماليّ القطعية، ولابُدّ من طَرْحِ الدليل المخالف لذلك أو تأويله.

وأضْعَف منه التّوجيه بحصولِ الشّركة القهريّة بالاختلاط، لوضوحِ أنَّ موردها الاختلاط على وَجْهِ الامتزاج، كامتزاجِ الحنطة بالحنطة، والدّهن بالدّهن، بل في الأخبار ما يدلُّ على جواز ارتكاب المشتبهين.

ففي صحيحِ الحلبي: أتى رَجُلٌ أبي، فقال: إنّي وَرِثْتُ مالاً، وقد عَرَفْتُ أنَّ صاحبه الذي ورثته منه كان يربو، وقد أعرف أنّ به رباً، وأستيقن ذلك، وليس يطيب لي حلاله، لحال علمي فيه، وقد سألتُ فُقَهَاء أهل العراق وأهل الحجاز، فقالوا: لا يَحِلُّ أكله، فقال أبو جعفر  عليهم السلام : (إنْ كُنتَ تَعْلَمُ بأنَّ فيه مالاً معروفاً رباً، وتعرف أهله، فخُذْ رأس مالك، ورُدّ ما سوى ذلك، وإنْ كانَ مختلطاً فكُلهُ هنيئاً مريئاً، فإنَّ المال مالك، واجتنب ما كان يصنع صاحبه)([148]).

ودعوى إمكان أنْ يكون المال الرَّبوي من مجهول المالك، فصارَ ملكاً للإمام عليهم السلام ، فأذِنَ له بالتصرُّف، أو ملكه إيّاه، أو أنه ملك للفقراء والوارث منهم.

مدفوعةٌ؛ بأنَّ الظاهر هو بيانُ الفتوى بحكم الشارع في الواقعة، لا أنه من باب الإذن والترخيص.

ومثل ما في موثّقة سماعة، عن أبي عبد الله  عليهم السلام ، عَنْ رَجُلٍ أصابَ مالاً
من عُمّال بني أمية، وهو يتصدَّقُ به ويقول: [إِنَّ الحَسَنَاتَ يُذهِبنَ السَّيِئاتِ]([149])،
 فقال  عليهم السلام : (إنَّ الخطيئة لا تكفر الخطيئة، ولكن الحسنة تحطُّ الخطيئة) ثمَّ
قال  عليهم السلام : (إنْ كان خَلَطَ الحرام حلالاً فاختلطا جميعاً، فلم يعرف الحلال من الحرام فلا بأس)([150])، فإنّه ظاهرٌ في جواز التصرّف بالجميع؛ لأنَّ التصدّق وإمساك الباقي هو تصرُّفٌ في جميع المال بصرفه وإمساكه.

نعم، لو كان الإمام  عليهم السلام  أمره بردّ الباقي إلى مالكه مع العلم بالمالك، أو إلى الإمام  عليهم السلام  نفسه، أو إلى حاكم الشرع، أو نائبه، أو بالتصدّق به عن مالكه، لم يكنْ له ظهورٌ في تناول الجميع؛ وفرضُ كون الرجل من الفقراء قد احتسب الإمام الباقي عليه من باب رَدِّ المظالم، كما ترى.

ومثلَ ما في صحيح عليّ بن جعفر، عن أخيه  عليهم السلام ، عن رَجُلٍ امتخط، فصَارَ الدّمُ قطعاً صغاراً، فأصابَ إناءَه، هَلْ يَصِحُّ الوضوءُ منه؟ قال  عليهم السلام : (إنْ لم يَكُنْ شيء يستبينُ في الماء، فلا بَأسَ)([151])، فإنّه ظاهرٌ في الشّبهة المحصورة التي أطرافها محلّ الابتلاء، لا سيّما والسائل مثل (علي)، ولا أقلّ من شمول إطلاقه لها بترك الاستفصال، وعدم التقييد.

إنْ قلتَ: إنَّ الأخبار الدالّة على جواز ارتكاب الشُبهة المحصورة يعارضها ما عن النبي  (ص) : (ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال)([152])، والمرسل: (اتركوا ما لا بأس به حذراً عما به البأس)([153])، وضَعْفُها ينجبر بالشُّهرةِ المحقّقة، والإجماع المنقول على حُرْمَة ارتكاب أطراف الشُّبهة المحصورة، وبمثل رواية ضرير، عن السّمن والجبن في أرضِ المشركين، قال: (أمّا ما علمت أنّه قد خلطه الحرام فلا تأكُلْ، وأمّا ما لم تعلم فكله حتّى تَعْلم أنّه حَرَامٌ)([154])، فإنَّ الخلط يصدق عند الاشتباه، كما في الشّبهة المحصورة، وبروايةِ ابن سنان([155])، كما في رسائل الشيخ، أو عبد الله بن سليمان([156]) كما في الدرة النجفية([157]): (كُلُّ شيءٍ لك حَلال حتَّى يجيئك شاهدان إنّ فيه ميتة)([158])، ولا رَيْبَ أنَّ الشُّبْهَةَ المحصورة التّي يعلم إجمالاً أنّ أحَدَ أطرافها ميتة، يكون فيها الميتة، وبرواية إسحاق بن عمّار: (يشتري منه ما لم يعلم أنّه ظَلمَ فيه أحداً)([159])، وبحديثِ التّثليث، وهو قوله  (ص) : (حلال بيّن، وحرام بيّن، وشُبُهاتٌ بين ذلك، فمَنْ تَرَكَ الشُّبهات نجا من المحرّمات، ومَنْ أخَذَ بالشبهات وقع في المحرّمات وهَلَكَ مِنْ حيثُ لا يعلم)([160])، وبمثل صحيح عبد الرحمن في جزاء الصيد: (إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتّى تسألوا عنه فتعلموا)([161]).

قلنا: أمّا النبويُّ الأوّلُ، ففي بعض الروايات له: (إلا غلب الحلال الحرام)([162])، فيكونُ على مطلوب الخصم أدَلّ، وقراءة الحلال بالنّصب، ليكون مفعولاً مقدَّماً، والحرام بالرفع، ليكونَ فاعلاً مؤخّراً، حتّى ينطبق على الرواية الأولى، ليس بأولى من العكس، بأنْ يقرأ في الرّواية الأولى الحرام بالنصب مفعولاً مقدّماً، والحلال فاعلاً مؤخراً.

وكونُ الرّواية الأولى أشهر، والأشهرية موجبة للترجيح ممنوع، فإنّ الأشهرية لا تُوجِب التّرجيح في القراءة، ولو سَلَّمنا ذلك، فالأخبار المعارضة الدالة على جواز ارتكاب المشتبه بالشُّبهة المحصورة مقدَّمة؛ لأنّها أصحُّ سنداً منه، على أنّه ظاهرٌ في الاجتماع بنحو المزج، لا بنحو الاشتباه، بل رُبّما يقال بعدم إمكان إرادة غير المزج، إذْ الاجتماع بغير المزج، إمّا أنْ يكون في الذهن، بأنْ يراد اجتماع احتمال الحرام واحتمال الحلال، وهو لا يصحّ إلا بارتكاب نوع من الإضمار، بأنْ يقدّر: (ما اجتمع احتمال الحلال، واحتمال الحرام، إلا غلب احتمال الحرام).

وهو خلافُ الأصل، لا يُصار إليه إلاّ بقرينة، وهي مفقودةٌ في المقام، مع
أنَّ مقتضى ذلك وُجوب الاحتياط في الشبهة البدوية مطلقاً، وهو خلاف الإجماع.

وإمّا أنْ يكونَ المرادُ بالاجتماع في المكان، ولا رَيْبَ أنَّ الاجتماع في المكان لا بنحو المزج إنّما يُتَصوَّرُ بأنْ يلاصق الحرام الحلال، وهو غيرُ مَعْقولٍ الإرادة، فإنّه مُستَلْزِمٌ للكذب، إذ الحرام إذا اجتمع مع الحلال والتَصَقَ به لا بنحو المزج لم يغلب أحدهما الآخر، فإنَّ لك أنْ تستعمل الحلال، وأنْ تترك الحرام، فإناءُ الخمر وإناءُ الماء لو جعل أحدهما بجنب الآخر، لم يغلب أحدهما على الآخر في حكمه، فإنّ لك أنْ تستعمل إناء الماء.

نعم، لو اجتمعا بنحو الامتزاج غَلَبَ الحرام، ولا يصحُّ لكَ شربُ الماء؛ لأنه بشربه تشرب الخمر، فيكونُ فعلُهُ عبارَةٌ عن فعلِ المعصية، فإذن تعيَّنَ حمل النبويّ المذكور على الاجتماع بنحو المزج، يكونُ أجنبياً عن المقام.

وأمّا المرسل المذكور، فالظّاهرُ أنَّ الأمر فيه للإرشاد، إلاّ أنَّ ترك المشتبه يوجِبُ الحَذَرَ من فعل المحرم، فإنَّ النفس بذلك تتعوَّد على ترك المحرَّمات، ويهونُ عليها التجنُّب عنها، فيكونُ مَفَادُهُ مَفَادَ قوله  عليهم السلام : (فمَنْ تَرَكَ ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استَبان له أترك)([163]).

وأمّا دعوى انجبار النبويّ والمرسل بالشُّهرة والإجماع، فهيَ فاسِدَةٌ؛ لأنه للخصم أنْ يمنع انجبارها بذلك، بعَدَمِ استناد المشهور في الحكم بالاحتياط إليهما، كما هو المشهور([164])، بل إلى القاعدة، سَلَّمنا كفايةَ الشُّهْرَة في الانجبار، لكنْ مَعَ وُضوحِ مَدْرَكِ الشُّهْرَة وضعفه لا يعوّل عليها في الجبر، والإجماعُ المدَّعى واضحٌ الخلاف، لما عَرَفْتَ من خلافِ جُمْلَةٍ من العلماء، مُضافاً إلى معلومية ضَعْفِ مَدْرَكِهِ، وهو القاعدة العقلية.

وأمّا رواية ضَرير، ففيها: إنّ لفظ الخلط ظاهرٌ في المزج، بقرينةِ السَّمن والجبن، حيثُ أنَّ الاختلاط فيهما لا محالة يكونُ بنحو المزج غالباً.

وأمّا روايةُ ابن سنان، فظاهرها قيام البيّنة على أنَّ المشتبه ميّتة،
فيكونُ مفادُها الأخبارُ الدالّة على حِلّية المشتبه حتَّى تعلم الحرام بعينِهِ،
لا سيّما موضوعُها كُلُّ شيء، والضّمير في (فيه) عائدٌ إليه، فإنَّ الشيئية ظاهِرَةٌ
في الموجود الواحد، لا الموجودات المتعدِّدة، فلا تَصْدُقُ الرّواية على
الشبهة المحصورة التي فيها الميتة، ولا أقلّ من الشكّ في الصِّدق، فيَسْقُطُ الاستدلال.

وأمّا روايةُ إسحاق بن عمّار، فإنَّ الظاهر منها هو العلم التفصيلي بأنَّ هذا الذي يشتريه فيه ظُلْمٌ بعينِهِ لأحد؛ وعليه فالرّواية دالّة على جواز ارتكاب أطرافُ الشبهة المحصورة؛ لأنّ كُلّ واحدٍ منها لا يَعْلَمُ بأنَّ ظلم فيه أحدا.

وأمّا حديثُ التثليث، ففيه: أنّه محمولٌ على الاستحباب، كما عن بعضهم([165])، أو على الإرشاد كما عن جماعة([166])، والغريب أنّ الشيخ
الأنصاري  رحمه الله  في الشبهة البدوية في مقام الرّد على الأخباريين حمله على الإرشاد([167])، وفي هذا المقام استشهد به على وجوبِ الاحتياط([168]).

ولو سلّم دلالته على وجوب الاحتياط، فالأخبار الدالة على جواز ارتكاب الشبهة المحصورة المتقدمة، مقدمة على هذا الحديث، حاكمة عليه، فإنّ الحديث المذكور إنما يدلُّ على الاحتياط مع عدم الأمن من الهلكة، والأخبار المذكورة تعمّ المؤمن من الهلكة، فيرتفع موضوعُ الحديث حُكماً، وإنْ لم يرتفع حقيقة، فلا وَجْهَ لجعلِهِ معارضاً لأدلة البراءة.

وأمّا صحيحُ عبد الرحمن، ففيه: أنّه مختصٌّ بصورة التمكُّن من السؤال والفحص، فهو ظاهرٌ في الجاهل المقصِّر، فلا دخل له في المقام.

إنْ قلتَ: إنّه يُستفادُ من أخبارٍ كثيرةٍ كونُ الاجتنابِ عن أطرافِ الشبهة المحصورة أمراً مُسلّماً مفروغاً عنه بين الأئمّة والشيعة، بل العامة أيضاً.

منها: ما وَرَدَ في المائعين المشتبهين، كخبر سماعة، عن الصادق  عليهم السلام ، في رَجُل معه إناءان، وَقَعَ في أحدهما قذر، لا يدري أيُّهما هو، وليس يقدّر على ماء غيرِهِ، قال  عليهم السلام : (يُهريقُهُما ويتيَمَّم)([169]).

وموثَّقة عَمَّار، عنه  عليهم السلام ، قال: سئل عن رَجُلٍ معه إناءان فيهما ماء، وَقَعَ في أحدهما قَذَرٌ، لا يدري أيّهما هو، وليس يقدر على ماء غيره، قال  عليهم السلام : (يهريقهما جميعاً ويتيمَّم)([170])، خُصوصاً مع فتوى الأصحاب بلا خلاف بينهم على وجوب الاجتناب عن استعمالهما مطلقاً، وعن المعتَبَر نسبة عمل الأصحاب إلى الخبرين([171])، وعن المنتهى أنَّ الأصحاب تَلَقَّتهما بالقبول([172])، وعن المدارك أن رواية عمار ضعيفة المستند بجماعة من الفطحية([173]).

ومنها: ما وَرَدَ في الصَّلاة في الثوبين المشتبهين، مثل مكاتبة صفوان بن يحيى، لأبي الحسن  عليهم السلام ، يسأله عن رجل معه ثوبان، فأصاب أحدهما البول، ولم يدر أيُّهما هو، وحضرت الصلاة، وخاف فوتها، وليس عندَه ماء، كيف يصنع؟
قال  عليهم السلام : (يُصلّي فيهما جميعاً)([174]).

ومنها: ما وَرَدَ في وُجوبِ غَسْلِ الثّوب من الناحية التي يعلم بإصابة بعضها للنجاسة، مُعلّلاً بقوله  عليهم السلام : (حتّى يكونُ على يقينٍ من طهارته)([175])، مثل الصحيح: (تغسل ثوبك من الناحية التي ترى أنه قد أصابها، حتَّى تكون على يقين من طهارتك)([176])، فإنَّ وجوب تحصيل اليقين بالطَّهارة على ما يُستفاد من التعليل، يَدُلُّ على عَدَمِ جَرَيانِ أصالة الطهارة بعد العِلْمِ الإجماليّ بالنجاسة، وهو الذي بَني عليه وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة، وعدم جواز الرجوع فيها إلى أصالة الحلّ، فإنّه لو جَرَى أصلُ الطهارة، وأصالةُ حِلِّ الصلاة في أحد المشتبهين، لم يَكُنْ للأحكام المذكورة وَجْهٌ، ولا للتعليل في الحِكْم الأخير بوجوب تحصيل اليقين بالطهارة.

ومنها: ما دَلَّ على بيع الذبائح المختلط ميتتها بمذكّيها من أهل الكتاب، ففي صحيح الحلبي: (إذا اختلط الذكيّ والميتة، باعَهُ ممن يستحلُّ الميتة)([177])، فلو لم يجب الاحتياطُ في الشبهة المحصورة، لكان يجوز البيعُ ممّن يستحلّ، وممن لا يستحل، لا تخصيص الجواز بمن يستحل.

وقد يستأنس للقول بوجوب الاحتياط في المقام، بما وَرَدَ من وجوب القرعة في قطيع الغنم المعلوم إجمالاً وجود الموطوء فيه، وهو الخبر([178]) المحكي عن جواب الإمام الجواد  عليهم السلام  لسؤال يحيى بن أكثم عن حكم القطيع المذكور، فإنّه لو لم يجب الاحتياط لا تجب القرعة لتعيين الموطوء منها.

قلنا: هذه موارد خاصّة، قام الدليلُ على وجوبِ الاحتياط فيها، ويكون الدليلُ عليها نظيرُ الإجماع الذي قام على وجوبِ إتيان القصر والتمام، والجمعة والظهر عند العلم الإجمالي بوجوب أحدهما؛ هذا مضافاً إلى أنَّ ما ورد في المائين المشتبهين يدلُّ على عدم اقتضاء العلم الإجماليّ لحرمة المخالفة القطعية، على عكس المدّعي؛ لأنه يَعْلَمُ إجمالاً بحُرْمَةِ تَرْكِ الوُضوءِ بأحدهما بإراقة الماء.

والحاصل: إنَّ الإهراقَ للمائين ليس تقتضيه القاعِدَةُ لو تَمَّتْ هنا، بل يَدُلُّ على عدمها؛ لأنه يمكن أن يتوضأ بأحد الإناءين، ويتطهر بالآخر، ثم يتوضأ بالآخر ويتطهر بالأول، فإنه يقطع بزوال الحدث؛ لأنه إنْ كان الأول ماءاً طاهراً كان وضوؤه صحيحاً، وإن كان الأول نجساً، فالماء الآخر قد تطهر به، ووضوءه يكون صحيحاً، ويتعارض استصحاب طهارة بدنه عند تطهيره بالماء الطاهر منهما، باستصحاب نجاسة بدنه عند إصابة بدنه بالنجس منهما، فيتساقطان، ونرجع إلى أصالة طهارة بدنه، فتصحُّ منه الصلاة.

وظاهرُ جواب الإمام  عليهم السلام  الأمر بالتيمم وبالإهراق سواء كان الإناءان يكفيان للوضوء والتطهير، أو للوضوء فقط، أو يصلي بصلاتين بالوضوء بكل واحد منهما، غاية الأمر بعد الصلاة بهما يتطهر عندما يجد الماء، للعلم التفصيلي بنجاسة بدنه، وإزالة النجاسة ليست فورية، فالذي اشتمل عليه النصّ حكم تعبدي للتسهيل على المكلفين، فلا يكون دليلاً للمدّعى، بل المورد من قبيل المتزاحمين بين وجوب الاجتناب عن النجس والصلاة، وبين حرمة ترك الوضوء للصلاة، فيكونُ المورد من دوران الأمرين المحذورين، أمّا الصلاة بلا طهارة حدثية بالماء، أو بلا طهارة خبثية، والإمام قدم الطهارة الخبثية عن الحدثية بالماء، لوجود البدل للطّهارة الحدثية بالماء، وهو التيمُّمُ، للتسهيل على المكلّفين، فلابُدّ من عملٍ بهذه الرواية يلتَزِمُ بأنّها حُكْمٌ تعبديٌّ مَحْض، وليس من جهةِ كون الشبهة المحصورة تقتضي حرمة المخالفة القطعية في العمل المذكور أيضاً مخالفة قطعية، حيث تيمم مع تمكّنه من أنْ يتطهر بالماء الطاهر منهما بالوجهين المذكورين.

نعم، هذا الخبر يَدُلُّ على عَدَمِ جَرَيانِ أصالَة الطهارة أو استصحابها مع العمل الإجمالي بالنجاسة في هذا المورد، ولَعلَّه من جهة أنَّ المورد مورد قاعدة الطهارة؛ لأنه ليس ما يَدُلُّ على سَبْقِ اليقين بالطَّهارة فيها دونَ الاستصحاب، لِعَدَمِ اتصال زمان الشك بزمان اليقين، وقاعدة الطّهارة لا تجري؛ لأنّها مغيّاة بالعلم بالنجاسة الذي هو أعمّ من الإجمالي والتفصيلي، بخلاف الاستصحاب، فإنّه ولو سُلّم، فهو حُكْمٌ في موردٍ خاصّ مُلغياً بالعلم التفصيليّ، كما قُرِّرَ في محله.

وأمّا ما وَرَدَ في الثَّوبين المشتبهين، فكذلك غيرُ دَالٍّ على القاعدة، بَلْ يَدُلُّ على عدم جريانها؛ لأنّ الصّلاة بالثوب المعلوم النجاسة تحرم، فصلاته فيهما يحصل بها العلم التفصيلي بالصلاة بالثوب المحرّم، فلو كان العلم الإجمالي يقتضي الاشتغال، لكانَ الإمام  عليهم السلام  يأمرُهُ باجتنابِهِما والصّلاة عارياً، وإذا لم يَجِدْ غيرهِما تجنّب الثّوبين لا ارتكابهما.

