تأليف

تحقيق

الشيخ تحسين البلداوي

7801006730 – 00964 / info@kashifalgetaa.com / www.kashifalgetaa.com

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (3232) لسنة 2019م

 

مقدمة المؤسسة

الحمد لله ربّ العالمين ذي الآلاء السابغةِ والفضلِ الجلي، وأفضل صلواتهِ وأزكى تحياتهِ على مدينةِ علمهِ تبارك وتعالى وبابها عليّ.

وبعد، فبينَ يديك أيها القارئ الكريم كتابٌ قيمٌ في بابهِ، ممهِدٌ لحصول الدرجات السامِقَة لطلاّبهِ، جمع فيه مصنفه سماحة آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء  قدس سره  (ت 1411هـ) المطالب التي تنفع في شؤون هذا العلم وطرائفه، والمبادئ التي تزيدُ بصيرةً، وكان تأليف هذا الكتاب ومؤلفه الفقيهِ الكبير بين العشرين والثلاثين من العمر، مما يدل على نبوغهِ المبكر وتفوقهِ النادر في الأخذ من ناصيةِ هذا العلم، والتربع على دست الفتوى فيه.

وقد دأبت مؤسسة كاشف الغطاء العامة على طباعة الكتب النافعة، لا سيما مؤلفات علماء الأسرة منها، تثميناً للعلم وتخليداً لجهود مؤلفيها، وذلك بعد تحقيقها وفق الضوابط العلمية بما يحقق الغايات ويُعين القارئ الكريم وصوله بيسرٍ إلى مبتغاه من معلومات.

كما نتقدّم بخالص الشكر والتقدير لأمين المؤسسة العام سماحة الشيخ الدكتور عباس كاشف الغطاء ولجناب الشيخ المحقق ولجميع من أعان في صدوره، سائلين المولى عز وجل بجاه من لذنا بجواره مولانا أمير المؤمنين  عليه السلام  أن يوفق للانتفاع به، ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنه ولي التوفيق.

                                                                                   اللجنة العلمية

                                                  في مؤسسة كاشف الغطاء العامة

                                                                                         

 

F

مقدمة التحقيق

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

وبعد، فهذا هو الكتاب الثاني في مقدمات علم الفقه التي ينبغي لطالب العلم أن يطّلع عليها، والتي جعلهما مؤلفهما مقدمة لدورته الفقهية والأصولية، فالأول ما طبعته مؤسسة كاشف الغطاء مشكورة بتحقيقنا هو "أدوار علم الفقه وأطواره"، أما الثاني فالذي بين يديك وهو "باب مدينة علم الفقه" والذي يذكر فيه سماحة آية الله العظمى الشيخ علي كاشف الغطاء مبادئ علم الفقه وتعريفه وموضوعه ورؤوسه على نحو أوسع مما ذكره في الكتاب الأول، مع إضافات جليلة تجعل الطالب على استعداد لتلقي مناهج الحوزة العلمية وخوض غمارها.

وقد عملتُ على تحقيق الكتاب وإضافة كثير من التخريجات التي افتقرت إليها طبعة الكتاب الأولى وإجراء ما يلزم من الترجمة والتعريف والإيضاح لما احتيج إليه من مفردات الكتاب، مثمناً في الوقت ذاته جهود العاملين في المؤسسة على إخراج الكتاب بحلّته الجديدة، بعد مراجعته وتنظيم فهارسه واخراجه فنياً، لاسيما أمينها العام الشيخ الدكتور عباس كاشف الغطاء، ونائبه الشيخ أحمد نجله الموفّق.

فجزاهم الله خير جزاء المؤمنين، سائلا المولى  عجل الله فرجه الشريف  أن يوفقهم على ما بذلوه إنه سميع مجيب.

                                                                                تحسين غازي البلداوي        

 

 

ترجمة المؤلف

نسبه:

هو الفقيه الشيخ علي ابن الشيخ محمد رضا ابن الشيخ هادي ابن الشيخ عباس ابن الشيخ علي صاحب (الخيارات) ابن الشيخ الكبير جعفر صاحب (كشف الغطاء) ابن الشيخ خضر، الجناجي النجفي المالكي.

ولادته ونشأته:

ولد رحمه الله  سنة (1331هـ) في محلة العمارة من محالّ النجف الأشرف، شب
 في بيت علمي، ونشأ مع أسرة أدبية دينية تنحدر من سلالة عربية عريقة ينتهي
نسبها إلى مالك الأشتر([1])، وتولى تربيته جده العلامة الهادي كاشف الغطاء، فكان يلقنه المعارف والحكم، ويغذيه ويدربه على مراقي الفضل والعبقرية،
فنشأ خير منشأ([2])، وبعد أن فرغ من القراءة والكتابة توجه نحو المبادئ من العلوم الأولية، فأتقنها ومهر بها، وجدّ في تحصيل العلوم الدينية من الأصول والفقه حتى صار يُشار إليه بالبنان([3])، فأصبح من فضلاء هذه الأسرة المصلحين،
ومن حملة العلم النابهين، تفوّق على أقرانه وزاحم الشيوخ في معارفهم،
وسبق الكثير منهم في معلوماتهم([4]).

أساتذته:

ومِن أشهر أساتذته الأعلام من غير أسرته الفقيه الكبير الشيخ كاظم الشيرازي، الذي كان مِنْ ألْمع الأساتذة المُدرّسين يوم كانت النجف تَعجُّ بآلاف الطلبة ومئات المحصّلين، وكان هذا الشيخ ذا نظر ثاقب ورأي حصيفٍ وفكرةٍ نـقـّادةٍ، وكان يمتاز أيضاً بقوَّة التقرير وجزالة التحرير والفراسة الصادقة في تمييز مواهب تلامذتـه، ومنْ مصاديق قوّة التَّوَسُّم فيه أنـَّه قدَّم شيخنا المترجَم أعلى الله مقامه على سائر حُضّار بحثه، بلْ كان يُؤثره بإلقاء مطالب عالية في الفقه وأصوله على نحو الاختصاص ولم يشاركه غيره من كبار تلاميذه في حضورهـا، ثم بلغ الأمر بالشيخ الشيرازي أنْ حرَّم على الشيخ كاشف الغطاء أنْ يحضر درس غيره من الأعلام، هذا والشيخ بعد لمّا يزلْ غضَّ الإهاب، لم يخْلع بُرْدَ الفتوَّة، ولم ينـزع جلباب الشباب، وكان جُـلَّ تحصيله عليه حتى تبحر في علوم الفقه والأصول، وتضلَّعَ من المعقول والمنقول، وبلغ درجة الاجتهاد المُطْلق قبل الثلاثين من عُمُرهِ المبارك([5]).

ومن أساتذتـه في المعقول العلامة السيد علي اللكنهوي في الفلسفة والمنطق والعقائد([6])، ومن أساتذته أيضاً الشيخ ضياء الدين العراقي والشيخ محمد حسين النائيني.

تلامذته:

وتلامذتُـهُ هم جمهرةٌ صالحةٌ من كبار العلماء والباحثين والأدباء والنُّحاة واللَّغـَوييّن، من مشاهيرهم:

  • السيد جمال الدين نجل المرجع الديني الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي  قدس سره .
  • أخوه السيد علي نجل السيد الخوئي  قدس سره .
  • العلاّمة الحجة الكاتب الإسلامي الشهير الشيخ باقر شريف القرشي.
  • العلاّمة الفقيه الشيخ عبد الكريم القطيفي.
  • العلاّمة الشاعر الكبير الشيخ عبد المنعم الفرطوسي.
  • العلاّمة الكاتب الإسلامي الشهير الشيخ أسد آل حيدر صاحب كتاب (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة).
  • الخطيب الكبير العلاّمة الدكتور الشيخ أحمد الوائلي.
  • العلاّمة الشيخ نور الدين الجزائري.
  • العلاّمة الدكتور مهدي المخزومي كبير علماء النحو.
  • العلاّمة الشيخ حسين آل زاير دهام المخزومي النجفي.

دوره الديني والعلمي:

إن شعور الشيخ علي كاشف الغطاء نفسه إن واجبه الديني يفرض عليه أن يكون في وسط الأحداث، مرشداً وناصحاً وموجهاً ومسانداً، كان هو المحفّز للقيام بجلائل الأعمال، وقد كان له بجميع مشاركاته فاعلية وقوة وتأثير، ويمكن الإشارة إلى السمعة الطيبة والمكانة المرموقة التي احتلتها أسرته- آل كاشف الغطاء- في المجالات الدينية والعلمية والسياسية قد ساهمت إلى حد كبير في بزوغه، فهذه الأسرة العربية الصميمة قدّمت الزعماء الدينيين على امتداد قرنين من الزمان (القرن التاسع عشر والقرن العشرين)([7]).

رُجِع إليه في التقليد بعد المرجع الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، فقد بلغ درجة الاجتهاد المطلق قبل الثلاثين من عمره، وتولى إمامة الجماعة في الصحن الحيدري الشريف في مكان والده وجده الهادي رحمهما الله، وانتقلت إليه مكتبة جده وأبيه، وأضاف إليها كثيراً من الكتب المطبوعة والمخطوطة، فهي من مكتبات النجف المهمة([8]).

وقد كان الشيخ كاشف الغطاء يتصف بِسِمات الرجل الجادِّ الذي يعمل بنشاط وحماس في كل موقف يرى فيه مصلحة للإسلام والمسلمين([9])، فكان يسعى بكل ما أعطي من حول وطول في قضاء حوائج المؤمنين، والحفاظ على دماء المسلمين، والدعوة لوحدة الصف.

إجازته في الرواية:

يروي الشيخ المترجَم بالإجازة عن جدّه الإمام الهادي عن العلاّمة الكبير الفقيه الأصولي الرجالي الشهير السيد أبي محمد الحسن آل صدر الدين الموسوي العاملي الكاظمي، وقد كتبها السيد المذكور للشيخ الهادي جدّ المترجم على نحو التفصيل وفيها من الفوائد ما لا يستغني عنه فقيه ومُحدّث([10]).

آثاره العلمية:

وله رحمه الله  مصنفات قيّمة في مختلف فنون المعرفة الإسلامية، من الفقه والأصول والمنطق والتراجم والمناظرات بينه وبين كبار علماء الأمة من الفريقين، وهي:

أولاً: المطبوعات:

  1. الأحكام، تقريراً لبحثه الخارج في الأصول (ستة مجلدات)، طبعته مؤسسة الذخائر سابقا -كاشف الغطاء حالياً- طباعة أولية.
  2. أدوار علم الفقه وأطواره، طبعته مؤسسة كاشف الغطاء العامة سنة (1439هـ) بتحقيق الشيخ تحسين البلداوي.
  3. أسس التقوى لنيل جنة المأوى، وهي رسالته العملية، وكانت الطبعة الرابعة منه في سنة (1391هـ) من قبل مطبعة الآداب في النجف الأشرف.
  4. باب مدينة علم الفقه، طبع في مطبعة دار الزهراء في بيروت سنة (1405هـ), وما بين يديك الطبعة الثانية المحققة منه.
  5. التعادل والتعارض والترجيح، طبعته مؤسسة الذخائر سابقا -كاشف الغطاء حالياً- وعادت طباعته مطبعة سليمانزاده في قم سنة (1430هـ).
  6. تعليقة على شرح المنظومة, حققها الشيخ عمار التميمي, وطبعتها مؤسسة كاشف الغطاء العامة سنة (1442هـ).
  7. شرح العروة الوثقى، تقريراً لدرس استاذه الشيخ كاظم الشيرازي، طبعته مؤسسة كاشف الغطاء العامة سنة (1439هـ) بتحقيق الشيخ كريم الكمولي.
  8. كشف ابن الرضا عن فقه الرضا، رسالة مستلة من كتابه شرح المكاسب، حققها مصطفى ناجح الصراف، وطبعت في بيروت من قبل مطبعة صبح سنة (1432هـ).
  9. الكواكب الدرّية في الأحكام النحوية، طُبِع من قبل الذخائر سابقاً.
  10. المختصر من مرشد الأنام لحج بيت الله الحرام، الطبعة الأولى من قبل المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف سنة (1374هـ)، والثانية في النجف أيضا في مطبعة الآداب سنة (1398هـ).
  11. مصادر الحكم الشرعي والقانون المدنـي، (مجلدان)، طبع الأول منه في مطبعة الآداب في النجف الأشرف سنة (1408هـ)، والثاني في مطبعة العاني في بغداد سنة (1410هـ), وأعيد طباعته محققا من قبل مؤسسة كاشف الغطاء العامة سنة (1442هـ) في بيروت.
  12. نظرات وتأملات، وهو شذرات من المطارحات العلمية والمناظرات الأدبية بينه وبين الدكتور فيليب حتي.
  13. نقد الآراء المنطقية (مجلدان)، طبعته المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف، وطبعة أخرى من قبل مطبعة سليمانزاده في قم سنة (1427هـ).
  14. نهج الصواب إلى حل مشكلات الإعراب، طبعته مؤسسة الذخائر سابقاً, وأعيد طباعته مجموعا مع كتاب "الكواكب الدرية" المتقدّم من قبل مؤسسة كاشف الغطاء العامة سنة (1442هـ).
  15. نهج الهدى في علم الكلام، المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف سنة (1354هـ).
  16. النور الساطع في الفقه النافع، تقريراً لبحثه الخارج في الفقه (مجلدان)، الطبعة الأولى منه من قبل مطبعة الآداب في النجف الأشرف سنة (1381هـ)، والثانية من قبل ستارة في قم المشرفة في سنة (1430هـ).

 

ثانياً: المخطوطات:

  1. إظهار الحق، شـرح لحاشية الشيخ ملا عبدِ الله اليزدي.
  2. الحق اليقين في تراجم المعصومين  عليهم السلام .
  3. رسالة في أمارية اليد.
  4. رسالة في وحدة الوجود.
  5. شـرح الرسائل (ستة عشر مجلدا).
  6. شـرح المكاسب (اربعة مجلدات).
  7. شرح تجريد الاعتقاد.
  8. شرح كفاية الأصول (عشرة مجلدات).
  9. الكلم الطيب، مجموعة رسائل ومقالات.

وتعمل مؤسسة كاشف الغطاء العامة على تحقيق وإخراج تلك الدرر ضمن موسوعة تراث الشيخ علي آل كاشف الغطاء.

وفاتُهُ:

لبَّى نداء ربه بعد أنْ أكمل تكبيرة الإحرام من فريضة العشاء، وكان ذلك في ليلة الأربعاء 19 رجب الأصَمّ من سنة (1411هـ)، ودفن في مقبرة جدّهِ الشيخ الأكبر كاشف الغطاء في محلة العمارة من محال النجف الأشرف([11]).

 

مقدمة المصنف

وبه نستعين

الحمدُ للهِ الواحد الأحد الفرد الصمد والصّلاةُ والسلام على محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين مصابيح الدجى وأعلام الهدى.

وبعد فيقولُ المفتقرُ إلى ربِّهِ عليّ نجل الشيخ محمد رضا نجل المبرور الشيخ هادي من آل كاشف الغطاء:

هذا كتاب (باب مدينة الفقه) أو ما يفيد البصيرة فيه، استفرغتُ فيه الوُسْع والطاقة، وركبت فيه الصعب والذلول، وخضت فيه الغمر والضحول، وأنفقت فيه جهداً عظيماً، هو هَيِّنٌ عليّ إذا قست بما أربحه للقراء من الثمرات الطيبة والفوائد الجليلة، لأبحث فيما يُنيرُ الطّريق للتفقّه في الدّين شروعاً، ويفيدُ البصيرة فيه حصولاً وتحصيلاً، فيهديهم إلى مناهج هذا العلم صراطاً مستقيماً، لأمور توصلهم لأسراره بطريق مهيع ونهج لمعرفة مبادئه متّبع، وافٍ بالحاجة، موصل للفائدة، أنفذتُ فيه ما كنت أفكّرُ به من جمع المطالب التي تنفع في شؤون هذا العلم وطرائفه، والمبادئ التي تزيد بصيرة في أُسسِهِ ومصادره، استَخْرَجْتُها بَعْدَ هَنٍ وهَنٍ من مكنونات كُتُبِ الماضين، ومن أعماق فكري يوم كنت بين العشرين والثلاثين، فجاء بحمد الله بهذه الحُلَّةِ القشيبة، الأولُ في نوعه، والوحيد في بُردَتهِ ونَسْجِه، ولا ينبئك مثل خبير، وقد رتبته على مطالب وفصول.

 

المطلب الأول

في مقدّمة علم الفقه (تعريفه، موضوعه، غايته)

قد تعارف عند القوم قبل الدخول في كلّ علمٍ ذكْرُ أمورٍ ثلاثةٍ باسم المقدمة، وهي تعريفُ العلم، وموضوعه، والغاية منه؛ ليكونَ الطالبُ على زيادةٍ من البصيرة عند الشروع فيه.

[اما] وجهُ إهمال بَعْضِ الفُقَهَاء لــ(تعريف الفقه، وموضوعه، وغايته)، فقد أهمل أغلبُ علماء الفقه في موسوعاتهم الفقهية الكبرى التعرُّضَ لهذه الأمور الثلاثة في صدر كتبهم اعتماداً على أنّ الذي يرجع إليها إنّما يكون من أهل الفن، والفقه، فإنّها لم تُصنع إلاّ للمجتهد في هذا العلم، ولا ريب أنّ المجتهد فيه عنده منها ما يكفيه في الرجوع إلى مؤلّفاتهم، والشروع في دراسة الفقه في مصنفاتهم.

وإليك شرحُها في فصول ثلاثة:

 

الفصل الأول

تعريفُ علم الفقه بحسب الاشتقاق والبحث عن صيغته

لابدّ لنا قبل الخوض في تعريفه وبيان معناه الاصطلاحي من التكلّم في الفقه بحسب الاشتقاق لإيضاحِ معناهُ بحسب اللُّغَةِ لظهورِ كلمات بعضهم، بل صريحها في تطابق معناه لغة، واصطلاحاً.

وجه تعرّض العلماء للمعنى اللغوي

وعلى تقدير عدم المطابقة بينهما، فيكون ذلك لبيانِ المناسبة بين المعنى اللغوي المنقول عنه، والمعنى الاصطلاحي المنقول إليه، ولهذا ترى القومَ يذكرونَ المعنى اللّغوي مع أنّه يَجِبُ عليهم أنْ يُبيّنوا المعنى الذي اصطلحوا عليه.

وجهُ تقديمِ بيان المعنى اللّغوي على الاصطلاحي

وإنّما قدّمنا بيانَ المعنى اللغوي على الاصطلاحي لكون المعنى اللغوي سابقاً عليه سَبْقَ الأبِ على الابن، ويلزمُ عند علماء الأدب مطابقة الوضع للطبع.

وجه تقديم التعريف وبيان المطالب الثلاثة ما، وهل، ولِمَ

وإنّما قدّمنا تعريفَهُ على سائر المطالب؛ لأنّه هُنا بمنزلة بيانِ مَطْلَبِ (ما) الشارحة، وهو مقدّم في مقام التعليم على تمام العلوم المتعلّقة ببيان أيِّ شيء كان، كما إنَّ بيانَ موضوعِ العلم بمنزلة بيان مطلب (هل)؛ لأنّه ببيان موضوعه يعرف وجوده، ووجود العلم بوجود موضوعه.

كما أنّ بيانَ غايةِ العلم بمنزلةِ بيان مطلب (لِمَ)؛ لأنّه شرح لعلّةِ تدوينه ووجوده. فتعريفُ العلم، وبيانُ موضوعه وغايته، إنّما هو بمنزلة البيان لمطالب الشيء الثلاثة.

البحثُ عن صيغة لفظ الفقه

وكيف كان فنقول: (الفِقْهُ) بكسر الأول وسكون الثاني، مصدرٌ، وفعلُهُ الماضي (فَقِه) بفتح الأول وكسر الثاني مُتعدٍّ لمفعولٍ واحد، يقال: فَقِه زيدٌ الشيءَ، بفتح أوله وكسر ثانيه، ومضارعه (يَفقَه) بفتح القاف، فيكون من باب فَعِل يَفعَل، مثل عَلِمَ يَعلَم، وليس في لغة العرب (يفقِه) بكسر القاف في المضارع، فلذا جعلنا المضارع مفتوح القاف.

مضافاً إلى أنّ مكسور العين في الماضي لا يَجيءُ مضارعه مكسور العين غالباً، إلاّ إذا كان مِثالاً أي: أوّله حرف علة.

كما أنّه لا يجوزُ ضَمُّ عينِهِ، فلا يصحُّ أنْ يُقال: (يَفقُه) بضمّ القاف؛ لأنّ مكسور العين في الماضي لا يجيء مضارعه مضموم العين.

وإنّما جعلناه من المتعدي؛ لأنّ فَقِه يَفقَه اللازم مصدرُها فَقَهاً بفتح الأول والثاني، نظير فَرِح وتَعِب، فإنّ ما كان على وزن فَعِل يَفعَل من اللازم يكون مصدره الغالب مفتوح الأول والثاني، إلاّ أنّ الشَّأنَ في ثبوتِ هذا الاستعمالِ لـ(فَقِهَ) بالوزن المذكور في المعنى اللازم، ومَجيءُ المصدر له بالوَزْنِ المذكور يَظْهَرُ من صاحب المفردات([12]) والمصباح([13]).

ولا يُتَوَهَّمُ إنّ (الفِقْه) يكونُ فعل ماضيه (فَقُه) بفتح الأول وضم الثاني، فإنّه من باب (فَعُل يَفعُل)، ومصدره (فقاهة)، وليس الفقه بمصدر له؛ لأنّ الغالب على هذا الوزن أنْ يأتي مصدره على فَعالة أو فَعُولة كفصاحة وسهولة، وحيث أنّ فعولة في (فقه) لم يُسمع من العرب، وإنّما المسموع فقاهة كان المصدر له هو فقاهة فقط.

وليُعلم أنّ مضمومَ الوسط في الماضي يكونُ مضارِعُهُ مضمومَ الوسط أيضاً كماضيه لا غير، ويكون لازماً غير متعدٍ، وخاصّاً بالصفات الغريزية اللازمة ككَرُم وحَسُن.

ولذا عُدّ من الشاذ (رَحُبتك الدار) أو أنّ أصلُها (رَحُبَتْ بكَ الدارُ) فحذفت الباء؛ لكثرة الاستعمال، ولذا فسَّرَ اللّغويون (فَقُه) بصار الفقه سجية له.

وهكذا لا يتخيّل أنّ الفِقه فعلُ ماضيه (فَقَه) بفتح الأول وفتح الثاني ومضارعه (يَفقُه) مضموم الوسط من باب نَصَر ينصرُ؛ لأنّ (الفِقْه) بكسر الفاء لا يصلح أنْ يكون له مصدراً؛ لأنّ الغالب في مصدر باب نَصَر يَنصُر هو فتح الأول وسكون الثاني فيكون مصدره فَقْهاً.

وتوضيح ذلك وتنقيحه، إنّما جعلنا فَقَه من باب نصر مع أنّ فعَل قد يجيء مضارعها مفتوح الوسط؛ أو مكسور الوسط، لأنّ (فَقَه) بفتحتين إنّما جاءت في لغة العرب في المغالبة أي: غلبته في الفقه، ومضارعها إنّما يكونُ مضمومَ الوسط.

أسلوبُ التعبير عن المطالبة

وذلك أنّ العرب إذا أرادوا بيانَ الغَلبَة في العمل أتوا بفعلِهِ على وزن مفاعلة دالاًّ على وقوع العمل من الطرفين، ثم بعده يأتون بالفعل على وزن (فَعَل) بفتحتين يكون فاعله الغالب منهما، ومفعوله المغلوب منهما، فيقولون: كارمته فَكَرمته، أو يقال: كارمني فكرمته، من دون فرقٍ في وزن مفاعلة بين جعل الغالب فاعلاً أو مفعولاً.

نعم لو كان الغير هو الغالب تقول: (كارمته أو كارمني فكَرَمني)؛ لما عَرَفْتَ من أنَّ المغلوبَ يكونُ مَفعولاً في هذا الوزن الذي يَجيءُ بَعْدَ المُفَاعَلَة، أعني: وزن (فَعَل) بفتحتين، هذا إذا أرادوا بيانَ الغَلَبَةِ في الماضي.

صيغة الغلبة في المستقبل

وإذا أرادوا بيانَ الغَلَبَةِ في المُستقبل أتوا بمضارعِ الفعل الدّالّ على المشاركة أعني: مضارع فاعل الذي مصدره المفاعلة، وبعده بالفعل المضارع من (فَعَل) على وزن (يَفعُل) بفتح أوله وبضمّ ثانيه، فيقولون: أكارمه فأكرُمُه، أو يكارم زيدُ عمراً فيكَرمُ زيدُ عمراً، ويجوز أنْ يقال ذلك فيما لو اشتركا في المغالبة في الفعل بالغير لا بينهما، وغَلَبَ أحدهما الآخر، ففي المثال المذكور يجوز أنْ يقال ذلك فيما لو اشتركا في المغالبة في إكرام شخصٍ آخر، فيُقال: كارمته في زيد فكَرمُته فيه، أي اشتركت معه في المغالبة في إكرام زيد فغلبته في إكرامه.

والحاصل: إنّه في هذا الباب، أعني: بابُ المغالبة يَجْعَلونَ الفِعْلَ بَعْدَ اشتقاق المفاعلة منه على وزن (فَعَل يَفعُل)، (نَصَر يَنصُر)، وإنْ لم يكن هو على هذا الوزن، ويجعلونه متعدّياً وإنْ كان لازماً كما في المثال المتقدم فإنّ: كَرُمَ مضموم العين ولازم.