وإنْ شئتَ قُلتَ: إنَّ الكلام فيما يثبت به القاعدة ويمنع من إجراء أصل البراءة في الأطراف، والخبر المذكور لا يمنع من ذلك، وإنّما يلزم بإتيان الصلاة بهما، وهو لا يمنع من جواز استعمالهما الذي هو مقتضى أصل البراءة.

وبعبارةٍ أخرى: مَحَلُّ كلامِنا ثبوتُ ما يُعارِضُ كُلّ شيءٍ حلالٌ ونحوه، في أطراف الشبهة المحصورة.

نعم، هذا الخبرُ يَدُلُّ على عَدَمِ جريان أصالةِ الطَّهارة أو استصحابها
مع العلم الإجمالي بالنَّجاسة في هذا المورد بخصوصه، والكلام فيه هو
الكلام فيما تقدمه.

وأما ما وَرَدَ في وُجوبِ غسل الثوب، ففيه: إنَّ وجوب غسله ليس نفسياً، بل غيرياً للصلاة معه، وهو ساترٌ ليس معه ساتر، ويشترط فيه الطهارة، فمع عدم غسل ما يرى فيه النّجاسة، يعلم تفصيلاً أنه صلّى بثوبٍ نجس، ولو غسل بعض يعلم بواسطة الاستصحاب أنّه صلّى بساترٍ نجس، فلا مَنَاصَ له من غسل تمام الناحية، على أنَّ الخبر يدلُّ على غسل خصوص ما رأى النجاسة فيه، لا ما علم إجمالاً نجاسته.

وأما ما دَلَّ على بيع الذبائح المختلطة، ففيه: أنّه بظاهره مخالف للإجماع والعمومات الدالة على حُرْمةَ ِبيع الميتة، ولو سُلِّم، فهو يَدُلُّ على جواز بيع الحلال المشتبه بالحرام، وهو مساوقٌ لجواز استعمال أحدهما، فلا يَدُلُّ على وجوب الاجتناب، فتأمل؛ ولو سُلِّم، فهو حُكْمٌ تَعَبُدّيٌ، ثَبَتَ في مورد خاص، لا يتعدَّى عنه إلى غيره.

وأمّا مسألةُ القرعة، فيُمْكُن أنْ يقال بدلالته على عدم وجوب الاشتغال، إذ لو كان واجباً لوجب تجنب الجميع، مضافاً إلى إمكان القول بدلالته على استحباب القرعة، وعليه؛ فيدلُّ على البراءة، على أنه لو دلَّ على وجوب القرعة، فهو إنّما يَدُلُّ على تميز الحرام عمّا عَدَاه بطريقِ القرعة بخصوصية في المورد، كالبيّنة، أو يَدُ المسلم على بَعْضِها، كما أنّه يُمكِنُ أنْ يكون من باب مجاراة الخصم الذي يريدُ أنْ يمتحن الإمام  عليهم السلام  في معرفة المحرّم، وكان بناءه على الاحتياط في الشبهة، وكثيرٌ من الأجوبة من الأئمة  عليهم السلام  التي كانت في مقام امتحانهم يراعون فيها معرفة السائل بكون السؤال امتحانياً.

وأما المقام الثاني: وهو وجوب الموافقة القطعية، بأن يأتي بجميع أطراف العلم الإجمالي في الشبهة الوجوبية، ويترك جميعها في التحريمية، وهل أنَّ العلم الإجمالي علّة تامة لها، بحيث يمتنع ورود ترخيص من الشارع في عدمها، أو أنَّ العلم الإجمالي مقتضى لها، بمعنى أنَّ العقل يحكم بوجوب الموافقة القطعية للعلم الإجمالي لو خُلّي ونفسه، إلا أنّه لا يمنع من صدور ترخيص من الشارع في عدمها، بأنْ يأذن الشارع بارتكاب ما عدا مقدار المعلوم بالإجمال من أطراف العلم الإجمالي، هذا بناءً على ما اختاره المشهور([179]) في المقام الأول من حرمة المخالفة القطعية، نظراً لوجود المقتضي، وهو عموم الدليل الدال على الحكم الواقعي لصورة العلم الإجمالي الدال على تعلّق غرض المولى بترك أحدهما في الشبهة التحريمية، وفعل أحدهما في الوجوبية، والعلم بمتعلق غرض المولى من العبد موجبٌ لوجوب تحصيله.

وأمّا عدم المانع فلعدم الدليل على جواز الارتكاب لأطراف الشبهة المحصورة، لعدم شمول ما دَلَّ على الإباحة، والحلّية، والرفع، والحجب لأطرافها في كمال الوضوح.

وأمّا بناءً على ما قويناه، وقوّاه الأستاذ الجليل المحقّق المدقق أحمد بن الحسين من فقد المقتضي، باعتبار أنّ مجرّد العموم لا يوجب التنجز واستحقاق العقاب في الظاهر من جهة الشكّ في الموضوع، ووجود المانع على تقدير وجود المقتضي لشمول أدلة حلية المشكوك وحديث الرفع (لما لا يعلمون) لأطراف الشبهة، فيسقط هذا المقام؛ حيث بناءً عليه لا تجب الموافقة القطعية.

ثم إنَّ المتّجه إلغاء تعدّد العنوانين في هذا المبحث، أعني مبحث العلم الإجمالي، فلا ينبغي أنْ يجعل البحث فيه تارةً في حرمة المخالفة القطعية، وتارة في وجوب الموافقة القطعية له، بل ينبغي أنْ يجعل البحث فيه واحداً؛ لأنه بناءً على مُنجّزية العلم الإجمالي تحرم المخالفة وتجب الموافقة القطعية، لعدم الفرق بين الأطراف، وبناءً على عدم المنجزية، لا تحرم المخالفة القطعية، ولا تجب الموافقة.

فالأولى أنْ يُجْعَلَ البَحْثُ في الشبهة المحصورة في عنوانٍ واحد، وهو منجزية العلم الإجمالي، وذكر الأقوال، وبيانُ الحجج والمناقشات فيه، كما صنعه من تقدّم على الشيخ الأنصاري  رحمه الله .

وكيفَ كان، فقد نقل عن جماعة عدم وجوب الموافقة القطعية،
منهم المحدث المجلسي([180]) والمحقق الأردبيلي([181])، والفاضل السبزواري([182])، وصاحب المدارك([183])، والمحقق القمي([184])، والفاضل النراقي ([185])، ونسبه([186]) إلى ظاهر النافع([187]) والإرشاد([188])، وابن طاوُس، وحُكيَ عن الشّيخ في النهاية([189])، وعن القاضي في مسألةِ اشتباه السَّمَك الذي مات في الماء بغيره([190]).

إن قلت: لا فرق في وجوب الاحتياط بين خطاب المولى بأن يقول: (اجتنب عن الخمر المردّد بين الإناءين)، وبين أدلّة حرمة الخمر إلا العموم والخصوص، كما استدل بذلك الشيخ الأنصاري  رحمه الله ([191]).

قلنا: إنّ الأول نصٌّ في وجوب الاحتياط، وإنّ غرض المولى عدم تحقق ارتكاب الخمر في الخارج رأساً، علم به المكلف أم لم يعلم، بخلاف الثاني.

وبعبارة أخرى: إنه في الخطاب الأول بالنسبة لكلّ طرفٍ يكون شكلاً أولاً، فيقال: هذا إناء مردّد الخمر بينه وبين الإناء الآخر، وكلُّ إناء مردّد الخمر بينه وبين غيره من إناء آخر يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه، بخلاف الخطاب الثاني، فإنَّ الصغرى فيه غير محرزة بالنسبة لكلّ طرف من أطراف الشبهة.

إنْ قلتَ: إنّ الاشتغال اليقيني بما علم به إجمالاً قد تحقَّق بواسطة العلم، وهو يقتضي الفراغ اليقيني، ولا يتحقَّق الفراغ اليقيني إلاّ بالموافقة القطعية.

قلنا: هذا مُتّجه بعد تسليم المقتضي، وهو اشتغال الذمة بالمعلوم بالإجمال في الشبهة المحصورة بنحو التنجيز واستحقاق العقاب على مخالفته، مع عدم صدور أمن من الشارع في ارتكاب الأطراف، أما مع إنكار المقتضي المذكور، أو دعوى صدور الأمن من الشارع بواسطة شمول أدلّةِ البراءة للأطراف ونحوها، فلا يتّجه ذلك.

إنْ قلتَ: إنَّ أصلَّ البراءة في أطراف الشبهة المحصورة متعارضة، وقد تقرَّر في محلِّه إنَّ الحكم في تعارض الأصول إذا لم يكن أحدها حاكماً هو التساقط، وعليه فلا مُبرِّرَ لارتكاب أحدها، ويتعيّن الاحتياط.

قلنا: إنَّ مقتضى القاعدة في تنافي الأدلّة الاجتهادية أو الفقاهتية هو التخيير إذا كان دليلُ حُجيّتها يشمل لحال تخالفها وتنافيها، على وجهٍ يعلم بأنّ الشارع يريد العمل بمؤدّاها، كما في إنقاذ الغريقين، حيثُ لا قصور فيه من جهة المقتضي، وإنما القصور من جانب العبد، حيث لا يتمكّن من العمل بهما جميعاً، ولا يمكنه تَرْكُ العمل بهما جميعاً، لمكان العلم بأنَّ إنقاذهما مطلوب للشارع، فيَحْكُم العَقْلُ حينئذٍ بالتّخيير من بابِ الاضطرار، ومن هذا الباب تعارُضُ الخبرين بناءً على الموضوعية والسببية، بَلْ على الطريّقية أيضاً، وأمّا لو كان القصور من جانب المقتضي، بأنْ لم يشمل دليلها لحال التنافي، فمقتضى القاعدة التساقط، لعدم الدليل عليها في هذه الحال، أعني حال التعارض.

ومن هذا الباب كلُّ أصل أو أمارة كان اعتبارهما من باب الظن الفعلي، كالشهرتين، والاستقرائين، ونحوهما لانتفاء مناط الحُجيّة فيهما.

إذا عَرَفْتَ هذا، ظَهَرَ لَكَ الحال من أنَّ أصل البراءة في أطراف العلم الإجمالي يتساقط إذا قلنا بأنَّ العلم الذي جعل غاية في دليل أصل البراءة يشمل التفصيلي والإجمالي، حيثُ لا يشمل دليلها لحال التعارُض، لحصول الغاية وهو العلم الإجمالي، ويرتفع موضوع أصل البراءة في الأطراف، فلا يكون أصل البراءة في شيءٍ منها حُجّة فيتساقط، وأما إذا قلنا بأنَّ الغاية في دليل أصل البراءة هو العلم التفصيلي، فلا يتساقط أصلُ البراءة في أطراف العلم الإجمالي، ويَعْمَلُ بالأصل المذكور فيها، لشمول دليله لها، ولا تعارض فيها، وقد تقدَّم بيانُ وَجْهِ عدم التّعارض عن قريب، من أنَّ حاصله أنَّ دليلَ الأصل إنما يثبت وجوبُ العمل بمؤدّاه، ولا يَدُلُّ على ثبوتِ لوازمه العقلية، كنفي الآخر، فلا يدلُّ على بطلان العمل بمؤدّى الآخر إلاّ بناء على حجية الأصل المثبت، بخلاف دليل الأمارة، فإنّه يدلُّ على حُجيّتها في مؤدّاها ونفي لوازمه؛ لأنَّ الأمارة يثبت بها لوازمها، فتدل على بطلان مؤدى الأخرى وتكون حجة فيه.

شروط أصالة الاشتغال

ثُمَّ إنّ العقل إنّما يحكم بالموافقة القطعية للعلم الإجمالي عند من يقول بوجوبها بشروط:

أحدها: أنْ يكونَ كُلّ واحد من أطراف العلم الإجمالي بحيث لو فرض القطع بثبوت موضوع التكليف فيه كان التكليف مُنَجَّزاً بسببه، فلو لم يكن كذلك، كما لو عُلِمَ بالاضطرار إلى غير المعيّن منهما، وَجَبَ عليه اجتناب أحدهما؛ لأنه لم يضطر للحرام، فيكونُ الحرام منجّزاً عليه، لكن لما كان اجتناب هذا الحرام المنجّز عليه لا يمكن إلا بترك أحدهما مع ارتكاب الآخر للاضطرار إلى أحدهما الغير المعين، تعيّن عليه الموافقة الاحتمالية.

ثانيها: أنْ لا يكون مؤمن من مخالفته للعمل الإجمالي في أحد أطرافه، فلو فرض وجودِ المؤمن، كأنْ قامت أمارةٌ أو أصلٌ معتَبَرٌ في أحدِ الأطراف بلا معارض على جواز المخالفة، مثل ما لو علم إجمالاً بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة، وقامت الأمارة أو الأصل على عدم وجوب الجمعة مثلاً، فإنه يجوز ترك الجمعة، وكما لو علم بغصبية أحد الإناءين، وقامت الأمارة على عدم غصبية أحدهما بعينه، ولا تجوز في هذه الصورة المخالفة القطعية، للعلم بحدوث التكليف، غاية الأمر الشارع قد رَخَّصَ في ارتكاب أحدِ محتملاته، لوجود العذر عن المخالفة.

قد يقال: إنَّ هذا يقتضي عدم كون العلم الإجمالي علّة تامة للموافقة القطعية، وإلا لما انفكت عنه، كما لا تنفكُّ عن العلم التفصيلي، وإذا لم يكن علّة تامة للموافقة القطعية جاز تخلّفها عن العلم الإجمالي، وعليه لا بدْ من إثباتها للعلم الإجمالي بدليلٍ خاصّ، وحيثُ لا دليلَ عندنا، فالأصلُ براءة الذّمة من الموافقة القطعية في كلّ علمٍ إجماليٍ، نَعَمْ هو عِلّةٌ تامّةٌ لحرمة المخالفة القطعية لتحقق العصيان بها.

وجوابه: إنَّ مَنْ يقول بمنجّزية العلم الإجمالي للتكليف يَذْهَبُ إلى أنَّ العلم الإجمالي عِلّة تامة بالنسبة لحرمة المخالفة القطعية، لكونها يَحْصَلُ بها العصيان للمولى، فلو وَرَدَ دليلٌ على جوازها، لَزَمَ طَرْحُهُ أو تأويله لتنجُّز التكليف به؛ لأنَّ التكليف قد عُلِمَ بشروطه، وإنّما الشّكُّ كان في المكلّف به، لا بالتكليف، كما لو علم بالتفصيل التكليف، ولكنه بالنسبة إلى الموافقة القطعية يكون مقتضى تام لها، بمعنى أنه لو خُلّي وطَبْعُهُ تلزم موافقته القطعية إذا لم يَرْدِ دليلٌ على جواز ارتكاب بعض الأطراف، فلو وَرَدَ دليلٌ أخذ به؛ لأنّ إطاعة أمر المولى وامتثاله وكيفيّّاتها بيد المولى، فله أنْ يرضى بالبدل، كما في التيمُّم، أو الاكتفاء ببعض المحتملات كما في اشتباه القبلة.

وعليه: فمُقتضى الأصل هو الإطاعة القطعية، لا براءة الذمة من التكليف، ولا يعدل لبدلها، أو الاقتصار على بعض المحتملات إلا بالدليل، هذا على مسلك من يقول بمنجزية العلم الإجمالي.

ثالثها: أنْ تكون أطراف العلم الإجمالي محصورة، فلو كانت أطراف العلم الإجمالي غير محصورة، بأنْ تبلغ الأطراف من الكثرة بحيث لا يعتني العقلاء بالعلم الإجمالي الحاصل فيها، بأنْ يكون احتمال المعلوم بالإجمال في الأطراف ضعيفٌ جداً، كما لو احتمل أنّ قطرة بول وقعت في أحد أجزاء أرض داره الواسعة، فلا تجب الموافقة القطعية للضرورة الدينية على ذلك، كما عن بعض المتأخرين([192])، ولدعوى الإجماع([193]) عن الروض([194])، وجامع المقاصد([195])، وللزوم الحرج في الموافقة، بل للاطمئنان بعدم المعلوم بالإجمال في الأطراف لغرض ضعف احتماله في كلٍّ منها، فيجوزُ الارتكاب لها، إلى أنْ يبقى منها مقدار الحرام، لحرمة المخالفة القطعية، كما ذَهَبَ إليه بعض المتأخرين([196])، أو ارتكاب جميع أطرافها، كما هو ظاهر الكثير من المتقدمين([197]).

وأما لو كانت الأطراف تبلغ من المقدار بحيث يعتني العقلاء بالعلم الإجمالي الحاصل فيها لقلة الأطراف أو لكثرة المعلوم بالإجمال فيها بحيث يكون من شبهة الكثير في الكثير، كأنْ علم بغصبية ألف ثوب في أربعة آلاف من الثياب وَجَبَ عليه الاجتناب لاعتناء العقلاء بالعلم الإجمالي الحاصل فيها، وتحقيق الحال يطلب مما حرّرناه في كتبنا الأصولية.

رابعها: أنْ تكون أطراف العلم الإجمالي دفعية لا تدريجية؛ لأنّ التدريج يمنع من توجُّه الخطاب بالأمر المستقبل، لِعَدَمِ صِحَّةِ الخطاب بالواقعة المستقبلة، فلا يَكونُ الخطاب مُنَجَّزاً بالنّسبة إليه، وعليه؛ فتكونُ الواقعة الفعلية مشكوكة التكليف بالشكَّ البدوي، كما لو كانت زوجته مضطربة الوقت، بأنْ كانت تعلم بأنّها تحيض في الشهر ثلاثة أيام، فهل يجب عليها اجتناب زوجها في الشهر كله؟ وهل عليها تركُ دخول المساجد وقراءة العزائم؟ وكما لو علم تاجر بابتلائه بمعاملة ربوية في شهره أو يومه، فهل عليه اجتناب سائر المعاملات التي لا يعرف حكمها في ذلك الشهر؟ أو اليوم؟ وكما لو نذر ترك وطئ زوجته في ليلة، واشتبه في تلك الليلة بأيام الأسبوع أو الشهر، فهل عليه اجتناب وطئها في ذلك الأسبوع أو ذلك الشهر؟ فالقائل بعدم وجوب الاجتناب يجوز المخالفة القطعية.

ففي المثال الأول يستصحب الطهر إلى أن تبقى ثلاثة أيام من الشهر، فيجري أصل الحلّ لعدم جريان الاستصحاب، ويجري في كلِّ معاملة في المثال الثاني أصالة إباحة المعاملة مع أصالة الفساد فيها، فكلُّ معاملةٍ يشكل فيها يجري أصالة إباحتها، لكنّه لا يترتب الأثر عليها.

وقد أشْكَلَ بَعْضُهُم على ذلك بأنَّ من يقول بمنجّزية العلم الإجمالي لا يسلم عدم جواز الخطاب بالأمر الاستقبالي ولو سُلّم فهو يدعي استقلال العقل بالاحتياط وإنْ لم يتنجّز في وقتٍ واحد لئلا يقع في المخالفة القطعية.

وفيه: إنّه مع عدم تجويز الخطاب بالأمر المستقبل، لا علم إجمالي بالتكليف المنجز، ولا مخالفة قطعية له؛ نعم، إذا جوّزنا ذلك وكان التكليفُ من هذا القبيل، وكان التدّّرج غير مُوجبٍ للخروج عن الابتلاء، وعليه؛ فلا ينبغي أنْ يفرق بين الأطراف التدريجية والدفعية، نعم، عليه أنْ يفرّق في التدريجية بين ما كان الخطابُ بالفرد اللاحق مطلقاً فعلاً، وبين ما كان مشروطاً، كما فرَّقَ بعضهم([198]) بينَ ما إذا عَلِمَ بحيضية زوجته ثلاثة أيام، فإنّ الاجتناب مشروطٌ بالحيض، أو نَذَرَ ترك وطئها ثلاثة أيام، فإنّ الاجتناب غير مشروطٍ بشيء، واشتبهت تلك الثلاثةُ بين أيّام الشهر، أو علم أنّ إحدى المعاملات التي يبتلى بها هذا اليوم ربوية، فإنَّ الاجتناب عنها غيرُ مشروط بشيء، فمنع من الاحتياط في الأول وحكم به في الأخيرين.

وقد يُورَدُ عليه بعدم الفرق بينهما، ويمكن الفرق بينهما بأنَّ الحيض عنوان للمكلَّف به، وموضوعٌ له، ومن المعلوم أنَّ الخطاب لا يتوجَّه مع عدم تحقق موضوعه، بخلاف مسألة المعاملة والنذر، ففي مسألة الحيض يستصحب الطهر إلى أنْ يعلم نَقْضُ الحالة السابقة، وفي مسألةِ النذر يُرْجَعُ إلى أصالة إباحة الوطء، وفي مسألة المعاملة يُرْجَعُ إلى أصالة الفساد.