وهذه قاعدة مطّردة في كل باب يؤتى فيه بعد المفاعلة التي وقعت فيها المغالبة بالفعل المجرّد الذي هو أصلُها إلاّ إذا كان الفعل من المثال، بأنْ كان أوّله واواً كوَعَدَ أو ياءً كَيسّر، أو من الأجوف بأنْ كان معتلّ الوسط كباع، أو من الناقص اليائي، أعني: الذي آخره الياء كرمي، فإنّه لا ينقل إلى وزن (فَعَل يَفعُل) وإنما يكون عند بيان الغلبة على وزن (فَعَل يَفعِل) بكسر العين في المضارع دون ضمّها فيقالُ عندَ بيانِ المُغالَبة في الأمثلة المذكورة: واعدته فَوعَدته في الماضي أو أواعده فأعِده في المضارع، وياسرته فَيسَرته في الماضي أو أياسره فأيسِره في المضارع، وبايعته فبعته في الماضي أو أبايعه فأبيعه في المضارع، وراميته فرميته في الماضي أو أراميه فأرميه في المضارع.

هذا وقد يقتصر على الفعل المجرّد بالوزن المذكور عند بيان المغالبة من دون سبق المفاعلة عليه لفظاً إلاّ أنّها تكون مقدّرة في المعنى، كما يقال لأحد المتخاصمين (خَصَمَكَ فلانٌ) أي: غَلَبَكَ في الخصومة، كأنه قيل: خاصمك فخصمك.

إعراب قول جرير 

وقد جعل منه في الصحاح([14]) في مادة بكى قول جرير في مرثيته لعمر بن عبد العزيز:

الشمسُ طالعةٌ ليسَتْ بكاسِفَةٍ

 

 

تبكي عليكَ نُجُومَ الليلِ والقَمَرَا([15])

 

 

كأنه قال: تباكي الشمس النجوم والقمر عليك فتبكي الشمس النجوم والقمر عليك، أي: فتغْلِبُها بالبكاء؛ لما فيها من الكَدَر لا للكسوف، فتكونُ نجومُ الليل والقمر منصوبين بتبكي والفاعل هو الشمس.

ويجوزُ نصبه بكاسفةٍ أي: إنّ الشمس ليست بكاسفة للنجوم والقمر؛ لأنّ بكاءَها قد أوجب كدرها وعدم ضيائها، فتظهرُ النجوم ويظهر القمر. وعليه فيكون تبكي منصوب المحل على الحال، وليس من باب المغالبة، والمعنى: إنَّ الشمس طالعةً، وليس بكاسفةٍ للنجوم والقمر حال كونها باكية عليك، وقيل: إنّ (نجوم) منصوب بواو المعيّة المقدّرة، وأنّ المعنى: تبكي عليك مع النجوم. وهو فاسِدٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ حَذْفِ واو المعية.

صاحب القاموس

وقد وَهّمَ صاحبُ القاموس صاحبَ الصحاح([16]) في مادَّةِ كَسَفَ فقال: إنّ البيت:

فالشَّمْسُ كاسفةٌ ليست بطالعة      
 

 

تبكي عليكَ نجومَ الليلِ والقَمَرا
 

 

أي: كاسفة لموتك تبكي أبداً.

أقول: إنّ الرواية المعروفة هي ما ذكره صاحب الصحاح، على أنّ صاحب القاموس يرد عليه الإشكال في نصب النجوم والقمر، إلاّ أنْ يلتزم بالمغالبة في يبكي وهو خلاف ظاهر كلامه، أو يلتزم بنَصبها على الظرفية، أي: ما دامت النجوم والقمر، وهو توجيه لا يقبله الذوق العربي.

فتلخّص: أنّ إتيانَ الفعل على وزن (فَعَل يَفعُل) بعد إتيانه على وزن المفاعلة عند المغالبة قياسٌ مطّرد في كلّ فعلٍ ثلاثيٍ متصرّفٍ غير جامد كنعم وبئس تامٌ غير ناقص ككان واخواتها خالٍ من ملزمِ الكسر كالمثال الواوي واليائي والأجوف والناقص اليائي.

قول سيبويه والمناقشة فيه

إلا أنّ المحكيّ عن سيبويه([17]) انه سماعيٌ يكثر في لغة العرب، وليس بقياسيٍّ، فلا يجوزُ نقلُ كلِّ فعلٍ أَرَدْتَ المغالَبَةَ إلى ذلك، وقد تَبِعَهُ على ذلك الشَّيخُ الرّضي([18])، ولكن في التسهيل: إنّه قياس مطّرد([19])، وليس لسيبويه دليلٌ على ما ذهب إليه، إلاّ أنّه لا يقال: (نازعني فنزعتَه)، وإنّما يقال: (غلبته في النزاع)، وقد ردّ عليه في شرح المفصل([20]) بأنّ ما ذكره سيبويه لا يخرج باب المغالبة عن كونه قياسياً، كما أنّه لم يخرج باب التعجب عن القياس عدم قولهم: (ما أقيله)، غاية الأمر إنّما يقتضي قيام دليلٍ خاصّ على عَدَمِ مجيء هذا الوزن في هذا المورد الخاص، وهو كثرةُ استعمالهم هذا المعنى في فعل (نازع) بلفظِِ (غلبته)، فإنّه يدلّ على أنَّ وزن باب المغالبة لا يُستَعْمَل في خُصوصِ هذا المورد.

إذا عَرَفْتَ هذا ظَهَرَ لَكَ أنّ لَفْظَ (الفِقهْ) مصدر لفَقِه يفقَه، وليس بمصدر لفَقُه يَفقُه، فإنّ مصدرها الفقاهة، ولا بمصدر لفقَه يفقُه، فإنّه من باب المغالبة، وليس له مصدر نظير المبني للمفعول، وبهذا يظهر لك فسادُ ما في دائرة المعارف للبستاني([21]) والمنجد([22]) من جعل مصدره فقهاً.

الفقيه بحسب الاشتقاق

ثم لا يخفى أنّ لفظ (الفقيه) صفةٌ مشبّهة، أو من أمثلة المبالغة، أو اسم فاعل بمعنى فاعل كجليس، ولذا كان لا يستوي فيه المذكر والمؤنث.

والفَقِه (بفتح أوله وكسر ثانيه) والفَقُه (بفتح أوله وضم ثانيه) أيضاً من أمثلة المبالغة، ولذا فسَّر القوم هذه الألفاظ الثلاثة بمن كان شديدَ الفهم، وقد تستعمل بمعنى اسم الفاعل مجرّدة عن المبالغة.

الفقه بحسب اللغة

الفِقه في اللغة: الفهمُ، كما في الصحاح([23])، والمغرب([24])، والنهاية([25])، حيث قال فيها: (الفقه في الأصل الفهم).

وفي حديثِ سلمان الفارسي([26]): أنه نزل على نبطية في العراق فقال: هل هنا مكان نظيف أصلّي فيه؟ فقالت: طَهِّر قلبك وصَلِّ حيثُ شئت، فقال سلمان: (فَقِهْتُ)([27]) أي: فهمت.

وروي: (لعن الله النائحة والمستفقهة)([28])، وهي صاحبة النائحة في نوحها. وأطلق عليها ذلك؛ لأنها تتلقّفُ نَوْحَ النّائحة وتفهمه فتجيبها عنه.

ولعلّ اللغويين متّفقون على معناه ذلك.

وإنمّا ذكر بعضُهم له معانٍ أخرى مع الفهم، كالعلم والفطنة كما في القاموس([29])، أو فهم غرض المتكلم من كلامه كما عن الرازي([30])، أو التوصّل إلى علم الغائب بعلم الشاهد كما في مفردات الراغب([31]).

التحقيق في معنى الفقه

والتحقيقُ أنّ الجميعَ يَرْجِعُ إلى الفهم، فإنّه هو المتبادَرُ منه عند إطلاقه
في كلام العرب، والمعاني المذكورة تَرْجِعُ إليه، والأصل عدم الاشتراك، والخصوصياتُ التي تُفْهَمُ من إطلاق الفقه في بعض الموارد كسرعة الانتقال
في الفهم المعبّر عنه بالفطنة، أو فهم غرض المتكلم من كلامه، أو جودة الفهم، أو فهم الأشياء الدقيقة، لا تقتضي أنْ يكونَ معناهُ أخصُّ من الفهمِ؛ لتبادُرِ نفس الفهم من إطلاقه، والخصوصيات إنّما فُهِمَتْ من القرائن المكتنِفةِ بالمقام،
ألا تَرَى أنّه إذا أشار شخصٌ إلى رَجلٍ وقال: (إنّه رَجُلٌ) فإنّه من قرينة
المقام، وصوناً للكلام عن اللغو يحمل على الرجل الكامل في رجولته،
وليس ذلك يقتضي دخول الكمال في مفهومه ومعناه، ويرشدك إلى ذلك إنّه
فيما اطّلعنا عليه من كتب اللغة ليس فيه تفسير الفقه بجودة الفهم كما فسَّرَهُ بذلك شارح الوافية([32]).

نعم يمكُن استفادَتُه بتكلّف من عبارة القاموسي مع ضمِّها لغيرها، ولعلّه يُستفاد من تفسير صاحب الذكرى([33]) وشارح الزبدة([34]) (الفهمَ) بجودةِ الذهن مع ضمِّه لتفسيرهم (الفقه) بالفهم، أو من تفسير بعض علماء اللغة، بل أكثرهم (الذهن) بالذكاء، والذكاء بالفطنة، والفطنة بالحذق، والحذق بمعرفة الغوامض.

الخلاف في معنى الفهم الذي فسّروا الفقه به وما أورد عليه

هذا وقد وقع الخلاف فيما بينهم في معنى، الفهم الذي فُسِّرَ به الفقهُ، فبعضُهم فسَّرَهُ بالإدراك، وأرجع إليه تفسير الجوهري([35]) (الفهم) بالعلم، وزَعَمَ أنّه مُرادُ مَنْ فَسَّرَه بأنّه: هيأةٌ للنَّفس بها يتحقَّقُ معاني ما تحس.

وفسّرَهُ بعضُهُم كصاحب الذِّكرى([36]) وشارح الزبدة([37]) بجودة الذهن والاستعداد لاكتساب المطالب والآراء، وإنْ كان المتّصِفُ به جاهلاً كالعاميّ الفَطِنْ، قيل: وكأنّه مرادُ مَنْ فَسَّرَهُ بسرعة الانتقال من المبادئ إلى المقاصد، وعلى هذا فمعناه يرجع إلى الذكاء والفطنة.

وقد أورد على التفسير الأول بإيرادين:

أحدهما: أنّه يصدُقُ (المدرِك) على البليد، دُونَ أنْ يصدق عليه الفهيم أو الفاهم. وأجيب عنه: بأنّ الفهيم أمثلة مبالغة كعليم، والفاهم قد نُقِلَ معناهُ إلى مَنْ هو شديد الفهم.

وثانيهما: بأنّ المتبادر من الفهم في موارد إطلاقه هو الإدراك الخاصّ، أعني: إدراكَ دقائق الأشياء لا مطلق الإدراك، وإنّ الفقه أيضاً معناهُ هو ذلك لا مطلق الإدراك، ولعلّه إليه يرجع من فسّره بفهم الأشياء الدقيقة.

ولا يخفى ما فيه، فإنّ ذلك إنمّا يتبادر منه بقرائن الأحوال، فإنّ استعمال الفهم في مطلق الإدراك ليس فيه أدنى تكلّفٍ، ولذا المفسّر المذكور قيَّد الفهم بالأشياء الدقيقة، فإنّ ذلك يُشْعِرُ بعمومِ معنى الفهم للأشياء الدقيقة وغيرها.

هذا، والمحكيُّ عن شريف العلماء(1) أنّ جمعاً من العلماء ذهبوا إلى أنّ الفهم مُرادِفٌ للعلم، ورَدَّ عليهم بأنَّ بينهما عُموماً من وجه؛ لصدق العلم بدون الفهم في البليد إذا علم شيئاً، وصِدْقِ الفهم بدون العلم من العامّي الفطن، ويجتمعان في العالم الفطن.

وفيه:

إنّ البليد إذا عَرَفَ المسألة يقال له: إنّه فهمها إطلاقاً لا تكلّف فيه، وهكذا في العاميّ الفطن إذا عَرَفَ المسألة، ولعلّ الذي أوقع القوم في تخيّل الاختلاف هو اشتباههم في معانيها بواسطة ملازمة بعض القرائن لها، أو كثرة استعماله في بعض أفرادها، وإلاّ لو جُرِّدَتْ من القرائن لمَاَ كانَ المتبادَرُ منها، أيْ: من (الفهم والإدراك والعلم) إلاّ معنىً واحداً، وهو التصوّر، كما أنّه من المحتمل أنَّ منشأ ما ذَهَبَ إليه شَريفُ العلماء هو ملاحظته للمشتق منهما، وهو فهيم وعليم.

الفقه بحسب عرف الشارع ونقل بعض الآيات والأحاديث        

الظاهر أنّ الفقه لم ينقله الشارع الأقدس من معناه اللغوي إلى معنى
آخر حتّى يكونُ له حقيقة شرعية، وليس له معنى اصطلاحي جديد عنده،
فهو بَحَسَبِ عرف الشارع مستعمل في معناه اللغوي، فهذا القرآن الكريم قد استعمل الفقه في معناه اللغوي كقوله تعالى في سورة الإسراء: [وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم]([38]).

وكقوله تعالى في سورة النساء: [لا يكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا]([39]).

وكقوله تعالى في سورة هود: [مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ]([40]).

وكقوله تعالى في الأعراف: [لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا]([41]).

وكقوله تعالى في الأنفال والتوبة والحشر: [بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ]([42]).

وكقوله تعالى في سورة المنافقين: [وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ]([43]).

وكقوله تعالى في سورة الأنعام والإسراء [وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ]([44])، بل حتى قوله تعالى في سورة التوبة: [فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ]([45])، بل وحتى قوله  صلى الله عليه واله وسلم : (ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين)([46]).

فإنّ تقييد التفقُّهِ والفقه بالدّين يدلُّ على أنَّ المتبادر هو معناه اللغوي، لا معرفة الأحكام الشرعية، وإلاّ لمَاَ قيَّدَهُ بالدّين، ولكنّه قد شاع استعمال لفظ الفقه في خصوص معرفة الأحكام الشرعية والبصيرة في الدين في زمن النبي  صلى الله عليه واله وسلم  بواسطة القرائن اللفظية والحالية، من باب إطلاق الكلي وإرادة الفرد منه، ولو باعتبار تعدّد الدال والمدلول، كقوله  صلى الله عليه واله وسلم : (صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: الأمراء والفقهاء)([47]).

وكقوله  صلى الله عليه واله وسلم : (الفقه ثمّ المتجر)([48])، فإنّ المرادَ به معرفةُ الأحكام الشرعية للتجارة ثم التجارة.

وعنه  صلى الله عليه واله وسلم : (أفضل العبادة التفقه)([49])، وقد رُويَ عن طريق الفريقين إنّ رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  دخل المسجد فإذا هو بمجلسين أحدهما يذكرون الله تعالى والآخر يتفقهون فقال رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم : (كلا المجلسين على خير وأحدهما أحبُّ إليَّ من صاحبه، أمّا هؤلاء فيسألون الله تعالى ويذكرونه فإنْ شاء أعطاهم وإنْ شاء منعهم، وأمّا المجلس الآخر فيتعلّمون الفقه ويعلّمون الجاهل، وإنّما بُعثْتُ معلّما) وجلس  صلى الله عليه واله وسلم  إلى أهل الفقه([50]).

وروي عنه أنّه قال: (خيار أمّتي علماؤها وخيار علمائها الفقهاء)([51]).

وعن النبي  صلى الله عليه واله وسلم  إنّه قال: (ما عُبدَ اللهُ بشيءٍ أفضَلُ من الفقه في الدين، ولَفَقيهٌ واحدٌ أشَدُّ على الشيطان من ألف عابدٍ ولكلّ شيء عِماد وعمادُ الدّين الفقه)([52]).

وما رواه في الكافي بإسناده إلى أبي عبد الله  عليه السلام ([53])، والصدوق بإسناده إلى الكاظم  عليه السلام ([54])، أنّه قال رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم : (من حفظ على أمّتي أربعين حديثاً بعثه الله تعالى يوم القيامة عالما فقيهاً).

وهذا الحديث مشهور ومستفيض بين الخاصة والعامة بل حكى في الوافي([55]) والبحار([56]) عن بعضهم أنّه متواتر عن رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم .

تفسيرُ حديث من حفظ على أمّتي أربعيـن حديثاً

والظاهر أنّ المراد من الحفظ هو حفظها بنحو الاستفادة منها، واستنباط المعارف والأحكام الشرعية منها بقرينة جعله عالماً فقيها، ويؤدّي ذلك لفظ (على)، فإنّها ظاهرةٌ في اللام، أي: حَفِظَ لأجل أمّتي، كما في قوله تعالى: [وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ]([57])، أي: لأجل هدايتكم، وإنْ احتمل بعضهم أنّ (على) بمعنى (من)، وفي عوالي اللئالي روي عن النبي  صلى الله عليه واله وسلم : (رَحِمَ اللهُ امرءاً سَمِعَ مقالتي فوعاها، فأدّاها كما سمعها فرُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيه)([58])، وفي رواية أخرى: (فرُبّ حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هُو أفقهُ منه)([59]).

والحاصل: إنّه لم يعلم نقل لفظ الفقه إلى معرفة الأحكام الشرعية بالخصوص في عهده  صلى الله عليه واله وسلم  وإنْ حصل الشياع في استعماله في معرفة الأحكام الشرعية، حيثُ لم نعلم إنْ هذا الشياع بَلَغَ حدّاً يُوجِبُ النَّقلَ؛ لاحتمال أنَّ استعماله  صلى الله عليه واله وسلم  فيه كان من باب إطلاق الكلّي على الفرد نظير استعمال (العلم) في ذلك نحو قوله  صلى الله عليه واله وسلم : (طَلَبُ العلم فريضة)([60])، فإنّه يراد به معرفة الأحكام الشرعية من باب إطلاق الكلّي وإرادة الفرد.

والأصلُ عَدَمُ النَّقْلِ، ولو سَلَّمْنا أنّ الشياع قد أوْجَبَ النَّقْلَ لكن لا نُسَلِّمُ أنّ الرَّسولَ  صلى الله عليه واله وسلم  قد نَقَلَهُ إلى ذلك.

والحاصل: إنّا لو سلَّمنا حصول النقل بالشياع فيكون منقولاً عُرفياً عند أهل الشرع، وليس بمنقولٍ عند الشارع وهو الرسول  صلى الله عليه واله وسلم .

وعليه فلا يُحْمَلُ لَفْظُ الفقه في لسان الشارع والكتاب المجيد على غير المعنى اللغوي، ولا وجه لما يُنقل عن بعض المحدّثين من أنّه عند الشارع موضوع لمعنى غير المعنى اللغوي وهو معرفة الأحكام الشرعية.

الفقه بحسب عرف المتشرعة

والمراد بالمتشرّعة العارفون بالأحكام الشرعية، والمطّلعون عليها من المسلمين.

ولا ريب أنّهم قد نقلوا لفظ الفقه من معناه اللغوي إلى معرفة الأحكام الشرعية أصوليةً أو فرعية عن بصيرةٍ في الدّين، بواسطةِ كثرة الاستعمال، حتى صار عندهم حقيقة في ذلك، وهو المراد لمن قال([61]): (إنّ الفقه في العرف العام موضوعٌ لمعرفة أمور الدين، وما جاءت به شريعةُ سيّد المرسلين سواء كانت المعرفة عن اجتهاد أو تقليد بواسطة شيوع استعماله في هذا المعنى في لسانهم وكثرته فيما بينهم كثرة أوجبت انصرافه عند إطلاقه عن معناه اللغوي إلى هذا المعنى المتقدم حتى صار هو المتبادر منه عندهم).

نقل بعض الروايات المشتملة على لفظ الفقه             

ولا بأس بنقل بعض الروايات عنهم  عليهم السلام  التي استعمل فيها لفظ الفقه بمعنى المنقول إليه المذكور، مثل ما روي عن الصادق  عليه السلام  في كتاب معاني الأخبار: (أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا)([62])، وما روي عنه  عليه السلام  أيضاً: (ودَدْتُ أنْ أضرب رؤوس أصحابي بالسّياط حتى يتفقهوا)([63])، وما روي عنه  عليه السلام  أيضاً: (تفقّهوا في الدين فإنّه مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهُ في الدين فهو أعرابي إنّ الله تعالى يقول في كتابه: [لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ]([64])...)([65])، وعن الشيخ في باب الزيارات من الصلاة في الصحيح عن حمزة بن حمران عن أبي عبد الله قال: (ما أعاد الصلاة فقيهٌ قطّ يحتال لها ويدبّرها حتّى لا يُعيدها)([66])، وفي الصحيح أيضاً عن عبيد قال: (سألته عن رجل لم يدرِ ركعتين صلّى أم ثلاثاً، قال:
يُعيد، قلت: أليس يقال: لا يعيدُ الصَّلاة فقيه، فقال: إنّما ذلك في الثلاث والأربع)([67]).

وإطلاقُ الفقيه على الإمام موسى بن جعفر الكاظم H معروفٌ في كلام الرواة، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي استعمل فيها لفظ (الفقه) في معرفة الأحكام الشرعية مطلقاً.

والحاصل: إنّ المتتبع للأخبار والروايات ولكلمات المسلمين وأهل السيرة والمؤرخين والمتكلمين والمحدّثين منهم يجدُ لفظ (الفقه) قد كثُرَ استعماله في المعنى المذكور حتَّى بَلَغَ ذَلِكَ إلى حَدِّ النَّقْلِ من معناه اللغوي إلى هذا المعنى المتقدم، ويمكن للمتتبع أنْ يحدِّدَ مبدأ عصرِ تحقُّقِ النَّقْلِ من زمن وفاة الرسول الأعظم  صلى الله عليه واله وسلم .

الفقه بحسب العرف الخاص، أي بحسب عرف الفقهاء والأصوليين

ذهب شارح المقاصد وتبعه جملة من الفطاحل إلى أنّ: الأحكام المنسوبة إلى الشرع، منها ما تتعلَّقُ بالعمل وتسمَّى فَرْعيّة وعملية، ومنها ما تتعلّق بالاعتقاد وتسمّى أصلية واعتقادية.

وكانت الأوائل من العلماء ببركة صحبة النبي  صلى الله عليه واله وسلم ، وقرب العهد بزمانه، وسماع الأخبار، ومشاهدة الآثار، مع قلّة الوقائع والاختلافات، وسهولة المراجعة إلى الثقات، مستغنينَ عن تدوينِ الأحكام وترتيبها أبواباً وفصولاً، وتكثير المسائل فروعاً وأصولا، إلى أنْ ظَهَرَ اختلافُ الآراءِ، والميل إلى البدع والأهواء، وكثرت الفتاوى والوقائع، ومَسَّتْ الحاجة فيها إلى زيادة نظر والتفات، فأخذ أربابُ النّظر والاستدلال في استنباط الأحكام، وبذلوا جهدهم في تحقيق عقائد الإسلام، وأقبلوا على تمهيد أصولها وقوانينها، وتلخيص حججها وبراهينها، وتدوين المسائل بأدلّتها و]إيراد[ الشبه بأجوبتها وسمّوا العلم بها فقها.

وخصّوا الاعتقاديات باسم الفقه الأكبر، والأكثرون خَصُّوا العمليّاتِ باْسم الفقه، وسَمَّوا الاعتقادياتِ بعلم التّوحيد والصّفاتِ تسميةً بأشهر أجزائه وأشرفها، و]سمّوها أيضاً[ بعلم الكلام؛ لأنّ مباحثه كانت مصدّرة بقولهم الكلام في كذا وكذا، ولأن أشهر الاختلافات فيه كانت في مسألة كلام الله تعالى أنّه قديم أو حادث، ولأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات، ولأنه كثر فيه الكلام مع المخالفين والرد عليهم ما لم يكثر في غيره، ولأنه لقوّة أدلّته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه، كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام، واعتبروا في أدلّتها اليقين؛ لأنّه لا عبرة بالظن في الاعتقاديات، بل في العمليات (أي: إنّ الظنّ يعتبر في العمليات).

تعريف علم الكلام          

فظهر أنّ (علم الكلام) هو العِلْمُ بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة من أدلتها اليقينية.

وهذا معنى العقائد الدينية- أي: المنسوبة إلى دين محمّد  صلى الله عليه واله وسلم - سواء توقّفت معرفتُها على الشّرع أم لا، وسواء كان من الدّين في الواقع، ككلام أهل الحق أم لا، ككلام المخالف.

وصار قولنا: (الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن أدلتها اليقينية) مناسباً لقولهم في الفقه أنه (العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية)، وموافقاً لما نقل عن بعض عظماء الملّة أنّ الفقه: (معرفة النفس مالها وما عليها، وإنّ ما يتعلّقُ منها بالاعتقاديات هو الفقه الأكبر).

وخرج: العلم بغير الشرعيات، وبالشرعيات الفرعية، وعلم الله
تعالى، وعلم الرسول  صلى الله عليه واله وسلم  بالاعتقاديات، وكذا اعتقاد المقلِّدِ عند من يسمّيه عِلماً.

ودخل: علم علماء الصّحابة بذلك، فإنّه كلام وإنْ لم يكن يسمّى في ذلك الزمان بهذا الاسم، كما أنّ علمهم بالفرعيات([68]) فقه، وإنْ لم يكن ثّمةَ هذا التدوين والترتيب، وذلك إذا كان متعلّقا بجميع العقائد بقدر الطاقة البشرية مكتسباً من النظر في الأدلة اليقينية([69]).

وحُكي عن الغزالي([70]) أنه قال: (إنّ الناس تصرّفوا في اسم الفقه فخصّوه بعلم الفتاوى والوقوف على دقائقها وعللها، واسمُ الفقه في العصر الأول كان يطلق على علم الآخرة ومعرفة دقائق النفوس والاطّلاع على عظم الآخرة وحقارة الدنيا)([71]). انتهى ما أردنا نقله.

وكيف كان فلا ريب أنّ الفقهاء وتبعهم الأصوليون قد نقلوا لفظ الفقه من معناه اللغوي الذي هو مطلق الفهم أو من معناه العرفي الذي هو العلم بمطلق الأحكام الشرعية إلى فهم خاص وفرد مخصوص من أفراده.