دوَران الأمر بيـن الأقل والأكثر

أمّا الكلام فيما دَارَ الأمرُ بينَ الأقلّ والأكثر، بأنْ تردَّدَ العَمَلُ المكلَّفُ به بينهما على نحوٍ يكونُ الشكُّ في كُلْفَةٍ زائدة على الأقلّ، بحيث لو كان الأقل هو الواجب واقعاً لم يضرّ إتيان هذه الزيادة معه، كما لو شك في جزئية الاستعاذة للصلاة، وأما لو تردَّد العَمَلُ بينهما لا على هذا النحو، بأنْ كان إتيانُ الزيادة مضرّاً ومبطلاً للواجب لو كان الواجب هو الأقل، كما لو تردَّد الواجب بين القصر والتمام، والجمعة والظهر، فهو خارِجٌ عن مَحَلّ البَحْثِ، ولا يسمى بدوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، ويكونُ داخلاً في دَوَرَانِ الأمر بين المتباينين.

والحاصل: إنَّ الزيادة إذا احتمل بطلانها للواجب وإفسادها له، أو قطع بذلك، كان المقام من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، ومتى لم يحتمل فيها ذلك، وإنما يحتمل فيها الوجوب فقط، كان من دوران الأمر بين الأقل والأكثر، ثمّ الكلام في هذا الفَصْلُ يتصور على قسمين:

أحدهما: ما تكونُ صِحّة الأقل منوطةٌ بضمّ الأكثر لو كان الواجب في الواقع هو نفس الأكثر، كما لو تردَّد العمل المكلَّفُ به بين الصلاة مع الاستعاذة أو بدونها، فإنّه على تقدير وجوبِ الصَّلاة مع الاستعاذة في الواقع تكونُ الصلاة بدون الاستعاذة باطلة، ويسمَّى هذا القسم بالأقل والأكثر الارتباطيين؛ لأنَّ أكثرية الأكثر من الأقلّ كانت بمدخلية الأقلّ فيه.

ثانيهما: بعكس ذلك، بمعنى أنْ لا تكون صحة الأقلّ منوطة بصحة الأكثر، ولو فرض أنّ الأكثر هو الواجب في الواقع، كما لو تردَّد الدَّيْنُ بين عشرة دنانير أو ثمانية، ويسمّى هذا القسم بالأقل والأكثر الاستقلاليين.

ولا رَيْبَ في جريانِ أصالة البراءة في هذا القسم الثاني في الزائد على الأقل؛ لأنه شكّ في التكليف به، ومن هذا الباب ما لو شكّ في عدد أيام الصيام الفائتة منه أو عدد الصَّلاة الفائتة منه.

أمّا القسم الأول، فالحقُّ أنَّ العلم الإجمالي فيه ينحَلُّ إلى علمٍ تفصيليٍ بالمكلّف به، وشَكٌ بدويٌ في التكليف بالأكثر، وهو يتصوّر على صورتين:

أحدهما: أنْ يكونَ الشكُّ في أجزاء المركّب أو شروطه أو قيوده، مثل أن يعلم بأنّ المطلوب منه هو الصلاة، ولكنّهُ يشكُّ في جزئية الاستعاذة لها، أو شرطيّة الطهارة لها، أو بقيد كونها في المسجد.

ثانيهما: أنْ يكونَ الشّكُّ في تعيين الواجب، أو التخيير بينه وبين غيره، مثل ما لو علم إجمالاً أمّا بوجوب تقليد الأعلم عليه، أو أنه مخيّر بين تقليده وبين تقليد غير الأعلم، ومثلُ ما لو علم بوجوب الظهر عليه، أو أنه مخيّر بينها وبين الجمعة، ونحو ذلك، فإنّه في الصُّورَةِ الأولى ينحلُّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيليّ بوجوبِ الأقل، وشكٍ بدوي في الزائد عليه، فيجبُ إتيان الأقل للعلم التفصيلي به، ويجري أصالة البراءة في الكلفة الزائدة عليه، حتّى لو كان الشكّ شكاً في تقييد المطلق، كما لو شكَّ في أنه مكلّفٌ بالرقبة مطلقاً، أو خصوص المؤمنة، فينفي الكلفة الزائدة بالإيمان في الرّقبة بالبراءة، فينحلُّ الخطاب المعلوم بالإجمال إلى خطابٍ معلوم بالتفصيل بالأقل، وخطابٍ مشكوك بالأكثر، ولو سلَّمنا عدم الانحلال الخطابي، فيكفينا الانحلالُ العقابي، لاستقلالِ العقل بقبح مؤاخذة المولى عبده بأكثر لم يبيّن له إلا الأقل منه؛ لأنها مؤاخَذَةُ بلا برهان، وعقاب على شيء بلا برهان، والوجدان شاهد على أنَّ سيرةَ العقلاء على ذلك.

وفي الصُّورَةِ الثانية، قد ذَهَبَ الكثير إلى أنّ العلم الإجمالي ينحلُّ إلى علم تفصيليّ بوجوبِ المعيّن وهو تقليدُ الأعلم وصلاةُ الظهر في المثالين المذكورين، وشكٌّ بدويٌ في صحّة الآخر، والأصلُ عَدَمُ براءة الذمّة به، فتكونُ قاعدة الاشتغال تقتضي إتيان محتمل التعيين، وعدم الاجتزاء بالآخر.

ولا يخفى ما فيه؛ لأنا نَشُكُّ في الكُلْفَةِ الزّائدَة في محتمل التعيّين منهما نظير الصُّورة الأولى، فإنَّ أصل البراءة في الشكّ في الوجوب للشيء المعيّن، وإن سلّمنا أنه يُعارضه أصَلُ البراءة في الوجوب المخيّر، فيتساقطان، ويبقى العلم الإجماليّ بالتكليف المردّد بينَهُما على حاله، إلاّ أنَّ الكُلْفَة الزّائدة بتعيين محتمل التعيين لما كانت مشكوكة، جَرَى فيها أصالَة قبح العقاب بلا بيان بلا معارض.

وكيف كان، فقد أورد على انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بوجوبِ الأقلّ، وشَكٌّ بدويٌ في وجوبِ الأكثر بوجوبِ البراءة منه بإيرادات عديدة:

الإيراد الأول: منعُ العلم التفصيليّ بالأقل، ومنع الانحلال في رَفْعِ تنجُّز الخطاب بالأكثر؛ لأنَّ العلم التّفصيلي بفعليّة التكليف بالأقلّ إنّما يتحقّق لو كان التكليف بالأقلّ ثابِتٌ على سائر التقادير، سواء كان متعلقاً بالأقلّ أو الأكثر، وإلاّ لم يَكُنْ التكليفُ بالأقل معلوماً بالتفصيل؛ لأنه لو كان التكليفُ على تقدير تعلّقه بالأكثر مشكوكاً يرفع بأصل البراءة، ارتفع العلم التفصيلي بوجوب الأقل، ضرورةَ ارتفاع الشيء بارتفاع علّته؛ لأنّ علّة وجوبِ الأقلّ على أحد التقادير هو وجوبُ الأكثر، فيلزم من العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ ارتفاع نفس هذا العلم التفصيلي بوجوبِ الأقل، وهُو باطلٌ؛ لأنّه يكونُ من قبيل ما يلزم من وجوده عدمه.

وبتعبير آخر: يلزم أن يكون الانحلال الذي يوجب كون التكليف بالأكثر مشكوكاً بدوياً يَرْفَعُ نفسه أيضاً، إذ به يرتفع العلم التفصيلي بالأقل، فيرتفع الانحلالُ، وما يلزم من وجوده عدمه باطل.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ الإتيان بالأقلّ على تقدير وجوب الأكثر في الواقع ليس بواجب، لا أصالةً ولا تبعاً، إذ الأقلّ المطلوب تبعاً هو الذي انضمّ إليه باقي أجزاء الأكثر، إذ المفروض إناطة صِحّة الأقل بانضمام الأكثر وارتباطه به عليه، فكيف يحصل العلم ببراءة الذمة من التكليف اليقيني، المفروض بمجرد الإتيان بالأقلّ الذي لم يعلم أنّه الواجب المعلوم بالإجمال.

وأجاب عنه أستاذي الشيخ كاظم الشيرازي أعلى الله مقامه: بأنّ ذلك إنما يلزم لو كان أثرُ الانحلال رَفْعَ التكليف بالأكثر مطلقاً، أمّا لو كان أثرُ الانحلال رَفْعَ التكليف في الأكثر بالنسبّة للجهة المشكوكة، فلا يَلْزَمُ ذلك، فإنَّ العقل إنما يَسْتَقِلُّ برفع العقاب عن الأكثر لو استند تركُهُ إلى تَركِ الجُزءِ المشكوك؛ لأنّه هو الذي يُوجِبُ أنْ يكونَ عقابه بلا بيانٍ، وأمّا العقاب على ترك الأكثر المستند إلى ترك الجزء المعلوم، أو إلى ترك جميع الأجزاء للأقلّ والأكثر، فهو عقاب مع البيان.

ثمَّ أورد على نفسه، بتوضيحٍ منّا وتنقيح، بأنّه: لو ارتفعت فعلية الخطاب بالأكثر من بعض الجهات، يرتفع التكليفُ به، إذ لا يحتمل التجزّء في مطلوبية الأكثر، فلو ارتفع الخطاب عن الأكثر، بمعنى أنّه لم يتنجَّز الخطاب بالنسبة لجزئه المشكوك فيه، لم يعقل أنْ يبقى الخطاب بباقي أجزائه، لوحدة المطلوب وارتباط أجزائه، لما عرفت من أنَّ فَرْضَ الكلام في الأقل والأكثر الارتباطيين، وإلا لكان من الأقل والأكثر الاستقلاليين.

وأجابَ  رحمه الله  بتوضيحٍ وتنقيحٍ منّا، وله المنّةُ والفَضْلُ عَلَيْنا عن الإيراد المذكور، بأنَّ: البراءَةَ ورفع الفعلية ليس فيها تصرّف في الواقع، ولا في مدلول الدليل الواقعيّ، حتّى يدّعي الخصم أنه لا يحتمل التفكيك في الأجزاء للأكثر، وإنّما البراءة تصرّف في استحقاق العقاب، وهو قابلٌ للتفكيك، وفي المقام لما كان الترك للأكثر بترك جميع الأجزاء يعلمُ باستحقاق العقاب عليه، لم يجوِّزه العقل؛ لأنه عقابٌ مع العلم والبيان، وهكذا ترك الأكثر بترك خصوص الأجزاء المعلومة، يعلم باستحقاق العقاب عليه، لم يجوّزه العقل لأنه عِقابٌ مع العلم والبيان.

نعم، تَرْكُ الأكثر بترك الأجزاء المشكوكة لم يعلم باستحقاق العقاب عليه، للشكّ في وجوبها، فلذا حَكَمَ العَقْلُ بجوازه؛ لأنّ العقاب عليه عقاب بلا بيان.

والحاصل: أنّ الكلام هنا في مقامين:

أحدهما: في وجوب الأقل.

والثاني: في عدم وجوبِ الزائد عليه بوجوب الأكثر منه.

أمّا الأول: فلا إشكالَ فيه؛ لأنه بتركِهِ يستحقُّ العقاب لا محالة، إذ لو كان الواجبُ هو الأقلُّ فقد تَرَكَه، ولو كان الواجبُ هو الأكثر فقد تَرَكَهُ بتركه للأقل.

وأمّا الثاني: فلأنّ أصلَ البراءة جاري فيه، إذ لا يعلم أنّ بتركه يترك الواجب، إذ لعلّ الواجب هو الأقلّ وقد أتى به، فأصلُ البراءة بالنسبة للعقاب جاري في المقام.

الإيراد الثاني: المنع من تأثير هذا الانحلال؛ لأنّ العلم التفصيلي بالتكليف في بعض أطراف العلم الإجمالي إنما يوجب تَنَجُّزُ التكليف بهِ، والشكُّ البدوي في الآخر لو كانَ قبل العلم الإجمالي، أو مقارناً له، ولذا لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، ثُمَّ علمنا بعد ذلك بوقوع قَطْرَةِ بولٍ في أحدهما المعيّن تفصيلاً، فإنّ هذا العلم التفصيلي لا ينجّز التكليفُ المعلوم بالإجمال في هذا الفرد المعين، وإلاّ لم يَكُنْ مَحلٌّ لأمر الإمام  عليهم السلام  بإراقةِ الإناءين والتيمُّم، وكان عليه أن يأمر بتنجيس أحدهما بعينه، والوضوء من الآخر، وما نحنُ فيهِ من قبيل الثاني؛ لأنّ العلم التفصيلي معلول للعلم الإجمالي، فيتأخّر عنه طبعاً، وعليه؛ فلا يكون موجباً لانحلاله.

والجواب: بأنّ العلم التفصيلي الذي لا يُوجبُ الانحلال، هو العلم التفصيليّ الذي لا يمنع من شمولِ أدلّةِ الأصول للأطراف، حيثُ إذ ذاك تبقى الأصول متعارضة فيها.

وأمّا العلمُ التفصيلي المانع من دخول أحد الأطراف تحتَ أدلة الأصول، فيوجب الانحلال، حيثُ يعلم بالعلم التفصيليّ وجود التكليف به، ويجري الأصل في الآخر بلا معارض.

وفيما نحن فيه، كان الأمر كذلك؛ لأنّ العلم التفصيلي بالأقل كان ملازماً للعلم الإجمالي، وإنما هو متأخرٌ عنه طبعاً لا خارجاً، فأوجَبَ هذا العلم التفصيلي عدم كون الأقلّ مشكوكاً في زمانٍ حتّى يكون داخلاً تحت دليل الأصل، فلا يجري فيه الأصل حتّى يعارض الأصل في الآخر.

وعليه: فيجري الأصلُ في الآخر بلا معارض، نعم، لو كان متأخراً عنه زماناً، كانَ الأصلُ يجري في الأطراف ويتعارض، فيتساقط، ويرجع للاحتياط.

الإيراد الثالث: وهو يرجعُ إلى أنّ المتعلّق في المقام بسيط غير مركَّب من أقلّ وأكثر؛ وهو الفعل الذي يكون لطفاً في الواجب العقلي، لما عليه المشهور بين العدلية([199]) من أنَّ الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية، فيكون الواجب هو الفعل المتّصل بعنوان اللطفية([200]).

وإنْ شئتَ قلتَ: إنّ الواجب الشرعي في الواقع هو الفعل المتّصفُ بالمصلحة الملزمة عقلاً، لما عليه العدلية من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، فيكون الشكّ في المقام شكّاً فيما يتحقّق به الواجب ويُحصّله، كما لو علمنا بأنَّ المطلوب إزالة النجاسة، وشَكَكْنا في أنّ الإزالة تحصل وتتحقق بغَسْلَةٍ واحدة أو أكثر، ونحو ذلك ممّا كان الشكُّ فيما يتحصَّل به المفهوم المبين ويتحقَّق به، فإنّه يجب الاحتياط، للعلم باشتغال الذمة بالمفهوم المبين المعلوم بالتفصيل، والشكُّ فيما يُحَصِّلُهُ ويحقِّقه الاشتغال اليقيني، يقتضي البراءة اليقينية.

وإنْ شئتَ قُلتَ: إنّ الواجبَ يكونُ هو اللّطف؛ لأنّه يكونُ هو المطلوب حقيقةً، لا الأقل، ولا الأكثر، فيجبُ تحصيلُ اليقين بالفراغ منه، وهو لا يحصل إلا بالإتيان بالأكثر.

وجوابه: المنع من اقتضاء قواعد العدلية كون المصلحة عنواناً وموضوعاً للواجب، وإنّما هي جهة باعثة للوجوب، نظير الفائدة والغرض والغاية من العمل، فإنّما تبعث نحو العمل وليست تعنونه، وفي مقام الإطاعة ليس العقل يلزم إلاّ بما جعله الآمر متعلّقاً لحكمه؛ لأنّ العقل يحكم بأنَّ الغرض للمولى، والمصلحة قائمة بما جعله المولى متعلّقاً للتكليف، إذ لو كانَ غيره لبيَّنه، وإلا لزم تفويتُهُ على العبد، وحيثُ ثَبَتَ إنّ متعلق التكليف هو الأقل لا غيره، كان الأقلُّ هو المحصَّل للمصلحة والغرض.

وإن شئت قلتَ: إنَّ التكليف يتعلَّقُ بمصداق ما فيه المصلحة، لا بعنوان ما فيه المصلحة، فإنّ هذا العنوان انتزعه العقلُ بعد كَمَالِ التكليف، نظير عنوان المراد والمطلوب للأمر، والصَّحيح، ونحوها من العناوين، فإنَّها لو سُلِّم أنَّها عناوين لمتعلّق التكليف إلا أنه تنتزع له بعد كمال التكليف، نظير عنوان الواجب.

وعليه: فيكونُ التّرديد في متعلَّق التكليف نفسه، وليس التّرديد في مصاديقه ومحقّقاته ومحصّلاته، سلّمنا؛ لكنّ الشكَّ في المحصّل للعنوان إذا كان مما يخفى على الناس معرفته بأجزائه تماماً وَجَبَ على المولى بيانه، فإذا أقامَ الدّليل على مجموعِ أمور تحصّله جرى أصلُ البراءة عَمَّا عداها، كما ذَكَرُوهُ في قَصْدِ الوَجه.

على أنّ البناء على كونِ مُتَعَلَّق التكليف عنوان المصلحة أو ما فيه المصلحة خروجُ عن مَحَلّ النزاع، وهو دَوَرَان متعلَّق التكليف بين الأقلّ والأكثر، وإذا فُرضَ كونُ المتعلَّق هو العنوان المذكور، لازمه أنْ لا يكون المتعلّق دائرٌ بين الأقلّ والأكثر، وإنّما هو العنوان الواحد، ولذا ترى الأشعريّ داخلاً في النزاع مع كونه منكراً للمصلحة.

سَلَّمنا؛ لكنّ الجواب عنه يكونُ هو الجواب عن الإيراد الرابع الذي سيجيء إنْ شاء الله فيما يخصّ وضع العبادات للصحيح أو الأعم، هذا كلُّهُ بناءً على المشهور من مذهب العدلية من تبعيّةِ الأحكام للمصالح والمفاسد القائمة في متعلّقاتها، وأمّا بناءً على تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد القائمة بذات الأحكام، كما هو الحال في الأحكام الوضعية، كالملكية، والزّوجية، والرّقّية ونحوها، فالإشكالُ غيرُ واردٍ؛ لأنَّ الحُكْمَ موجود مع الأقل.

الإيراد الرابع: ومرجعه أيضاً إلى أنَّ متعلَّق التكليف أمرٌ بسيط، والشكُّ يكونُ في مُحصَّله، وذلك لما تقرّر في مسألةِ الصَّحيح والأعمّ من أنَّ الجامع بين العبادات الصحيحة لا يكونُ إلا أمراً بسيطاً، حيثُ أنّ كُلَّ ما يفرض جامعاً مركّباً خارجياً يمكن أنْ تصحّ العبادة بدونِهِ، بل يكونُ فاسداً بالنسبة إلى طائفة، وصحيحاً بالنسبة إلى أخرى.

وعليه: فالمأموُر به هو ذلك الجامعُ البسيط المنطبق على المصاديق الصحيحة، الذي يكشف عن وُجودِهِ تحقُّقِ الأمر الشرعي.

وعليه: فيكونُ الشّكّ في قلّةِ أجزاء الواجب وأكثريّتها شكٌّ في محصَّل ذلك الأمر البسيط، والقاعدة تقتضي الإتيان بالأكثر، لإحراز امتثال الواجب به، دون الأقلّ لعدم إحراز الامتثال به، فالاشتغالُ اليقينيُّ بنفس الواجب وذاته قد تحقّق، وهو يستدعي الفراغ اليقيني منه، وهو لا يكونُ إلا بإتيان الأكثر.

نعم، لو قُلنا بأنَّ العبادات موضوعةٌ للمركَّب الصَّحيح، وشكّ في جزئية شيء لها، جرى أصلُ البراءة؛ لأنَّ التكليف حينئذٍ يكونُ متعلّقاً بأمرٍ مُجْمَلٍ مردَّد بين الأقلّ والأكثر، لا بشيءٍ مُعيّن مبين، ولذا ذهبوا إلى أنَّ المولى إذا أمره بغسلِ ظاهرِ البَدَن، وتردَّد في باطن الأذن بين كونِهِ من ظاهرِ البَدَن أو من باطِنِهِ، رَجَعَ إلى أصل البراءة عن باطن الأذن، وكما لو بَاعَهُ الدَّار، وتردَّد الماء والكَهَرَباء من الدّار أم لا، رَجَعَ إلى أصَالَةِ عدم الانتقال.

وجوابُهُ: أنّا لو سَلَّمنا أنَّ الواجب أمرٌ بسيطٌ في العبادات، فلا نُسلِّمُ أنَّ مقتضى القاعدة هو الاحتياط، فإنَّ المحصَّل للمأمورِ به البسيط إذا لم تَكُنْ بيّنة واضحة أجزاؤه، وكان مما يخفى على عامّة الناس، كان على المولى بيانه، لحكم العقل لقبح إهمال البيان مع الحاجة إليه، لا سيّما إذا كانَ الأمرُ البسيط غير معلوم، أو منتزَعٌ من الأمر بأشياء، كما في أوامر العبادات، فإنّه على القول بوضعها لأمر بسيط، فإنَّ ذلك البسيط لما لم يعرف بنفسه، وإنّما يستكشف وجودِهِ مَنْ تَعَلُّق الأمرُ، فيكونُ تابعاً لتحقّق الأمر، فإذا دَلَّ الدليلُ على عدم تعلّق الأمرُ بالأكثر، كانَ البسيط المستكشف هو المنتزع بطريقِ الأقلَّ بطريق الإن.

وإنْ شئتَ قُلْتَ: إنَّ العُقَلاء في مثلِ هذا المنتزع البسيط إذا شكّوا في اعتبار تحقَّق محصّلة بأكثر مما قام الدليل عليه لا يعتنون به، مضافاً لجريان أصل البراءة العقابي؛ لأنَّ العقاب قطعاً يتحقَّقُ بتَرْكِ الأقلّ، ويشك في تحققه بالنسبة إلى الزائد عليه، فالأصلُ عَدَمُ العِقاب عليه لعدم البيان فيه.

وإنْ شئتَ قلتَ: إنّا نَشُكُّ في حُرْمَة المخالفة للواجب بترك الجزء المشكوك، فترفع بالأصل، بخلاف حُرْمَة المخالفة له بترك الأقلّ، وما عن بعض أعاظم الفن من أنَّ الأمرَ البسيط إذا كانَ متدرّج الحصول، كالنّور الحاصل من ضمّ عِدَّة شُموعٍ، وكالطَّهارة، حَيْثُ دَلَّت الأخبارُ على أنَّ كُلَّ جُزْءٍ يطهر بوصولِ الماء إليه، كما في الصَّحيح: (ما جَرَىَ عليه الماء فَقَدْ طَهُر)([201])، فإنَّ أصلَ البراءة يجري عند الشكَّ في المحقق، والمحصَّل له، حيثُ أنَّ مرجع الشكِّ في الجزءِ إلى الشّكّ في سِعة ذلكَ الأمر البسيط وضيقه، وإلى الأقلّ منه أو الأكثر.

وعليه: فلعلّ العبادات كلُّها من هذا القبيل، فليس عندنا علمٌ باشتغال الذمة بأمرٍ بسيطٍ يحصل دفعةً واحدةً عند تحقُّق الجزء الأخير من علّته، فهو فاسدٌ؛ فإنَّ البسيط من هذا القبيل يكونُ مرَّكباً من عدّة أجزاءٍ منه، كالماء فهو ليس بسيط، وإنّما البسيط ما كان من النّوع الثاني، وهو ما كان يجعل عند الجزء الأخير على أنّه يرجع الأمرُ إلى الشّكّ بين المتباينين للعلم الإجماليّ بالواجب المردَّد بينهما([202]).

الإيراد الخامس: ومرجعه إلى أنَّ الاشتغال بالأقلّ لا يرتفع إلا بالإتيان بالأكثر، وذلك لأنّ الأمر إنّما يكونُ فعلياً، إذا كان مورده محصّلاً للغرض، وأما إذا لم يكن محصّلاً مورده للغرض، فلا يكون إلا شأنياً، فإذا شُكَّ في حصول الغرض من الأمر بإتيانِ الأقلّ، فلا يعلم كونُ الأمرِ فعلياً بالنسبة إليه، ومعه لا يعلم بحصول الامتثال بالنسبة إلى الأمر الفعليّ المنجّز المعلوم بالإجمال، كما قيل في قَصْدِ الوجه للعبادة.

والجوابُ عنه هو الجوابُ عن الرابع، فإنَّ فعلية الأمر بالنسبة إلى العمل المحصِّلِ للغرض يكفي في العلم بمطلوبيّة الأقلّ؛ لأنه أمّا محصّل له أو دخيل فيه، وما زاد عليه يَقْبُحُ من المولى عِقابُهُ على تَرْكِهِ، لِعَدَمِ العِلْمِ بتعلُّقِ غرضه به.

الإيراد السادس: ومرجعه أيضاً إلى أنّ الاشتغال بالأقلّ لا يرتفع إلا بالإتيان بالأكثر، وذلك أنَّ الأقلّ لا يعلم تعلّق الأمر النفسي به، والأمر الغيري غير قابل للتقرُّب به، مع أنَّ تعلّقه بالأقلّ غير معلوم؛ لأنّ الأمرَ الغيريّ يتبع تنجّز الأمر بذيه، فيكونُ الأقلُّ غيرُ معلومٍ كونُهُ متعلّقاً لأمرٍ قابلٍ للتقرُّب به، فيجبُ الإتيانُ بالأكثر ولو مقدّمةً لتحصيل الامتثال بالأقلّ.

وجوابه: إنَّ الإتيان بالفعل فراراً عن عقابِ المولى المعلوم ترتُّبِهِ على ترك ذلك الفعل يكونُ وَجْهَاً من وجوهِ التقرُّبِ والعبادة؛ على أنّ الإتيان لاحتمال الأمرِ النفسي يكفي في التقرب.

الإيرادُ السّابعُ: ومرجعه أيضاً إلى أنَّ الاشتغالَ بالأقلّ لا يرتفع إلا بالإتيان بالأكثر، وذلك لأنَّ التكليف بالأقلّ المعلوم تنجُّزُه مما يجبُ تحصيلُ البراءة عنه، ولا تَحْصَلُ البَرَاءَةُ عنه إلاّ بعد إتيانِهِ على وجه يحصل الامتثال بذلك الإتيان على كل تقدير، ولما دَارَ طَلَبُ الأقلّ بينَ أنْ يكونُ نفسياً أو غيرياً، وَجَبَ الإتيانُ به على وجهٍ يَحْصَلُ الامتثالُ به بالنسبة إلى الأمرِ الغيري أيضاً لو كان موجوداً، ولا يكون ذلك إلا بإتيانه في ضمن الأكثر.

وجوابه: بأنَّ المقدار المعلوم من الطلب المتعلّق بالأقلّ هو الطَلَبُ الجامعُ بين النفسي والغيري، وهو يمتثلُ بمجرّد فعلِ الأقلّ خوفاً من العقاب المترتّب على ترك الأقلّ؛ فوجوبُ الأكثر وإنْ كانَ محتمَلُ وِجداناً، إلا أنَّهُ نَقْطَعُ بعدم العقاب على تركِهِ بتَرْكِ الجزء المشكوك، لقبحِ العِقاب بلا بيان.

الإيراد الثامن: إنّ الانحلالَ موقوفٌ على وجوبِ المقدّمات الداخلية بالوجوبِ المقدّمي الغيري، وهو ممنوع.

وجوابه: لو سلَّمنا عَدَمَ وجوبها، فيكفي في الانحلالِ سببية تَرْكُها للعقاب، فيقال: تركُ الأقلّ سببٌ يقيني للعقاب، ولا يَعْلَمُ سببيةَ ترك الأكثر له.

الإيراد التاسع: إنَّ الشكَّ في الجزء للعبادة شَكٌّ في صِدْقِ لفظ العبادة على المأتيّ به، فلا يَنْفَعُ إجراءُ أصلِ البراءة فيه لعدم إحرازِ تحقُّقِ العبادة بدونه.

وجوابه: إنَّ مَحَلَّ الكلام في الجزء الغير المقوّم للمسمّى، بحيثُ تَصْدُقُ العبادة بدونِهِ، قالَ المرحوم الشيخ عبد الحسين الكاظمي في حاشيته: (إنَّ الظاهر أنَّ مَنْ تَتَبّع كلمات الأصحاب في هذا الباب يشرف على القطع بما ذكرناه)([203])، ويخطر بالبال أنّ ممن صَرَّحَ بذلك المحقق القمي  رحمه الله .

الإيراد العاشر: هو عَدَمُ تأثير الانحلال؛ لأنه به يَحْدُثُ عِلْمٌ إجماليٌّ بين أمرين متباينين، فَيجِبُ الاحتياطُ، ويقرّر ذلك بوجوه:

أحدها: أنّه لو ترك السُّورَةَ المشكوكة مثلاً، ودَخَلَ في الرّكوع، يحدث عنده علم إجمالي، أما بوجوب الإتمام لو كان في الواقع الواجب هو الأقل، لحرمة إبطال العمل، وأمّا بوجوب الإعادة، بإتيان الأكثر لو كان هو الواجب في الواقع.

وثانيها: أنّه قَبْلَ تَرْكِ السّورَةِ يعلم ببطلان صلاته إجمالاً، أمّا بترك السورة في محلها، أو بفعل المنافي بعد ذلك؛ لأنه لو كانَ الواجبُ هو الأكثر، كانَ بُطلانها بترك السّورة، ولا يكونُ المنافي كالحَدَث ونحوه مُبطلاً؛ لأنّها قد بَطَلَتْ على ذلك التقدير بالترك للسورة، وإنْ كان الواجب هو الأقل، فيكونُ فعلُ المنافي هو المبطل، لا تَرْكُ السُّورَةْ، ومُقْتَضَى هذا العلم الإجماليّ تَرْكُ الأمرين، بأنْ يترك تَرْكَ السّورة، وبأنْ لا يأتي بالمنافي، كالحَدَث ونحوه.

وثالثها: أنّه يَعْلَمُ بَعْدَ الدخول في الصَّلاة قبل ترك الجزء المشكوك بحرمة إبطال الصّلاة، ولا يعلم بسقوطِ هذا الأمر، وحُصولِ امتثاله، إلا بإتيانِ كُلِّ ما يحتمل مدخليّته في صِحّتها.

وجوابه: أنّه بَعْدَ الانحلال يكونُ الأقلُّ هو الواجب، وتَرْكُ الأكثر مرخَّص فيه، فلا يبقى بعد ذلك مجالٌ لتأثير العلم الإجماليّ الحادث الذي كان حدوثه ينشأ من عدم مراعاة الانحلال المذكور، مُضافاً إلى أنَّ العلم الإجماليّ المذكور قد قَامَ بما تَنَجَّزَ أَحَدُ طرفيه سابقاً بالعلم التفصيليّ بوجوبِ إتمام الصَّلاة، وبوجوبِ تَرْكِ المنافي، وبسقوطِ الوجوب، على أنَّ العلم الإجماليّ المذكور يَنْحَلُّ إلى شَكٍّ بَدْويٍ، وعلمٍ تفصيلي.

أمّا في الوجه الأول، فلأنه يعلم تفصيلاً بوجوبِ الإتيان بالأقلّ؛ لأنّه على كُلِّ تقديرٍ واجبٌ إتيانه، لثبوتِ العقاب بتَرْكِهِ قطعاً، وشَكٌّ بدويٌ بوجوبِ الإعادة بإتيانِ الأكثر.

وفي الوَجْهِ الثّاني، يَعْلَمُ بأنَّ إتيانَ المنافي بهِ يَحْصَلُ بطلان الصلاة، أما بترك السّورة أو بفعلِ ذلك المنافي، وشكٌّ بدويٌّ في بطلانِها بتركِ السّورة فقط.

وأمّا في الوجه الثالث، فحيثُ أنَّ حُرْمَةَ الإبطال مردَّدة بين الأقلّ والأكثر، فهو يَعْلَمُ تفصيلاً بثبوتِ حُرْمَةِ الإبطال بترك الأقلّ؛ لأنّه يَعْلَمُ بأنّه واجبٌ، أمّا بنفسِهِ أو بغيره، ويشكّ في حُرْمَةِ الإبطالِ بترك الأكثرِ، لعدم إحراز وجوب الجزء المشكوك، فالأصل عدمها.

الإيراد الحادي عشر: أنّه بَعْدَ جريانِ البَرَاءَةْ عن وجوبِ الجُزءِ المشكوك، ورفع العقاب بتركه لا يُثْبِتُ وجوبَ الأقلّ إلاّ على القولِ بالأصل المثبت؛ لأنّ وجوبَ الأقلّ لازمٌ عقليٌ لِعَدِم وجوبِ الجزءِ المشكوك.

وجوابه: إنَّ الأقلّ وجوبه ثابتٌ بالعلم التفصيليّ الوجداني، لا بواسطة البراءَة عن وجوبِ الجزء المشكوك؛ لأنه إمّا واجبٌ بالغير، أو واجب بنفسه.

وإنْ شئتَ قلتَ: إنَّ المكلَّف عالِمٌ بحصولِ العِقابِ بتركِهِ، وذاك يقتضي العلم بإرادَةِ المولى له.

الإيراد الثاني عشر: إنَّ المقامَ من قبيل القسم الثاني من الاستصحاب الكلّي؛ لأنَّ الواجب مردَّدٌ بين الفرد القصير، وهو الأقل، وبين الفرد الطويل، وهو الأكثر، فإذا أتى بالأقلّ يشكُّ في بقاءِ الواجب الذي هو الأكثر، لاحتمال أنَّ الأكثر هو الواجِبُ، فيُسْتَصْحَبُ بقاءُ الواجب ووجوبه، وعند ذا يَحْكُمُ العقلُ بوجوبِ إتيان الأكثر، تحصيلاً للفراغ منه، وليس هذا الاستصحاب من الأصول المثبتة بالنسبة لهذا الأثر؛ لأنه من آثار ثبوت الحكم في الظاهر، فإنَّ وجوبَ الإطاعة والامتثال من آثار الحكم الثابتِ حتَّى في مرحلة الظاهر، ولذا استصحابات الأحكام الشرعية يُرَتَّبُ عليها وجوبُ الإتيان بها، كاستصحاب وجوبِ صَلاةِ الجُمُعَة، أو حرمَةِ شُرْبِ الخمر عندما لم يسكر به الشارب.

وجوابه: أنّه لو سَلَّمنا صِحَّةَ هذا القِسْمِ من الاستصحاب، فلا مَجَالَ له هنا؛ لأنَّ أحدَ الفردين مُحرَز حُكْمُهُ بالوجدان، وهو الأقلّ، فلا يجري فيه الأصل، وَيبْقى الثاني مَجْرَى للأصل، وهو استصحابُ عَدَمِهِ بلا مُعارض، وقد قُرِّرَ في محلّه أنَّ الاستصحاب الكلّي إنّما يجري فيما إذا كانت الأصول متعارضة في أفراده، كما إذا تردَّد الحدث بين الأصغر والأكبر بعد أنْ توضأ، فإنَّ استصحاب عَدَمِ الأكبر مُعَارَضٌ باستصحابِ عَدَمِ الأصغر، أمّا إذا لم تتعارض الأصول، كما إذا كان المكلّف مُحْدِثاً بالأصغر، ثمَّ خَرَجَ منه بَلَلٌ احتمل أنّه أكبر، فإنَّ استصحاب عَدَمِ الأكبر جارٍ؛ لأنه لا يُعارِضُهُ استصحابُ عَدَمِ الأصغر، لليقين بالأصغر، سَلَّمنا؛ لكنَّ استصحابَ الواجب أو الوجوب الكلّي مُعارَضٌ باستصحابِ عَدَمِ وُجوبِ الأكثر، بَلْ رُبّما يُقالُ بأنه حَاكِمٌ عليه؛ لأنَّ الشكَّ في بقاءِ الوجوبِ مُسبَّبٌ عن الشَّكّ في وجوب الأكثر.

الإيرادُ الثالث عشر: وَينْسَبُ للمرحوم النائيني؛ أنَّ العلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ غيرُ مُوجِبٍ للانحلال؛ لأنّه عِلْمٌ بوجوبِ الأقلّ المردَّد بين التقييد بالجزء المشكوك، وبين الإطلاق، وعدم التقييد به، فلم يَكُنْ علماً تفصيلياً بوجوب الأقلّ بنحو الإطلاق، ولم يَكُنْ عِلماً بواحِدٍ معيَّن من المحتملات، ولو كان مُوجباً للانحلال، لكانَ العلم الإجماليّ في المتباينين موجباً للانحلال؛ لأنه علم تفصيليٌّ بالجامع بين الوُجوبين، والشكُّ في الخصوصية لكلٍّ منهما([204]).

وجوابه: قد عُلِمَ مما سَبَقَ من أنَّ الانحلال ليس بحقيقيٍ، بَلْ هو بواسطة حكم العقل والشرع، حيثُ أنَّ العقل حَكَمَ بعدم صِحَّةِ العقابِ على ترك الجزء المشكوك، وهكذا الشّارعُ حُكْمَ بذلك، وفي الأقلّ حَكَمَ العَقْلُ بصحّة العقاب على تَرْكِهِ وتَنَجُّز الوجوب الموجود فيه بسبب العلم به، ولذا سمّيناه بالانحلال الحكمي، وأمّا في صورة المتباينين، فلأنَّ الأصلَ في خُصوصيّة أَحَدِهِما معارضة بالأصلِ في خُصوصيّة الآخر، فيَصِحُّ العِقاب على مخالفتهما، لِعَدَمِ المؤمِّنِ من المخالفة عند من قال بتنجُّز التكليف بالعلم الإجمالي بين المتباينين.

البراءة الشرعية عند دورانِ الأمر بيـن الأقلّ والأكثر

ما تقدَّم كانَ في إثباتِ البراءة بحكم العقل عن الكلفة الزائدة، وأمّا بحكم الشرع فكذلك الأخبار المتكاثرة الدالّة على عدم العقاب على ترك الكلفة الزائدة، كحديثِ: (رُفِعَ عن أمّتي ما لا يعلمون)([205])، ونحوه.

ولا يقال: إنَّ وجوب الأقلّ مشكوكٌ كوجوبِ الأكثر، فيتعارض أخبار البراءة الشرعية فيها.

لأنا نقول: إنَّ وجوب الأقلّ معلومٌ تفصيلاً، أمّا لأنه واجب نفسي أو غيري، أو من جهة العلم بأنّ بتركه يَثْبُتُ العقاب، فوجوبُه الجامعُ بين النفسي والغيري يكونُ مَعلوماً وغير محجوبٍ عن العباد، فلا تشمله الأخبار، بخلاف وجوب الأكثر، وهكذا العِقابُ على تركِ الأقلّ معلومٌ، فلا تدلُّ أحاديث البراءة على رفعه، وأمّا العقاب على تَرْكِ الأكثر بتَرْكِ الجزء المشكوكِ فغيرُ معلومٍ، فتدلُّ الأحاديث على رَفْعِهِ.

هذا مُضَافاً إلى إمكانِ دَعْوى شُمولها لِنَفْسِ وجوبِ الجُزءِ المشكوكِ،
بأنَّ يقال: إنّ وجوبَ هذا الجزء من الشرع مشكوكٌ ومُحْجُوبٌ عنّا، فهو
مرفوع.

ودعوى إنَّ الشكَّ في وجوبِ الجُزْءِ مُسبَّبٌ عن الشكَّ في وجوبِ الأكثر،
 فلا مَجَالَ للأصل إلاّ بالنسبة إلى الأكثر، مُضافاً إلى أنَّ الذي يرفعه الشارع
هو الذي يَضَعُهُ، ووجوبُ الجزء لم يَضَعْهُ الشَّارع، وإنّما وُضِعَ وُجوبُ
الأكثر.

مدفوعةٌ؛ بأنَّ سببيّة وجوب الأكثر لوجوبِ الجُزْءِ المشكوك وإنْ كانت مُسلَّمة، إلا أنَّها لا تُنافي كونُ وجوبِ الجزء المشكوك مَجْعُولاً للشارع، غاية الأمر بجعل الأكثر، فللشّارع أنْ يرفع فعليّته وحده، بل له أنْ يرفع وجوب الأكثر بالنسبة إلى هذا الجزء المشكوك فقط، دون أنْ يرفعه بالنسبة لباقي الأجزاء، حيث لا يلزم من ذلك رَفْعُ وُجوبِ الأكثرِ الفعليّ في باقي الأجزاء، إذ ليست الأصولُ حُجّة في لوازِمِها العَقْليّة.