تعريف علم الفقه

عرّف الفقهاء علم الفقه بأنه: (العلمُ بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية)، وهذا التعريفُ للفقه قد ذكره أغلَبُ علماء الأصول، وتسالموا عليه وإنْ زاد بَعْضُهُم بعضَ القيود فيه.

ففي مختصر ابن الحاجب([72]) المتوفّى سنة (646هـ)، زاد عليه بعد
ذكر (التفصيلية) قوله: (بالاستدلال)، محترزاً بذلك عن علم الملائكة
ونحوهم.

وفي المنهاج للبيضاوي([73]) المتوفّى سنة (685هـ) أبدل (الفرعية) بالعملية، وأتى بلفظ (المكتسب) بعدها وصفاً للعلم.

وابنُ السبكي المتوفّى سنة (771هـ) تبع البيضاوي في التعريف
المذكور.

وعن الآمدي([74]) المتوفّى سنة (631هـ) إنّه العلم بجملة غالبةٍ من
الأحكام.

وفي تهذيب العلامة ([75]): (العلمُ بالأحكام الشّرعيّة الفرعية المستدلّ على أعيانها بحيث لا يعلم كونها من الدين ضرورة)، وعن المعارج: (هو جملة من العلم بأحكام شرعية عملية مستدلّ على أعيانها)([76]).

وعن الذّكرى هو: العلمُ بالأحكام الشرعيّة العملية عن أدلّتها التفصيلية فتحصل السعادة الأخروية([77]).

وعن التحفة هو: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية بالنظر إلى أماراتها.

أشهرُ التعاريف لعلم الفقه

إلاّ أنّ أشْهَرَ هذه التّعاريف، ولعلّ المتأخرين متفقون عليه، هو التعريف الأول، وحيثُ أنّ المعرَّف تتوقف معرفته على معرفة أجزاء التعريف كان علينا التعرّض لبيانها فنقول:

القيد الاول [للتعريف] - العلم

وله معانٍ سبعة:

أحدها: ما هو موضوعٌ له لغةً وعرفاً، وهو المعرفة والاطّلاع على وجه الجزم الثابت المطابق للواقع، ويكونُ متعلّقه هو القضايا.

وهذا المعنى هو مصطلح أرباب الحكمة.

وبالقيد الأوّل خَرَجَ الظنّ؛ لأنه معرفة، ولكن ليست على سبيل الجزم؛ لأنّه يحتمل معه وقوع الطرف الآخر.

وبقيد (الثابت) خرج: التقليد؛ لأنّه وإنْ حَصَلَ به الجزم إلاّ أنّه ليس بثابت؛ لزواله بتشكيك المشكّك أو بتبديل المقلد.

وبقيد (المطابق للواقع) خَرَجَ: الجهل المركب؛ لأنّه وإنْ كان جزماً إلاّ أنّه لم يطابق الواقع.

والحاصل: إنّ العلم الذي هو المصدر يكون حقيقةً في المعنى المصدري الحَدَثي، وهو المعرفة والاطلاع، وليس بحقيقةٍ في حاصل المصدر، وهو الحصول أو الصورة الحاصلة في الذهن الذي يكون به اسم مصدرٍ؛ لاتّفاق علماء العربية على أنّ المصادر حقيقة في المعاني المصدرية.

ثانيها: نفسُ مسائل العلوم المعبّر عنها بالقضايا أو بالمحمولات أو بالنسب التامة المبينة في العلوم، كقولهم: (فلان يعلم النحو والمنطق)، وكقولهم: (علم النحو وعلم المنطق).

والظاهر أنّ إرادة هذا المعنى منه على سبيل التجوّز، من باب إطلاق
المصدر على اسم المفعول، كالخلق على المخلوق، وليس بحقيقةٍ لغوية أو
عرفية عامّة، ولا خاصّة لصحّة السّلب، وعَدَمِ التبادُر وأصالة عدم الاشتراك وعدم النقل.

ثالثها: مطلقُ الإدراك، الأعمُّ من التصوّر والتصديق، وهو مصطلح أهل المنطق، وليس بحقيقةٍ لغوية ولا عرفية عامّة، وإنّما هو حقيقة عند أهل المنطق، وجُعل منه قوله تعالى [وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا]([78]).

ورابعها: الملكة التي يُقتدر بها على معرفة المسائل، وهي الهيئةُ الراسخة في الذهن الحاصلة من ممارسة المسائل وتكرّر الإدراكات لها، كقولهم: (فلان نحويّ وصرفي)، ويحُكى عن صاحب الفصول رحمه الله ([79]) إنّ هذا المعنى هو مصطلحٌ لأرباب العلوم، حتّى صار حقيقةً عندهم بالغلبة أو بالنقل، ولكنّ ظاهر الأكثر أنّه من المجاز المشهور المتداول الذي لا يضرُّ استعماله في الحدود، وأصالَةُ عدم النقل تقتضي أنّه مجازٌ في هذا المعنى.

خامسها: التهيّؤ والاستعدادُ لمعرفة المسائل، وظاهرُ المحكيّ عن التلويح([80]) وجلالِ الدين شارح جمع الجوامع: أنّ هذا المعنى عبارةٌ عن المعنى الرابع؛ فراراً عمّا يردُ عليه من أنّ التهيّؤ البعيد حاصلٌ لغير الفقيه، والقريب غيرُ مضبوط؛ إذ لا يعرف أيّ مقدار من الاستعداد يقال له التهيّؤ القريب.

سادِسُها: مُطْلَقُ التَّصديق الشَّامل للجزم والظنّ والجهل المركّب والتقليد، قال المرحوم الشيخ حسن([81]) عمُّنا الأعلى في شرح مقدّمة كشف الغطاء: أنّه بهذا المعنى من المجاز المشهور، وينبغي حمل العلم في هذا المقام عليه لظهوره فيه لفهم كثير من الأعلام له.

سابعها: مطلقُ الجزم، الشامل للجهل المركّب والتقليد الموجب للجزم.

هذا وقد ذكر صاحب الفصول([82]) للعلم معنىً آخر: وهو التصوّر فقط، وهو لا وجه له؛ لعدم ذكر أحدٍ له ذلك، والأصل عدمه.

إذا عَرَفْتَ ذلك ظَهَرَ لك أنّ الأصحّ هو حملُه في تعريف الفقه على المعنى الأول؛ لأنّه المعنى اللغوي العرفي، واستعماله في غيره لا يصحّ في التعريف؛ لأنّه مجاز وإنْ سلّمنا أنّه مشهور، لكن لا يقدّم على الحقيقة، فلا يصحّ الاعتماد عليه في التعاريف، ولأنّ إرادة الثاني لا تناسب التعدية بالباء إلاّ على ضرب من التجوز؛ ولأنّ الرابع لا يناسب التعدية (بعن) إلاّ على ضرب من التكلّف الذي هو خلاف الظاهر الذي لا يَصِحُّ ارتكابه في التّعاريف.

إنْ قُلْتَ: إنّ حَمْلَهُ على المعنى الأوّل يُنافي مذهب المخطّئة.

قلنا: لا ينافيه، فإنَّ المرادَ به اليقينُ بالحكم الظاهري، أو بوجوب العمل، أو بمدلول الدليل، كما سيجيء إنْ شاء الله.

معنى الباء الداخلة على الأحكام

وأمّا (الباءُ) الدّاخلة على الأحكام فهي داخلة على المفعول به للعلم؛
لأنّ العلم مَصْدَرٌ لِعَلِمَ المتعدّي، ولكنّ مصدر المتعدي يكونُ لازماً إذا
دَخَلَتْ عليه (أل) فيُعدَّى إلى مفعوله بحرف الجرّ فتكون الباء هنا
للإلصاق.

معاني الحكم السبعة وما هو المأخوذ منها في تعريف الفقه

وأمّا الأحكام فجمعُ حكم، والحكم له معانٍ سبعة:

أحدها: الإلزام، كإلزام الآمر والناهي، وإلزام الحاكم المتخاصمين لقطع الخصومة، ومنه يُسمّى الحاكم حاكماً والقضاء حُكْماً.

ثانيها: التصديق والإذعان بالنسبة، الذي طالما المنطقيّون يستعملونه في هذا المعنى، ومن الغريب جَعْلُ هذا المعنى عينُ المعنى الأول، كما هو الظاهر من كلام صاحب بدائع الأفكار([83]).

ثالثها: النّسبة التامة الخبرية، وقد تقيّد بالجزئية بدل الخبرية، ولعلّه من تحريف الناسخ، أو في قبال الكلية التي هي ليست فقهاً كما في المعالم حيث فيها: (ومسائله -يعني الفقه- هي المطالب الجزئية...الخ)([84]).

وإلى هذا المعنى يرجع تفسيرُ الحكم بإسناد أمرٍ إلى آخر أو سَلْبِهِ عنهُ، الذي هو عبارة عن إيقاعه عليه أو انتزاعه عنه.

لأنّ النسبة التامة: إنْ أريد بها مجّرد النسبة المردّدة بين الإيجاب والسلب والموجودة بينهما فعدم صدق الحكم عليها واضح.

وإنْ أريد بها النسبة الثبوتية والسلبية فهي عبارة عن إيقاع المحمول
على الموضوع أو سلبه عنه فترجع إليه، ولو سُلِّم الاختلاف فهو باللحاظ والاعتبار، وإليه يرجع تفسير الحكم بالمسائل؛ لأنّ المسائل لا يُطلق عليها الحكم إلا باعتبار ما اشتملت عليه من النسب التامة الخبرية وإلاّ فمجموعها ليست بحكم.

وعلى هذا المعنى يُحمل الخبرُ المعروف، وهو قوله  عليه السلام : (خمسة أشياء يجب الأخذ فيها بظاهر الحكم)([85]) الحديث.

رابعها: النسبة التامة التي هي مداليل الكلام، أعمُّ من الخبرية والانشائية؛ ليشمل مثل [أَقِمْ الصَّلاَةَ]([86])، وهذا هو المعنى العرفي العام اللغوي له، ولعله تلك المعاني ترجع إليه وهي مصاديقه.

خامسها: خطابُ الله المتعلّق بأفعال المكلفين، وهو اصطلاح الأصوليين في الحكم، حيث فسّروا الحكم بذلك، كما عن الغزالي([87]) المتوفى سنة (505هـ) وإنْ زاد بعضُهم بعضَ القيود- كما في تهذيب العلاّمة رحمه الله - حيثُ زاد قيد (بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع)، بعد لفظ (المكلّفين)، وحكي ذلك عن ابن الحاجب([88])، وصاحب المناهج([89])، والمنتخب، وعن الآمدي: إنّ الحكمَ خطابُ الشارع بفائدة شرعية تختص به([90]).

وكيف كان فكلمتهم من قديم الزمان متفقة على أنّ الحكم عندهم: هو خطاب الشارع، فلا وجه لما ذكره صاحب القوامع([91]) من عدم ثبوت اصطلاحهم على ذلك.

سادسها: خصوصُ الأحكام التكليفية الخمسة، الإباحة والاستحباب والكراهة والوجوب والحرمة، كما هو الشائع المتعارف في عرف
المتشرعة.

سابعها: مداليلُ الخطابات الشرعية بنحو الاقتضاء أو التخيير أو الوضع، أعني: الأعمّ من الأحكام التكليفية الخمسة والأحكام الوضعية الشرعية، كما هو الشائع في عرف الفقهاء، وصرّح به غير واحد منهم.

والظاهر أنّ المراد في التعريف هو المعنى الرابع؛ لأنّ ألفاظَ التعريف- كما قررناه- يجبُ أنْ تستعمل في أظهر معانيها عند العرف العام واللغة ليتّضح المعرَّف عند السامع.

إنْ قلتَ: قد ذكر غير واحد بأنّه يجبُ حَمْلُ الكلام على عرف أهله، فينبغي أنْ تُفَسَّر الأحكامُ بالمعنى السابع؛ ولأنّ العلم بالأحكام التكليفية الوضعية علم بعوارض أفعال المكلفين الشرعية وحقيقة كل علم هو العلم بعوارض موضوعه.

قلنا: هذا فيما لو تقدَّم منهم بيانُ الاصطلاح فإنّه بعد ذلك يُحْمَلُ اللفظ في كلامهم عليه؛ لأنّه يكونُ بمنزلة البيان؛ لما يراد من اللفظ في الكلام، أمّا إذا لم يتقدم ذلك منهم فلا يصحّ استعمال اللفظ عند إيضاح الحقيقة في المعنى المصطلح فيه؛ لعدم اتّضاح الحقيقة به، وهو خلافُ المطلوب، مضافاً إلى لزومِ زيادة قيد الشرعية والفرعية.

(ودعوى) أنّه لو أريد المعنى الرّابع للحكم لَزَمَ خروجُ معرفة الموضوعات المخترعة للشارع كالصلاة، والصوم، مع أنّ معرفتها وظيفةُ الفقيه.

(فاسدة)؛ لأنّه:

إنْ أُريدَ من معرفتها تصوُّرها فهي من المبادئ التصوّرية؛ لأنّ تصوُّرَ الموضوعات- كما قررناه في محلّه- من المبادئ التصورية للعلم، وهي غير خارجة عن العلم.

وإنْ أريد من معرفتها التّصديقُ بصحّة حُدودِها وتعاريفها وبيانُ
أجزائها وشرائطها، فالتصديق بذلك داخلٌ في التصديق بالأحكام الوضعية الشرعية

(ودعوى) أنّ متعلَّق العلم الحاصل من الأدلّة، هو النسبة دونَ طرفيها من الموضوعات والمحمولات، والأحكام عبارة عن نفس المحمولات، فالأولى حَمْلُ الأحكام على المعنى الثالث أو الرابع.

(فاسدة) فإنّ الأحكام عند الفقهاء ليس نفس الوجوب المجرّد، بل هو الوجوب المنسوب لفعلِ المكلّف المخصوص، ولا شكّ أنّ الذي يُفْهَمُ من الأدلّة هو الحكمُ المنسوبُ لفعلٍ خاصّ من أفعال المكلّفين، فإنّ [أَقِمْ الصَّلاَةَ]([92]) يفهم منه الوجوب المنسوب لفعل الصّلاةِ، وهو نفسُ الحكم عند الفقهاء.

(ودعوى) إنّ هذا التعريف ذكره الأصوليون، فينبغي حمله على مصطلحهم، وهو المعنى الخامس للحكم.

(فاسدة) فإنّ كلّ فنٍّ وعلم إذا ذكر تعريفه أهل فنٍّ آخر يذكرونه بالنحو الذي ذكره أربابه، فالأصوليون لا يريدون من هذا التعريف إلا ما أراده أهل الفقه.

هذا، مضافاً إلى أنّ حمل (الحكم) على المعنى الأول فاسدٌ؛ لأنه يخرج عن الفقه العلم بالأحكام غير الإلزامية.

وهكذا حمله على المعنى الثاني كما هو المحكيُّ عن المحقّق الشريف وسلطان العلماء([93]) أيضاً فاسدٌ؛ لأنّ التصديق هو الإذعان، ولازمه أنْ يكون لفظ (العلم) في التعريف مستدرك، إذ لا معنى لقولنا: (العلم بالتصديقات).

إنْ قلت: نحمل (العلم) على الملكة، ونجعل (عن أدلتها)
متعلّق بالأحكام، ونجعل الباء في (الأحكام) للسببية، ونجعل الأحكام
بمعنى تصديقات الفقيه لا الشارع؛ لأنّ الشارع تصديقاته ليست عن الأدلة التفصيلية.

قلنا: قد عرفت وجوب حمل العلم على معناه اللغوي، وظهور الباء في الإلصاق والتعدية، وظهور (عن) في أنّها متعلقة بالعلم.

إنْ قلت: نحمل (العلم) على ملكة التصديق، و(الأحكام) على تصديقات الشارع، و(عن) تعلّقها بالملكة.

قلنا: أيضاً قد عرفتَ لزوم حمل العلم على معناه اللغوي، والتصديقات لا بدّ أنْ يراد بها على هذا اسم مفعول، اعني: المصدَقات من الشارع، وهو أيضاً خلاف الظاهر.

وهكذا حمله على المعنى الثالث- كما هو المحكيّ عن المحقق القمي([94])، والشيرواني([95]) والشيخ البهائي رحمه الله ([96]) وجُمْلَةٌ من المتأخّرين- فاسِدٌ للزوم خروج العلم بالنسب الإنشائية كـ[أَقِمْ الصَّلاَةَ]([97]).

والتجأ بعضُهم؛ فراراً عن الإشكال فقال: بأنّ النسب الإنشائية تستتبع نسباً خبرية لا محالة، فإنّ طَلَبَ الشارع للفعل يوجبُ اتّصافَهُ بالمطلوبيّة، فيندَرِجُ العلم بالنّسب الإنشائية تحت التعريف بالاعتبار الثاني.

ويمكن أنْ يقال عليه: إنّ مثل إحباط العمل وتجسّمه نِسَبٌ تامة خبرية، وهي شرعية- تؤخذ من الشارع- وفرعية؛ لأنها متعلّقة بالعمل بلا واسطة، فيلزم شمول التعريف لها، بخلاف ما إذا فسّرنا الأحكام بالمعنى السابع، فإنّ الإحباط والتجسيم ليس منها.

ويمكن أنْ يقال عليه أيضاً: إنّ النسب الخبرية هي مدلولات الأدلّة التفصيلية، فهي بالنسبة إليها مِنْ قبيل الألفاظ بالنسبة لمعانيها، فلا تكونُ أدلّة اصطلاحية عليها؛ لأنّ الدليل ما يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، وإنّما تكون كواشف عنها، بخلافها بالنسبة إلى الأحكام الشرعية فإنّها تكونُ أدلّة عليها. ومنه يظهر فسادُ حمله على المعنى الرابع.

[اللهم إلا] أنْ يقال: إنّ المراد بها هي نسب الأحكام لموضوعاتها، فإنّ الأدلّة كما تكون أدلّة على الأحكام تكون أدلة على نسبها، والمعنيّ بالتعريف هو نسب الأحكام لموضوعاتها لا النسب التي هي مدلولاتها، ويكون قوله: (عن أدلتها) قرينة على ذلك.

وهكذا حمله على المعنى السادس فاسدٌ؛ لاستلزامه خروجَ معظم المسائل الفقهية، كالبحث عن شرائط العبادات، وموانعها، وأسباب وجوبها، والبحث عن الصحة والفساد، ونحوهما، مما هو المقصدُ الأهمّ في قسم المعاملات.

وجعلُ ذلك كلّه من باب الاستطراد لا وجه له؛ لأنّ معظم مباحث الفقه مكوّن منها.

وجعلُ ذلك بحثاً عن الأحكام التكليفية لرجوع الأحكام الوضعية إليها لا وجه له؛ لعدم ذهاب معظم الفقهاء إلى ذلك؛ مضافاً إلى بطلانه في نفسه، ولو سلّمناه فالفقهاء الباحثون عن ذلك لم يلتفتوا إلى رجوعها للأحكام التكليفية حتى يقال: إنّ بحثهم من جهة رجوعها إليها.

وهكذا حمله على المعنى الخامس فاسدٌ؛ لأنَّ العلم بالخطاب سواء فُسِّرَ بالكلام الموجّه أو بتوجيه الكلام ليس بفقهٍ؛ لأنّ الفقه هو العلم بما استنتج من الخطاب من الأحكام التكليفية أو الوضعية، ولزوم زيادة قيد (الشرعية الفرعية) ولزوم اتحاد الدليل والمدلول بعدَ أنْ كان الكتاب والسنة من الأدلة التفصيلية وهما من الخطاب.

معنى الكلام النفسي

وقد استراح الأصوليون القائلون بمقالة الأشاعرة من وجود الكلام النفسي، وهو معنىً قائمٌ بنفس المتكلّم يدلُّ عليه كلامُهُ اللّفظيّ من قبيل دلالة الأثر على المؤثر، وهو غير الصورة الذهنية للمعنى الذي أخبر بها أو طلبها أو نهى عنها المتكلّم، وغير إرادة الأخبار عنها، وغير إرادة الفعل وكراهيّته.

وفسّره العضدي([98]) بالنسبة القائمة بالنفس بين المفردين، وجعلوه هو الطلب والنهي في الأوامر والنواهي، وإليه يرجع النزاع المعروف في كتب الأصول من أنّ الطلبَ عينُ الإرادة أو غيرها.

وقد أطبق الإمامية والمعتزلة على عدم معقوليّته.

ويمكن أنْ يكون المراد للأشاعرة به هو العقل الباطني، وتحقيق ذلك يطلب مما كتبناه في مبحث اتحّاد الطلب والإرادة، وسيجيء إنْ شاء اللهُ التعرُّضُ له عند البحث عن تعريف الحكم عند الأصوليين.

وكيف كان فبناءً على مذهب الأشاعرةِ من وجودِ الكلام النفسي يُمكِنُ رفعُ الإيراد المذكور حيثُ يكونُ عندهم معنى الأحكام: هو الخطابات التي هي الكلام النفسي، ومعنى الأدلة هو الخطابات التي هي الكلام اللفظي، فتغاير الدليل والمدلول، وبما حققناه من أنّ المراد بالعلم هو المعرفة والاطّلاع يكون العلم بالذّوات وبالصّفات خارجاً عن التعريف بلفظ العلم لا بقيد الأحكام، وإنمّا خرج بقيد الأحكام: العلمُ بالمسائل النحوية والعرفية ونحوها.

القيد الثاني للتعريف - الشرعية

أمّا قيدُ (الشّرعية) فهيَ نسبةٌ للشَّرْعُ، والشرع في اللُّغة والعُرْفُ العام هو الدين، والظاهر أنّهما مترادفان عند العرف، وأمّا عند اللغة، أُخِذَ في الدّين التديّن، وهو عقدُ القلب والالتزام به. كما أنّ الشريعة معناها الطريقة.

(ودعوى) أنّ الشرع في اللغة: (هو الطريق الواضح، نُقِلَ منه عرفاً أو في اصطلاح أهل الاديان)([99]) إلى الإسلام، بل إلى كلّ ما جاء به أحدٌ من الأنبياء من الأديان كما صدرت من صاحب البدائع.

(فاسدة)؛ إذ لا دليلَ عليها؛ لأنَّ لفظ الشرع كلفظ الدين يتبادر منهما معنىً واحدا عرفاً، وهو ما جاءت به الرُّسُلُ من اللهِ تعالى لعباده، ويستعملان فيه بلا تكلّف.

والأصلُ عدم النقل، ولا داعي للالتزام بالنقل، فإنّه لا ملزم له، كيف ولو التزمناه في الألفاظ للزم التسلسل، فالأولى جَعْلُهُ مُرْتَجَلاً بالنّسبة لمعناه، وموضوعاً له على سبيل الاستقلال.

كما أنّه لا وجه لدعوى اختصاصِهِ بشرع الإسلام؛ إذ كلُّ دين يُسمَّى شرعاً، ويجمع على شرائع.

نعم، لا يُنْكَر أنّ لفظ (الشرع) عند المسلمين نُقِلَ لخصوص الدّين الإسلامي، فإنّه إذا أطلق عندهم لا يتبادر منه إلا ذلك.

وعليه فالمراد (بالشرعية) هي المنسوبة للشرع المحمّدي والدّين الإسلامي الحنيف، ولولا هذا النقل لقلنا: إنّ التعريف المذكور يشمل علم علماء الأديان الأخرى الذين علموا بأحكام دينهم عن أدلّتها التفصيلية، ويصحُّ أنْ يطلق عليهم فقهاء.

والحاصل: أنّ المراد بالشرعّية هي المنسوبةُ للشرع، والنّسبَةُ وانْ
كانت تصحّ لأدنى مناسبة، إلاّ أنّ الظاهر أنّ المراد منها هي المجعولة في الشرع
ولو بواسطة جعل كلّيها، سواء استكشف ثبوتها فيه من بيان الشارع أو
إمضائه أو سكوته أو من حكم العقل، كما لو حكم العقل بأنّ هذا الحكم من الشارع.

تقسيم الشرعية إلى قسمين (أصولية وفرعية)

ثمّ إنّ الشرعية على قسمين:

فرعيّة، وهي التي يبحث عنها في هذا العلم.

وأصولية، والأصوليّةُ على قسمين:

أصولية فقهية، وهي التي يبحث عنها في علم الأصول، وتتعلق بأحوال الأدلة.

وأصولية اعتقادية وهي التي تتعلق بأحوال المبدأ والمعاد، ويبحث عنها في علم الكلام على وجه المطابقة مع النقل بطريق النظر والفكر، وفي علم التصوّف بطريق الكشف والرياضة، وفي الحكمة المشائية على قانون العقل من دون ملاحظة المطابقة مع النقل، وفي حكمة الإشراق على قانون العقل بطريق الكشف والرياضة.

وعليه يظهرُ لك فساد تفسير الشرعية بما أُخذ من الشارع ولو شأناً، فإنّ كثيراً من أحوال الأنبياء أخذت من الشارع، مع أنّه لا يقال لها: شرعية، كما أنّ بعض الأحكام لا يصحُّ أخذها من الشارع مع أنّها شرعية؛ لجعل العقل لها من الشرع، كوجوب الاعتقاد بوجود الباري عزّ اسمه، ووجوب الاعتقاد بالرسول، ووجوب النظر في المعجزة.

وعلى ما ذكرناه يكونُ قيدُ الشرعية؛ لإخراج الأحكام العقلية، كالعلم بأنّ العالم حادِثٌ، والحسِّيةُ، كالنّار محرقة، والوضعية التي هي بوضع الواضع، كالفعل مرفوع، والعرفية كاحترام القادم.

القيد الثالث للتعريف - الفرعية

وأمّا قيد الفرعية فهي نسبةٌ إلى الفرع، وهو ما ابتنى على غيره، في مقابل الأصل، وهو ما ابتنى عليه غيره، وقد اختلف القومُ في تفسيرها، فبعضهم فسَّرَها بما ليست أصولية، وبعضهم: بما دُوّنت الكتب الفقهية لأجله، وفسّرها صاحب الفصول([100]) بالمسائل العرفية التي دُوِّنت مهمّاتُها في الكتب المعهودة، وفي هداية المسترشدين([101]) فُسِّرت بما يتعلّق بفروع الدين.