دَوَرَانُ الأمر بيـنَ الأقلّ والأكثر في الشُّبهة الموضوعيّة

ما تَقَدَّمَ كان في دَوَرَانِ الأمر بينَ الأقلّ والأكثر الارتباطيين في الشُّبهة الحكمية، وأمّا إذا كانَ الأمرُ دائراً بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين في الشبهة الموضوعية، كما لو أمر بإزالة الحدث، فشكّ في جزئية شيء لها، أو أمر بصوم اليوم، وشكّ في جزئية ذهاب الحمرة لليوم، فقد ذَهَبَ الشيخ الأنصاري إلى أنَّ القاعدة هو الاحتياط؛ لأنّ الشكَّ فيها يرجع إلى الشكّ في المحصّل للتكليف والمحقّق له؛ لأنَّ التكليف معلومٌ مبيّن تفصيلاً، وإنّما الشكّ في تحقّقه وحصوله في الخارج بالأقلّ، والأصلُ يَقْتضي عَدَمُ تحقّقه وعَدَمُ حصولِهِ، والعَقْلُ يحكم بوجوب اليقين بحصوله، إذْ لا قُبْحَ لو عَاقَبَ المولى على تَرْكِهِ بترك الأكثر لو كان الجزء المشكوك جُزْءاً واقعاً([206]).

ولا يَخْفى ما فيه؛ فإنّه إنْ كانَ من الأمر بالمجمل المردَّد بين الأقلّ والأكثر لإجمالِ الفعل المقصود منه، فهو شُبْهَةٌ حُكْميّة، والتّكليف المنجَّز به هو الأقلّ، وإنْ كانَ من الأمر بالماهيّة البسيطة، أو الشكَّ في حُصولها بالأقلّ والأكثر، فقد تَقَدَّمَ منّا في الإيراد الرابع المتعلّق بالصّحيح والأعمّ ما يَظْهَرُ لَكَ فيه أنَّ الأصل هو البراءة من وجوب الأكثر.

نَعَمْ، يُمْكِنُ تصوّر الشبهة الموضوعية في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر فيما لو علم متعلّق التكليف بأجزائه تفصيلاً، ولكنّه لَمْ يَدْرِ بأنّه بعَمَلِهِ هذا هل يَحْصَلُ التعلّق أم لا، كما في صَومِ اليوم الغائم إذا شُكَّ في آخره، بأنَّ إمساكه فيه من اليوم أم بعده، فَيجِبُ عليه الإمساكُ إلى أنْ يَحْصَلُ اليقينُ بحُصُولِهِ إمساك اليوم.

شرائطُ العَمَل بالاحتياط

يُعْتَبَر في الاحتياط إحرازُ موضوعه، بأنْ يُعْرَفَ إحرازُ الواقع المشكوك فيه به، أو أنه أقْرَبُ الطرق لحصول الواقع به، وعدم اختلال النظام به، وعدم صيرورته لعباً بأمر المولى، فإنّه حَسَنٌ في العبادات والمعاملات، ولو استلزم التكرار، حتّى مع التمكّن من عدمه، بأنْ كان مقدوراً له تحصيل العلم التفصيلي بالواقع، بل حتَّى لو قامَتْ عندَهْ الحجّة المعتبرة على الواقع، لعموم أدلّة رجحان الاحتياط عقلاً لحسنه؛ لأنه أقرب الطُّرق لحصول الواقع، ونقلاً للأخبار المتظافرة على حُسْنِهِ مطلقاً([207]).

وما وَقَعَ من الكلام في صِحَّتِهِ في بَعْضِ الموارد إنّما هو من جهة عدم إحراز موضوعه فيها، كما في العبادات إذا شُكَّ في حُكْمها أو حكم أجزائها، فإنه قد يقال، بل قد قالوا بعَدَمِ تحقُّق الاحتياط فيها؛ لأنّه يُعْتَبَرُ في صحّتها وسقوط التكليف بها من نية وجه فعلها من وجوبها أو استحبابها، وما دامت مشكوكة الحكم لا يقدر على نية الوجه، فلا بُدَّ من الفحص، ومن معرفة حكمها من وجوب أو استحباب ليأتي بنيته، فالاحتياطُ فيها بالتكرار، أو إتيان الجزء المشكوك، لم يَكُنْ موجباً لإحراز الواقع، فلم يتحقَّق موضوعُهُ فيها، وكما في العبادات قبل الاجتهاد أو التقليد في معرفة حكمها، فإنّه قد قيل، بل قد قالوا ببطلان عبادات تارك الطريقين حتى لو قلنا بعدم اعتبار نية الوجه وعلم بمطابقتها للواقع إجمالاً.

ولكن لا يخفى عَدَمُ اعتبار نيّة الوجه في العبادات، ولذا يرى العقل والعقلاء أنَّ الآتي بالعَمَل امتثالاً لحكمه الواقعي مطيعاً لمولاه وإنْ لم يشخص الحكم الواقعي، ولم يعرف أنه الوجوب أو الاستحباب، بل يكفي قصد التقرب
لله تعالى، ولا دليل على اعتبار نية الوجه في الإطاعة، لا عقلاً، ولا شرعاً، سوى ما يحكى عن المتكلّمين من اتفاقهم على اعتباره([208])، وما يُحكى عن السيّد الرضي  رحمه الله  من دعوى إجماع أصحابنا على بطلان صلاة من صلّى صلاة لا يعلم أحكامها([209])، وعن أخيه المرتضى  قدس سره تقرير على ذلك في مسألة الجاهل بالقصر([210])، فهو إجماعٌ منقولٌ لا يُعْتَمَد عليه، لعلَّ مستنده توهم توقف صدق الإطاعة عليه، أو قيام دليل خاصّ عليه، وهما ممنوعان.

أمّا الأول: فلِما عَرَفْتَ من صدق الإطاعة عقلاً وعرفاً على من يأتي بالعمل بقصد الأمر الموجود في الواقع، وإنْ جهل أنه الوجوب أو الاستحباب.

وأمّا الثاني: فلعدم الظّفر بما يَدُلُّ على ذلك، والإطلاق المقامي يقتضي عدمه، فإنَّ مقتضى الإطلاق المقامي هو عدم اعتبار ما يشك في دخله في الغرض من نحو هذه القيود التي يغفل عنها عامة الناس.

وأمَّا بُطْلانُ عبادة تارك الطريقتين، الاجتهاد والتقليد، فلا دليل عليه إذا كان يحتاط لإحراز الواقع فيها بتكرار العبادة، أو إتيان ما يحتمل اعتباره فيها مع عدم احتماله فسادها بإتيانه، كالاستعاذة، إذ مع احتماله، فالاحتياط بتكرار العبادة مرة معه ومرة بدونه، بل العقل يرى أنَّ ذلك من كمال الإطاعة، نعم لو كان من باب اللعب بأمر المولى والاستهزاء به كان باطلاً.

 

المصدر الثالث والعشرون
الاستصحاب

وهو لغةً: طلبُ الصُّحبة([211])، نظير الاستعلاج، والاستخراج، أو صيرورة الشيء صاحباً، نظير الاستحجار، فإنّ معناه صيرورة الشيء حجراً، أو الاستنسار أي: صيرورة الشيء نسراً، فإنّ الأغلب في وضع باب الاستفعال هو طلب المصدر، قال في منظومة الشافعية:

وباب الاستفعال للسؤالِ
 

 

مطّرد في غالبِ الأحوالِ
 

 

نعم، تارةً يكونُ الطَّلَبُ صريحاً، نحو استكتاب زيد، فإنَّ معناه طلب الكتابة منه، وأمّا تقديراً نحو استخراج الوتد من الحائط، فإنّه ليس هناك طلب صريح، وإنّما كانت محاولة لإخراج الوتد من الحائط مُنزَّلة منزلة الطلب لإخراجه.

وقد يُستعملُ بابُ الاستفعال للصيرورة والتحوُّل، أي: تحوّل الفاعل إلى أصل الفعل، وصيرورَة الفاعل متّصفاً بالفعل الذي اشتُقّ هو منه، كقولك استحجار الطين، فإنّ معناه صيرورة الطين حجراً، وتحوله إلى صفة الحجرية، ومنه: (إن البغاث بأرضنا تستنسر)([212]).

وإطلاق الأصوليين الاستصحاب على استصحاب الحالة السابقة،
أو استصحاب اليقين السابق إلى زمن الشكّ اللاحق، يمكن أنْ يكون بالمعنى الأول الذي هو الغالب في هذه الصيغة، باعتبار أنّ المستصحِب (بالكسر)
يطلب صحبة الحالة السابقة إلى زمان الشكّ، أو يطلب صحبة اليقين السابق إلى زمان الشكّ.

ويمكن أنْ يكون بالمعنى الثاني، باعتبار أنّ المستصحب صاحباً للحالة السابقة، أو اليقين السابق إلى زمن الشكّ، ومنه قولهم: استصحاب الشخص أجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة، حيثُ أنّهم يريدون منه صيرورة الشخص صاحباً للأجزاء المذكورة.

وعليه: لا وَجْهَ لما ذَكَرَهُ غيرُ واحدٍ من الأصوليين، كالشيخ الأنصاري([213]) في رسائله وغيره([214]) من جعله بحسب اللغة أخذ الشيء مصاحباً.

فإنّه ليس الأخذُ معنىً للاستصحاب في ما اطّلعنا عليه في كتب اللغة، ولا يساعد على ذلك قواعد الصَّرف، فإنّ بابَ الاستفعال الغالب فيه هو المعنى الأول، ويجيءُ للمعنى الثاني، وقد يَجيءُ بمعنى الفعل المجرّد كاستقرّ، بمعنى قَرَّ.

وبالمعنى الثالث يكونُ معنى الاستصحاب للحالة السابقة هو صُحْبتها.

ولم يُذْكَرُ في معانيه الأخذُ، مع أنّه لا وَجْه أيضاً لأخذِ مادّةِ الاستصحاب من المفاعلة، أعني: المصاحبة، وإنّما هو مأخوذٌ من صحب.

الاستصحاب في الاصطلاح

والاستصحابُ في اصطلاح الأصوليين إبقاءُ العبد ما كانَ وُجوداً وعدماً على ما كان، لأجل أنّه قد كانَ سابقاً، لحُكْمِ الشّرع بذلك، أو العقل، والمراد بالإبقاء هو ترتيبُ العبد آثار البقاء في مقام العمل، وإنّما زدنا (وجوداً وعدماً) لأنّ الأصوليين يجرون الاستصحاب في العدميات، فلو اقتصرنا على (ما كان) لتوهُّم اختصاصه بالوجوديات، وشأنُ التّعاريفِ أنْ تكونَ موضّحة، وقيّدناه بـ(سابقاً) لئلا يتوهَّمُ دخول الاستصحاب القهقري في التعريف، مع أنه ليس من الاستصحاب، فإنّ الكون إذا لم يقيّد بالسابق يكونُ شاملاً للاحق، وقيّدناه بـ(لأجل أنه قد كان) ليخرج إبقاء على ما كان لا لأجل ذلك، بل لأجل قيام الدليل على بقاء الحُكم في الحالة الثانية، كالدّليل الدالّ على بقاءِ وجوب الطهارة بعد قطع بعض الأعضاء، أو لأجلِ بقاء العلّة، أو إلى التلازم القطعي بين الحالتين، أو لأجل عدم القول بالفصل بينهما، فمثلاً بقاءُ الحكم بعد خروج الوقت لأجل أدلّة القضاء ليس من الاستصحاب في شيء، كما أنا زدنا (ما كان) حذراً من أن يشمل التعريف إبقاء ما كان على غير ما كان، كإبقاء الطلب على غير الوجوب، ويخرج بهذه الزيادة ما إذا أبقي مع تغير الموضوع، فإنه لم يكن من الاستصحاب.

استصحاب الحال والإجماع ونحوها

لا يخفى أنّه وَقَعَ التعبيرُ باستصحاب الحال، كما في محكيّ العدّة([215])،
أو باستصحاب حال الإجماع، كما في محكي المعارج([216])، وغيره باستصحاب حال العقل([217]).

والمراد بالحال هو الحالة السابقة، والمراد باستصحاب حال الإجماع والعقل هو استصحاب الحالة السابقة التي قام عليها الإجماع أو العقل.

وقد يُطْلَقُ الاستصحابُ ويُرادُ به استصحابُ عموم النصّ وإطلاقه، وهو الأخذ بعموم النصّ في مورد الشكّ في تخصيصه، أو بإطلاقه في مورد الشكّ في تقييده، وربما جعله البعضُ قسماً برأسه، وقال بحجيته وعدم حجية غيره، حتى نسب إليه القول بالتفصيل في حجية الاستصحاب، كالغزالي([218]).

والتحقيق: إن الأخذ بعموم النص وإطلاقه قاعدة عقلائية، استقر بناء العقلاء في محاوراتهم عليها، وإلا فلا يقين بالعموم والإطلاق إلا نادراً، لاحتمال سبق التخصيص أو التقييد صدوراً على صدور العام، أو المطلق في أغلب الموارد، كما ذكره المرحوم الشيخ عبد الحسين في حاشيته على الكفاية.([219])

الأدلّة على اعتبار الاستصحاب شرعاً

والدليلُ على اعتبار الاستصحاب أمور:

أحدها: بناء العقلاء، والسيرة عليه في أمورهم العادية، مع إمضاء الشارع له، أمّا بناء العقلاء عليه، فلأنه هو أمرٌ غريزي فطريٌّ، بدليل أنَّ الناس، بل الحيوانات ترجع لأماكنها استصحاباً لوجودها بفطرتها، ولو قُدِّرَ عَدَمُ عملهم به فذلك من باب الاحتياط، أو من جهة خوفِ الضَّرر أو التفريط بالأموال، وعن القوانين أنه لولا ذلك لاختلّ نظامُ العالم وأساسُ عيش بني آدم([220])، وعن الفصول أنّه أمرٌ مركوزٌ في النفوس، حتَّى الحيوانات، فإنّها تطلب المواضع التي عهدت فيها الماء والكلأ، بل حتّى في الطيور، فإنّها ترجع للأوكار بعد مفارقتها([221]).

وأمّا إمضاؤه شرعاً، فيكفي فيه عدمُ صدور رادع من الشارع.

إنْ قلتَ: إنّا نمنعُ من عدم صدور الرّدعِ عن العمل به، كيف؛ وما دَلَّ على عدم جواز العمل بغير العلم، بل وما دَلَّ على البراءة والاشتغال كافيان في الرَّدْعِ عن العمل على طبق الحالة السابقة.

قلنا: إنَّ هذه الأمور لا تكفي في الردع؛ لأنّ العاملين بالاستصحاب لما كانوا يرون بناء العقلاء والسيرة من الناس على العمل به، يجدون أنفسهم قد عملوا بما هو الطريق الواقع، فلا مجال للبراءة والاشتغال، ولا غيرهما من الأصول التي ليست لها كاشفية للواقع، بل يرون أنفسهم أنهم عملوا بالعلم، لا بغيره من ظن أو وهم؛ لأنّ الدليل عندهم لدليليته يكون علماً بحسب نظرهم، فلو كان الاستصحابُ ليس بمعتَبَرٍ، لردعِ الشرع عنه بخصوصه، كما صَنَعَ في القياس، بل يكفي ما ذكرناه في انصراف العمومات إلى غير الأدلّة العقلائية، ومن هذا يظهر لك عدم كفاية هذه العمومات ونحوها في الردع، ولابدّ في الردع عن الأدلة المتعارفة من النصّ بالرّدع على الدليل بخصوصية، كما في القياس.

ثانيها: الإجماع على حجيته شرعاً، كما عن المبادئ([222])، والنهاية([223]).

وفي منع تحصيله، وعدم حجية المنقول منه، مكابرة؛ فإنّه يمكن تحصيله بملاحظة نقل الإجماع من هؤلاء الأجلّة، وملاحَظَةُ بعض القرائن الخارجية، كتتبع أبواب الفقه، وتمسُّك الأصحاب فيها بالاستصحاب؛ ولا أقلّ من الشهرة العظيمة على حُجيّته التي كادت أنْ تبلغ الإجماع([224])، وما حكي عن صاحب الحدائق  رحمه الله  من إسناد القول بعدم حجيته إلى الأكثر([225])، لا يلتفت إليه بعد أن تظافر النقل للإجماع عليه.

وفي النهاية أسند عدم الحجية إلى أكثر الحنفية([226]).

ثالثها: الأخبار، منها ما في صحيحة زرارة المضمرة: (ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر)([227])، فإنه ظاهر في ضرب قاعدة كلية لصغرى جزئية، وهي اليقين السابق بالوضوء، والشك اللاحق فيه من جهة الخفقة والخفقتين، وهذا يقتضي كون (ال) في (اليقين) للجنس، مع أن حمل اللام على العهد باليقين بخصوص الوضوء، موجب للتكرار، إن أريد من اليقين في الكبرى اليقين بشخص الوضوء، ويلزم أن تجعل جملة: (وإلا فإنه على يقين من وضوئه)، بمعنى الإنشاء، حيث يصير المعنى: وإن لم يستيقن أنه قد نام فيجب عليه الأخذ باليقين بالوضوء، وفيه من التكلف وخلاف الظاهر ما لا يخفى.

وإن أريد من اليقين في الكبرى اليقين بنوع الوضوء، لزم التكرار؛ لأنه هذا المقدار من التعميم مستفاد من قوله: (فإنه على يقين من وضوئه)، ولزم الاستخدام؛ لأنه في الصغرى يريد اليقين بشخص الوضوء، لاحتمال النوم، وفي الكبرى يريد عدم نقض نوع اليقين بالوضوء، وإن لم يكن لاحتمال النوم، فاختلف العهد والمعهود، بخلاف ما إذا جعلت اللام للجنس، فإنه لا عهد.

هذا، مع أن مجرد السبق لا يوجب الحمل على العهد، ما لم يصل إلى حد القرينة الصّارفة عرفاً، وإلا فغايته الاحتمال والصلوح للحمل على العهد، وهو بمجرده لا يوجب صرف اللام عن ظاهرها وحقيقتها، وهو الجنس.

على أن الظاهر هو بيان قاعدة كلية مرتكزة في أذهان العقلاء يرجعون لها في أعمالهم، لكون الإمام  عليهم السلام  في مقام الاستدلال على استصحاب الوضوء، إذ لو لم تكن كذلك لا معنى لاستدلال الإمام  عليهم السلام  بها على هذا الحكم الظاهري، ومقتضى استدلال الإمام بها هو إمضاؤها بنحو ما صدرت منه  عليهم السلام ، فيتبع في عمومها وخصوصها بيانه لها.

ولا يَضُرُّ إضمارُ الرّواية، لابتناءِ الرُّواة في كتبهم على تقطيع الرواية، وإلا فهو في الأصل ليس بمضمر، وبعض أصحابنا لم يضمرها، ورواها عن زرارة، عن الباقر  عليهم السلام ([228])، مضافاً إلى أن زرارة لجلالة شأنه وعظمة مكانه يقطع أو يطمأن بأنه لا يضمر لغير الإمام  عليهم السلام ، ولا يروي عن غير الإمام.

كما إن الظاهر، أن السؤال فيها عن شبهة حكمية، وهي كون الخفقة والخفقتان موجبتان لنقض الوضوء ابتداء، باعتبار أنهما كالنوم، وإن لم يكونا منه، نظير الشك في المذي؛ لأنه كالجنابة، وإلا فبعيد من مثل زرارة، يسأل عن أنهما من النوم أم لا بنحو الشبهة الموضوعية، والإمام  عليهم السلام  بصدد بيان أنه لا توجد فيهما ملاك النوم والسكر، وإنما هما مثل الغفلة في الحكم.

ولو سلّمنا أنّ السؤالَ عن الشكّ في أنَّهما من النوم أم لا، لكنَّ الشبهة أيضاً حكمية؛ لأنه شكّ من زرارة في مفهوم النوم أنه شاملٌ لهما أم لا، نظير الشكّ في مفهومِ الغناء، فيكونُ السؤالُ عن شُبْهَةٍ حكمية، فلا وَجْهَ لما عن بعضهم أنه سؤالٌ عن شبهة موضوعية([229]).

نعم، لو كان السؤال عن أنه يتحقق النوم المعلوم المفهوم بتحققهما بنحو الملازمة، يكون عن الشبهة الموضوعية، نظير السؤال عن تحقق الغروب بعدم رؤية القرص، أو بذهاب الحمرة، إلا أنه خلاف ظاهر الرواية، كما أنه يستفاد منها أن الاستصحاب حجة حتى مع الظن بالخلاف، فإنه مع عدم التفطن بما حرك في جنبه -كما في الرواية- يَظنُّ بالنوم، ومع هذا أمر بالاستصحاب للطهارة.

إن قلت: إنّ اللام للاستغراق، فتكونُ الرواية دالّةً على عدم نقض مجموع اليقينات بالشكّ، كما هو مقتضى كلّ استغراقٍ داخل تحت النفي، مثل لا تأخذ كل الدراهم.