ولا يخفى ما في ذلك من الخطأ؛ إذ المقصودُ من التّعريفِ التمييزُ عن غيرها، وبالتعاريف المذكورة لا تتميز الأحكام الفرعية عن الأصولية؛ لكون الأصولية غيرُ معلومة لمن يجهل الفرعية ويريد تميّزها عن الأصولية، ولا ما دُوِّنَتْ الكتبُ الفقهيّةُ لأجله مَعْرُوفٌ عنده، خصوصاً لمن يُريد البصيرة في الشارع.

وقد استظهر بعضُ المحققين من كلمات الشيخ الأنصاري رحمه الله ([102]) تفسير (الفرعية) بالأحكام الشرعية التي ينتفع بها المقلّد والمجتهد معاً غير الاعتقادية، بخلاف الأحكام الأصولية، فإنّها لا ينتفع بها إلاّ المجتهد المستنبط، لكونها من مقدّمات الاستنباط كحُجّيةِ خبر الواحد.

ثم أشكل هذا المستظهر على الشيخ رحمه الله  بأنّه:

إنْ كان المرادُ بالانتفاع هو الانتفاع بعد معرفة طرفي القضية من الموضوع والمحمول وإحراز ما يعتبر في النفع الفعلي انتقض التعريفُ بدخول المسائل الأصولية الشرعية كحُجّية الخبر الواحد، فإنّها مما ينتفع بها الكلّ بعد معرفتها وإحراز شرائط العمل بها، وهكذا غيرها من مسائل الأصول.

وانْ كان المراد بالانتفاع انتفاعُ المقلِّد بها نفعاً فعلياً غير متوقف على شيء انتقض عكسه بخروج القواعد الفرعية العامّة، كقاعدة ما يُضْمَنْ بصحيحه، وقاعدة الضّرر والحرج ونحوها.

وقد تفسَّرُ (الفرعية) بالأحكام المجعولة لعامّة المكلّفين غير العقائد، بخلاف الأحكام الأصولية، فإنّها مجعولة لخصوص المجتهدين.

ونوقش فيه: بأنّ المجتهد والمقلِّد ليسا بصنفين من المكلَّف حتَّى يكون لكلٍّ منهما حكمٌ مخصوصٌ به، بل هُما يشتركان في جميع الأحكام أصلاً وفرعاً، من غير فرق، إلاّ من حيث القدرة والعجز، كحُجية الخبر، فإنّ المجتهد يقدر على العمل به بإحراز شرائط العمل دون المقلِّد.

وقد تفسر (الفرعية) بما يتعلق بكيفية العمل بلا واسطةٍ، وهو المحكيّ عن سلطان العلماء في حاشيته على المعالم([103])، ولكنّ المحقق القميرحمه الله  لم يأت بلفظ الكيفية، وقال: (ما يتعلّق بالعمل بلا واسطة)([104])، والسرُّ في ذلك أنّ سلطان العلماء لمّا فَسَّّر الأحكام بالتصديقات، والتصديقات إنمّا تتعلَّقُ بكيفيّةِ العَمَل، وهي الأحكامُ الشرعية؛ لأنَّ الأحكام من الكيفيات والأحوال التي تعرض لأعمال المكلفين، وصاحِبُ القوانين لمّا كان يرى أنّ الأحكام هي النِّسبُ التامّة، وهي تتعلَّقُ بنفس الأعمال لم يأت بلفظ الكيفية.

وكيف كان فالمرادُ بهذا التفسير إنّ تعلّق الحكم بالعمل وعروض الحكم عليه يكون على نحوين:

أحدهما: أنْ يكون بلا واسطةِ شيءٍ، كالوجوب العارض على الصلاة، وهذا القسم يسمّى بالحكم الفرعي.

ثانيهما: ما ليس كذلك، ويسمّى بالحُكْمِ الأصليّ، سواء:

لم يكن له تعلّق بالعمل أصلاً كالوجوب العارض للتصديق بالصراط.

أو كان له تعلّق بالعمل بواسطةِ واحدةٍ، ككون الأمر للوجوب والنهي للحرمة، فإنّه له تعلّق بالعمل بواسطة الوجوب والحرمة العارضين للعمل.

أو كان له تعلق بالعمل بوسائط متعددة كوجوب التصديق بالله تعالى، المستتبع لوجوب طاعته، المستتبع لوجوب الفعل أو الحرمة بعد الأمر به أو النهي عنه.

وأورد عليه:

أولا: بدخول جملة من المسائل الأصولية، كصحّة عمل المجتهد برأيه، ووجوب عمل المقلِّد برأي المجتهد، ووجوب العمل بالكتاب، وبالظنون الخاصة من باب التعبد، ووجوب العمل بالراجح من المتعارضين أو التخيير بينهما.

ثانياً: إنّ العمل إنْ أريد به أفعال الجوارح خَرَجَ عن التعريف مثلَ أحكام النية من وجوب قصد القربة، ووجوب الوجه والتمييز في بعض الموارد، والأحكام المتعلقة بالحسد والبخل وسوء الظن، وحرمة العزم على المعصية، أو كراهيته، ونحوها من الأفعال القلبية.

وإنْ أريدَ بالعمل الأعمّ منها ومن أفعال القلب دخل مثل وجوب التسليم للعقائد الدينية، أعني: الانقياد لها والالتزام بها الزائدين على الإذعان بها؛ لعدم كفاية مجرّد الإذعان في الإسلام كما في المنافقين.

وثالثاً: بدخول أصل البراءة والإباحة، فإنّه عِبَارَةٌ عن جواز العمل واباحته فهو يتعلَّقُ بالعمل بلا واسطة.

ورابعاً: بخروج الأحكام الوضعية، كمباحث النجاسات، والمطهرات، والمواريث، ونحوها، فإنّها فرعيّةٌ مع أنّها لا تتعلَّقُ بالعَمَل إلاّ بالواسطة.

وخامساً: يخرجُ منه الأحكام الفرعيّة المتعلّقة بالتروك، إلاّ أنْ يلتزم بتعميم العمل لها.

وقد تُفَسَّرُ (الفرعّيةُ) بالأحكام الشرعيّة التي لم يُقْصَدْ منها الاعتقاد، ولا معرفة حكم آخر شرعيّ كما صدر من صاحب بدائع الأفكار([105]).

فيخرج بالقيد الأوّل أصولُ العقائد، وبالثاني الأصولُ الفقهية التعبدية، كوجوب العمل بالخبر ونحوه، وأمّا أصول الفقه غير التعبديّة كحُجيّة العقل، وعموم العام، ونحو ذلك، فهي خارجةٌ بقولهم (الشرعية).

ويدخل في هذا التعريف الأحكامُ الظّاهريّةُ الثابتة في الطريق للموضوعات، كالبيّنة، واليد، والاستصحاب، ونحوها، وكذا يدخل فيه الأحكام الوضعية على القول بجعلها.

وأُشْكِلَ عليه بالأصول العملية في الشبهات الحكمية، فإنّها من الأحكام الأصولية مع أنّها لا يُستَنْبَطُ منها الحكم الشرعي عند الشكّ، حيث أنّها عبارةٌ عن حكمٍ ظاهريٍّ شرعيّ يُرْجَعُ إليهِ عندَ الشَّكّ في الواقع.

ويُمكِنُ الجواب عنه بما تذكره أخيراً.

نعم يمكن أنْ يرد عليه بالأحكام الوضعية، فإنّها يُعْرَفُ منها حكم آخر.

والظاهر أنّهم أرادوا (بالفرعية) معناها اللغوي، وهي المتفرّعة على غيرها بحسب ذاتها وبمقتضى ماهيتها.

ولا شَكَّ أنّ الأحكام الشرعية بعضُها متفرّعٌ على بعضٍ في العمل بمقتضاه، كما أنّ بَعْضَ الأحكام الشرعية أصلٌ محض لا يتفرّعُ على غيره، كالتوحيد، وبعضُها أصلٌ بالنسبة لكثير من الأحكام، ومتفرِّع بالنسبة لأحكام أخرى، كالنبّوة، فإنها أصلٌ بالنسبة لنوع الأحكام كوجوب الصّلاة وغيرها، وفرعٌ على التوحيد، وبعضُها فرعٌ مَحْضٌ لا يبتني عليه نوعٌ من الأحكام كوجوب الصلاة والزكاة والحج ونحوها، فأرادوا بالفرعية هذا القسم الثالث؛ لأنّها هي الفرعية المحضة.

إنْ قلت: يتفرَّعُ على مثل وجوبِ الصَّلاةِ وجوبُ المقدّمة وحرمة الضدّ.

قلنا: لو سلّمنا ذلك فكُلّيُّ الحكم لا يتفرّع عليها، بل هو ثابتٌ لعنوان المقدّمة ولعنوان الضد، وأمّا كونُ هذه المقدّمة واجبة لوجوب ذيها، فهو ليس بحكم شرعي؛ لأنّ الحكم الشرعي لا يَخْتَلِفُ باختلاف الآراء والأحوال والأزمان، وإنّما هو جزئيٌ يستخرجه العقل من كُلِّي وجوبِ المقدّمة للواجب.

إن قلتَ: فما تصنعُ بالأصول العملية في الشبهات الحكمية، مع أنّ القوم قد عدّوها من الأصول؟

قلت: إنّهم ألحقوها بالأصول؛ لأنّها بحسب نظرهم: إنّ الأحكام المستفادة منها في الشبهات الحكمية أحكامٌ شرعية متفرّعة عليها، ولم يلتفتوا إلى أنّها ليس بأحكامٍ شرعية، وإنّما هي تطبيقٌ للأحكام الشرعيّة في مواردها.

إنْ قلت: فما تَصْنَعُ بالأحكام الوضعية، فإنّها يتفرَّعُ عليها أحكامٌ شرعيّةٌ فيلزمُ عدُّها من الأصول؟

قلت: إنّه لا يتفرع عليه نوعُ الأحكام، وإنّما هو حكم واحد، والأمرُ ليس من الأهمّيةِ بمكانٍ، ولعلَّ الطالب بعد اطّلاعه على ما ذكرناه يستطيعُ أنْ يُخْرِجَ ضابطاً آخر للفرعيّة.

وكيف كان فتكون الفرعية لاخراج الأحكام الشرعية الأصولية الدينية والأصولية الفقهية.

متعلق (عن) في التعريف

وأما متعلق (عن) فهو العلم؛ لأنك قد عرفت أنَّ معنى العلم هو الاطّلاع والمعرفة، وحرفُ الجرّ ظاهرٌ في التعلّق بما هو ظاهر في المعنى المصدري، والعلم بواسطة تعلق الأحكام به صار ظاهراً في المصدرية، بخلاف لفظ (الأحكام) فإنّه قد عرفت أنّه ظاهرٌ في الأحكام التكليفية والوضعية، فهو ظاهر في الذّوات وبعيدٌ عن المصدرية، وأكّدَ ذلك جمعه، فإنّ المصادر لا تجمع إلاّ على ضربٍ من التأويل.

وهكذا (الشرعية الفرعية) فإنّها ظاهرة في الذوات لياء النسبة ولوصفها للجمع.

مضافاً إلى أنّ حرف الجرّ إذا رجع إلى الأحكام:

فإمّا أنْ يكونَ لغواً بأنْ يكون متعلّقاً بنفس الأحكام ولا معنى له؛ لأنّه قد عرفتَ أنّ المراد بالأحكام التكليفية والوضعية، وهي ليست حكميتها عن الأدلة، وإنّما حكميتها من الشارع.

وإمّا أنْ يكون حرف الجرّ مستقراً بأنْ يتعلّق بمحذوفٍ يكونُ صفةً للأحكام، كأن يقدّر (المأخوذة أو المستنبطة والمفهومة أو نحو ذلك) فيلزم الحذف، وهو لا يجوز؛ لما قُرِّر في محلّه من أنّ متعلّق حرف الجر لا يصحّ حذفه إلاّ إذا كان المقدّر الكون أو ما في معناه، ولذا قيل الأصل في الظروف اللغوية.

وهكذا إذا رجع للشرعية؛ لأنّه إنْ كان لغواً فهو لا معنى له؛ إذ شرعيّةُ الحكم ليست عن الأدلة، وإنْ كان مستقراً كان متعلّقه المحذوف صفة للشرعية، فيلزم الحذف والفصل بين الصفة والموصوف باعتبار تخلل الفرعية بينهما.

وهكذا إذا رجع للفرعية؛ لأنه إنْ كان لغواً فلا معنى له؛ إذ لا معنى لفرعيّة الأحكام عن الأدلة، وإنْ كان مستقراً لزم الحذف.

واستدلّ بعضهم على رجوع حرف الجرّ إلى العلم: بأنّ المقصود إخراج علم الله تعالى وعلم الملائكة والأنبياء والأئمة  عليهم السلام  بالأحكام الشرعية الفرعية، فإذا عُلِّق حَرْفُ الجر بالعِلْم خَرَجَت العلوم المذكورة؛ لكونها ليست علوماً عن الأدلة، وإنّما هي عن الوحي والإلهام، بخلاف ما إذا عُلِّقَ بالأحكام أو الشرعية أو الفرعية لم تخرج العلوم المذكورة؛ لأنّه يصدق عليها إنّها علومٌ بالأحكام التي تؤخذ من الأدلة.

نعم، لو قلنا بأنّ الوصف يُشعر بالعليّة كانَ دالاً على أنّ العلم بها حاصل من الأدلة، ولكنَّ القول المذكور ضعيف.

ولا يخفى ما في هذا الاستدلال، فإنَّ التعاريف إنّما يكون الإخراجُ
فيها للغير بالمعاني الظاهرة من ألفاظ قيودها، فإنّ الإخراج فَرْعُ المعنى
الظاهر من التقييد، فلا وجه أنْ يكون الإخراج سبباً لظهور اللفظ في
المعنى ومرجعية القيد.

ولو أبدل في التعريف (عن) (بمن) كان أولى وأحسن، إلاّ أنّ الكتب التي عندي يوجد فيها لفظ (عن).

قيدُ الأدلّة في التعريف (تفسير الدليل)

وأما (الأدلة) فهي جمع: دليل، وهو لغةً: المرشد والهادي.

وفي اصطلاح المنطقيين: (القولُ المؤلَّفُ مِنْ قضايا الذي يلزمُ منه لِذاته قولٌ آخر).

وفي اصطلاح الأصوليين: (ما يمكنُ أن يتوصّل بصحيحِ النَّظَرِ فيه إلى مَطْلوب خبري)، كالتَّغيّر، فإنّه يمكِنُ أن يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى أنّ العالم حادث.

والمراد (بالإمكان) هو الإمكانُ العادي، وإنّما أُتيَ بهِ لِيَدْخُلَ الدّليلُ المسبوق بالعلم بمدلوله، والدليل المغفول عنه الذي لم يقع فيه النظر أو وَقَعَ فيه النظر ولكنّه كان غير موصل، ويخرج به الدليل على الضروريات، فإنّه لا يُتَوَصَّلُ به للمطلوب بحَسَبِ العادة، وإلاّ لزم تحصيل الحاصل. ولذا لا يسمّى دليلاً بحسب الاصطلاح. والمرادُ (بالتوصُّل) هو الانتقالُ العِلميُّ أو الظنّي؛ لأنّ الأمارة دليلٌ عند الأصوليين.

في حصول النتيجة من الدليل

وأتوا بلفظ (التوصُّل) دون أنْ يقولوا: (يلزم) كما صَنَعَ المنطقيون؛ لأجل انطباق التعريف على سائر المذاهب.

فإنَّ الأشعري([106]) يرى أنَّ حصول العلم بالنتيجة من العلم بمقدماتها بحسب جريان العادة، فلا يمتنع عقلاً تخلُّفُ العلم بالنتيجة عن العلم بمقدماتها ولا استلزامَ بينهما، وإنّما اللهُ تعالى أجرى العادة بأنْ يحصلَ العلمُ بالنتيجة بعد حصول العلم بمقدماتها.

بخلاف المعتزلي فإنّه يرى أنّ حصولَ العلم بالنّتيجة من العلم بمقدّماتها على سبيل التوليد.

والحكماء ذهبوا إلى أنّ حصول العلم بالنتيجة من العلم بالمقدمات على سبيل الإفاضة من المبادئ الفيّاضة؛ لأنّهم يرونَ أنَّ فيضان الممكناتِ موقوفٌ على استعدادات، وبعد حصول الاستعدادات تجبُ الإفاضة، فيكونَ العلم بالمقدّمات من المعِدَّات لحصول العلم بالنتيجة بواسطة إفاضة المبدأ الفيّاض له بعد العلم بالمقدمات.

وأمّا المناطقة فيرون ذلك لزوماً، وهو الظّاهر من الأصوليين.

وينسب لصاحب القوانين رحمه الله ([107]) أنّه أيَّد مذهب الأشاعرة بما روي عنهم  عليهم السلام  إنّ العلم ليس بكثرة التعليم والتعلم بل هو نورٌ يقذفُهُ اللهُ في قَلْبِ مَنْ
يشاء([108]).

ولا يَخْفَى ما فيه، فإنّه لعلّه ناظرٌ إلى العلم بالمقدّمات، والقذف كان بواسطتها.

وعليه فالتوصُّلُ في كلامهم أعمُّ من أنْ يكون عادياً أو توليدياً أو إعدادياً أو لزومياً؛ لينطبق التعريفُ على سائر المذاهب.

والمراد (بصحيح النظر فيه) الدليلُ المشتمل على الشرائط المعتبرة في دليليّته مادةً وصورةً، فيخرجُ: ما ليس بدليل وإنْ كان موصلاً اتفاقاً. وأمّا ما كان دليلاً لكنّ النظر كان فيه فاسداً فهو لا يخرج عن التعريف؛ لأنّه في الواقع يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب الخبري، غايةُ الأمر أنّه لم ينظر فيه النظر الصحيح، فلا وجه لما تُخُيل من خروجه، كيف يخرج وقد قسموا الدليل إلى الصحيح والفاسد.

تعريف النظر

(والمراد بالنظر) هو: ترتيبُ أمور معلومة للتأدّي إلى المجهول، وقد تكلّمنا فيه مفصلاً في كتابنا (نقدُ الآراءِ المنطقية) فراجعه([109]).

(والمرادُ بالمطلوبِ الخَبَري) هو المطلوبُ التصديقي المسمّى بالنتيجة، فيخرج بذلك المعرِّف؛ لأنّه وإنْ كان يتوصَّلُ بصحيح النظر فيه إلى مطلوب، ولكنّه ليس بخبريّ، بل تصوّري، وإنّما لم يقيّدوا المطلوب بالعلم فيقولون (إلى العلم بالمطلوب الخبري)؛ ليشمل الظن والعلم، فإنّ الأدلة الشرعية نوعها أمارات مفيدة للظن.

الفرق بيـن تفسير الدليل بيـن الأصولييـن والمنطقييـن

والفرقُ بينَ تفسير (الدّليل) عندَ أهل الميزان وبين تفسيره عند الأصوليين: إنّ تعريف الأصوليين لا ينطبق إلاّ على الحدّ الأوسط، وهو جزءُ الدليل عند المنطقيين؛ لأنّه جُزْءٌ من الصُّغرى والكبرى اللّتين هُما بمجموعهما يكونان دليلاً عند المنطقيين؛ لكونِ الدليل عندهم يكون مؤلّفاً من قضايا، وأيضاً الدليلُ عند الأصوليين هو ما يمكن أنْ يُوصِلُ، وإنْ لم يكن بالفعل قد أوصل، بخلافِهِ عند المنطقيين، فإنّه ما أوصل فعلاً، فعندَ الأول يعتبر إمكان الإيصال، وعند الثاني يعتبر فعليّة الإيصال، وإنّه عند الأول يكون محلاً للنّظر والفكر، وعندَ الثّاني هو نفس النظر والفكر([110]).

المراد بالأدلة في تعريف الفقه

أنّ المراد (بالأدلّة) المذكورة في تعريف علم الفقه هي الأدلّةُ المستعملة في علم الفقه؛ لتقدم العهد الذهني بها، نظير قولك: (جاء الملك)، فإنّه ظاهرٌ في العهد بملك البلد وإنْ لم يسبق بينك وبين المخاطب عهدٌ خاص في ملك مخصوصٍ؛ لأنّ الذي في ذهن أهل البلد هو ملكهم، فوجودُ (أل) في الأدلّة دليلٌ على إرادة العهد بأدلّة هذا العلم؛ لأنّه هو الموجودُ في الذهن، ولو كان العهد غير مراد لجِرُّدت الأدلة من أل، وقيل: (عن أدلة تفصيلية) بل هو أبلغ، لأنه لو لم يكن المراد العهد مع وجود أل لكانت الأدلة ظاهرة في الاستغراق؛ لأنّه جَمْعٌ مقترنٌ بأل، وهي تقتضي أخذ كلّ حكمٍ من جميع الأدلّة، وهو خلاف الظاهر.

وعنده لابدّ من ارتكاب التأويل فيه من حمله على خصوص أدلّة الفقه؛ إذ لم تؤخذ الأحكام الشرعية من غيرها. وارتكابُ خلافِ الظّاهر مَعيبٌ في التَّعاريف التي يُقْصَدُ منها إيضاحُ المعرَّف.

فتَلَخَّصَ: أنّ المراد بالأدلة المعنى اللغوي، وهو المرشد؛ لأنّ الفقهاء ليس لهم اصطلاح في الدليل، فإذا وَرَدَ في كلامهم حُمِلَ على معناه المتعارف، وهو المعنى اللغوي.

وأل في (الأدلة) يرادُ بها العهد للأدلة الفقهية المستعملة في علم الفقه.

(ودعوى) أنّ الأدلّة لو كانت ظاهرةً في الأدلّة المعهودة لكانت ظاهرة في الأدلة الأربعة، وهي: الكتاب، والعقل، والإجماع، والسنة بأقسامها الثلاثة: من فعل المعصوم أو قوله أو تقريره، فيلزمُ خروجُ العِلم بالأحكام من الشّهرة والقياس والإجماع المنقول.

(فاسدةٌ) لأنّا لم نَقُلْ الأدلّةُ الأربعة المعْهودَة- كما قاله بعضهم- وإنّما قُلنا الأدلّة التي تستعمل في عِلْمِ الفقه، فتشمَلُ تلك الأدلة.

وبعضهم حذف أل وأضاف الأدلة إلى ضمير الأحكام، ولابدّ أنْ تكون الإضافة بمعنى اللام وتكون للاختصاص، أي: عن الأدلة المختصة بها، وتكون الإضافة بنحو التوزيع، نظير: (ركب القوم دوابهم)، (وأكل الحجازيون طعامهم)، (ولبس الجند سلاحهم)، فإنّ المراد هو التوزيع، بمعنى: أنّ كلَّ رَجُلٍ منهم قد رَكِبَ دابَّتَهُ، لا أنّ كلّ واحدٍ منهم رَكِبَ جميعَ الدوابّ، وهذا المعنى هو المتبادر من مثل هذه التراكيب.

ما يخرج بقيد (عن أدلتها) عِلمُ الله

وكيف كان: فقد قيل: أو يمكن أنْ يقال: إنّه يخرج بهذا القيد، أعني (عن أدلتها) أمورٌ.

منها: إنّه يخرج به عِلمُ الله تعالى، فإنّه وإنْ كان علماً بالأحكام لكنه ليس بحاصل عن الأدلة ومستفاداً منها.

وبعبارة أخرى إنّ ظاهر قولهم: (العلم عن الأدلة) هو أنْ يكون العلم حاصلاً بطريق النّظر والاستدلال والانتقال من المبادئ إلى المطالب والاستنباط من الأدلة، واللهُ تعالى عالِمٌ بالأحكام بنحو الانكشاف.

وقد أورَدَ على ذلك بعضُ أهل التحقيق: من أنّ العلم بالعلّة يستلْزِمُ العلم بالمعلوم استلزاماً عقلياً من غير فرقٍ بين الله تعالى وبين غيره لاستحالة انفكاك الملزوم عن اللازم. واللهُ تعالى عالمٌ بعلل الأحكام فيكونٌ عالماً بالأحكام باعتبار علمه بعللها.

والأولى أنْ يقال في تقريب الإشكال: إنّ العلم بالأدلّة عِلّةٌ للعلم بمدلولها، واللهُ عالم بأدلّة الأحكام فيكون عالماً بالأحكام باعتبار علمه بأدلّتها؛ لاستحالة انفكاك العلة عن المعلول، فيحتاج إلى إخراج علم الله تعالى إلى الالتزام
بأنَّ المراد بالعلم عن الأدلة من حيثُ دليلّيتها والنظر فيها لا بالخاصية
المذكورة.

وجوابه أنّ (عن) ظاهرةٌ في كون العلم ناشئاً عن الأدلة، ولذا (عن) تسمّى نشوية و(علم الله) تعالى ليس بناشئٍ منها، بل هو عالمٌ بالأحكام وأدلّتها في مرتبة واحدة، دون أنْ يكون بين العِلْمَين ترتّبٌ في الوجود، وإلاّ لزم جهلُهُ في مرتبة وجود علمه بالدليل.

(ودعوى) أنّ المعلول لا يُقْدَرُ عليه في مرتبة وجود العلة فكذا لا يعلم به في مرتبة العلم بالعلة.

(فاسدةٌ) لأنّ عَدَمَ تعلّق القدرة بالمعلول في مرتبة القدرة على العلة ليس فيه نقصاً في قدرة الفاعل العامّة، بل لعدم قابلية المحل - وهو المقدور - لتعلّق القدرة به في تلك المرتبة، بخلاف العلم، فإنّ المعلوم يمكن العلم به قبل العلم بعلّته، كما في الدليل الإنّي.

خروج علم الملائكة عن التعريف

ومنها: خروجُ علم الملائكة بالأحكام الشرعية، فإنّه لا يُسَمَّى فقهاً؛ لأنَّ علمهم لم يَكُنْ عن دليلٍ ونَظَرٍ، وفكرٍ وإنّما هو بواسطةِ انكشاف الواقع لهم، وهو لا يسمّى في العرف دليلاً، مضافا إلى ما عرفتَ من أنّ المراد عن الأدلة المعهودة وهي المستعملة في علم الفقه، والانكشاف للملائكة ليس منها.

وأورد على ذلك بأنّ هذا مبنيٌ على قيام البرهان على فقدانهم للقوّة النظرية الاكتسابية، وإنَّ كمالاتهم بأجمعها فعلية، وأنت خبير بأنه لا سبيل لنا في إدراك ذلك، ولا أخبرنا به صادق يحصل العلم بقوله، فمن الجائز حصول العلم لهم ببعض الأحكام أو كلِّها بالنظر إلى بعض الأدلّة بنحو المجتهد، والأولى أنْ يقال: أنّ علمهم لا نحرز أنّه من الأدلّة فلذا لا يُمْكِنُ أنْ نَجْزِمَ بأنَّه فِقْهٌ.

خُروجُ عِلْمِ الأنبياء عن تعريف الفقه

ومنها: خروجُ علم الأنبياء والأئمّة  عليهم السلام  بنحوِ ما ذُكِرَ في خروجِ علم الملائكة. ويرد عليهم:

أوّلاً: ما أوردناه هناك، ويزدادُ الإيراد بأنَّ المشهور عند الأصوليين: أنّ علم الأنبياء والأوصياء موقوفٌ على مشيئتهم، وعليه فيجوزُ أنْ تكون مشيئتهم  عليهم السلام  هو العلم على سبيل النظر، كما يَظْهَرُ من بعض الأخبار الواردة في استفادة الإمام من القرآن والسنة النبوية بعضَ الأحكام الشرعية استفادةً نظريةً كسبية لا يقدر عليها إلاّ العارفُ بطُرُقِ الاستنباط.

فالحقُّ أنْ يقال في الجواب ما قلناه في علم الملائكة.

ويرد عليهم ثانياً: بأنّه إنْ أريد من الأدلّة معناها اللغوي، وهو المرشد والهادي، فالعلوم المذكورة داخلةٌ في التعريف؛ لأنَّ الوحي والإلهام من الأدلة بالمعنى اللغوي وإنْ أريدَ معناها الاصطلاحي فعِلْمُ المقلَّد يخرج بها ولا يحتاج لقيد التفصيلية.

وفيه: إنّ المراد - كما عرفت - هو الأدلّةُ المعهودة في علم الفقه، والوحي والإلهام ليس منها، على أنّه يمكن أنْ يختار الشقّ الأول ويقال: إنّ الوحيَ والإلهام ليس عند أهلِ اللُّغةِ من الأدلّة فهُمَا نظيرُ الكَشْفِ والضَّرورة.

ويَرِدُ عليهم ثالثاً: أنّه يَصْدُقُ على العُلومِ المذكورة: أنّها عِلْمٌ بأحكامٍ شرعية فرعيّة حاصِلَةٍ من أدلّة تفصيلية وإنْ كان حُصُولُها عن الأدلّة إنّما هو للمجتهدين، وليسَ في التّعريفِ المذكورِ ما يدلُّ على تَعَلُّقِ حَرْفِ الجرِّ بالعلم حتّى يمنع من صدق التعريف على العلوم المذكورة، بل احتمالُ رجوعِهِ للفرعيّة كافٍ في الإيراد عليه؛ لأنَّ الاحتمال المذكور يُوجِبُ حُصُولَ الإيهام والإبهام في التعريف. وفيه ما تقدم منّا: من ظهور تعلّق حرف الجرّ بالعلم.

خروج علم المقلد من تعريف الفقه

ومنها: خُروجُ علم المقلِّد؛ لأنّه ليس بعلم من الأدلة المعهودة في الفقه، وإنّما هو علمٌ من قول مرجع التقليد.

(ودعوى): أنَّه على هذا يكونُ قيدُ التفصيلية زائداً؛ لأنّه إنمّا يخرج به
(علم المقلِّد)، فإذا كان عِلْمُ المقلَّد يخرج بالقيد المذكور فلا حاجة لقيد التفصيلية.

(فاسدة)؛ لما سيجيءُ إنْ شاء الله تعالى من فائدة قيد التفصيلية.

هذا وبعضُهُمْ أخْرَجَ عِلْمَ المقلِّد باعتبار أنّ علمه بالأحكام الشرعية على وجه الضرورة؛ لأنّ التقليد إنّما كانَ عندَهُ حُجَّةٌ بالضَّرورة.

وفيه: إنّ الضرورة هي حُجّيّة الدّليل، وهو التقليدُ، وضَرورَةُ حُجيّة الدليل لا تُوجِبُ ضرورةَ المدلول، كما في الشَّكْلِ الأول.

خروجُ الضَّروريّات عن تعريف علم الفقه

ومنها: خروجُ العِلم بالأحكام الشرعية الفرعية الضرورية؛ لأنَّ العلم بها غير مستفاد من الأدلّة، بل من الضرورة، وهي ليست من الأدلة، كيف والعلم بها بمرتبة الضرورة، فالقيدُ المذكور في تعريف الفقه يخرج العلم بالأحكام الضرورية- كوجوب الصلاة والزكاة - عن علم الفقه، وقد جزم الفقهاء بخروجها، وتابعوا في ذلك طريقة الحكماء والمتكلّمين؛ لأنّهم ذهبوا إلى أنَّ تدوين المسائل البديهية في باب التعليم والتعلّم غير مستحسن، مضافاً لما عرفت من أنَّ المراد بالأدلة، الأدلّة المعهودة في علم الفقه، والضَّرورة ليست منها.

وأَورَدَ عليه أولا: المرحومُ الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية على المعالم بما حاصله: (إن الأحكام الضرورية أيضاً مستفادة من الأدلة؛ لأنّ العلم بالأحكام الشرعية الضرورية يتوقف على أمرين:

أحدهما: ثبوتها عن النبيّ  صلى الله عليه واله وسلم .

والثاني: صدقُ النبي  صلى الله عليه واله وسلم  وحقيّة ما جاء به.

والذي يعلم في الأحكام الضرورية بالضرورة هو الأول لا الثاني؛ لتوقفه على ثبوت النبّوة، ولا ريب أنّ ثبوت النبوة يتوقّفُ على النَّظَرِ والكَسْب، فتكونُ الأحكامُ الشَّرعية بأسرها من غير الضَّروريات، وما ذكره الفقهاء من خروجها مبنيٌ على اشتباهها بسائر الضروريات) انتهى([111]).

وفيه: إنّ الجهةَ المبحوث عنها في الفقه هو إثباتُ نسبة الحكم للشريعة الإسلامية، أمّا إنّ الشريعة الإسلامية، حقّة أم لا؟ وأنّ نبيها  صلى الله عليه واله وسلم  صادقٌ أم لا؟ وأنّ الرواة عنه موثوقون أم لا؟ فهو خارج عن البحث الفقهي.

ولا ريب أنّ بعض الأحكام الشرعية إذا كانت ضرورية من هذه الجهة فهي لا تحتاج من هذه الجهة إلى البحث عنها وإقامة الأدلة عليها؛ لوضوح ثبوتها، فكانت خارجة عن علم الفقه؛ لعدم قابليتها وصلاحيتها للبحث الذي يكون العلم الحاصل منه فقهاً.

وثانياً: إنّ الأحكام الشرعية ليس شيءٌ منها بدهياً لا يحتاج إلى دليل؛ لأنها بأسرها سماعيَة متوقفة على السّماع من صاحب الشريعة ووضوحُ الدليل لا يُوجِبُ بداهة المدلول.

وفيه: إنّ احتياجها إلى السَّماع منه  صلى الله عليه واله وسلم  لا يُنافي أنْ تكونَ ضروريّةَ الثبوت في الشريعة بعد ذلك، فيُستغنى عن البحث عنها، ويكون العلم بها ليس من الفقه عند صيرورتها ضرورية.

وثالثاً: إنّه على هذا يقتضي أنْ يخْرُجَ ضروريُّ المذهب عن علم الفقه، كجواز المتعة وحرمة قول (آمين) في الصلاة عند الشيعة ونحو ذلك، مع أنّه لا إشكال في كونه من الفقه.

وفيه: إنّه لمّا كان هناك من يخالف في نسبته إلى الشرع وَجَبَ البَحْثُ عنه لإثبات أنّه من الشرع؛ لأنّ جهة البحث كانت موجودةً فيه، بخلاف ضروريّ الدين، فإنّه لا خلاف في نسبته للشرع، وإنّما الخلاف يكونُ من باقي الملل في أصل وجود الشرع الإسلامي لا في نسبة هذا الحكم له، فجهةُ البحث غيرُ موجودة فيه.

ورابعاً: إنّ الراوي الذي سمع الحكم من النبي  صلى الله عليه واله وسلم  مشافهةً يكون ثبوته عن صاحب الشريعة ضرورياً عنده مع أنّ علمه من الفقه قطعاً.

وفيه: إنّ مَحَلّ كَلاَمِنا فيما يكونُ ثبُوتُه في الشَّريعَةِ ضرورياً لا فيما يكون الانتقالُ إليه ضرورياً، فإنّ الأمرَ الكسبي قد يكونُ الانتقال إليه ضرورياً وسهلاً من الدليل فيما لو استدل عليه بالشكل الأول، ولذا قالوا: إنّ إنتاج الشكل الأول بديهي، وقد يكون نظرياً كسبياً صعباً فيما لو استدل عليه بالشكل الرابع.

فكذا ما نحن فيه، فإنّه لو سمع من المعصوم كان الانتقال إليه والاطلاع على ثبوته سهلاً، ولكن لو قام عليه خبرُ واحدٍ يكونُ الانتقالُ إليه صعباً يحتاجُ إلى مزيد فحص عن الرُّواةِ وزيادَةِ بحثٍ عن المعارضات.

خروج العلم بالأحكام القطعية عن التعريف

ومنها: خروجُ العلم بالأحكام الشرعية الفرعية القطعية عن الفقه.

والظاهر من كلماتهم أنّ مرادهم بالقطعيات: هي الأحكامُ التي أدلّتها تفيد القطع بها، كالإجماع والخبر المحفوف بالقرائن.

والذي صَرَّحَ بخروجِ العِلْمِ بها عن الفقه العلاّمَةُ الحلي رحمه الله ([112])، والشيخُ البهائي في زبدته، والفخر الرازي في محصوله([113]).

 والظاهُر من كلماتهم أنّ وَجْهَ إخراجها من الفقه هو أنّ الفقه ليس
إلاّ أحكاماً اجتهادية والقطعيات لا اجتهاد فيها لأن الاجتهاد استفراغ الوسع
في تحصيل الظن بالحكم الشرعي. والقطعيات لا يحصل بها الظن بل إنما
يحصل بها القطع.

والتحقيقُ أنّ القطعيّات بالمعنى المذكور ليست بخارجةٍ عن تعريف علم الفقه المذكور، لأنّ العلم بها إنّما كان من الأدلة، غايةُ الأمر إنّ الأدلة تفيد العلم القطعيّ بها، كما أنّ الحق أنّ العلم بها من الفقه، وذلك لأن من أدلة الفقه الإجماع والخبر المحفوف بالقرائن والمتواتر ونحوها مما يفيد القطع بالحكم، ولا زال الفقهاء، يستدلون على أحكام الفقه بالأدلة القطعية، مع أنّ أصحاب
النبي  صلى الله عليه واله وسلم  والأئمة  عليهم السلام  يسمّون بالفقهاء وهم يحصل لهم القطع بالحكم الشرعي الفرعي لسماعهم له من المعصومين  عليهم السلام  مشافهةً، مع أنّا لا نُسلِّمُ أنَّ الفقه ليس إلاّ أحكاماً اجتهادية، بل إنّما مسائله: منها اجتهادية وهي الظنيات، وغير اجتهادية وهي القطعيات.

ولو سلمنا ذلك فنقول: إنّ الاجتهاد لا يعتبر فيه الظنّ، وإنّما قُيِّدَ بالظن باعتبار الغالب، أو لبيان المقدار الكافي في تحقّقه، وإلاّ فلا ريب في أنّ الأحكام الشرعية التي يمكن أنْ يحصل العلم فيها لا يجوز الاكتفاءُ بالظنّ فيها، وقد حرّرنا ذلك مفصلاً في الجزء الأول من النور الساطع([114]).

خروج العلم بالأحكام عن طريق الكشف والإلهام

ومنها: خروجُ العلم بالأحكام الشرعية الفرعية بالإلهام والكشف والوحي والمنام والجفر والرمل، فإنّه ليس من الفقه، ووجهُ خروج ذلك هو أنّ المذكورات ليست بأدلةٍ عند العرف واللغة، فلم يكُنْ العِلمُ بالأحكام من طريقها علماً بالأحكام عن أدلّة، مضافاً لما عَرَفْتَ من أنّ المرادَ بالأدلّة، الأدلّة المعهودة في علم الفقه، والمذكورات ليست منها، ولعلّ كلمة الفقهاء متفقه على عدم عدّ ذلك من الفقه، فالأحكامُ الثابتةُ للفقيه لا تثبَتُ للعالم بالأحكام من تلك الطرق، كما لا تثبت للمُقلِّد العامي.

خروج ُالعلم بالأحكام من طريق الظنّ الإنسدادي

ومنها: خروجُ العلم بالأحكام من الظنّ الانسدادي؛ لكونِهِ ليس من الأدلة المعهودة في علم الفقه.

ولا يخفى ما فيه، فإنّ الظنّ من الأدلة الفقهية، ولذا عَدَّ الفقهاءُ الاستحسانَ والقياس والاستقراء والأولوية الظنيّة من الأدلة، وإنّما فقهاء الشيعة لم يعتبروها.

قيد التفصيلية في التعريف

وأمّا التفصيلية فهي منسوبة إلى التفصيل مَصْدَرُ (فَصَّلَ) بمعنى: بيّن، ضِدّ: أجمل، والتاء ألحقت به لكونه وصفاً للجمع، وهو (الأدلة)، فيكون المراد بها: الأدلّة المبيّنة للأحكام، والموضّحة لها، ويقابلها الأدلّة المجمَلَةُ، وهي التي تدلُّ على الأحكام إجمالاً من دون إيضاحٍ لها، كالآياتِ والأخبار الدالّة على ثبوت الأحكام على المكلّفين من دون تعيين لها، فإنّه وإنْ علم بالأحكام منها لكنها ليست بتفصيلية، بل على نحو الإجمال، مثل قوله تعالى: [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ ]([115]) فإنّها تدلُّ على ثبوت الأحكام الشرعية على سبيل الإجمال؛ لأنّ الرّسالَةَ تقتضي تشريعَ أحكامٍ من اللهِ تعالى للمُرْسَلِ إليهم محمّد  صلى الله عليه واله وسلم  ونحو ذلك، فإنّ العلم بالأحكام من هذه الأدلة لا يسمى فقهاً.

إنْ قلت: إنّ القوم قد جعلوا (التفصيليّة) بمعنى: الأدلة المختصة بكلّ حُكْمٍ حُكْم، بأنْ يكون الدليلُ الدالُّ على حكمٍ غير الدالّ على الحكم الآخر، ويكون لكلّ حكمٍ دليلٌ مختصٌ به غيرُ جارٍ في غيره، ويقابلها الأدلّة الإجمالية بمعنى: الأدلة غير المختصة بكلِّ حُكْمٍ حُكْم، بل تجري في سائر الأحكام بعنوان عام، كالدليل الذي يستعمله العاميّ في سائر الأحكام، وهو: (هذا ما أفتى به المفتي، وكل ما أفتى به المفتي فهو حكم الله في حقّي)، نظير معرفة مَنْ في الدار فإنّه تارة يعرّفهم بأسمائهم، وتكون حينئذ معرفة كلّ واحدٍ منهم بوجهِ مختصّ به، وتارة يعرّفهم بأنهم أولاد زيد، فتكون معرفتهم على سبيل الإجمال بوجهٍ عام.

قلنا: هذا خلافُ الظّاهِرِ من لفظ التفصيلية، فإنّ التفصيلَ هو التَّبيين لا التخصيص.

ولو كان المرادُ (بالتفصيلية) هو ذلك لَكَان الواجبُ تقييدَ الأدلّة بالمخصوصة، ويكون المقابل لها الأدلة العامّة، فإنّ المقابلة على ما ذكره القوم تكون بين العموم والخصوص، لا بين البيان والإجمال.

مضافاً إلى أنّهم إِنْ أرادوا بكون الدليل مختصاً بالحكم غيرُ جارٍ في حكم آخر هو نوعُ الدليلِ كالسُّنّة مثلاً فهو باطل؛ لأن السنة تجري في أحكام متعدّدة، وإنْ أرادوا أفرادها كخبر زرارة([116]) الذي قام على الحكم الفلاني فهو صحيٌح، لكنّه فتوى المجتهد بالنسبة للعامي أيضاً أفرادها كلُّ واحدةٍ منها مختصَّةٌ بالحكم الذي دَلَّتْ عليه، ولا تَجري في غير الحكم الذي دَلَّتْ عليه، فكما أنَّ أقوالَ الإمام جَعْفَر الصَّادِق  عليه السلام  أدِلّةٌ تفصيلية بالمعنى المذكور كذلك أقوالُ نائبهِ المجتهدِ أدلَّةٌ تفصيلية للعامّي بذلك المعنى.

والحاصل: أنّ الشخص الذي يعلم بالأحكام الشرعية من أقوال الإمام الصادق  عليه السلام  فقط تكون أدلّتُه تفصيلية؛ لكون قولِ الإمام الصادق  عليه السلام  دليلاً على الحكم الشرعي، فكذا العاميّ إذا علم الأحكام من فتاوى المجتهد الواحد تكون فتاوى ذلك المجتهد أدلّة تفصيلية له؛ لكون فتواه دليلاً على حكم العامي.

ما يُشكل على تعريف الفقه

وحيثُ قد عَرَفْتَ المرادَ بقيودِ التّعريفِ وما احتُرِز بها عنه، فإليك ما أُورِدَ أو يُمْكِنُ إيرادُهُ على التَّعريفِ المذكور.

[أول الإشكالات على تعريف علم الفقه]

أحدها: إشكال أخذ (العلم) أنّ العلم ظاهرٌ في اليقين وحقيقةٌ في: الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، والأحكام ظاهرةٌ في الأحكام الواقعية، فمقتضى التعريف أنْ يكون عِلم الفقه هو: اليقينُ بالأحكام الواقعية عن أدلّتها، مع أنّ الحاصل منها غالباً هو الظن بالأحكام الواقعية، غايةُ الأمر أنّه ظَنٌ معتَبَرٌ، بَلْ بعضُها لا يحصل منه حتّى الظنّ بالحكم الواقعي، كالأحكام التي يُقامُ عليها الأصلُ العملي كالإباحة أو الاستصحاب أو البراءة أو نحوها من القواعد المعمول بها؛ لإثباتِ الحكم أو نفيهِ عند الشَّكّ بالواقع.

توضيحُ ذلك: إنّ الأدلّة على الأحكام في علم الفقه: منها ما هي ظنية الدلالة والسند، كأخبار الآحاد الظاهرة في معناها، أو ظنية السند دون الدلالة كأخبار الآحاد الصريحة الدلالة، أو ظنية الدلالةً دون السند كظواهر الكتاب الشريف والمتواترات اللفظية غير الصريحة دلالةً والخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للقطع بصدوره غير الصريح دلالةً والإجماع المتّحد المعقد لفظاً غير صريح معقده، وهذه لا يعقل أنْ يحصل منها القطع بالحكم الواقعي؛ لأنَّ النتيجة تتبع أخسّ المقدمات.

ومن الأدلّة ما هي قواعِدُ مقرَّرَةٌ للشَّاكّ في الحكم الواقعي فالشّكُّ مأخوذٌ في مَوضُوعِها، فكيفَ يُعْقَلُ أنْ تُفيدَ القطع بما كانَ الشّكُّ بهِ مقوّماً لوجودها، وإلا لزم عند وجودها ارتفاعُها.

وعليه فإذا أُريدَ في التَّعريف المعنى الحقيقي للعلم والمعنى الظاهري للأحكام لزم خروجُ أكثر مسائل علم الفقه.

وإنْ أريد المعنى المجازي للعلم كأنْ أريد به الاعتقاد الراجح- كما في المعالم([117])-، أو الظن- كما في الزبدة-([118])، أو أريد بالأحكام الأعم من الظاهرية والواقعية لزم المجاز أو ارتكاب خلاف الظاهر بلا قرينة تدلُّ عليه، وهو معيبٌ في التعاريف التي يقصد بها بيان ماهيّة المعرّف وإيضاح حقيقته وتميّزها عَمَّا عداها.

ويَزْدَادُ هذا الإشكالُ قُوَّةً على مَنْ يقولُ بخُروجِ القَطْعيّاتِ، عَنْ عِلْمِ الفقه.

وقد أُجيبَ عن هذا الإشكال بعدّةِ وُجوه:

أحدها: ما عن غاية المرام: أنّ حَمْلَ العلم على الظّن أحسن الأجوبة عن هذا الإشكال وإنْ كان مجازاً لكنّه مع شيوعِهِ ومحفوفيّتِِهِ بالقرينة، وهو قوله (عن أدلّتها)؛ لأنّ المراد به الأدلة الظنية.

أو إنّ القرينة على ذلك حالية- كما هو المحكي عن الزبدة - بدعوى أنّ الاتفاق قائمٌ على اعتبار الظنّ في الاجتهاد، وهو مقدّمة للفقه.

ولا يخفى ما في هذا الجواب، فإنّ شيوعَ هذا المجاز غيرُ ثابت لا سيّما في الشرعيات، بل المحكيّ عن الشيرواني رحمه الله ([119]) أنّه لم نجد له استعمالاً فيه لم يتطرق إليه احتمال آخر.

وأمّا قيدُ (عن أدلتها) فلا يصْلُحُ للقرينة على ذلك؛ للزوم الدّور، فإنّ التعريف يتوقّفُ على معرفته الشُّروعُ في العلم، ومعرفةُ كونِ الأدلّة ظنيّة موقوف على الشروع في العلم.

على أنّه قِسْمٌ من الأدلّة تفيد القَطْعَ كالإجماع والخبر الصّريح المتواتر أو المحفوفِ بالقرائن الموجبة لليقين بالصّدور أو الكتاب الصريح، فالنّاظر في التعريف يحمل الأدلّةَ على المفيدة للقطع، ويخرجُ الظنَّ بالأحكام من الأدلة الظنية عن علم الفقه.

وإنْ شئتَ قلتَ: إنّ ظهور العلم في اليقين أقوى من ظهور الأدلّة في الظنّيات لوجود القطعيات فيها، ولا أقلّ من التساوي فيحصَلُ الشكُّ، ولا يَصْلُحُ للقرينة ما ذكر.

وأمّا كونُ الاجتهاد معتبراً فيه الظنّ بالحكم، وهو مقدمة للفقه، فأيضاً لا يصلُحُ للقرينة؛ لما ذكرناه مفصّلاً في الجزء الأول من النور الساطع([120])، من أنّ اعتبار الظنّ في تعريف الاجتهاد كما صَرَّحَ به غيرُ واحدٍ باعتبار أنّه الغالب وكفايته عند عدم التمكُّنِ من العلم، وليس لأجل أنَّ الاجتهادَ لا يصحُّ أنْ يكون مؤدّياً للعلم.

ثاني الوجوه التي أُجيب بها عن الإشكال المذكور:

ما عَنْ المنية([121]) والزبدة([122]): إنّ المراد بالعلم بالأحكام العِلْمُ بوجوب العَمَل بها لا بنفسها، فلا تخرجُ الظنّيات؛ لأنّه أيضاً يَجِبُ العَمَلُ بها.

ولا يخفى ما فيه: فإنّ إرادة ذلك: إمّا بأن يكون مستعملاً في العلم بوجوب العمل، أو إضمار الوجوب قبل الأحكام، أو استعمال الأحكام في وجوب العمل، أو أنْ يقال: إنّ المراد هو العلم بالأحكام من حيث وجوب العمل بها وعدمه لا من حيث ثبوتها في الواقع.

وذلكَ كلّه خلافُ ظاهرِ اللّفظِ، مع أنّ العلم بوجوب العمل بها إنّما يُستفاد من الأدلّة الدالّة على حُجّية الأدلّة التفصيلية لا من نفس الأدلّة التفصيلية، فمَثَلاً الأدلّة التي تدلُّ على وجوبِ العَمَل بالأحكام المستفادة من الكتاب هي الأدلّة التي دلّتْ على حُجّية الكتاب، وهي من المسائل الأصولية.

وهكذا الكلام في باقي الأدلّة التفصيلية كالسنّة والإجماع والعقل، فالعلم المذكور يكون من المسائل الأصولية.

ثالث الوجوه التي أجيب بها عن الإشكال المذكور:

هو لا الفقهية إنَّ المرادَ العِلْمُ بمدلول الأدلّة، بأن يقال: إنّ المراد بالعلم معناه الحقيقي وهو القطع، وبالأحكام معناها الحقيقي، ولكن مع ملاحظة استفادتها من الأدلة التفصيلية، نظير ما قلناه أخيراً في إرادة وجوب العمل، فيرجع حاصل التعريف إلى أنّ الفقه هو معرفةُ الأحكام الواقعية من حيث كونها مداليل للأدلّة التفصيلية لا من حيث ثبوتها في الواقع.

قال صاحب بدائع الأفكار مرزا حبيب الله (أعلى الله مقامه): (وهذا أجود وجوه التفصّي عن الإشكال المزبور، ولا أرى فيه عيباً سوى اعتبار الحيثية المزبورة، وأنتَ خبيرٌ بأنَّ ذكر الأدلّة التفصيلية مع علمنا باشتمالها على الأدلّة الظنية أقوى قرينة على ذلك)([123]).

ولا يخفى ما في هذا الجواب، فإنَّ العلم بالأحكام من حيثُ المدلولية للأدلة قد يحصل للمقلّد لا سيّما المراهق للاجتهاد، بل للمجتهد قَبْلَ فَحْصِهِ، فإنّهما قد يعرفان مدلول الكتاب، مع أنّ علمهما لا يُسمَّى بفقه، وليس بمعتبر؛ لاحتمالِ وجودِ النّاسِخِ والمخصِّص أو المعارض من الكتاب نفسه.