قلنا: إنَّ اللام الداخلة على المفرد حقيقة في الجنس، بخلاف الداخلة على الجمع، فإنّها حقيقة في الاستغراق، سلَّمنا؛ لكنّ القرينة المقامية تقتضي حمله على عموم السلب، لا سلب العموم؛ لأنه لو حمل على سلب العموم لزم الإجمال المنافي لوظيفة الشارع، لا سيما وأنه  عليهم السلام  في مقام الاستدلال، ولا ريب أن الاستدلال لا يحسن مع الإجمال.

وقد يورد على هذه الصحيحة، من أنّ الظاهر منها إجراء استصحاب الوضوء عند الشك في تحقق النوم، مع أنّ الشكّ في بقاء الوضوء مُسبَّبٌ عن الشك في تحقُّق النوم، فكانَ اللازُم إجراءُ استصحابِ عَدَمِ النّوم، مع أنَّ النوم سببٌ شرعيٌ لعدم الوضوء، وهو من آثاره، لقول أبي عبد الله  عليهم السلام : (لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك أو النوم)([230]).

والحقُّ في الجواب: أنّه مع حدوث الخفقة والخفقتين، لم يحرز بقاء الحالة السابقة عند العرف، فإنّ العرف لا يرى أنّ بحالة الخفقة بقاء لذلك العدم للنوم، وإنما يراه عدم للنوم بنحو آخر، وبفرد آخر، فذلك العدم قطعاً زال بالخفقة، وإذا وجد عدم للنوم بالخفقة فهو عدم آخر، فلذا الإمام لم يستصحب في الشك السببي، وسيجيء إن شاء الله إذا لم يجرِ استصحاب في السَّبَب، جرى في المسبب.

ومنها: صحيحته الثانية المضمرة، في زيادات أبواب الطهارة من كتاب التهذيب([231])، وفيها فقرتان: أحدهما في بيان علة عدم إعادة الصلاة على من ظن أنه أصاب ثوبه دم أو غيره وتفحص فلم ير في ثوبه شيئاً، ثم بعد أن صلى فيه رأى فيه نجاسة، وهي قوله: قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه، ولم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أرَ شيئاً، فصليت فرأيت فيه، قال  عليهم السلام : (تغسله ولا تعيد الصلاة)، قلت: ولم ذلك؟ قال: (لأنك كنت على يقين من طهارتك، ثم شككت، وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً)، فإنها ظاهرة في أن عدم النقض المذكور قاعدة كلية معتبرة عند أهل الشرع، قد استدل بها الإمام  عليهم السلام ، وهي أظهر في كون اللام للجنس، حيث ليس التعليل مسبوقاً بالشرط.

وبعبارة أخرى: إنّ هذه الفقرة ظاهرة في أنَّ زرارة يسأل الإمام عَمَّنْ ظنّ بإصابة ثوبه النّجاسة، وتفحَّصَ فلم يجدها، فكانَ دُخولُه في الصَّلاة بثوبٍ متيقَّن طهارته، ثُمَّ بَعْدَ الصَّلاةِ فيه، رأى فيه نجاسة، لكنّه لم يعلم أنَّها هي التي ظنها أو قد حدثت جديداً بعد الصَّلاة، فأمره  عليهم السلام  باستصحاب اليقين بالطهارة إلى ما بعد الصلاة، ومن آثاره صِحّةُ الصلاة في هذا الثوب، ولازمه عدم الإعادة، كما هو الحال في سائر الشروط التي تجري فيها الأصول.

إن قلت: إنّ هذه الفقرة تدلُّ على قاعدة اليقين، لا على الاستصحاب؛ لأن المراد بقوله: (لأنك كنت على يقين من طهارتك)، هو اليقين حال الفحص، وهذا اليقين قد سرى إليه الشك؛ لأن الشك المذكور أوجب احتمال أن النجاسة كانت عند الفحص ولم يطلع عليها.

قلنا: المراد باليقين هو اليقين بعدم النجاسة وبالطهارة الأزلية، وهذا لم يسر إليه الشك المذكور.

إن قلت: كان على الإمام أن يتمسك بقاعدة الطهارة.

قلنا: مع وجود استصحابها يكون الاستصحاب مقدّماً عليها.

إن قلت: قوله  عليهم السلام : (فليس ينبغي) يدلُّ على الكراهة، لا على الحرمة، ولا أقلّ من الشكّ، فتكون مجملة، فلا دلالة لها على الاستصحاب.

قلنا: نمنع من ظهور (فليس ينبغي) في الكراهة، وإنما هي ظاهرة الحرمة، والظاهر في الكراهة (لا ينبغي)، سلَّمنا؛ لكن ظهور المعلل في حرمة الإعادة يوجب ظهور التعليل في الحرمة، سَلَّمنا؛ لكنَّ الإجماع المركب يقتضي حرمة النقض؛ وتوهُّمُ أنَّ الإعادة أمرٌ جائز إجماعاً يدفعه أن الجائز هو الإعادة على سبيل الاحتياط، وأما الإعادة بعنوان أنه حكم واجب واقعي فهو حرام.

والفقرة الثانية منها، قوله  عليهم السلام : (لأنك لا تدري لعله شيء أوقع عليك فليس ينبغي أنْ تنقض اليقين بالشك)، وهي أظهَرَ في كونِهِ اللام للجنس، حيث لم يسبق له عهد حتى تجعل اللام إشارة إليه.

إن قلتَ: إنَّ الفاء في قوله  عليهم السلام : (فليس) تفريعية، لتفريع حرمة نقض اليقين على احتمال تأخير الوقوع، وهو يأبى حَمْلُ اللام على الجنس.

قلنا: لابدّ في التفريع من أن يكون المتفرع، أعني: مدخول الفاء التفريعية أمراً جزئياً، والمتفرَّع عليه أمراً كلياً، حيث أنَّ تفريع الأعم على الأخص أمر مستهجن جداً، لا يصدر عن عالم، فضلاً عن إمام معصوم، والأمر في المقام بالعكس، لظهور قوله  عليهم السلام : (فليس ينبغي..) في بيان قاعدة كلية بالنسبة للمورد، بل لا يمكن حمل اللام إلا على الجنس، لعدم سبق لفظ اليقين في هذه الفقرة، فتعين كون الفاء لبيان ضرب القاعدة والتنبيه عليها، فالأصح حملها على السببية، أي أنك تبني على صحة صلاتك لهذه القاعدة، إذ لو لم يبنِ عليها، لنقض اليقين بالشك، أو تكون الفاء للتحلية والتأكيد.

إن قلت: إن الإعادة بعد انكشاف وقوع الصلاة في النجس ليس نقضاً لليقين بالطهارة بالشك فيها، بل اليقين بارتفاعها، فكيف يعلل عدم الإعادة بأن الإعادة تستلزم نقض اليقين بالشك، وإنما يصح أن يعلل جواز الدخول في الصلاة بذلك، لوجوب إحراز الطهارة قبلها.

قلنا: لو كان انكشاف أنّ الصلاة واقعة في النجاسة المظنونة سابقاً، أمكن أنْ يقال ذلك، لكن ليس للرواية ظهورٌ في ذلك، وإنّما تدلُّ على أنه رأى نجاسة في ثوبه بعد الصَّلاة، ولم يعلم أنها كانت سابقاً أو وجدت لاحقاً بعد الصلاة، فليس عنده انكشاف لوقوع الصلاة بالنجاسة.

ومنها: ما في الصّحيحة الثالثة لزرارة عن أحدهما H، فإنّ فيها: (وإذا لم يدرِ في ثلاثٍ هو أو في أربع، وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها أخرى، ولا شيء عليه، ولا ينقُضُ اليقين بالشك، ولا يدخل الشكّ في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكنّه ينقض الشكّ باليقين، ويتمُّ على اليقين، فيبني عليه، ولا يعتّد بالشك في حال من الحالات)([232])، وهي ظاهرةٌ في إرادة الاستصحاب، بملاحظة وحدة التعبير، والسياق، والتوافق في ذكر اليقين، والنقض، والشك، وما شابه ذلك، وقد تمسك بها في الوافية([233])، ووافقه على ذلك شارحها([234])، وتبعه جماعة ممن تأخر عنه([235]).

والمراد بالاستصحاب، هو استصحابُ الاشتغال اليقيني بالصلاة، وأنه لا ينقض بالشكّ في الامتثال بالاكتفاء بالركعة المشكوكة، بل يجبُ أنْ يضيف إلى الصّلاة ركعة أخرى، غاية الأمر، إنَّ كيفية إضافة تلك الركعة لم يتعرض لها في الرواية، فيمكن أنْ تكون الإضافة بعد التسليم، كما عليه الإمامية([236])، أو قبل التسليم، كما عليه غيرهم([237]).

وكيف كان؛ فالإضافة تفهم كيفيتها من غير هذه الرواية.

والحاصل: إن قوله  عليهم السلام : (ولا ينقض..)، بياناً للقاعدة التي تقتضي إضافة الركعة للصلاة، فإن في المقام لا ينقض يقينه بعدم الرابعة سابقاً، بالشك في فعلها لاحقاً، بأن لا يأتي بها أصلاً.

ولا يقدح في كلية القاعدة رجوعُ الضمير إلى من (لم يدرِ في ثلاث هو أو في أربع)، بدعوى أنّ هذا الاستصحاب مختص به.

ووجهُ عَدَمُ القدح أنَّ قوله  عليهم السلام : (ولا ينقض اليقين بالشك)، ظاهرٌ في ضرب القاعدة الكلية، والاعتماد عليها، ولأنّ الحكم قد اعتمد فيه على نفس اليقين والشكّ من دون إضافةٍ لشيء، وهذا يقتضي الظهور في الكلية.

إن قلت: إنَّ المراد باليقين فيها هو اليقين بالبراءة، بالبناء على الأكثر، والاحتياط بفعل صلاة مستقلة قابلة لتدارك ما يحتمل نقصه، بقرينة ما في الموثقة من قوله  عليهم السلام : (إذا شككتَ فابن على اليقين)، فإنَّ المراد منها البناء على ما هو المتيقَّنُ من العدد والتسليم عليه، مع جبره بصلاة الاحتياط، مضافاً إلى أن العلماء لم يفهموا منها إلا ذلك، فالصحيحةُ دالة على وجوب الاحتياط لا على الاستصحاب.

قلنا: نمنع صلاحيّةَ اليقين في الموثَّقة أنْ يكونَ قرينة على كون المراد باليقين في هذه الصحيحة هو اليقينُ بالبراءة بالمعنى المذكور، مَعَ وضوح مغايرة التعبير فيهما، بملاحَظَةِ ذكر لَفْظِ النَّقْض وبَعْدَهُ الشَّكُّ، بل الأولى أن تجعل الصحيحتين الأوليتين قرينة على إرادة الاستصحاب من هذه الصحيحة، لوحدة السياق والتعبير.

وأمّا دعوى أنَّ العلماء لم يفهموا منها إلاّ البناء على الأكثر، فهي ممنوعة، وغير معلومة، وإنّما الذي فهمه العلماء منها هو إضافَةُ ركعة للصلاة ليس إلا.

وأمّا كيفيّةُ الإضافة فهي تُعْلَمُ من خارج الرواية.

إنْ قُلتَ: إنَّ مقتضى أصلِ الاستصحاب في المقام هو التعبُّدُ ببقاء المتيقن، وهو عدم الإتيان بالرابعة، ولا ريب أنَّ عمل مَنْ لم يأتِ بها في المقام هو ترك التشهّد والتسليم، والإتيان بالرابعة متصلة بالصلاة، وأما إتيانها بعد التشهد والتسليم، فليس عَمَلاً للمتيقّن بعدم إتيانها، فلابُدَّ من حملها على قاعدة الاشتغال.

وقد أجيب عن هذا الإشكال بجوابين:

أحدهما: حَمْلُ تطبيق استصحاب المورد على التقية، لفتوى العامة بإتيان الرّكعة الرابعة متصلة بالصَّلاة، وهو لا محذور فيه.

إنْ قلتَ: إنَّ صدرَ الرواية صريحٌ في الانفصال، بقرينة الأمر فيه بالفاتحة في الصّلاة المضافة لحكمه بتعيّن الفاتحة فيها، مع أنَّ المضافة إذا كانت متصلة لا تتعين الفاتحة فيها، فليست الرواية واردة مورد التقية.

قلنا: ليس الصدر ظاهر في الانفصال، والأمر بالفاتحة لعله من جهة أنه أفضل من التسبيح، ومما يؤكّد أنّها غيرُ ظاهرةٍ في انفصال الصلاة المضافة، عدم تعرض الإمام لوجوب التشهّد والتسليم في الصّلاة المشكوكة المضاف إليها، مع أنَّهُ يلزم على مذهبنا، فالحقَّ أنها يمكن حملها على التقية.

ولا يخفى ما في هذا الجواب؛ لأنَّ حمل التطبيق على التقية إنْ تمَّ فهو يُضْعِفُ ظهورَ الكلية في كونها حكماً واقعياً، مضافاً إلى أنه لا وجه لجعل الاستشهاد بالقاعدة من باب التقية، فإنَّ التقية لا يناسبها التمسك بالقاعدة الحقة، ولا تتوقفُ التقية على بيانها، إذ تحصل بمجرد بيان الحكم على وفق مذهب المخالفين.

والجواب الثاني: إنّ الإمام  عليهم السلام  لما كان بصدد بيان لزوم الإتيان بالركعة، من دون نظر لاتّصالها أو انفصالها، والاستصحاب يقتضي لزومَ الإتيان فاستشهد به، وأمّا كيفيّة الإتيان بالرّكعة فأوكله لبيان آخر.

ثمّ إنَّ هذا الإشكال واردٌ حتَّى لو حملت على قاعدة الاشتغال، فإنَّ قاعدة الاشتغال تقتضي إعادة الصلاة حذراً من زيادة الركعة لو أتي بالركعة متصلة، وحذراً من الفصل بين الثالثة والرابعة بالتشهد والتسليم، أو أتي بها منفصلة، فهي لا تصلح لبيان أصل الاشتغال إلا بالاستعانة بالأخبار الخاصة، كما لو قلنا إنها لبيان أصل الاستصحاب، كما أنّه لا وجه لجعل الاستشهاد بالقاعدة من باب التقية، فإنَّ التقية لا يناسبها التمسُّكُ بالقاعدة الحقَّة، ولا يتوقَّفُ على بيانها، إذ تحصل بمجرد بيان الحكم على وفق مذهبهم.

والتحقيق أن يقال: إنّ الروايةَ ظاهرةٌ في استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة، وأنه لا ينقض بالشكّ في إتيانها، وليست بظاهرة في قاعدة الاشتغال؛ لأنَّ التعبيرَ بعَدَمِ النّقض ظاهرٌ في البقاء على الأمر المبرم والاستمرار عليه، وهو الاستصحاب، ثمّ لما كان الاستصحاب يقتضي الإتيان بالركعة الرابعة، مع الاتصال بالصّلاة، أراد الإمام  عليهم السلام  أنْ يُبيّن أن الاتصال لا يجوز، فبيَّنَهُ
بقوله  عليهم السلام : (ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر)، فإنّ الشكَّ إنّما يتصور دخوله في اليقين مع اختلاطه به في المقام، إذا أتى بالركعة الرابعة المشكوكة متّصلة بالثلاثة المتيقنة، فإنَّ اليقين بالثلاثة إذ ذاك يختلط بالشكّ بها، ويدخل الشك معه، بخلاف ما إذا أتى بها منفصلة، فإنه لا يختلط الشكُّ باليقين الموجود فيها، ولا يدخل فيه، ولا معنى للإدخال مع الاختلاط إلا ذلك بحسب الظاهر.

ثُمَّ طَلَبَ الإمام  عليهم السلام  منه أنْ ينقض شكَّهُ في الرابعة بالإتيان بالرابعة، ويتمّ على اليقين بإتيانها، لكن لا على نحو الإدخال والاختلاط بالثلاثة، فلم يكن الإمام  عليهم السلام  اعتمد على الأخبار الخاصة، بل قَرَنَ دليلَهُ على مُدَّعاه، وهو الاستصحاب بما يدلُّ على مقدار ما يقتضيه في المقام، نظير من شَكَّ في وجوب قضاء الصلاة عليه لما صار عاجزاً عن القيام، فإنَّ الاستصحاب للوجوب عليه يقتضي الإتيان بالصلاة بنحو صلاة العاجز لا المتمكن.

والمرادُ بعدم الاعتداد بالشكّ في حالٍ من الحالات هو عدمُ ترتيبِ بطلانِ الصّلاة على شكِّهِ المذكور، سواء وقع حال القيام، أو القعود، أو السجود، أو غيرها من الحالات.

ثمّ إنَّ تفسير إدخال الشكّ في اليقين واختلاطه معه يجعل شكّه بمنزلة اليقين بالإتيان بالرابعة، فلا يأتي بها؛ بعيدٌ عن منطق الاستعارة والبلاغة، فإنَّ جَعْلَ الشكّ بمنزلةِ اليقين لا يُعبَّرُ عنه بالإدخال والخلط إلا على ضربٍ من المجاز لا يستسيغه الذوق، لا سيما في بيان التكاليف الشرعية.

إن قلت: إنّ هذا مخالِفٌ للمذهب، من البناء على الأكثر في الصلاة، والرواية على هذا تقتضي البناء على الأقل؛ لأنه هو المتيقن.

قلنا: إنّ الرواية لم تشتمل على البناء على الأقل أو الأكثر، وإنما فيها: (ويتم على اليقين، فيبني عليه)، والمراد به كما هو الظاهر، هو إتمام الصلاة بركعة رابعة، ويبني على صحة ما صدر منه من الصلاة، والركعة المنفصلة، وفراغ ذمته به.

هذا مُضافاً إلى أنَّ المرادَ بالبناء على الأكثر عندنا، هو البناءُ عليه من جهة الحكم بإتيان التشهُّدِ والتسليم بعد الركعة المشكوكة، وإلاّ فليس هناك بناء حقيقة، وإلاّ لم تلزم الركعة المنفصلة.

ومنها: موثَّقَةُ عَمَّار عن أبي الحسن  عليهم السلام ، قال: (إذا شَكَكْتَ فابنِ على اليقين)، قلتُ: هذا أصل؟ قال  عليهم السلام : (نعم)([238])، وهذه الموثقة ليست مختصة بمورد خاص، لاسيّما وقد جعلها الإمام  عليهم السلام  أصلاً يعمل به، فإنّها ظاهرةٌ في أنَّ اليقين يعمل على طبقه، فيشمل صورة الاستحباب؛ لأنه يكونُ فيه شكٌ في بقاء الشيء مع اليقين به، لليقين بوجوده سابقاً، فهي نظير ما إذا قال لك: إذا شككتَ فاعمل بخبر الواحد العدل، في اعتبار خبر العدل عند الشك في الشيء، فكذا هنا، فإنه ظاهر في اعتبار اليقين عند الشك في الشيء.

إن قلت: على هذا تكون الرواية ظاهرة في قاعدة اليقين، المسمّاة بقاعدة الشك الساري في ألسنة بعض المتأخرين، لسريان الشكّ المتأخر إلى اليقين، فيزول اليقين، ويتبدل بالشك.

وحاصلها: الشكُّ في صحّة الاعتقاد السابق، والتردّد في صحة مطابقته للواقع، كمن اعتقد بعدالة زيد يوم الجمعة فصلّى خلفه، وقَبِل شهادته، ثم بعد هذا شكَّ في عدالته في نفس ذلك اليوم، أعني يوم الجمعة، وهي بخلاف الاستصحاب، فإنه يكون الشكُّ فيه طارئٌ على اليقين، غير مزيل له؛ لأنه شك في بقاء الشيء، ولذا يسمى بالشك الطارئ.

والحاصل: إنّ الرواية ظاهرة في العمل باليقين فيما إذا تعلَّقَ الشّكُّ بنفس ما تَعَلَّقَ به اليقين، فتكونُ الرواية أجنبية عن المقام.

قلنا: قاعِدَةُ اليقين قام الإجماع على عَدَمِ العَمَلِ بها، لا سيّما عند تبيُّن فساد المدرك لليقين السّابق، وهو أَغْلَبُ أفرادها، فيلزَمُ التَّخصيص بالأكثر، وأما حُكْمُ العلماء بصحّةِ الأعمال الواقعة على طبق اليقين السابق في بعض الموارد، كالصلاة سابقاً خَلْفَ من يعتقد عدالته، ثمّ شكَّ، فهو لأجل قواعد أخرى، كقاعدة الفراغ، أو الشكَّ بعد تجاوز المحلّ، أو خروجِ الوقت، لا للقاعدة المذكورة.