وبعبارَةٍ أخرى: إنّ مجرّد العلم بكون الحكم مدلولُ الدليل ليس بفقهٍ، بل لا بُدّ من إحراز صدوره وعدمِ المانعِ منه ونحو ذلك.

مضافاً إلى أنّ الكثير من مداليل الأدلّة التفصيلية ظنّية إنّما استفيدت منها بواسطة أصالة العموم أو الظهور أو نحو ذلك، مضافاً إلى أنّ العلمَ بكونِ الحكم مدلول الدليل ليس يستند إلى الأدلّة التفصيلية، بل إلى أصالة الحقيقة، وأصالة العموم، وأصالة عدم النقل، وكون الأمر حقيقة في الوجوب، وإنّ النهي حقيقة في الحرمة، وأنَّ معنى اللفظ هو كذا لغةً، وأنَّ معنى هذا المركب هو كذا، ونحو ذلك، وهذه الأمور بعضُها من علم الأصول، وبعضها من علم متن اللغة، وبعضها من علوم الفصاحة، وبعضُها مِنْ عِلْمِ النحو.

رابع الوجوه التي أجيب بها عن الإشكال المذكور:

هو أنّ المراد بالأحكام الأعمّ من الظاهرية والواقعية باعتبار أنّ لله تعالى في كلِّ واقعةٍ حُكْمَينْ واقعيّ معيّن لا يختلف باختلاف الآراء ويتنجّزُ التكليفُ بهِ عند التمكّن من تحصيله، وحكمٌ ظاهريٌ يختلف باختلاف آراء المجتهدين وأنظارهم، يجعلُهُ الشارعُ مع الجهل بالواقع والعجز عن تحصيله على طبق ما قام الدَّليلُ الشرعيُّ عليه.

قالوا: إنّ الواجب على المجتهد أنْ يصرف سَعْيَهُ في طَلَبِ الحُكْم الواقعي، ويبذُلُ جَهْدَهُ للعلم به، وبَعْدَ السَّعي الذي يَعْذِرُهُ الشارع فيه، فالذي أدّى إليه دليلهُ هو حُكْمُ اللهِ في حقّه، يجبُ العمل به أصابَ الحكم الواقعي أم لا، علم بالإصابة أم لا؟.

والحاصل: إنّ المراد بالأحكام بالتعريف أعمُّ من الأحكام الواقعية والظاهرية، بأن يريد بها الأحكام الفعلية الثابتة للعبد.

وعليه فالفقيهُ دائماً يَعْلَمُ بالأحكام الشرعيّة حتَّى لو كانَ دليله ظنياً؛
لأنَّ الدليلَ الظنّي إذا قامَ ثَبَتَ في حقِّهِ حُكْمٌ ظاهريٌ شرعيٌّ على طبق
مدلوله.

وبعبارة أخرى: إنّ الأحكام الظاهرية بأجمعها تكونُ معلومة؛ لأنّها عبارةٌ عن مداليل الأدلّة، ومقتضيات الأصول، يَجْعَلُها الشارع للمجتهد بعد قيامها عنده، وهو المحكيُّ عن المحقق الشريف([124])، واحتمَلَهُ بعضُهُم في بَعْضِ أجوبة صاحب الزبدة([125])، وعليه نزّل ما قاله العلامة الحلي في تهذيبه في المقام من أنّ (ظنية الطريق لا تنافي علميّة الحكم)([126])، فلا يلزم التّصويب، كما زعمه صاحب المعالم([127])؛ إذ التصويب إنّما يلزم لو حُمل (الأحكام) على الواقعية دون الفعلية التي هي أعمُّ من الواقعية والظاهرية.

إنْ قلت: إنّ الفقهاء لا يزالون يُخطئون بعضهم بعضاً، ويُقيم كُلٌّ منهم الأدلّة على تخطئة صاحبه وإثبات مطلوبه، ومعلومٌ إنّ ذلك إنّما يكونُ بالنسبة للحكم الواقعي دون الظاهري لاتّفاقِهِم على تعدُّدِهِ بحَسَبِ آراء المجتهدين، فلا تكون التخطِئَةُ بالنسبة إليه. ولا رَيبَ أنّ ذلك يقتضي أنْ يكون محلّ بحث الفقهاء في الفقه هو الحكمُ الواقعيُّ دُونَ الظاهري، فلا وَجْهَ لحمل الأحكام في تعريفه على الأعم من الظاهري والواقعي.

قلنا: إنّ البحث في علم الفقه عن الحكم يسمّى بالاجتهاد، وهذا إنّما يكون بالنظر للحكم الواقعي؛ لأنّه هو الواجب تحصيلُهُ والبحث عنه، ثمّ الحاصل بعد البحث ونتيجة البحث يسمّى بالفقه، فلذا الاجتهاد أُخِذَ في تعريفه الظنّ دون الفقه؛ لأنّ نتيجة البحث إمّا العلم بالحكم الواقعي أو حصول العلم بالحكم المجعول عند الظنّ به أو الشكّ به، فلذا أخذ في تعريفه العلم.

إنْ قلت: إنّ استعمال الحكم في الأعمّ من الواقعيّ والظاهري مجازٌ، وإنّه حقيقةً في الواقعي.

قلنا: ليس بمجازٍ لكونِ الحُكْم موضوعاً للأعمّ من الظاهريّ والواقعي، بدليل صِحَّةِ تقسيمهِ إليهما، وعدمِ صِحّةِ سَلْبِهِ عن الظاهريّ، بل الحُكْمُ الظاهريُّ نظيرُ الحكم الواقعيّ الثانوي.

ولا يَخْفَى ما في هذا الجواب، فإنّ وجودَ حُكمين واقعي وظاهري، غيرُ مسلّم، وأنّه أمرٌ أحدثه بعضُ الأصوليين من المتأخرين، فلا يعقل أنْ يريده المتقدمون من هذا التعريف؛ لعدم التفاتهم له. مضافاً إلى أنّ الأحكام الظاهرية على القول بها إنّما تُستفادُ من أدلّة حُجّية الأمارة والأصول، لا من أدلّة الأحكام الشرعية، فإنّ الحكم الظاهري- وهو الحرمة في موردِ الخبر الذي يدلُّ على حرمة الخمر- يستفاد من الدليل على حجية الخبر، لا من الخبر المذكور، كما اتفقت عليه كلمة القائلين بالحكم الظاهري، وعليه فلا تكونُ الأحكامُ الظاهرية مستفادةٌ من الأدلّة التفصيليةِ لعلم الفقه، كما هو ظاهرٌ التّعريف، هذا غايَةُ ما يُمْكِنُ من تقريب هذا الإشكال الأول على تعريف علم الفقه.

ويمكِنُ الجوابُ عنه: بأنّه قد تَقدَّم أنّ المرادَ بالعلم معناه اللغوي، وهو المعرفة والاطّلاعُ، وهو يَصْدُقُ على ما يَحْصَلُ من الأدلّة الظنية المعتبرة، ألا ترى أنّه يقال: (لغة قد عرفت أنّ هذا المال لزيد عند قيام البيّنة عليه)، فالذي يحصل من الأدلة الظنية المعتبرة عند قيامها على الحكم الشرعي يسمّى عِلماً عند أهل اللغة حقيقة، ولعلّ سائر العلوم النقلية التي أخذ في تعريفها لفظُ العِلْم شاهدة على ما قلناه.

ثاني الإشكالات على تعريف علم الفقه

إنّ (الأحكام) جَمْعٌ مُحلَّى باللام حقيقةٌ في العموم، وظاهرٌ فيه.

فإنْ بقي على ظاهره لزم خروجُ أكثر الفقهاء إنْ لم نقل كلّهم لعدم علمهِم بجميع الأحكام الشرعية الفرعية؛ لأنّ الفروع لا تقف عند حدٍّ، بل طالما توقَّفَ بعضُ الفقهاء العظام عن معرفة بعض الأحكام لبعض الفروع.

وإنْ أخْرَجْنا لفظ (الأحكام) عن ظاهره وهو العموم، وحملنا (ألـ) على إرادة الجنس فيشملُ التعريفُ العلم بالكل والعلم بالبعض، فيلزم دخول علم المقلِّد إذا عَرَفَ بعض الأحكام الشرعية عن الأدلة التفصيلية، مع أنّه في الاصطلاح لا يُسمَّى فقيهاً، ولا علمه فقهاً.

ولعله لهذا الإشكال عَرَّفَ الآمدي([128]) الفقه: بالعلم بجملة غالبةٍ من الأحكام على ما حُكِيَ عنه، وعرَّفه العلاّمة  قدس سره  في منتهى الأصول: بالعلم بأكثر الأحكام الشرعية بالاستدلال، على ما حُكيَ عنه رحمه الله .

وأجيب عن هذا الإشكال بعدّة أجوبة:

أحدها: اختيار الشقّ الأول، وحملُ العلم على التهيّؤ والاقتدار والملكة التي يقتدر بها على استنباط جميع الأحكام عن أدلّتها، بأنْ يكونَ عند المجتهد من المأخذ والشرائط ما يكفيه في تحصيل الأحكام، بحيثُ إذا لاحظه ورجع إليه استنبط الحكم الشرعي، ولا يضرُّ التردّد والتوقّفُ منه في بعض المسائل؛ لأنّه إنّما يحصل منه في مقام الاجتهاد لا في مقام الفقاهة.

ولا يخفى ما في هذا الجواب- لما عرفته- من ظهور العلم في المعرفة والاطلاع، وحمله على ذلك مجازٌ لا يصحّ ارتكابه في التعاريف المقصود منها التوضيح.

(ودعوى) وجودُ القرينة على الحمل المذكور، وهو عدمُ وجودِ فقيه عالم بجميع الأحكام.

(مدفوعة) بأنّ ذلك إنمّا يقتضي التصرّف في العلم أو التصرف في الأحكام بحملها على البعض المعتدّ به، فيكون التعريف مجملاً ومردداً بين إرادة التهيّؤ للعلم بجميع الأحكام وبين إرادة العلم بالقدر المعتد به من الأحكام، والترديد في التعريف يُسْقِطه عن الاعتبار؛ لعدم وضوحِ حقيقة المعرَّف به، مضافاً إلى لزوم صدق الفقه على الملكة، وإنْ لم يستنبط بها حكماً مع أنّه لا ريب في عدم صدقه على ذلك.

ثاني الأجوبة على الإشكال المذكور:

اختيارُ الشقّ الثاني وجَعْلُ اللام للجنس والتزامُ أنّ المقلِّد المذكور مجتهدٌ باعتبار العلم بالمسائل عن الأدلّة، ومقلّد باعتبار تقليده في غيرها.

ولا يخفى ما في هذا الجواب، فإنّ ذلك يقتضي صدق الفقه على
مَنْ علم بمسألةٍ واحدة عن دليلها لتحقُّقِ الجنس بفَرْدٍ واحد، مع أنّ
الكثرة معتبرة في أسامي العلوم، وليست من قبيل أسماء الأجناس الصادقة
على القليل والكثير، بل الكثرة المعتبرة في مفهومها كما هو المشهور
عندهم.

مضافاً إلى أنّه خلاف الظاهر؛ لأنّ اللامَ كما عَرَفْتَ إذا دَخَلَتْ على الجنس تفيد الاستغراق.

والحقُّ في الجوابِ عن هذا الإشكال بأنّ اللام للعهد الذهني باعتبار ما في أذهان الناس من وجودِ مقدارٍ مُعْتَدٍّ بهِ من الأحكام عند كُلِّ فقيهٍ، كقولهم: (صلّى الرّجُلُ جماعة خلف فلان)، (وجمع الأمير الصاغة)، (وأطعم الجند)، (وهجمت العساكر على العدو)، فإنّ اللام في الجميع للعهد الذهني، وهو المقدار الذي يتعارف من الرجال صلاتهم خلف الإمام والمقدار الذي يتعارف من الصاغة جمعهم، ومن الجند إطعامهم، ولعلّه يريد ما ذكرناه من ذهب إلى أنَّ اللام في (الأحكام) أو في (المسائل) أو في (القوانين) ونحوها ممّا هو مذكور في تعاريف العلوم هي للاستغراق العرفي وإلاّ فاللام ليست موضوعة لذلك.

والحاصل: أنّ اللام في (الأحكام والقوانين والمسائل) ونحو ذلك مما هو مذكورٌ في تعاريف العلوم هي للعهد الذهني بجملةٍ معتدّ بها منها كافية في ترتب الثمرة المطلوبة من وضع العلم، بحيث يصدق عرفاً على العالم بها أنّه عالم بمسائل ذلك العلم، وهو بحسب العادة لا ينفكُّ عن وجود الملكة.

ثالث الإشكالات على تعريف علم الفقه

إنّ تفسير الفقه بالعلم بالأحكام لا يُجامع ما اشتهر من أنَّ أجزاء العلوم ثلاثة: (الموضوعات والمبادئ والمسائل).

وهذا الإشكال لا يختص بتعريف الفقه بل يرد على سائر تعاريف العلوم.

وقد أجاب عنه بعضهم: إنّ أسامي العلوم لها إطلاقان:

أحدهما: على العلم المدوّنِ في الكتب.

وثانيهما: على نفس المسائل أو العلم بها.

والقضيّةُ المشهورة ناظرةٌ للاطلاق الأول، وقد أجبنا عن ذلك مفصّلاً في كتابنا نقد الآراء المنطقية([129]) عند الكلام في قولهم: (حقيقة كل علم مسائله) من أنّ مرادهم بالأجزاء أعمُّ من المقوِّمة وغيرها، والمسائل هي الأجزاء المقوِّمة، وهي حقيقة العلم، وما عداها أجزاء غير مقوِّمة.

رابع الإشكالات على تعريف علم الفقه

إنّ العلمَ هو القطعُ المطابق للواقع، وعليه فيَخْرُجُ عن التعريف: القطع بالأحكام المخالفة للواقع مع أنّه من الفقه.

وجوابه: إنّه مع البناء على التصويب فقطعه من الفقه؛ لأنّه علم بالحكم الشرعي، وأمّا مع البناء على عَدَمِهِ فلا نُسلِّمُ أنّ ذلك يُسمَّى فقهاً، وإنّما يتخيل أنّه من الفقه، ولذا لو اطّلع عليه الغير يرميه بالجهالة بالفقه والضَّلالة فيه.

خامسُ الإشكالات على تعريف علم الفقه

إنّ الفقه هو نفس الأحكام العارضة لفعل المكلّف، لا العلم به، ولذا اشتهر أنّ حقيقة كلّ علمٍ مسائله، وجعلوا أجزاء العلوم ثلاثة، ولم يعدّوا منها العلم بالمسائل. وإنّما عدّوا نفس المسائل من الأجزاء، والفقيه هو العالم بهذه الأحكام، فالتعريف لا يكون صحيحاً للفقه.

وجوابُه: إنّ أسماء العلوم تارة تُطْلَقُ على نفسِ القوانين والأحكام، وأخرى تُطْلَقُ على نفسِ العلم بتلك القوانين باعتبار أنّ القوانينَ أمورٌ عقلية لا موطن لها إلاّ العقل، أو نقول إنّ المعرَّف هو علم الفقه لا نفسُ الفقه، فإنّه لو عرّف علم الفقه فلابُدّ من أخذ العلم في تعريفه؛ لأنّه جنسه، وإذا عرف نفس الفقه، فلا بُدَّ أنْ يعرف بالأحكام والقوانين الشرعية؛ لأنّه اسمٌ لها شأن سائر أسماء العلوم.

علم الفقه صناعة أم علم

الصّناعة في العرف العام: هي المعرفة لكيفية إيجاد الشيء، فيقال: فلان يصنع القلادة، يريدون به أنّه له المعرفة بتكوينها، فالصّناعة إذا نسبت لشخص عند العامة أرادوا منها ذلك، وفي العرف الخاص هي العلمُ بالقوانين المتعلّقة بكيفيّةِ إيجادِ الشيء وعمله.

وبعبارةٍ أخرى هي العلومُ المقصودُ منها العَمَل لا مُجَرَّدَ العلم، فعلم النحو من العلوم الصناعية؛ لأنّ المقصود منه كيفية عمل المنطق الصحيح، وعلم المنطق من الصناعة، لأنّ المقصود منه كيفية عمل الفكر الصحيح، وعلم العقائد من العلوم غير الصناعية؛ لأنّه لم يقصد منه إلاّ مجرد المعرفة، وهكذا علم الفلك.

وعلى هذا فعلم الفقه من العلوم الصناعية؛ إذ كان المقصود منه معرفة كيفية العمل المطلوب للشارع (راجع ما كتبناه في نقد الآراء المنطقية)([130]).

البحث في الأصُول العَملية من مسَائل الفقه أو من غيرها

إنَّ الأصول العملية، وهي التي يرجع إليها عند الشبهة والشكّ في الحكم الشرعي، مثل أصل البراءة والاستصحاب والاشتغال والتخيير، يكون البحث فيها تارةً في صِحَّةِ جريانها في الأحكام الكلّية، كوجوب صَلاةِ العيد أو حرمة شرب التتن، وتارة في صِحّة جريانها في الأحكام الجزئية، كطهارة هذا الثوب المشكوك نجاسته.

أما البحث فيها من الحيثية الأولى، أعني: في صحة جريانها في الأحكام الكلية المشكوكة فقد وقع النزاعُ بينهم في أنّه يكون بحثاً عن مسألة أصولية، أو بحثاً عن مسألة كلامية، أو بحثاً عن مسألة فقهية، أو لا ربط له بشيء منها؟ فذهب إلى كلٍّ فريقٌ.

وتظهرُ الثمرة في عدم جواز الاعتماد في اعتبارها على الظنّ أو خبر الواحد على القول بكونها من المسائل الكلامية أو الأصولية بناءً على لزوم قيام الدليل القطعيّ ولا يكفي الدليل الظنّي على اعتبارها.

وجوازه على القول بكونها من القواعد الفقهية- كذا ذكر بعضهم- وإنْ كان غير مستقيم عندنا؛ لأنّ أدلّة الاعتبار للظّن أو خبر الواحد تَشْمَلُ مسائل علم الكلام والأصول، إلاّ إذا كان المسألة يطلب فيها العلم والاعتقاد كوجوب الواجب والتوحيد والنبوة.

وكيف كان، فالتحقيق أنْ يقال: إنّه لا ريب على القول بكون الأصول العملية من الأحكام العقلية التي يرجع إليها عند فقد الدليل على الواقع سواء جُعِلَتْ من المستقلاّت- كما ذهب جماعة إلى القول بذلك في البراءة والاحتياط والتخيير، وكما حكي القول بذلك في الاستصحاب عن الشهيد رحمه الله ([131])- أو من غير المستقلات لا ربط للبحث عنها بعلم الفقه؛ لأنّ البحث حينئذٍ عنها، أمّا من قبيل فروع البحث عن التحسين والتقبيح العقليين أو من قبيل فروع البحث عن المفاهيم والاستلزامات العقلية، ومعلومٌ عَدَمُ ارتباط شيءٍ منهما بالقواعد الفقهية.

وكذا الحالُ بناءً على اعتبارها من باب الأخبار بناءً على أنها إرشادية تفيد إمضاء الحكم العقلي حسبما يستفاد من غير موضع من القوانين.

وإنما الإشكال بناء على كونها من الأحكام العقلية هل يكونُ البَحْثُ
عنها من المسائل الأصولية أو من توابع علم الكلام فتكون من المبادئ التصديقية لعلم الأصول؟

ومنشأ الإشكال هو أنّ موضوع علم الأصول هل هو ذوات الأدلة من حيث هي؟ فيكون البحث عن دليليتها حينئذٍ بحثاً عن عوارضها الذاتية فيدخل في علم الأصول، أو هو الأدلة بوصف أنّها أدلّة؟ فيكون البحث عن دليليتها وحجيتها بحثاً عن إثبات أصل الموضوع ووجوده، فيخرج عن علم الأصول، ويدخل في علم الكلام؟ حيث إنّ علم الكلام يُبْحَثُ فيه عن إثبات الواجب وتوحيده وصفاته وأفعاله، وعن النبوة والإمامة، ودليلية أقوالهم وأفعالهم وحجيتها، وما هي الوظيفة عند فقدها، ومعلوم ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات.

وما ربّما يتخيل من أنّه لو سلّمنا أنّ البحث عن الدليلية من المسائل الأصولية لا يندرج البحثُ عن الأصول العملية أيضاً في علم الأصول؛ لأنّ البَحْثَ عنها يكونُ عن نفسِ وُجودها، نظيرُ البحث عن المفاهيم، فإنه يكون عن نفس وجودها وتحققها، فإنّ البحث عن مفهوم الشرط أو الوصف أو الغاية أو نحوها في الانتفاء عند الانتفاء يكونُ بحثاً عن وجود المفهوم لها، لا أنّه بحثٌ عن حجيّته بعد إحراز تحققه فيكون البحث فيها بحثاً عن مفاد كان التامة، وليس البحث فيها بحثاً عمّا يعرض لوجودها من الدليلية والحجية الذي هو مفاد كان الناقصة، فليس البحثُ عن دليليتها بحثاً عن عوارضها، بل بحثٌ عن وجودها وتحقّقها، وهو ليس من العوارض التي يبحث فيها في العلم.

ويدفعُهُ أوّلاً: إنّه منقوضٌ بسائر المسائل التي تذكر في علم الأصول في الأدلة العقلية حتى مسألة التحسين والتقبيح، فإنّ البحثَ عنها، إنّما هو بحثٌ عن تحقُّقها، وإلاّ فَبَعْدَ التحقُّق لا إشكال في الحُجيّة.

وكذا الكلام في الإجماع حيث إنّ البحث فيه بحثٌ عن تحقُّق الكشف عن قول الإمام  عليه السلام  ورأيه، وإلاّ فحُجيّته مُسلّمة إذا حصل به الكشف.

وكذا الكلامُ في خبر الواحد فإنّه بَحْثٌ عن ثبوتِ السُّنَّة بإخبارِ مُخْبِرٍ
واحد، بل وكذا البَحْثُ عن ظواهرِ الألفاظ فيما كان البَحْثُ عن تحقُّق
الظهور ووجوده، كظهور صيغة إفعل في الوجوب، ولا تفعل في الحرمة،
وظهور الشرطية أو الوصف أو الغاية في الانتفاء لا في الحجية بعد إحراز الظهور.

وثانياً: بالحلّ بأنه لا نُسلِّمُ ذلك، وإنّما البَحْثُ فيها بَحْثٌ عن عروض الدليلية لها، فحُكْمُ العَقْلِ بالبراءة وغيرها من الأصول العملية يبحث عن دليليته على الحكم الشرعي.

موضوعُ علم الأصول

إلاّ أنَّ ظاهر الأصوليين أنّ موضوع علم الأصول هي الأدلّةُ بوصف الدليلية؛ لتعبيرهم عن الأربعة بالأدلّة لا بأسامي كلٍّ منها، فلو كان الموضوعُ ذواتها لَكَانَ اللائق أنْ يقال: إنّ موضوع علم الأصول هو الكتاب والسنة والإجماع والعقل لا الأدلّةُ الأربعة، مع أنّ غرض الأصوليّ من البحثُ عنها هو البحث عنها بوصف دليليتها لإثبات الأحكام لها، لا عن ذاتها، وإلاّ لَدَخَلَ علمُ البلاغة في علم الأصول؛ لأنّه يبحث عن ذاتها من حيث البلاغة كما لا يخفى، فيصيرُ البحث عن حجيتها حينئذٍ من توابع علم الكلام، فإنّ علم الكلام ما يُبْحَثُ فيه عن المبدأ والمعاد، والبحث عن المبدأ يقع فيه البحث عن ذاتِ الواجب وصفاته وأفعاله، من العدل وإنزال الكتب وإرسال الرُّسُلِ ونصب الحجج ونحو ذلك، ويتبعه البحث حينئذٍ عن حُجيّة قوله تعالى وأقوالِ رُسُلِهِ وحُجَجهِ ونحوها.

الحُكْمُ بكُفْرِ مَنْ أنْكَرَ مَسْألَةً من عِلْمِ الكلام

والمناقَشَةُ فيه: بأنَّ البَحْثَ عن دليليتها لو كانَ من علم الكلام لَزَمَ الحكم بكفر مُنْكِرِ دليليّتها، كما هو الشأنُ في مُنكر سائر المسائل الكلامية كما حُكي عن الفاضل النراقي([132]).

فاسدةٌ جدّاً لا ينبغي صدورها عن مثله؛ لأنّ عِلْمَ الكلامِ فيه الكثيرُ من المسائل ما لا يَلْزَمُ من إنكارها الكفر.

وتوضيحُ ذلك: إنَّ الحكم بالكفر على منكر مسألة من مسائل علم الكلام إنّما يُستفاد من الأدلّة الخارجية، وحينئذٍ فكلُّ مسألةٍ من مسائله إذا دَلَّ الدَّليلُ على كُفْرِ منكرها نَحْكُمُ به كما في مسألةِ إثباتِ الواجب وتوحيدِهِ، وبعضِ صفاته وأفعاله ومسألة النبوّةِ ونحوها، وكلّما لم يقم الدليل فيه على ذلك لم نحكم بذلك فيه، ومن المعلوم أنّه لم يقم دليلٌ على كفرِ مَنْ أنكر حجيّة تلك الأصول ودليلية تلك الأدلة.

والحاصل: إنّه بناءً على أنّ موضوع علم الأصول هو الأدلّة بما هي أدلّة يكونُ البحثُ عن دليلية الأصول العَمَلية، بل عن دليليّةِ الأدلة الأربعة جميعاً، بل عن دليليّةِ غيرها من الأدلّة المعتبرة عند العامة، يكونُ من المبادئ التصديقية للمسائل الأصوليّة لا من علم الأصول، حيثُ أنّ البحث المذكور يكونُ عن نفس الموضوع للعلم، لا عن عوارضه، وحيث أنّ الدليلية للمذكورات لم تبيّن في علم آخر احتيج إلى بيانها في نفس علم الأصول، كأكثر المبادئ التصوّرية والتصديقية لِعِلْمِ الأصول ولا غائلة فيه.