وقد تَقَرَّرَ في غير المقام، أنه إذا لم يَجُزْ العمل بظاهر الدليل للإجماع على خلافه، يجب التنزُّلُ إلى ما هو الظَّاهِرُ منه، وهكذا إلى أنْ يَصِلَ إلى حَدِّ الغلط فيُطْرَح، ومعلومٌ أنَّ الاستصحاب هو الظّاهِرُ بعد عَدَمِ إرادَةِ قاعدة اليقين، مُضافاً إلى أنَّ قوله  عليهم السلام : (فابن على اليقين)، ظاهرٌ في وجود اليقين عند الشك؛ لأنَّ طَلَبَ البناء على الشيء ظاهرٌ في وجودِ ذلك الشيء حين البناء عليه، فلو قيل: (أكرم العلماء)، فإنّه ظاهرٌ في كونهِ عالماً حَالَ الإكرام، فالرّواية ظاهِرَةٌ في اعتبار وجودِ اليقين في ظرف ترتُّب الحكم عليه، وهو البناء عليه عند الشكّ في الشيء، والجري على مقتضاه حال الشكّ فيه، وفي القاعدة لا يكون الأمر كذلك، لعدم وجود اليقين فيها حالَ الشكّ، بل ينقلبُ اليقين إلى الشكّ والجهل بالواقع، مضافاً إلى أنَّ هذا التعبير يناسب التعابير عن الاستصحاب في الموارد الخاصة، فيستفاد منه الاستصحاب؛ لأنّ كلامهم  عليهم السلام  بمنزلة كلام واحد، يكشف بعضه عن بعض، ويفسِّرُ بعضه بعضاً، ويكون قرينةً عليه، بحيث ينعقد له ظهور في ذلك، كما هو الحال عند العلماء في القرآن الكريم، وعليه؛ فيستفاد منها الاستصحاب.

سَلَّمنا أنَّها ظاهرةٌ في القاعدة، ولكن يُفْهَمُ منها بطريقِ الأولويّة حُجيّةُ الاستصحاب؛ لأنّ اليقينَ إذا كان يبنى عليه مع زواله، للقطع بفساد مدركه، أو نسيانه أو الشكّ فيه فبالطريق الأولى أنْ يبنى عليه مع بقائه والعلم بصحة مدركه.

سَلَّمنا عَدَمَ قيام الإجماع، وعَدَمَ الظّهور المذكور، فيُمْكِنُ إرادتهما معاً، فإنَّ في الاستصحاب يكونُ الشك في الشيء عند العُرْف، ولذا اعتبرنا فيه بقاء الموضوع عُرْفاً، فهو نظيرُ ما لو قلنا: إذا شَكَكْتَ في الشيء فأعمل بخبر العدل، فإنه يشمل الشكّ في بقاء الحكم، كما يشمل الشكّ في حدوثه.

ودعوى عدمُ الجامع بين القاعدة والاستصحاب؛ لأنَّ الشك في الاستصحاب يكون في بقاء الشيء، وفي القاعدة بنفس وجود الشيء، فالشك في كلٍّ منهما ملحوظاً بالنسبة للشيء بلحاظٍ غير اللحاظ الآخر، فلا يمكن جمعها بإرادة واحدة، لاختلاف اللحاظين، وإرادة معنيين من لفظٍ واحد، بإرادة واحدة، وهو باطل.

قلنا: لا يلزم ذلك، ويكفي لحاظُ نفسِ اليقين بما هو عنوانٌ من العناوين، وكذلك الشكُّ في متعلّقِهِ بما هو شَكٌ، وعنوانٌ من العناوين، فيكونُ المراد معنىً واحدٌ ليَشْمَلَ القاعِدَةَ والاستصحاب، بل يَشْمَلُ قاعدة الاشتغال، لما فيها من يقينٍ وشَكٍّ، وهذا نظيرُ ما إذا قَالَ لكَ المولى: إذا شَكَكْتَ فاعْمَلْ على خبر العدل، فإنّه يَشْمَلُ صُورَةَ الشّكّ في بقاءِ مؤداه، أو في نفس حُدوثه، أو في فراغ الذمّة، كما لو شُكَّ في فراغ ذِمّته من الصَّلاة، وقام الخبر على عدم فراغها، أو على فراغها، فإنّه يعمل بالخبر بمقتضى ذلك، بل قد عرفتَ أنَّ العُرف يرى أنّ الشكَّ في البقاء شكٌّ في نفس الشيء، ولذا يرى أنه لو لم يعمل باليقين عند الشكّ في البقاء، كان ناقضاً لليقين ومخالفاً له؛ وقيام الإجماع على عدم حجية قاعدة اليقين لو تمَّ، كان مخصّصا للرواية بغيرها.

إن قلت: إنّها ظاهرةٌ في قاعدة الاشتغال في وجوبِ تحصيل اليقين بفراغ الذمة، عند الشكّ في فراغها.

قلنا: الروايةُ ظاهرةٌ في موجودية اليقين، وحدوثِ الشكَّ، بقرينة
قوله  عليهم السلام : (فابن على اليقين)، فإنّه يعقد لها ظهورٌ في العَمَل باليقينِ الموجود، لا بتحصيل اليقين، كما هو مُقتضى قاعدة الاشتغال، فإنَّ المطلوب فيها تحصيل اليقين.

إن قلت: إنَّ حَمْلَ الموثقة على الاستصحاب يوجبُ طَرْحَها، لاقتضائها البناء على الأقلّ في عدد الركعات؛ لأنه هو المتيقّن، وهُو ينافي الأخبار الواردة عن أئمتنا الأطهار، مثل قولِهِ  عليهم السلام : (أجمع لك السهو كله في كلمتين: متى [ما] شككت فخذ بالأكثر)([239])، فالوجه في الموثقة أمّا حملها على التقية ومجارات أهل الحلّ والعقد، أو إرادة قاعدة الاحتياط بإتيان الأقلّ، والاحتياط بفعل ركعة منفصلة.

قلنا: لو سُلِّمَ ذلك فإنّما يتّجِهُ لو اختصَّ موردُ الموثّقةِ بالشّكوكِ المتعلّقة بالصّلاة، وليسَ كذلك، فَضْلاً عن عَدَدِ ركعاتها، كما هو الظّاهرُ من جعله  عليهم السلام  إنَّ ذلك أصلُ وقاعدة كُلّية، فلا تنافي الأخبارَ المذكورة، وتكونُ الأخبار المذكورة مُخصِّصة لها، ولا إشعار فيها بقاعدة الاحتياط؛ لأنها كما عرفت ظاهرة في العمل باليقين الموجود، لا في تحصيل اليقين، فيكونُ حالُها حال الصحيحتين الأوليتين في الدلالة على قاعدة الاستصحاب في جميع الموارد، غايةُ الأمر أنها كالصحيحتين قد خُصَّت بغير الشك في عدد الركعات، ولا ضير فيه.

ومنها: ما روي عن البحار للعلامة المجلسي، في بابِ مَنْ نسي أو شكَّ في شيء من أفعال الوضوء، عن الخصال، بسنده عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله، قال  عليهم السلام : (قال أمير المؤمنين  عليهم السلام : مَنْ كانَ على يقينٍ، فأصابه شكٌّ، فليمض على يقينه، فإنَّ اليقينَ لا يُدْفَعُ بالشك)([240])، وفي رواية أخرى عن الخصال، في حديث الأربعمائة، عن الباقر  عليهم السلام ، عن أمير المؤمنين  عليهم السلام : (من كان على يقين، فشك، فليمض على يقينه، فإنّ الشك لا ينقضُ اليقين)([241])، وقد حُكي عن البحار عدُّها في سلك الأخبار التي يستفاد منها القواعد الكلية([242]).

وقد يُناقَشُ في الاستدلال بها على الاستصحاب، تارَةً بضَعْفِ السند، وأخرى بقصور الدلالة.

أمّا في السند، فإنَّ فيه محمد بن عيسى اليقطيني، وهو ضعيفٌ، لاستثناء أبو جعفر بن بابويه له من رجال نوادر الحكمة، وقال: لا أروي ما يختص بروايته([243])، وضعفه الشيخ أيضاً في رجاله([244])، وأيضاً فيه القاسم بن يحيى، فإنه من المجاهيل، ولم يمدح بتوثيق أو غيره([245])، بل حكي عن العلامة تضعيفه([246])، ولكن لا يُصغى إلى ذلك لما صرَّح به المجلسي من أنها في غاية الوثاقة والاعتبار على طريقة القدماء، وإن لم تكن صحيحة بزعم المتأخرين، ولأن الكليني  رحمه الله  وغيره من المحدثين الثقاة اعتمدوا عليها، ولا ريب أنَّ ذلكَ يُوجِبُ الوثوق بها، فإنَّ نقل الثقاة يُولِّدُ الوثوقَ بالمنقول([247]).

وعن المرحوم الفاضل أحمد النراقي دعوى اشتهارها رواية وفتوى، هذا وحكي أنَّ العلامة لم يضعِّف القاسم في الخلاصة([248])، وإنما ضعفه ابن الغضائري([249])، والمعروف أن تضعيفه غير ضائر([250]).

وأما المناقشة في دلالتها بدعوى ظهورها في قاعدة اليقين بقرائن ثلاثة:

الأولى: إنّ الرواية ظاهرةً في اختلاف زمان اليقين والشك، بقرينة (الفاء) المفيدة لترتب الشكّ على اليقين، والاستصحاب لا يعتبر فيه اختلاف زمان الوصفين، إذ يجوز اتحاد زمانهما، أو تقدم وصف الشك على اليقين، بخلاف القاعدة، فإنه لا بد فيها من تقدم اليقين على الشك.

الثانية: إن ظاهر الرواية أن متعلق الشك واليقين واحد، وفي الاستصحاب لا يكون المتعلق لهما واحد؛ لأن اليقين فيه يتعلق بوجود الشيء، والشك يتعلق ببقائه.

[الثالثة]: إنّ النقض في القاعدة حقيقة؛ لأنه رفع اليد عن الآثار التي ترتبها على الشيء عند اليقين به، بخلاف النقض في الاستصحاب، فإن النقض فيه يكون برفع اليد عن آثار الشيء في غير زمان اليقين، وهذا لدى الحقيقة ليس نقضاً لليقين.

ويمكن دفع المناقشة المذكورة بأنَّ غايَةَ ما تَدَلُّ عليه (الفاء) هو أنَّهُ في مَوْرِدِ حُدوثِ الشكِّ بعد اليقين يمضي على اليقين، وهذا مما يجامع الاستصحاب، بل هو الفَرْدُ الغالب منه، لا أنّه ينافيه، فلا يُوجِبُ ذلك ظهور الرواية في القاعدة، على أنَّ الفاء إنّما تقتضي الترتيب، أعمُّ من الزمانيّ أو الرتبي، وفي الاستصحاب يكونُ اليقينُ رُتْبَةً مقدَّماً على الشكّ، باعتبار متعلّقِهِ، فإنَّ المتيقِّن فيه سابق على المشكوك، وهذا يُوجِبُ التقدُّمَ الرتبيَّ لليقين على الشكَّ، لقيام هذه الأوصاف بمتعلّقاتها، كما أنَّ دعوى ظهورها في وَحْدَةِ المتعلِّق لليقين والشك فاسدة، إذ لا يُوجبُ لها ظهوراً عرفياً في القاعدة؛ لأنّ العرفَ يَرَى أيضاً وَحْدَةَ المتعلق في الاستصحاب، مع أنَّ حذف المتعلق لا يقتضي وحدته، بل هو أعمّ من وحدته وجوداً، أو وحدته شخصاً وإن اختلف حدوثاً وبقاءً، بل مع الحذف يكون الثاني هو الأظهر، بل هو المتيقن، لكون المتعلّق أعمّ عند الحذف، كما أنّ استعمال النقض لا يوجب الظهور العرفي في القاعدة؛ لأنَّ العرف بعدما كان يرى وحدة المتعلق، يرى تحقُّقَ النقض في مورد الاستصحاب، كما في القاعدة.

إن قلتَ: غايةُ ذلك أنْ تكونَ الرّوايَةُ قابلةٌ لإرادة القاعدة والاستصحاب، ولا مُعيّن لأحدهما، فيسقط الاستدلال بها للاستصحاب.

قلنا: لابدّ من حمل الرواية على الاستصحاب، لأمور:

أحدها: إنَّ قوله  عليهم السلام : (فليمض على يقينه)، ظاهرٌ في وجوب اليقين الذي يمضي عليه عند الشك؛ وفي القاعدة يكون اليقين قد زال عند الشك، بخلاف الاستصحاب، فإنه لم يزل وباق على حاله.

ثانيها: إنّ هذا التعبير في جملة من الروايات أُريدَ به الاستصحاب، وذلك يُوجِبُ انعقاد ظهور له في ذلك، لكون المتكلّم واحد حقيقة أو حكماً، فإنَّ الأئمّةَ  عليهم السلام  في حُكْمِ مُتكلِّمٍ واحد؛ ومن هنا اشتهرَ أنَّ أخبارهم  عليهم السلام  يكشف بعضها عن البعض الآخر.

هذا، مع أنَّ المذكور في الرواية الثانية هو الدفع، وهو أنسب في الاستصحاب من القاعدة.

مع أنّه يُمْكنُ أنْ يقال: إنَّ الرواية لو كانت ظاهرة في القاعدة، فهي تدلُّ على اعتبار الاستصحاب بطريق أولى، ضرورةَ أنَّ اعتبار اليقين السابق، مع نسيان مدركه، أو الشك، أو القطع بفساده، كما في القاعدة، فإنّ اليقين
إنما يتبدل بالشكّ، أمّا من جهة نسيان مدركه، أو من جهة الشك، أو العلم بفساد مدركه، واحتمال أنَّ هناك مدرك آخر له يقتضي اعتبار اليقين مع
بقائه، والعلم بصحة مدركه، كما في الاستصحاب بطريق أولى، كما أنه لو فُرِضَ قيامُ الدليل على عدم اعتبار الاستصحاب، فإنّه يحكم بعدم اعتبار هذه القاعدة بطريق أولى، واحتمال أنَّ اعتبار القاعدة من باب التعبد المحض بعيد جداً.

مع أنَّه يَظْهَرُ من كلامِ الشيخ الأنصاري  رحمه الله ([251])، وغيره([252]) دعوى الإجماع على عَدَمِ اعتبارِ القاعدة، فيَدورُ الأمرُ بينَ طَرْحِ الخَبَرِ المذكور، أو حمله على الاستصحاب، ولا شكَّ أنَّ الثاني هو الأولى، لما قد قُرِّرَ في محلّه من أنَّ الإجماع إذا قام على خلافِ ظاهر الدليل النقليّ المعتبر، يَجِبُ حَمْلُ الدّليل النقلي على ما هو الظاهر بعده، وهكذا إلى أن يصل إلى حدّ الغلط فيُطرح، ومن هنا اشتهر إذا تعذَّرت الحقيقة فأقرب المجازات متعيّن([253])، ومن المعلوم أنه لو سُلِّمَ ظهور الخبر المذكور في القاعدة فَبَعْدَ قيام الإجماع على خلافه، يكونُ الظّاهِرُ منه هو الاستصحاب.

ومنها: خَبَرُ الصّفار، عن مكاتبة عليّ بن محمد القاساني، قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة عن اليوم الذي يُشَكُّ فيه من رمضان، هل يُصام أم لا؟ فكتب: (اليقينُ لا يدخل فيه الشكّ، صُمْ للرؤية وأفطر للرؤية)([254])، ووجه الاستدلال بها أن السائل سأل عن اليوم المشكوك أنه من رمضان، سواء كان من أول رمضان أو آخره، فأجابه الإمام  عليهم السلام ، بأنَّ اليقين بالشهر سواء كان رمضاناً أو غيره لا ينقضه الشكُّ فيه، فإنَّ الدخل في الشيء عبارة عن فساد الشيء، والعيب فيه.

فيكون المعنى: إنَّ الشك لا يفسد اليقين ولا يعيبه، وهو عبارة عن المنع عن نقضه، ففي المقام: اليقينُ بأنَّ الزَّمانَ من شعبان، لا ينقضُهُ الشكُّ في أنه من شعبان، واليقين بأن الزمان من رمضان، لا ينقضه الشك في أنه من رمضان.

وفَرَّع على ذلك الصوم للرؤية، والإفطار للرؤية، إذ بالرؤية لهلال رمضان ينقض اليقين من شعبان باليقين برمضان، لا بالشكّ فيه، وبالرؤية لهلال شوال ينقض اليقين من رمضان باليقين بشوال، لا بالشكّ فيه، فيكون قوله  عليهم السلام : (اليقينُ لا يدخل فيه الشكّ)، كالصّريح في بيان الكبرى الكلّية، لا سيما وعدم مسبوقية (اللام) بما يَصْلُحُ أنْ يكونَ عَهْدَاً له، وعدم احتمال إرادة قاعدة اليقين؛ لأنّ الشكَّ المرادَ فيها هو الشَّكُّ في البقاء، كما هو ظاهرُ السؤال، وظاهر الجواب، بل لا يَصْلُحُ إرادتها منه؛ لأنَّ شعبان لم يَزُلْ اليقينُ به، وإنما شك في بقائه، وهكذا رمضان.

ثم أنّ التفريع بالصوم للرؤية والإفطار لها مما يؤكد إرادة الاستصحاب، وأنَّ الشهر يستصحب بقاؤه إلى أن يقطع بزواله برؤية الهلال للشهر الذي بعده.

والمناقشة فيها:

تارة في سندها، لإضمارها، فلا يعلم استنادها للإمام  عليهم السلام ، وكونها مكاتبة، ولعلها مزوَّرة على الإمام  عليهم السلام ، وبأنَّ علي بن محمد قد ضعفه جماعة([255]).

فاسدة؛ لأنّ ذلك لا يضر في حجيتها لتمسُّك الأصحاب بها، واشتهارها بينهم، وذكرهم لها في كتبهم الفقهية([256]).

وتارة في دلالتها بوجهين:

أحدهما: أنه يحتمل فيها أنها لبيان قاعدة الاشتغال بالصوم في آخر شهر رمضان، لليقين به، والشك في ارتفاعه بدخول شوال.

وجوابها: أولاً: لو لم يجر الاستصحاب في المقام، لكان من دوران الأمر بين محذورين، وهما وجوب الصوم لاحتمال أنه من رمضان، وحرمته لاحتمال أنه العيد، وهذا بالنسبة لآخر يوم من شهر رمضان، وأما بالنسبة لأوله، فالأصل هو البراءة، فليس المقام من الاحتياط في شيء.

نعم، لو قلنا: إن التكليف بالصوم في الشهر تكليف واحد، كان من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر في محصل التكليف، ويكون شبهة موضوعية، نظير ما لو شك في حصول الطهارة بالغسل، فالقاعدة هو الاشتغال، لكن الظاهر أنه تكاليف متعددة بتعدد الأيام.

سَلَّمنا؛ لكنّه لا يلتئم مع قوله: صُمْ للرؤية، فإنه يقتضي الصوم عند القطع بدخول شهر رمضان، مع أنَّ الاحتياط يقتضي الصوم مع الشك في دخول رمضان، فالرواية أجنبية عن قاعدة الاشتغال.

ثانيهما: أنّا سَلَّمنا دلالتها على الاستصحاب، فهي غيرُ عامَّةٍ، بل هي مختصَّةٌ في استصحاب شهر شعبان ورمضان، ولو تنزّلنا وقلنا بأنّها تَدُلُّ على استصحاب عامّة الشهور، فهي مختصَّةٌ بالشّهور، والقول بعدم الفصل لو سَلَّمنا حُجيَّته، فهو لا يكون في مسألة كثرت فيها الأقوال بالتفصيل فيها.

والجوابُ عن هذه المناقشة: إنَّ (اللام) مع حذف المتعلَّق، مع عدم سبق ما يصلح أنْ يكونَ عهداً له، يقتضي العموم لسائر الأفراد، مثل: [وَأَحَلَّ اللّهُ البَيعَ]([257])، فإنّ اللام مع عَدَم ذكر المبيع وعدم سبق عهدٍ ببيع خاص يدلُّ على حلية البيع بأي مبيع تعلق؛ وهكذا فيما نحن فيه، فإنّ اللام وحذف متعلق اليقين مع عدم سبق ما يصلح للعهد، وهكذا اللام وحذف متعلق الشكّ مع عدم ما يصلح للعهد، يقتضي أنّ اليقين بأيّ شيء تعلّق بحكم شرعي، أو بموضوع خارجي ذي أثر شرعي، ثمّ عَرَضَ الشكُّ في بقائه، فإنَّ هذا الشكُّ لا يَدْخُلُ في اليقين، ولا يفسده، ولا يعيبه، ولا ينقضه، فالرواية كالنصِّ في عموم الاستصحاب.

ومنها: خبر عبد الله بن سنان، في من يُعير ثوبه للذمّي وهو يعلم أنه يشرب الخمر، ويأكل لحم الخنزير، قال: فهل عليّ أن اغسله؟ فقال: (لا؛ لأنك أعرته إياه وهو طاهر، ولم تستيقنْ أنه نجَّسَه)([258])، وهو واضح الدلالة على اعتبار الاستصحاب، بظهوره في تعليل الحكم باليقين به سابقاً، والشكّ فيه لاحقاً.