وربّما يَتَكَلَّفُ لإدراج البحث عن دليلية الأدلة في علم الأصول ولو بناءً على أنّ الموضوع هو الدليل المتّصِفُ بوصف الدليلية، بأنَّ المراد من الأدلة هي الأدلة الواقعية الثابتة دليليتها في نفس الأمر، فالبحث عن حُجّية شيءٍ في الظاهر بحثٌ عن أحوال الدليل الواقعي من حيث صدقُهُ على المبحوث عنه وعدمه.

ولا يَخْفَى ما فيه من التكلّف والبُعد، بل المنع؛ لأنه مخالِفٌ لظواهر كلماتهم واستدلالاتهم، بل وعناوينهم، ولا ينطبق على البحث عن ظاهر الكتاب وحجية العقل، ونحوهما، ضرورةَ أنّ البحث عنها بحثٌ عن أنّها هل أنها أدلّة في الواقع أم لا؟ وأينَ هو من البحث عن أنَّ الدليل الواقعي يصدق على كل منها؟ فتدبر.

وبالجُمْلَة فبناءً على كونِ الموضوع هو الموصوف المتّصِفُ بالوَصْفِ المذكور لا مناصَ عن جَعْلِ البَحْث عن دليلية جميع الأدلّة من المبادئ التصديقية، ولا يقدح الإطنابُ فيها، وكونُها حينئذٍ أكثر من مسائل العلم، فإنَّ القادح إنّما هو كثرة الكلام في الاستطراديات لا في المبادئ، فإنّها من جهةِ توقُّفِ التّصديقِ بمسائل العلم على التّصديقِ بها صَارَ البَحْثُ فيها كالجزء من العلم. هذا إذا قلنا أنّ العلم عبارة عن المسائل، وأمّا إذا قلنا: إنّ أجزاء العلوم ثلاثة: الموضوعات والمسائل والمبادئ صارَ البَحْثُ عنها بحثاً عن جُزْءِ العلم، وكيفَ كان فلا يَضُرُّ حينئذٍ إطنابُ الكلام فيها.

وقد ذَكَرَ بعضُهم لإثبات كونِ البحث عن الأصول العملية من علم الأصول بأنَّ موضوع علم الأصول ذواتُ الأدلّة من حيث دليليتها أو عمّا يَعْرِضُ لها بعد الدليلية، لا ذات الأدلة في نفسها، ولا الأدلة بوصف الدليلية، وإنّما الموضوع هو ذاتُ الأدلة من الحيثية المزبورة.

وعليه فيكون البحث عن الأصول العملية من المسائل الأصولية؛ لكون البحث عن دليليتها كالبحث عن دليلية سائر الأدلة في علم الأصول داخلٌ في علم الأصول؛ لصدق موضوعه على موضوع مسائلها وانطباقِ تعريفه على مطالبها، بأنّه العِلْمُ بالقواعد الممهِّدَةِ لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها، حيثُ أنّ الأصولَ العملية مما يستنبط بمعونتها الأحكام فيصدُقُ عليه التعريف المذكور.

ويرد عليه أولاً أنه: إنْ أراد به أنَّ الموضوع لعلمِ الأصول عند الأصوليين هو ذلك، فهو ظاهرُ البطلان؛ لما عَرَفْتَ من أنَّ ظاهرهم كونُ الموضوع هو الذّوات بوصفِ الدليلية.

وإنْ أراد به تجديد اصطلاح من نفسه مخافة خروج البحث عن دليلية الأدلة عن الفن فهو وإنْ كان في نفسه صحيحاً؛ إذ لا مشاحة في الاصطلاح إلاّ أنّا لا نتكلم على اصطلاح جديد، بل نتكلم على اصطلاح القوم، مع أنّك قد عرفت أنّه لا غائلة في جعل تلك المسائل من المبادئ، وأنّه لا يَلْزَمُ منه محذورٌ بل جَعْلُها من المبادئ أسْهَلُ وأولى من تجديدِ الاصطلاح بمراتب.

ويرد عليه ثانياً: عدمُ إمكان جعل الموضوع هو ذوات الأدلة من الحيثية المزبورة، فإنّ حيثية البحث عن الدليلية تستدعي كون الموضوع هو الذوات، والبحث عمّا يعرضها بعد الدليلية يستدعي كون الموضوع هو ذوات الأدلة بوصف كونها أدلّة، فإنّ معنى اعتبار الحيثية في الموضوع أنْ يكون البحث عمّا يعرض على ذلك الموضوع من هذه الحيثية، كالتعارض العارض على ذات الأدلة من حيث الدليلية، لا من حيثُ الذّات، ومعنى كونِ الموضوع هو الذات أنْ يكون البحث عمّا يَعْرِضُ على نفس الموضوع المجرّد عن تلك الحيثية، كدليلية الدليل العارضة على الذات، فإنّ البحث عنها بحثٌ عن عوارض ذاتِ الدليل، فإنّها تَعْرِضُ الذّات لذاته لا باعتبار حيثيةٍ من الحيثيات، والجمعُ بين الذات والحيثية المذكورة جَمْعٌ بين المتناقضين حيثُ لا جامع بينهما.

إن قلتَ: يُمْكِنُ الالتزامُ بكون موضوع الأصول أمرين مستقلّين: ذات الأدلة والذّاتُ بوصفِ الدليلية، كما أنّ الموضوع لعلم النحو أمران: الكلمة والكلام مثلاً.

قلنا: إنّه وإنْ كانَ يرفع التناقض إلاّ أنّه يَرِدُ عليه أولاً: أنّ اللازم حينئذٍ أنْ يكونَ البَحْثُ في جميع مسائل علم الأصول عن أحوالها كالبحث في جميع مسائل النحو عن أحوال الكلمة والكلام لا أنْ يوزّع مسائل العلم عليهما، بأنْ يبحث في شطرٍ منها عن أحوال الذات، وفي آخر عن أحوالِ الذات المتصفة بالدليلية، فإنّه يلزم حينئذ أنْ يكون كلٌّ منهما عِلماً مغايراً للآخر لتغايُرِ الموضوع فيهما قطعاً.

وقد اشتهر بينهم أنّ تمايُزَ العُلومِ بتمايُزِ الموضوعات، وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات، ومن هنا جعلوا كلاًّ من النحو والصّرف والاشتقاق
ونحوها علماً غير الآخر، مع أنّ الموضوع لجميعِ العلوم المذكورة هو الكلمة والكلام لكنْ مع تغاير الحيثيات، وفيما نحنُ فيه يلزم على ما ذكره الخصم
أنْ يكون الموضوع ذوات الأدلّة من حيث ذاتها، وذوات الأدلة من حيث دلالتها.

ويردُ عليه ثالثاً: أنّه خلاف الظاهر حيث إنّ ظاهرهم أنّ لعلم الأصول موضوعاً واحداً، كما أنّ الظاهر منهم كما مرَّ أنّه الذاتُ بوَصْفِ كونها دليلاً ولو أسقط قيد الحيثية، وجَعَلَ الموضوعَ هو الذّات المجرّدة، كما صنعه في الفصول([133]) حيث قال: (إنّ المراد بالأدلة ذات الأدلة لا هي مع وصف كونها أدلة) فكونها أدلة من الأحوال اللاحقة لها، فينبغي أنْ يبحث عنها أيضاً، وإنْ كان لا يرد عليه المحذوران إلاّ أنّه يردُّه ما مَرَّ من أنّه خلافُ ظاهره إذا أراد أنّها كذلك عند الأصوليين، وإنْ أراد الاصطلاح لنفسه دفعاً لمحذور خُروجِ البحث عن دليلية الأدلّة عن الفنّ فيرُدُّهُ أنّه لا غُبار عليه بَعْدَ إمكان جعلها من المبادئ التصديقية.

ودعوى: أنّه يزيد الكلام والبحث عنها في الفنّ عن البحث عن مسائله بكثير.

مدفوعةٌ بأنّ الزيادة تضرُّ في الاستطراديات لا في المبادئ، كما يَرِدُ عليه أيضاً اشتراكُ علم الفصاحة والبلاغة، بل وغيرهما من العلوم الأدبية معه في الموضوع بالنسبة إلى البَحْثِ عن ظاهرِ الكتاب والسنة، فإنّه يصدُقُ على البحث عنهما من حيثُ البلاغة والفصاحة واللغة ونحو ذلك، أنّه بحثٌ عن عوارض ذات الأدلة فلم يتميّز عِلْمُ الأصول حينئذٍ عن سائر العلوم بموضوعِهِ، بل لم يتميّز عن علم الكلام أيضاً، لما عَرَفْتَ من أنّ البحث عن الدليلية أيضاً من توابع عِلم الكلام، فلا يُمكِنُ التمُّيزُ حينئذٍ إلاّ باعتبار الحيثيات حَسْبَ ما اشتهر بينهم من أنَّ تمايُزَ العلوم بتمايز الموضوعات، وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات، فيجعل الموضوع لعلم الأصول بحيثية الاستنباط، وإنْ كان أيضاً لا يخلو عن تأمُّل.

ومن هنا ظهر أنّ من اعتبر الحيثية المذكورة من جعل الموضوع ذات الأدلة متحيّثاً بحيثية استنباط الأحكام منها إنّما اعتبرَ تلكَ الحيثية تميزاً للموضوع وإدراجاً لمبحث الاجتهاد والترجيح بناءً على أنّه فعل المجتهد في البحث عن الأدلة؛ لئلا يخلّ حصر موضوع الأصول في الأدلة، أو يخرج عن الفن ويدخل في الاستطراديات، كالبحث عن التقليد- كما زعمه الفاضل التوني([134]) - فتفصّى عن خروج البحث عنهما عن الفن (بجعل الموضوع عبارة عن الأدلة والاجتهاد والترجيح) فإنّه بناءً على اعتبار الحيثية المذكورة يدخُلُ البَحْثُ عن الاجتهاد والترجيح في علم الأصول مَعَ عَدَمِ لُزِومِ الإخلالِ في الحَصْرِ في الأدلّة الأربعة ضرورةَ أنّه مع أخذِ حيثيّة الاستنباط واعتبارها يكونُ البَحْثُ عن المستنبط وما يتعلّقُ به بحثاً عن العوارض الذاتية، فإنّ الاستنباط والمستنبط وإنْ كان من الأعراض الغريبة لذات الأدلّة؛ لأنها أعراض للمجتهد لا للأدلة إلاّ أنّه بعد اعتبار حيثية الاستنباط في الموضوع يصيران من الأعراض الذاتية كما هو واضح فتدبره.

وأما ما تقدم من انطباق التعريف حينئذٍ عليه وموافقته له ففيه:

أولاً: إنّه لا يجُدي، بعد عدم تحقّق التمايز بالموضوع، فإنّ كلامَهم كان في هذا المقام بناءً على أنّ الميزان التمايزُ بالموضوع، لا الميزان صِدْقُ التعريف وغيره، كما ينبئ عنه ما اشتهر من أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، على أنّ القواعد الممهِّدة للاستنباط إنّما تكونُ قواعد أصولية فيما كان البَحْثُ فيها عن العوارض الذاتية للدليل، وإلاّ فمجرَّدُ كونِ الغَرَضِ من التمهيد الاستنباط مما لا يَصْلُحُ أنْ يكون مميزاً.

وأمّا ثانياً: فلأنّ مَفَادَ التعريف: أنْ يكون علم الأصول عبارة عمّا يستنبط بمعونته الأحكامُ الفرعيّة وقواعدها، كما صَرَّحَ به بَعْضُهم، ويقتضيه تعريفُ علم الأصول: (بأنّه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الفرعية الشرعية عن أدلتها التفصيلية)، فيكون البحثُ، عن دليلية ما تستنبط بمعونته الأحكام خارجاً عن علم الأصول قطعاً، ضرورةَ توقُّفِ صِحَّةِ ذلك الاستنباط على ثبوتِ اعتبار دليليّته، والمفروض أنّ علم الأصول هو العلم بذات تلك القاعدة الممهِّدة من حيث إنّها قاعدة ممهدة، لا العلم باعتبار تلك القاعدة ودليليتها فيكون البحث عن دليليتها خارجاً عن فن الأصول.

وعليه فجعلُ الموضوع هو الذّوات المتحيّثة بالحيثية المذكورة لا يوافق التعريف.

وأما ثالثاً: فلأنّه ينتقض بجميع القواعد الفقهية الفرعية؛ لأنّها مُمهِّدة لاستنباط الأحكام الشرعية، فيقال في القاعدة نفي الحرج المستفادة من قوله تعالى: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]([135]) أنّها كُبْرَى للحُكْمِ بنَفي الحَرَج في الموارد الحرجية الخاصة، فيُقال: الحُكْمُ بنجاسة الحديد مثلاً مُوجِبٌ للحَرَج، وكلّ ما هو موجب للحرج منفيٌ في الدين، فالحُكْمُ بنجاسة الحديد منفيٌ في الدِّين، وفي قاعدة الطّهارة مثلاً: أنّ ابنَ آوى مما شُكّ في طهارته، وكل ما يُشَكُّ في طهارته، فهو طاهرٌ، فابن آوى طاهرٌ، وهكذا الكلامُ في سائر القَواعِدِ الفقهية، فيَلْزَمُ أنْ يكون قاعدتي نفي الحَرَجْ والطَّهَارة وغيرها من المسائل الأصولية بناءً على ما ذكر. فتأمل هذا كلّه بناءً على اعتبار الأصول العملية من باب العقل والعقلاء.

الكلام في الأصول العملية بناءً على اعتبارها تعبُّداً

وأمّا بناءً على اعتبارها من باب التعبُّدِ من الشَّارع وقيامِ الدّليل النقليّ عليها فذَكَرَ بعضُ مشايخنا تبعاً لبعض مشايخه أنّ فيه وجهين:

أحدهما: كونها من المسائل الفرعية باعتبار أنَّ التكلُّمَ فيها على هذا التقدير إنمّا هو في صِحّة الأخبار الدالة عليها سنداً، وظهورها في ذلك دلالة، كالأخبار الناهية عن نقض اليقين بالشكّ مثلا.

وعليه فتكونُ متعلّقة بنفس عمل المكلف بلا واسطة، والمسألة الأصولية لا تتعلق بنفس العمل، بل يكون بواسطتها معرفة حكم العمل، فيكون التكلّم في الاستصحاب مثلاً عبارةٌ عن التكلّم في حرمة نقض اليقين بالشكّ، كالتكلُّم في كلّ حكمٍ، فرعيّ كلياً كان أم جزئياً، كحرمة شرب النبيذ، فيكونُ حالُ الأصول العملية حال سائر القواعد الفقهية العامة المستفادة من الأخبار، كقاعدة نفي الحرج والضرر في كونها منِ القواعد الفرعية المتعلّقة بالعمل، وإنْ كان رُبّما يَنْدَرجُ تَحْتَ هذه القاعدة مسألةٌ أصوليّة يَجري فيها الاستصحاب، كاستصحاب حجية أمارة علمٍ بحُجيّتها في زمانِ الحضور مثلاً، وشكٌّ في حُجيّتها في ذلك الزمان، فإنّه لا يمنع ذلك عن كونها من القواعد الفرعية؛ إذ لا دليل على حرمة جريان القاعدة الفرعية في بعض المسائل الأصولية، كما ينفى وجوبُ الفحص عن المخصِّص أو المعارض بقاعدةِِ الحرج التي لا إشكال في كونها من القواعد الفرعية، والحالُ أنّ إجراء القاعدة الفرعية هناك باعتبار كونه بنفسه محلاًّ للعمل لا يرتاب في كون الحكم الثابت له من تلك الحيثية حكمٌ فرعيٌ وأنْ يتحقق بجريانه الحُكْمُ الأُصوليّ.

وبتوضيحٍ أحسن: إنّ مسائل الأصول العملية كالاستصحاب ونحوه من مسائل الفقه؛ لأنّ موضوع الفقه هو فعلُ المكلّف، وموضوع علم الأصول أدلة الفقه، فما يبحث فيه عن عوارض أدلّة الفقه فهو من المسائل الأصولية، وما يُبْحَثُ فيه عن عوارض فعل المكلّف فهو من مسائل الفقه، والبَحْثُ في الأصول العملية وحُجيّتها يَرْجِعُ إلى وجوبِ العَمَل، ففي الاستصحاب يَرْجِعُ لوجوب العمل بالحالة السابقة، وفي البَرَاءَةِ إلى عَدَمِ الوجوب أو الحُرْمَة، وهكذا الباقي منها.

إنْ قلتَ: إنّ النزاع في حُجيّة الاستصحاب كالنّزاع في حُجيّة الخبر أو الكتاب أو الإجماع.

قلنا: فَرْقٌ بينَ المقامين، فإنّ حُجّية الخبر تَعْرِضُ الحُجّيةَ لنفسِ الخَبَرِ بالذَّاتِ ولعَمَلِ المكلّف الدالّ عليه الخبر بالواسطة، وهكذا الباقي، بخلافِ حُجيّة الاستصحاب، فإنّها لمّا كانت عبارةً عن وجوب العمل بالحالة السابقة كانت عارضةً لنفس عَمَلِ المكلَّفِ بالذات، بلا واسطة شيء.

إنْ قُلتَ: إنّ حُجيَّة الاستصحاب أيضاً عارضة لفعل المكلف بواسطة اليقين السابق والشك اللاحق.

قلنا: بعد حجية الاستصحاب لا نحتاجُ إلاّ إلى تعيين موضوعه، وما ذكر إنمّا هو موضوع الاستصحاب ومحلّه ومجراه، كما أنّه يلزمُ تعيينُ الموضوع في سائر المسائل الفقهية، كما في تعيينِ موضوع الحجّ، فإنّا نحتاج إلى تعيين الاستطاعة في مَحَلِّ وجوبه.

وثانيهما: كونُها من المسائل الأصولية باعتبار وجود خاصَّةِ علم الأصول فيها، وهو اختصاصُ إجرائها في الأحكام الكُلّية بالمجتهد، وعدم حظٍّ للمُقلِّد فيه ولو من جهة عدم قدرته على إحراز موضوعه الذي هو الشك المستقرّ المتوقف على الفحص عن وجود الدليل في المورد وعدم الظفر به، فإنّ اختصاص
جميع المسائل الأصولية بالمجتهد إنمّا هو من هذه الجهة، وإلا فجميع التكاليف المستفادة من الأدلة مما يشترك فيها المجتهد والمقلِّد، كما هو الحال في زمان الحضور، لكن لما كانت التكاليف مشروطة بالقدرة بحكم العقل القاطع،
والعمل بالحكم الشرعي الأصولي مشروطٌ بشروط لا يقدر العامّيُ على إحرازها في هذه الأزمنة وما شابهها اختصَّ بالقادر على ذلك وهو المجتهد لا غير.

فمثلاً الاستصحاب سواء قلنا: بأنّه عبارة عن حكم الشارع بالنّهي وحرمة نقض اليقين السابق بالشك اللاحق، أو قلنا: بأنه عبارة عن أنْ يكون حكماً شرعياً بوجوب البناء على الحالة السابقة، فهو لا يختصُّ بالمجتهدِ ابتداءً، ولم يكن مأخوذاً في موضوعِهِ الاجتهادُ، إلاّ أنّه اختصّ به من جهة العوارض، كمعرفة عَدَمِ الدَّليل المعتبر على خلاف الحالة السابقة، وعدم المعارض له ونحو ذلك، كما أنَّ وجُوبَ العمل بخبرِ الواحد المستفاد من آية النبأ([136]) وغيرها لم يُؤخَذُ في موضوعه المجتهد، وإنّما اختصّ بهِ من جهة العوارض، كمعرفة صحّة السند، وعدم المعارض، وحجية ظهوره، وعدم صدوره تقية، ونحو ذلك، ولو لم يجعل مدار التمييز بين علمي الأصول والفقه على ذلك الاختصاص العرضي لصار جميعُ المسائل الأصولية مسائل فقهية، فلا منَاصَ عن جعل المدار على ذلك.

المراد من عدم قدرة العامي على العمل بالمسألة الأصولية

وليس المراد مما ذُكِرَ من عَدَمِ قُدْرَةِ العامّي على العَمَل بالمسألة الأصولية، أنّه لا يتمكَّنُ من ذلك قبل استنباطها من أدلّتها خاصّة فقط، بل كما لا يتمكن من ذلك قبل استنباطها لها عن الأدلة، كذلك لا يتمكّن منه بعد استنباط المجتهد لها من الأدلة أيضاً، بمعنى أنّه لو عَرَضَها المجتهدُ على العامّي بعد استنباطها لم يمكن له العمل بها، فلو استنبط المجتهدُ من آية النبأ وغيرها حُجّية خبر الواحد ووجوب العمل به مثلاً، وعرضه على العامّي لم يتمكن من العمل به بعدُ؛ لعدم تمكُّنه من فهم المراد منه وإنّ له معارضا أم لا، وعلاج المعارض على فرض وجوده، فهذا كما ترى عَجْزٌ عن نفس العمل به؛ ضروَرةَ أنَّ تعيين المراد والمعنى ودفع المعارض غيرُ مأخوذ في أصلِ الحجية، بل هو مأخوذ في العمل به فعلاً، والعامّي غيرُ متمكّن منه كما عرفت.

وكذا الحالُ في الأصول العملية، فإنّه لو فرض قطعية دلالة الأخبار عليها، فلا يتمكَّنُ العامّي من العَمَل بها أيضاً لعجزه عن إحراز الموضوع، وهو الشكُّ المستقرّ الذي لم يتحقّق إلاّ بَعْدَ الفَحْصِ عن وجودِ الدّليل وعدم العثور عليه.

ولا ريبَ إنَّ هذا ليس عجزاً عن إثبات دلالة الأخبار على اعتبار الأصول العملية، ولا دَخْلَ له به، بَلْ هو عَجْزٌ عن نفس العَمَل بعد الاستنباط، وهذا بخلاف المسائل الفرعية، فإنّه لو استنبط المجتهدُ وجوبَ الفاتحة مثلاً من قوله  صلى الله عليه واله وسلم : (لا صَلاةَ إلاّ بفاتحة الكتاب)([137]) وعرضه على العامّي يتمكّن من العمل به بلا إشكال.

والحاصل: إنّ كُلَّ حُكْمٍ يتمكّن العامّيُ من العمل به بعد الاستنباط فهو من المسائل الفرعية، وكلُّ حكم لا يتمكّن من العمل به ولو بعد الاستنباط فهو من المسائل الأصولية، وقد عَرَفْتَ أنّ الأصولَ العملية من قبل الثاني لا الأول.

وأمّا ما رُبّما يقال: من إنّ الميزان المذكور وإنْ كان يتمُّ بالنسبة إلى مسألة حجية خبر الواحد ونحوها إلاّ أنّه لا يتمُّ في الأصول العملية، فإنّها ليست إلاّ في مرتبة المدلول والمعنى، وليست بشيء مع قطع النظر عن الأخبار بخلافِ خَبَرِ الواحد ونحوه، فإنَّ له مع الغضّ عن آية النبأ([138]) ونحوها تَحقُّقاً وموضوعاً في الخارج، فتكون هناك أمورٌ ثلاثة: نفسُ الخبر، والدليل الدالّ على اعتباره، والحكمُ الفرعي المستنبط منه، بخلاف الأصول العملية فلا يتحقّق فيها إلاّ قسمان: الأخبار أو غيرها من الأدلة، والحكمُ الشرعيُّ المستفاد منها، فلا يكون هناك أمرٌ ثالث قائم بنفسه يكونُ أصلاً عَمَلياً يَدُلُّ على حُكْمٍ شرعيٍّ فرعيٍّ فيَلْزَمُ اتّحادُ الدَّليل والمدلول.

فمدفوعٌ([139]) بأنّ أدلة الأصول العملية لها اعتباران، فبملاحظة دلالتها على قاعدةٍ كُلّيةٍ ساريةٍ في جميع الموارد يُسمَّى دليلاً، وهذه الكلّية المستفاد منها تُسمَّى أصلاً عملياً يُستنبَطُ بمعونتها الأحكامُ الفرعية في الموارد المخصوصة فتكونُ هناك أيضاً أمورٌ ثلاثة:

نفسُ الأصل العَمَلي وهو الكلّية المستفادة وهو نظير الخبر الواحد.

والدليلُ الدّالّ عليه وهو الأخبار وهي نظير آية النبأ بالنسبة إلى الخبر الواحد.

والحكمُ المستنبط بها نظير الحكم المستنبط من الخبر الواحد.

وإلى ذلك أشار بعض السادة الأعاظم بقوله: (وليس عموم (لا تنقض اليقين بالشك) بالقياس إلى أفراد الاستصحاب وجزئياته إلاّ كعموم آية النبأ([140]) بالقياس إلى [أخبار] الآحاد)([141]) انتهى.

والحاصل: إنّها بملاحظة إنّها بمرتبةِ المدلول والمعنى وانطباقها على عمل المكلّف في الموارد الخاصّة يكونُ مدلولاً، ويصحُّ أنْ يُعَدَّ من القواعد الفقهية، وهذا المقدار الذي ذَكَرْناهُ من اعتبار الحيثية يكفي في التّغاير بينهما دليلاً ومدلولا.

إشكال صاحب الفصول وجوابه

ونظيرُ ذلك إشكالاً وجواباً ما في الفصول من الإشكال في عَدّ الدليل العقلي دليلاً، فإنّ الدليل العقلي: عبارة عن المفردات العقلية كالاستصحاب وأصل البراءة، والمسائل: عبارة عن إثبات حُجّيتها ووجوب العمل بها فلا محذور([142]).

وما رُبّما يستشكلُ أيضاً بمنع كون ما ذُكر- أي: اختصاصها بالمجتهد- ميزاناً لجعلها من المسائل الأصولية، كيف، وإلاّ يلزم الحكم بدخول جملة من المسائل الفقهية في علم الأصول، فإنّها مما لا ينتفع بها غيرُ المجتهد كمسائل القضاء والحدود ونحوهما وقاعدة الطّهارة والحلّية في الشبهات الحُكْميّة ونحوها، أمّا الأوّلان لعجزه عن إحراز الموضوع فيهما وهو الشك المستقر كما عرفت فتدبر، أو لأنّ هذا الميزان إنّما يُجْعَل ميزاناً بَعْدَ عَدَمِ إمكانِ التمييز بالموضوع، ومقتضى ميزانِ الموضوع كونُ القاعِدَتينِ من الفروع، فلا عِبْرَةَ حينئذٍ بميزانِ الخواصِّ فتدبّر.