هذه جملة من الأخبار، وهي كافيةٌ في إثبات حُجيّة الاستصحاب شرعاً مطلقاً، من دون فرقٍ في المستصحب من حيث كونه وجودياً أو عدمياً، موضوعاً خارجياً أو حكماً شرعياً، جزئياً أو كلياً، تكليفياً أو وضعياً، ومن دون فرق في الشكّ في البقاء من جهة الشكّ في المقتضي، أو من جهة الشكّ في وجود الرافع، أو رافعية الموجود، ومن دون فرقٍ في الدليل الدّالّ على ثبوتِ المستصحب في الزمن السابق، من كونِهِ لُبياً من عقلٍ أو إجماع، أو لفظياً، إلى غير ذلك من الأمور التي لأجلها كثرت الأقوال في المسألة، وحيثُ كانَ المهمّ في نظر العلماء، وفيه يكثر الابتلاء، وبه محل النزاع، وهو عموم الأدلة لموارد ثلاثة، نتعرض لها.

حجية الاستصحاب في الموضوعات والأحكام

المورد الأول: عمومُ الأدلّة للموضوعات والأحكام؛ فنقول: الحقّ إنَّ أدلّة الاستصحاب تدلُّ على حجيته في الموضوعات والأحكام؛ لأنّها تدلُّ على التعبّد بوجود المتيقّن، والبناء عليه عملاً، وهذا المعنى يقتضي الحكم الشرعيّ المماثل للسابق، أو الجري عليه إذا كان المتيقّن السابق حُكْماً شرعياً، ويقتضي جعل الأثر الشرعي إذا كان المتيقّن السابق موضوعاً ذا أثر شرعيّ، وليس في ذلك استعمال للفظ في أكثر من معنى واحد.

إن قلتَ: لا يصحُّ استصحاب الأحكام الشرعية؛ لأنه إنّما يشكّ فيه إذا تبدل قيدُ موضوعه، ومَعَ تبدّله يختلفُ الموضوع، ويكونُ الاستصحاب من قبيل إسراء حكم موضوعٍ إلى موضوع آخر، وإن اتَّحَدَ معه في الذّات، إلا أنّه مختلفٌ في الصّفات، وإلاّ لما شُكَّ في البقاء، ومن المعلوم إنّ أدلة الاستصحاب مختصة بصورة ما إذا كان الشكّ شكّاً في البقاء، حتّى يصدق النقضُ للحالة السابقة، أو عدم نقضها، والشكُّ في بقاء الأحكام لا يُتَصَوَّرُ إلا إذا كان الموضوع المشكوك بقاء الحكم له عينَ الموضوع المتيقّن ثبوتُ الحكم له، بحيثُ تكون القضية المشكوكة عينُ القضية المتيقنة، وإلا لما كان الشكّ شكّاً في البقاء، بل شكّاً في حكم آخر.

قلت: نعم، لا بدّ من كونه عينه، لكن لمّا كان المخاطب بالكلام هو العرف، كان المطلوبُ منهم إبقاءُ الحكم المتيقّن فيما يرونه بقاء له، ولا رَيْبَ أنَّهم يرونه بقاءً له فيما كان الموضوع عندهم واحداً، فالمعتبر هو وحدة الموضوع وعينيته عندهم، لا بحسب الدّليل، ولا بحسب الدقة العقلية، وطالما يرون الموضوع واحداً وباقياً، وإنْ اختلفت حالاته وصفاته، بل كثيراً ما يكون الشيءُ له دَخْلٌ في ثبوت الحكم، ولكنّه ليس له دَخْلٌ في موضوعه، كالسَّبب، وعدم المانع، والشرط، فإنه لابدّ منها في ثبوتِ الحكم لموضوعه، مع أنّها خارجةٌ عنه، نظيرُ الزوال فإنه سبب لثبوتِ وجوب الظُّهر للشّخص، وليس له دَخْل في موضوعه، ولذا الظهر يكون واجباً حتى مع ذهاب الزوال، وسبباً لوجوب القضاء عليه إذا انضمّ إليه الفوت لصلاة الظهر؛ ونظير ذلك في الأحكام الشرعية ما لا يُحصى، حتَّى الوضعية منها، ألا ترى أنَّ الغليان موجب لنجاسة العصير العنبي، والملاقاة موجبة لنجاسة الملاقي للنجس، وليس لهما دَخْلٌ في موضوع النَّجَاسة، لكونها تبقى مع زوالهما.

إن قلت: إنّه مع اتحاد الموضوع، لا يُعْقَلُ الشكُّ في البقاء، لكون الموضوع علّة تامة لثبوتِ الحكم له، إلاّ على البداء الممتنع على الله تعالى، ففي الآن الثاني الذي يُشَكُّ في ثبوت الحكم فيه، إن كان الموضوع السابق معلوم الوجود فيه، فكيف يمكن الشكّ في ثبوتِ الحكم له، وإنْ كان معلوماً عدمُ وجوده، فلا مجال للاستصحاب؛ لأنه عبارة عن إبقاء الحكم، ومع العلم بتعدُّد الموضوع، يمتنع الإبقاء؛ لأنه لا يتحقّق إلاّ مع وحدة الموضوع، وإنْ كان الموضوع مشكوك البقاء فيُشَكُّ في تحقُّق الإبقاء، فلا يمكن التمسّك بدليل الاستصحاب على إبقاء الحكم في ثاني الحال؛ لأنه يكونُ من قبيل التمسُّك بالعامِّ في الشُّبهَةِ المصداقية، لعدم إحراز أنه إبقاءً للحكم.

قلنا: إنّا نختارُ عَدَمُ إحراز بقاءِ الموضوع على الوَجْهِ الذي كان علّةً لثبوت الحكم، ومع ذا لا مانع من الاستصحاب؛ لأنّ العِلَّة لثبوتِ الحكم وجوداً وعَدَمَاً هو الموضوع بوجودِهِ الحقيقي الدّقّي، دُونَ الوجود المسامحي العرفي، والعرف يرى الموضوع هو العمل الذي تعلّق التكليف به، دون ما ألحقه الشارع به من الزمان والشروط ونحوها، فإنّه يراها من الحالات للموضوع.

وإنْ أبيتَ عن ذلك؛ فالميزانُ هو أنْ يرى العُرْفُ أنَّ نفس التكليف باقٍ لو نَصَّ الشارع على ثبوته مع تغيُّر ذلك الحال، وهو إنّما يكون إذا كان ما يراه العرف موضوعاً للتكليف باقياً.

وعليه: فالذي يلزم إحرازه في مقام التمسُّك بالاستصحاب هو وجود الموضوع عرفاً، حتّى يصدق البقاء والإبقاء عند العرف؛ لأنهم هم المخاطبون، فلابدّ من أنْ يكون المولى يُريدُ بخطاباته ما يفهمونه.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ وجود الموضوع وإنْ كان مشكوكاً، بل معلوم الارتفاع أحياناً، ولذا نشُكُّ في ثبوت الحكم في الآن الثاني، إلا أنَّ الوجود العرفي للموضوع الذي هو المناط في صدق البقاء والنقض محرز، فلا مانع من الاستصحاب.

إن قلت: أولاً: نمنعُ من كفاية الوجود العرفي في جَرَيانِ الاستصحاب، وما قَرَعَ سَمْعُكَ من أتباع العرف في فهمه إنّما هو بالنسبة إلى نفس مداليل الألفاظ، حيثُ أنَّ تشخيصها مَوكول إلى فهم العرف، حتَّى أنه يقدَّم على تنصيصِ اللغويين، وأمّا مُسامَحَته في التّشخيصاتِ فلا دليلَ على اتباعه.

وبعبارةٍ أخرى: بَعْدَ كونِ البقاء والنّقض عبارةٌ عن ثبوتِ الحكم ورَفْعِهِ في الموضوع الأول، يجبُ إحرازُ وحدة الموضوع حقيقة، ولا يُعتنى بالمسامحة العرفية.

وثانياً: ما ذُكِرَ من المسامحة إنما يتمُّ إذا استندنا في مَدْرَكِ حُجيّة الاستصحاب إلى الأخبار، وأمّا إذا اعتمدنا فيه إلى بناء العقلاء تعبُّداً أو ظناً، فاللازم هو الأَخْذُ بالقدر المتيقِّن، وهو ما إذا عُدَّ الموضوعُ في ثاني الحال، هو الموضوع في أوّلِهِ، بل لا معنى لدعوى الظنّ بثبوت الحكم ثانياً في موضوعٍ مغاير أو مشكوك التغاير للمتيقّن، فإنّه أشبه بالقياس من الاستصحاب.

قلنا: أمّا الجوابُ عن الأول، فيمنَعُ كونُ ذلك من الرجوع إلى العرف في المسامحة، بل هو رُجوعٌ إليه في فَهْمِ معنى البقاء والنَّقْضِ، ولا رَيْبَ أنَّ البقاء والنّقض عند العرف موضوعٌ لاستمرار الحكم ورَفْعِهِ فيما يراه متّحدُ الموضوع، فما رآه متّحداً في نظره كان باقياً حقيقة.

قال المرحومُ أحمد الحسيني، بتنقيح منا: إن الموضوع الذي يعتبر بقاؤه في الاستصحاب هو الموضوع الخارجي، الذي هو معروض للحكم في الخارج، دون المبتدأ عند النًّحاة، والمسند إليه عند أهل البيان، حيثُ إنَّ العرف هو المحكم في ذلك، ومن المعلوم أنَّ الموضوع الخارجيّ هو ذاتُ الشيء، دونَ الذات مع القيود، ولا الذّات المقيّدة بها، فالموضوعُ في الخارج للقبح هو ذاتُ الصّدق، ولا وصف الضّررية، ولا الصّدق المقيّد بها، لاستحالةِ قيامِ العرض بالعرض، وإنّما كان لوصف الضَّررية مَدْخَلٌ في عروض الحكم، إلاّ أنّ انتفاءَهُ لا يُوجب تبدّل الموضوع أصلاً، وإنْ كانَ قد يوجب انتفاء الحكم، كما لو كان ذلك القيد علّة حقيقةً أو جزء علة، كالمثال المذكور، لكنّ انتفاء الحكم مع ذلك غيرُ مستند إلى تبدُّلِ الموضوع، بل إلى انتفاء علّته، أمّا إذا كانَ القيدُ عِلَّة إعدادية، أعني: علّة مُحْدَثة كالباني بالنسبة للبناء، أو احتمل كونه كذلك، وشُكَّ في بقاءِ الحكم بعد انتفائها، يمكنُ إجراء الاستصحاب فيه.

وأمّا الجواب عن الثاني: فبدعوى تحقُّق بناء العقلاء على الحكم باستمرار الحكم الثابت إلى الآن الثاني، عند بقاءِ ما يراهُ العرف موضوعاً للحكم في الآن الأول، كما أنّه يمكن دعوى حُصول الظنّ بذلك أيضاً، ويؤيِّدُ ذلك أنَّ منشأ الظنّ بالبقاء ليس إلاّ الغلبة الخارجية، والذي يمكن دعواه ليس إلاّ الغلبة في مثل الفرض، وأمّا البقاء فيما كان مع الموجود الأوّلي واحداً حقيقةً، فهو معلومٌ دائميٌ لا غالبي، كذا أفاد ذلك أستاذنا الشيخ كاظم الشيرازي  رحمه الله .

إنْ قلتَ: أنه لا يجوز استصحابُ الأحكام؛ لأنَّ الحكم إنّما يستصحبُ إذا شُكَّ في بقائه من جهة تبدُّلِ الموضوع الذي أخذ في الدليل أو احتمل أخذه في الموضوع، لمعارضته باستصحاب العَدَم الأزلي لذلك الحكم الثابت للعنوان الفاقد للقيد المأخوذ في الدليل أو المحتمل أخذُهُ فيه، فمثلاً إذا شُكَّ في بقاء وجوبِ صَلاةِ الجُمُعة عند غيبة الإمام  عليهم السلام ، فاستصحابُ وجودِ الوجوب، يُعارضَهُ استصحاب عدمِ الوجوب الأزليّ عند الغيبة، فإنّه عند الغيبة يحتمل بقاءُ الوجوب فيستصحب، ويُحتمَلُ بقاءُ العَدَمِ الأزليّ للوجوب، فإنَّ الصلاة عند الغيبة لم تكن واجبة أزلاً فيُسْتَصْحَبُ بقاؤه.

والحاصل: إنَّ هنا شكّاً واحداً في وجوب صَلاةِ الجُمُعَةِ بعد الغيبة ويقينان، فإنّه بهذا القيد متيقّن عَدَمُهُ من الأزل والأبد فيُستصحب هذا العدم، كمّا أنه قبل الغيبة متيقَّنٌ وُجودُهُ، فيستصحب هذا الوجود للوجوب، فيَقَعُ التعارض بينهما.

قلنا: هذا الإيراد قد نُسِبَ للفاضل النراقي  رحمه الله ([259])، وتبعه جملة من المحققين، ومنعوا من استصحاب الأحكام الشرعية.

والتحقيق في جوابه أن يقال: أنه لما كان المعتبر في النقض والبقاء في الاستصحاب هو نظر العرف، وقد عرفت أنَّ العرف يرى القيودَ المأخوذة في موضوع التكليف، ويرى الزّمان المأخوذ فيه من حالاتِ التكليف وظروفه وغير منوعة له ومقسّمة له، وإنَّ بقاء التكليف وموجوديّته به لا بقيوده، وانعدام التكليف بعدمه لا بعدم قيودِهِ، وإنَّ التكليفَ ينتقض لو رفع عنه، فإذا كان العُرْفُ يرى ذلك، كانت أدلّة الاستصحاب تشمل وجود التكليف عندما يشك في وجوده بواسطة زوال الحالة أو الزمان الذي قيّده الشارع به، أو قيّد موضوعه به، ويرى العرف عند زوال ذلك يكونُ رفعُ اليدِ عن الحكم الشرعي نقضاً له، وحينئذ فلا مجال لاستصحاب العدم الأزليّ للتكليف عند زوال القيد؛ لأن العُرْفَ يرى أنَّ التكليف باقٍ عند زوال القيد لبقاء موضوعِهِ عنده، حتَّى بَعْدَ زوالِ القيد، فالعَدَمُ الأزليُّ عند العرف قد زَاَلَ عن التكليف، حتَّى حالَ الشكّ في نفس التكليف؛ ففي المثال العُرف يرى أنَّ وجوب الجمعة موجود عند الغيبة، وإنّ عَدَمَهُ قد زال، وإنَّ البناءَ على عَدَمِهِ نَقْضٌ للحالة السابقة، والبناءُ على وجودِهِ إبقاءٌ للحالة السابقة، فعلى المكلّف الشاكّ أنْ يُبقي الحكم السابق ولا يَنْقُضُهُ، وإذا كان الأمرُ كذلك، فلا يُعْقَلُ أنْ يرى العرف عدم الوجوب الأزلي موجوداً حَالَ الغيبة حتَّى يستصحبه الشاكّ فيه، لما عرفت من أنَّ العرف لا يرى القيود منوّعة للموضوع ومُقسِّمة له حتى يستصحب هذا العدم للتكليف المقيد، فإنّ للعرف نظراً واحداً لا نظرين.

نعم، العدم الأزلي إنّما يستصحب التكليف إذا كان العُرْفُ يرى أنَّ وجود التكليف حال الشك وجوداً مستقلاً، لا إنه بقاء للوجوب السابق فيستصحب عدمه، لبقاء العدم في نظره.

لكن قد عَرَفْتَ؛ أنَّ العرف يراه وجوداً استمرارياً للوجود السابق، فلا يعقل أنْ ينظر التكليف بالنظر الاستقلالي.

وعليه: لو فرض أنَّ العُرْفَ رأى للواقِعَةِ موضوعين مُتَعَدّيين، جَرَى استصحابُ العَدَم الأزليّ للوجوب للموضوع الآخر المشكوك الوجوب، كما لو قال الشارع: صومُ يوم الخميس واجبٌ، فإنّ العرف يراه موضوعاً غير موضوع صوم يوم الجمعة، فيستصحب عدم وجوب صوم الجمعة، لكن بخلاف ما إذا قال: صم إلى المغرب، ولم يعلم المغرب أنه بسقوط القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية، فإنَّ العرف يرى أنَّ وجوب الصَّوم حتَّى سقوط القرص عين وجوب الصوم حتى الحمرة المشرقية فيستصحبه، فعلى الفقيه أنْ يدرك نظر العرف عندما يشك في البقاء.

وكيفَ كان؛ فلا وَجْهَ لدعوى المعارضة بين الأصل الوجوديّ للحكم والأصل العَدَميّ له؛ لأنَّ العرف إنْ كان يَرَى أنّ بتغير القيد، أو بتبدله، أو اختلاف الزمان للحكم، أو موضوعه من قبيل تبدل الحالات، أو تغير الظروف، وإنَّ الشك في الحكم بسبب ذلك شكٌ في بقاء ذلك الحكم السابق لذلك الموضوع الذي كانَ ثابتاً له، جَرَى الاستصحاب، ولا معنى للاستصحاب الأزليّ لعدم الحكم، حيثُ أنَّ الفرض أنَّ العرف يراه شكّاً في بقاء وجود الحكم السابق، ولا يراه شكاً في بقاء عدم أزلي لحكم جديد، نظير الشك في بقاء وجود الأشياء الخارجية، كزيد وعمر بواسطة تبدل الحال أو الزمان.

وأمّا إنْ كانَ العرف يرى أنَّ الشكَّ في الحكم بسبب تغيّر القيد شكّاً في ثبوته لموضوعٍ آخر لا لذلك الموضوع الأول، فيكونُ شكُّهُ شكّاً في حُكْمٍ آخر لموضوع آخر، فيستصحب عدمه الأزلي، ولا يجري استصحاب الحكم السابق؛ لأنه ليس الشكُّ شكّاً في بقائه، وإنّما هو شكٌّ في موضوعٍ جديد، فالميزانُ نَظَرُ العرف إلى موضوع التكليف، وأنه واحدٌ بوحدة توجب عدم تعدده وتنوعه، وإن كان بحسب الشرع ودقة العقل متعدد ومتنوع.

والمحكيّ عن المرحوم الشيخ الجليل الشيخ عبد الكريم القمي  رحمه الله ([260])، بتوضيحٍ منّا، حيثُ لم تحضرني دُرَرُه: أنّه لا معارضة بين الاستصحابين، فإنَّ فرض الكلام أنَّ العُرف يرى أنَّ موضوع التكليف باقٍ، وإنَّ التغيّر الذي طرأ عليه لم يؤثّر على بقائه، فتدلُّ أخبار الاستصحاب على بقائه في ثاني الحال، وحينئذٍ فيستفاد من دليل التكليف بضميمة أدلّةِ الاستصحاب بقاءُ التكليف المطلق الغير المقيّد بالحال الأول، ولا بالحال الثانية، فيكونُ في المثال المتقدم وجوب الجمعة مطلقاً، سواء قبل الغيبة أو بعدها، والاستصحاب العدمي إنما هو بالنّظر للتكليف بعد تغيُّر الحالة السابقة، فإنَّ التكليف المقيّد بما بعد تلك الحال كان مَعْدُوماً في الأزل فنستَصْحِبُ عَدَمَهُ، وهذا الاستصحابُ إنّما يقتضي رَفْعَ التكليف المقيّد، وهو لا يُنافي ثبوتَ التكليف المطلق، فإنَّ وجوب الجمعة بقيد أنّه بعد الغيبة، وبخصوصيّة أنّه بما بَعْدَ الغيبة ليس بموجُودٍ، وإنّما الموجود هو وُجوبُ الجُمُعَةِ مُطْلَقاً قبل الغيبة وبعدها، فالاستصحابان جاريان ولا معارضة بينهما([261]).

إن قلتَ: لا وجه لاستصحاب الأحكام الشرعية؛ لأنَّ الاستصحاب إنما عمل به حيثُ لا نَصَّ على الحكم الشرعيّ، وقد ثَبَتَ بواسطة تواتر الأخبار بأنَّ كُلَّ ما تحتاج إليه الأمة وَرَدَ فيه خطابٌ شرعيّ، حتى إرش الخدش.

قلنا: أنه قد ثَبَتَ إنّه كثيرٌ مما وَرَدَ مخزونٌ عند أهل الذكر  عليهم السلام .

إنْ قلتَ: تواترت الأخبار بحصر المسائل بالنسبة إلى الأحكام الشرعية في ثلاثة أقسام: بَيِّنٌ رُشْدُه، وبَيِّنٌ غَيِّهُ، ومُشتَبِهٌ أمُرُهُ