في أنَّ للمسألةِ الأصولية وصفاً هيولانيّاً

وقال بعضهم: إنّ لمسألة الأصول العملية وصفاً هيولانيا قابلاً للاندراج تحت مسائل علم الأصول وعلم الفقه وعلم الكلام، ويختلف ذلك باختلاف
غرض المعنون، وقال في توضيحه([143]): إنّ الأمر بالعمل بشيء يتصور على وجوه ثلاثة...

أحدها: أنْ يُرادَ بهِ تَطبيقُ العَمَل على ذلكِ الشيء من الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وبعبارةٍ أخرى: يُراد به عَمَلُ الجوارح، وذلك كالأمر بعمل الصَّلاةِ والزكاة والصوم والنكاح والبيع وأمثال ذلك من العبادات البدنية والمعاملات، حيث أنّ المراد من العمل بجميعِ ذلك هو إيجادُها في الخارج بعمل الجوارحِ حَرَكَةً وسُكوناً اجتماعاً وافتراقاً، فيكون ذلك من المسائل الفقهية المتعلّقة بالعَمَل بلا واسطة.

وثانيها: أنْ يراد به الأخذ به وجعله دليلاً وحُجَّةً ويسُتعَانُ بها لاستنباط الأحكام الشرعية، وهذا في الحقيقة تعليمٌ وإرشادٌ إلى مَدْرَكِ الحُكْمِ وطريقِ استنباطه، كالأمر بالعمل بخبر الواحد وأمثاله من الأدلة، فإنّ الأمر بالعَمَلِ به إنّما يُرادُ به الإرشادُ إلى استنباط الفروعِ منه الفقهية، ومعلومٌ أنّ العَمَلَ بذلك أي: العمل بالصّلاةِ ونحوها، فهذا يكونُ من المسائل الأصولية بلا إشكالٍ؛ لِعَدَمِ تعلُّقِهِ بالعَمَل بلا واسِطَةٍ، بل بواسِطَةِ تعلُّقِ مَدْلُولِهِ بالعَمَل بعد الاستنباط.

وثالثها: أنْ يُرادَ به معنى هيولاني قابل لأنْ يراد به أخذُ المعنيين الأولين وأنْ يراد به معنى ثالث، وهو الاعتقاد بذلك الشيء، وذلك كالأمر بقاعدة نفي الحرج مثلاً فإنّه قابلٌ للاندراج في مسائل أحد العلوم الثلاثة، ويتشخَّصُ كلٌّ عن الآخر بقصد المعنون، والكاشف عنه عنوانه في أحد العلوم، فإن عُنْوِنَ في علم الأصول فيصيرُ ذلك قرينة على أنّ المقصود تعليم مدرك الحكم وإرشاد طريق الاستنباط، فإنّ البحث فيها حينئذٍ إنّما هو ليُتوصَّل بها إلى إثبات حُجيّةِ خبر الواحد أو الظنّ المطلق أو عَدَمِ وُجوبِ الفَحْصِ إذا أدّى إلى الحَرَج.

فيقال: إنّه لو وَجَبَ تحصيلُ القطع بالأحكام أو بعَدَمِ المعارض أو الاحتياط لَزَمَ الحَرَجُ، وهو منفيٌ في الدين، فيجوز العمل بخبر الواحد الظنّي أو الظنّ المطلق، فيتولّدُ من البحث عن مسألة أصولية، وهو حجية الخبر أو الظن المطلق، فتصير تلك القاعدة إمّا من مسائل الأصول، أو من المبادئ التصديقية له من حيث إنّ التصديق بالخبر أو بالظن المطلق يتوقّف على التصديق بها، وحيث لم تتبيّن في علم آخر فتبين في علمٍ الأصول.

وإنْ عنون في الفقه فيصيرُ ذلك قرينة على أنّ المقصود تطبيق العمل عليها، فالبحث عنها حينئذٍ إنّما هو لبيان طريق عمل المكلّف وأنه إذا عَسُرَ عليه الوضوء ينفيه عمَلاً بتلك القاعدة فيتيمّم، أو يحكم بوجوب التيمّم الذي يتعلّق بالعمل بلا واسطةٍ فيكون من مسائل الفقه.

وإذا عُنْوِنَ في الكلام يصيرُ ذلك قرينة على إرادة بيانِ وُجوب الاعتقاد، فالبحث عنها إنّما هو لإثبات كفايَةِ الاعتقاد الظنّي لو أدّى تحصيلُ الاعتقاد، القطعيّ الى الحرج، فيكونُ من مبادئ علم الكلام.

وكذلك الكلام في قاعدة نفي الضرر، بل ويطرد الحكم إلى البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب.

بتقريب: أنّه إنْ عنونت في الأصول فيكون من علم الأصول لأنّ الغرض من عنوانها بيانُ طريق الاستنباط وتعليم أنهّ من جملة مدارك الحكم ومما يمكن أنْ تستنبط به أحكام كثيرة.

وإنْ عُنونت في الفقه فالمقصود منه بيانُ تطبيق العمل من الحركات والسكنات عليها؛ إذ المرادُ منها حينئذٍ بيانُ الأحكام الفرعية.

وإن عنونت في الكلام فالمراد بها بيانُ لزوم الاعتقاد بنبوّة النبيّ السابق حتّى يثبت خلافه، فتكون من مبادئ علم الكلام.

فالأُصولُ العمليّةُ سواء قلنا باعتبارها من باب العقل أو من باب التعبّد لها حيثيات واعتبارات، يصحُّ أنْ تجعل بلحاظِ كلٍّ منها موضوعاً لعلمٍ غير ما تُجْعَلُ بلحاظه موضوعاً لعلمٍ آخر، وهذا مما لا غرو فيه.

ألا ترى أنّ الكلمة والكلام يُبحثُ عنهما في علم النحو من حيث الإعراب والبناء، وفي علم الاشتقاق من حيث التكلّم عن المشتق والمشتق منه، وفي علم الصرف من حيث التكلّم في الأبنية والاعلال، وفي علم المعاني والبيان والبديع من حيث التكلُّم في الفَصَاحَةِ والبلاغة ومُحَسِّنات الكلام إلى غير ذلك.

وبذلك البيان يَظْهَرُ ضَعْفُ ما ذكره بعضُهُم بعد بيان الوجه في كون الاستصحاب قاعدة فقهية من أنّه رُبّما يندرج تحتَ هذه القاعدة الفقهية مسألة أصولية يجري فيها الاستصحاب قاصداً به أنّ الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية الفرعية التي محلّ الكلام، وإنْ كان مقتضى هذا الوجه كونه من القواعد الفقهية، إلاّ أنّه ربّما يندرجُ فيها الاستصحاب الجاري في باب الألفاظ الذي لا خلافَ في كونه من المسائل الأصولية، كاستصحاب العموم والإطلاق، وبقاء المعنى اللّغوي واستصحاب عدم المعارض للدليل الشرعي، ونحو ذلك.

ويحتمل أنْ يريد بالاستصحاب المندرج استصحاب حجية ما عُلِمَ حجيّته في زمانِ الحضور لو شك في حجيته في زمان الغيبة.

ووَجْهُ الضَّعْفِ أنّه بناءً على ما تقدَّم من أنّ له معنىً هيولانياً لا معنى للاندراج المذكور، بل هو في حالِ كونهِ من المسائل الفقهية بالاعتبار المذكور، يكون من المسائل الأصولية بالاعتبار الآخر، وكلٌّ منهما مباينٌ للآخر لتغاير الاعتبار، ولا يتفاوت الحال في ذلك بينَ كون المورد والمجرى من المسائل الفرعية وبين كونه من المسائل الأصولية.

ومن هنا يَظْهَرُ ضَعْفُ ما ذكره النراقي([144]) من أنّه إنْ جَرَى في المسائل الفقهية فهو منها، وإنْ جَرَى في الأصولية فهو منها.

وذلك لما عرفته من أنّه إنْ لوحظ باعتبار الاستنباط فهو من الأصول جرى في المسائل الفقهية أو في المسائل الأصولية، وإنْ لوحظ باعتبار تطبيق العمل عليه فهو من الفقه جرى في المسائل الأصولية أو في المسائل الفقهية.

فالنسبة بين النراقي وبين ما حقّقه ذلك البعض عمومٌ من وَجْهٍ، فرُبّما يُتَخيّل رجوعهما إلى قولٍ واحد واضحُ الفساد وإنْ كانا متشاركين في الضعف وعدم قيام بيّنة، ولا شاهد على اعتبار هذه الاعتبارات والحيثيات في المقام، ولا يساعد عليه كلامُ أحدٍ من الأعلام.

فالأقوى إذن عدُّهُ من المسائل الأصولية بناءً على أنّ الموضوع هو ذاتُ الأدلّة، أو من المبادئ التصديقية له مطلقاً بناءً على أنَّ الموضوع لعلمِ الأصول هو الموصوف مع الوصف، أي: الدليل بما هو دليل، ولعله الأظهر.

البحثُ عن حجية الاستصحاب في الألفاظ

بقي هنا شيء، وهو أنّه هل يكون البحثُ عن حُجّية الاستصحاب في الألفاظ لإثباتِ وضعها سواء كان في الموضوعات المستنبطة، كأصالة عدم النقل والاشتراك، أو في الموضوعات الصِّرفة من علم الأصول؛ لأنّه بَحْثٌ عن الحجية، فإنّه يُبْحَثُ فيه عن أنّ الاستصحاب بناءً على اعتباره من باب الظنّ الخاص والأخبار يكونُ حجّةً في الموضوعات المستنبطة، فلو شُكَّ في كونِ لفظٍ منقول أو مشترك فيُنفى بأصالةِ العَدَم، ومثله الكلام في الاستصحاب الجاري لإثبات المرادات، كأصالة عدم التخصيص والتقييد، وعدم القرينة، ونحو ذلك، فإنَّ البحث فيها بَحْثٌ عن الحجّية، وقد يبطل حجية تلك الاستصحابات؛ لأنها من الأصول المثبتة التي لا تعتبر بناءً على اعتبارها من باب التعبّد والأخبار، أو أنَّ حجيتها ثابتةٌ معتبرة بناءً على اعتبارها من باب الظن.

والحقّ أنّ اعتبارها من بابِ بناء العقلاء عليها لا من باب الاستصحاب حتّى يفصّل ذلك التفصيل فيها، وأنّها من مباحث الألفاظ في علم الأصول.

الأصول العملية الجارية في الأحكام الجزئية

وأمّا الأصول العملية الجارية في الأحكام الجزئية والموضوعات الخارجية فالظاهر- كما اعترف به جماعةٌ من الأجلة- أنّ البحث فيها من المسائل الفقهية، سواء جعل مدركها العقل أو الأخبار؛ لأنه على الثاني- أي: إذا كان مدركها الأخبار- يكون البحث عنها كالبحث عن سائر القواعد الكلية الجارية في الشبهات الموضوعية كأصالة الطهارة وعدم الاعتناء بالشكّ بعد الفراغ أو بعد تجاوز المحل.

وأمّا على الأول- أعني: إذا كان مدركها العقل- يكونُ البحث عنها كالبحث عن سائر الأمارات، كيَدِ المسلمين، وسوقهم، والغلبة، والبينة، وغير ذلك.

والسّر في جعله من المسائل الفقهية في تلك الصورة على كُلٍّ من الوجهين هو وجودُ خاصّة الفقه فيه وصدقُها عليه، وهو اشتراك المفتي والمستفتي في التمسُّكِ بهِ بعد تنقيحِهِ وثبوتِ حُجيّته.

ومن المعلوم أنّه يجوزُ للمستفتي بعد ثبوت حجيّتها التمسّك بها، مثلاً يصحّ للمستفتي أنْ يتمسّك باستصحابِ حياة زيد، وبقاءِ رطوبة الثوب، وبراءة ذمته من وجوبِ الصَّلاة عليه عند الشك في الكسوف ونحو ذلك.

وهذا بخلاف المسألة الأصولية، فإنّها ممّا لا حَظَّ للمقلّد في التمسُّك بها، لكنّه مع ذلك لا يخلو عن تأمّل، نظراً إلى أنّه من المستبعد جدّاً اختلافُ مسائل الأصول العملية مع وحدة معناها ووحدة دليلها عقلاً أو نقلاً في الاندراج تحتَ أحد العلمين، لسبب اختلاف موردها، وذلك لوضوح أنّ اختلاف المورد مّما لا رَبْطَ له بذلك سواءً جَرَتْ في الأحكام الكلّية، أو في الموضوعات الجزئية، كما أنَّ الدليل عليها- على أيِّ تقديرٍ- هو العقل أو النقل لم يختلف بين الموردين.

وعلى هذا فكيفَ يُدّعى اختلافُها لسببِ اختلافِ المورد في الاندراج في أحدِ العلمين فيَحَتاجُ إلى عنوانه والبحثُ عنه في كلٍّ من العلمين، مع أنّه ليس له إلاّ معنىً واحد، وليس له إلاّ دليلٌ واحد، ألا ترى أنَّ البحث عن حُجيّة خبرِ الواحد من المسائل الأصولية سواء كان في الأحكام أو في الموضوعات، مع استدلالهم بآية النبأ على حجيّته مطلقاً فتأمل.

والحاصل: أنّ عندهم للأصول العملية جهتين من الكلام.

إحداهما: في الحجية من حيث هي، وهذه الجهة قد عَرَفْتَ أنّ لها عنواناً واحداً، كما أنّ لها معنىً واحداً ودليلاً واحداً لا نظر له إلى المورد والمجرى، وهذه الجهة هي التي يتكلّم فيها من حيث الاندراج في علم الفقه أو في
علم الأصول.

وأخرى: في مجرى من أنّه أمّا أحكامٌ كلّية أو موضوعاتٌ جزئية، ومن المعلوم أنّ اختلاف المورد والمجرى لا يُوجبُ اختلافه اندراجاً في أحد العلمين، فالحقُّ أنّه من علم واحد ولا يضرُّ اختلافُ المورد.

الأصول العملية الجارية في المسألة الأصولية

وأمّا الأصولُ العَمَلية الجارية في المسألة الأصولية، كاستصحاب العموم فيما لو شُكّ في التخصيص أو حجيته بعد العلم الإجمالي بالمخصِّص كما عن بعضهم التمسُّكُ به، فلا إشكال في كونِهِ تابعاً له في الحكم وكونِهِ من المسائل الأصولية ولو على القول باعتباره من باب الأخبار؛ إذ لا ربط لها بالفروع الفقهية ولا حجيّة ولا مجرى.

مراتبُ الفقه (الاجتهاد - الإفتاء - القضاء - النيابة عن الإمام في تدبير شؤون الرعيّة)

إنّ الفقيه له مراتب أربعة:

الأولى: الاجتهاد، وهو ملكة استنباط الأحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيلية، وبهذه المرتبة يترقّى من حضيض التقليد إلى درجة الاجتهاد، ويسمّى بهذه المرتبة مجتهدا.

والثانيةُ: مرتبة الفتيا، وهي إخباره عن أحكام الله الشرعية بما يجدُه في
أدلّتها التفصيلية مثل قوله: (الصلاة واجبة)، (وسجدة السهو
 واجبة)، (والخلوّ بالأجنبية مكروه)، (والغيبة حرام) ونحو ذلك مما
 هو مشحونٌ به كُتُبُ الفتاوى كالرّسائل العملية ونحوها، ويسمّى بهذه المرتبة مفتياً.

والثالثة: مرتبة القضاء، وهو إنشاء وإلزام بما تقتضيه الأسباب الشرعية، مثل الإلزام بأداء الدين وفسخ النكاح أو ثبوت الملك ونحو ذلك ويسمى بهذه المرتبة قاضياً. وتوضيحُ ذلك يُطْلَبُ ممّا ذكرناه في القضاء.

والرّابعَةُ: مرتبة النيابة عن الإمام في الزعامة والسلطنة على الأمور، وهي مرتَبَةُ تدبيره شؤونَ الرّعية الدنيوية والأخروية وتفويضُ السياسة العامّة، ورعايته للمصالح ودفعه للمفاسد، وقمع الجناة، وقتل الطغاة، وحفظ الثغور، ويسمّى بهذه المرتبة حاكِمُ الشَّرع والمرجع الديني.

ومن هنا يظهر لك أنّ النبي  صلى الله عليه واله وسلم  والأئمة  عليهم السلام  ما صدر منهم بمقتضى
امامتهم لا يجوز لأحدٍ الاقدامُ عليه إلاّ إذا ثَبَتَتْ له الإمامة أو النيابة
العامة.

وما صَدَرَ منهم بعنوان أنّه حُكْمُ اللهِ تعالى فيعمل به كلُّ أحدٍ عند تحقُّق موضوعه، فقوله  صلى الله عليه واله وسلم : (من أحيا أرضاً فهي له)([145])، أو قولهم  عليهم السلام : (ما كان لنا فهو لشيعتنا)([146]) إنْ كان بمقتضى إمامتهم فلا يجوزُ لأحدٍ أنْ يحيي أرضاً إلاّ بإذنِ إمامِ عَصْرِهِ أو نائبه، ولا أنْ يأخُذَ من مال الإمام إلاّ بإذن إمامِ عصره أو نائبه، وإنْ كان بمقتضى أنّه حُكْمُ اللهِ تعالى قد بيّنه لعبادِهِ جاز ذلك لكلِّ أحدٍ، ولا حاجة أنْ يستأذن من إمام عصره أو نائبه.

الفرق بيـن المجتهد والمفتي والمرجع الديني

ثمّ إنّه قد تداولَ بين الفقهاء استعمالُ لفظ المجتهد، والفقيه، والمفتي والمرجع الديني، والزعيم الديني، والفرق بينها واضح.

فإنّ من تعلّم علم الفقه باعتبار أنّه يعمل بالأدلّة الظنيّة المعتبرة الدالة على الحكم الواقعي يسمّى مجتهداً؛ لأنّ الاجتهادَ: استفراغُ الوسع لتحصيل الظنّ بالحكم الشرعيّ الفرعي.

وباعتبار أنّه يعلم بالأحكام الشرعية الفرعية الظاهرية عن أدلّتها التفصيلية يُطلق عليه الفقيه؛ لأنّ الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية.

فظهر من هذا أنّه لا يصحُّ إطلاق المجتهد بالقياس إلى الأحكام الظاهرية؛ لأنه عالم بها على سبيل اليقين، ولا يصحُّ إطلاقُ الفقيه عليه بالنسبة إلى الأحكام الواقعية؛ لأنّه منسد باب العلم بها إلاّ إذا علم بها.

وباعتبار أنّه يفتي ويخبر عن حكم الواقعة يسمّى مفتياً.

وباعتبار أنّه يرفع الخصومة بحكمه يسمّى قاضياً وحاكماً.

وباعتبار أنّه يتولّى شؤون المسلمين في أمور الدنيا والدين يسمى إماماً ومرجعاً دينياً وزعيماً روحياً.

الفقه المقارن

قد شَاعَ في هذا الوقت التعبير بعِلْم الفقه المقارنْ، ويرادُ به هو العلم بالآراء المختلفة في حُكْم المسألة الشرعية، ودليلُ كُلِّ رأيٍ فيه، وبيانُ ما هو الحقُّ منها بالبرهان، وعند المتقدّمين يُعبِّرون عنه بعلمِ الخلاف أو الخلافيات، ولا ريب في أنّ الاطّلاعَ على الآراء المختلفة في المسألة الواحدة مع معرفة المصدر لكلٍّ منها يُكسِبُ الإنسان بصيرة فيها، وقد قلتُ في عدة مناسبات إنّ الحقيقة لا زالت تبرق وتظهر من تصادم الأفكار، وعن كتاب القضاء عن المبسوط للشيخ الطوسي رحمه الله  عند ذكره للعلوم التي يتوقّف عليها الاجتهاد ما لفظه: (وأمّا الخلافُ فهو متداول بين الفقهاء يعرفونه حتّى أصاغرهم)([147]) انتهى.

ثمّ إنّ البحث في ذلك على أنواع ثلاثة:

أحدها: أنْ يكونَ خاصّاً في آراء الفقهاء لمذهبٍ واحدٍ، كأنْ يقتصر فيه على بيان الآراء في الحكم الشرعي للمسألة الفقهية للمَذْهَب الجعفريّ فقط أو المالكي فقط.

ثانيها: أنْ يكون عامّاً للمذاهب الإسلامية الأخرى، بأنْ يتعرَّض فيه لمذاهب أخرى غير مذهب إمامه، والكتب التي ألّفت عندنا من قديمِ الدَّهر في هذا الموضوع وإنْ كانت كثيرة جداً بل لعلّ كلّ كتاب فقهيٍّ استدلالي لا يخلو البحث في بعضِ مسائله عن ذلك، إلاّ أنَّ أهمَّها كتابُ الخلاف للشيخ الطوسي رحمه الله  المتوفّى سنة (460هـ)، المطبوع عدّة طبعات في إيران، والظاهر أنّه أوّل كتابٍ أُلّفَ في هذا الموضوع للإمامية، وكتابُ المختَلَفِ للعلاّمة الحلي المتوفى سنة (726هـ)، المطبوع في إيران، إلاّ أنّ أحسنها وأوسعها مُؤلَّفه التذكرة، المطبوع في إيران وفي النجف الأشرف بعض أجزائها.

ونجدُ ذلك في كتاب الإمام الشافعي([148]) (الام)، وكتاب الإمام الطبري([149]) (اختلاف الفقهاء)، والبيهقي([150]) في كتابه (الخلافيات).

ثالثها: أنْ يكون البحثُ في المسألة الفقهية عن الحكم الشرعي
ومقارنته بالقانون المدني فيها، ومقدار مخالفته وموافقته له، وبيان ما
تقتضيه المصلحة العامة ومتطلبات الحياة، وقد تكفّلتْ بهذا البحث كلّيات الحقوق.

ويقال: إنّ أوّل من اقترح دراسة الفقه المقارن بين المذاهب الإسلامية في كلية الشريعة الإسلامية في الأزهر في الدراسة للسنة الرابعة هو الشيخ المراغي رحمه الله ([151])، ولنا معه بعض المطارحات في التفسير وجوابه عليها وجوابنا عليه نشرتها الصّحف وطُبعت في ضمن نظرات وتأملات، وما بين النجف والأزهر.

أقسام الفقهاء

ينقَسِمُ الفقهاء إلى عدّة أصناف:

الأول: الفقهاء الصّحابيّون، وهم من لقي رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  وآمنوا به ولازموه حتى عُرِفوا بالفقهاء، وأمّا مَنْ عاصَرَ الرَّسول  صلى الله عليه واله وسلم  ولم يلقه فلا يسمّى صَحَابياً حتّى لو كان فقيهاً، وانّما يعتبر من التابعين، إلا أنَّ الكثيرَ منهم انصرف إلى
 أمرِ معاشِهِ عن الاشتغال بالفقه، ومنهم مَنْ لَمْ تَتَوفَّر فيه القريحة الفقهية،
وذكر أرباب السير أنّ منهم المُكْثِرُ في الفتوى كالإمام علي  عليه السلام  وزيد بن ثابت([152])، وعبد الله بن عباس([153]) وعبد الله بن عمر([154])، ومنهم المقلّ في الفتوى كالإمام الحسن  عليه السلام ، وأبي عبيدة الجراح([155])، ومنهم المتوسّط في الفتوى كأبي بكر، وأنس بنِ مالك، وأبي سعيد الخدري، وكانوا كلهم في المدينة المنورة، ثمَّ تفرّقوا بعد التوسُّع في الفتح وإسناد الولاية والقضاء إليهم.

الثاني: ما يُسمَّى بالفقهاء التابعين، وهم مَنْ لقيَ الصَّحابة وأخذ منهم، وعصرهم متداخل في عصر الصحابيين والعصر الذي انفردوا به عن الصحابيين قصير جدا، قيل وكان نهايته قبل نهاية دولة بني أمية.

الثالث: ما يُسمَّى بالفقهاء الأرأتيين مفردة (أرأتيّ) نسبة إلى (أرأيت)، وهم الفقهاء الذين يبحثون في مسائل فرضية يستبعد حدوثها ويحكمون فيها بحسب رأيهم فيقولون: (أرأيتَ لو كان الأمر كذا فما كان الحكم؟)، وقد كثر إطلاق هذا اللفظ على فقهاء العراق من أهل الرأي.

الرابع: ما يُسمّى بالفقهاء الواقعيين، وهم الذين يقصرون الفتوى على المسائل الواقعية، وهي التي اشتملت على ذكرها الآيات القرآنية أو السنة.

الخامس: ما يُسمَّى بالفقهاء المتقدّمين، وهُمْ الفُقَهَاءُ الذين كانوا قبل
سقوط بغداد بيد المغول سنة (656هـ)، أعني: ما كانوا قبل منتصف القرن السابع.

السادس: ما يسمّى بالفقهاء المتأخرين، وهم الذين كانوا بعد سقوط بغداد سنة (656هـ) حتّى اليوم.

السابع: ما يُسمَّى بالفقهاء المعاصرين، وهم مَنْ أدرك المتكلّم أو المؤلف زمانه، فإنّ ذلك المتكلم أو المؤلّف يحقّ له أنْ يعبّر عن الفقيه الذي في زمانه بالمعاصر.

الثامن: ما يسمّى بالفقهاء المطلقين، والفقيه المطلق هو الذي له
ملكة الاجتهاد في جميع مسائل الفقه، وقد يطلق على من رجع في
استنباط الأحكام الشرعية للأدلة التفصيلية كالكتاب والسنة والإجماع
والعقل، في مقابل الفقهاء المقلّدين وهم الذين قلّدوا مَنْ سبقهم من
المجتهدين، وانحصر اجتهادهم في فتاواهم، ويسمّون أيضاً بالفقهاء في
المذهب، ويسمّون من كان منهم يُفَصِّلُ ما أجمل من قولِ مرجع تقليده، أو
يُبيِّنُ ما أَبْهَمَ منه ويسمون بأصحاب التخريج.

التاسع: ما يسمّى بالفقهاء المتجزّئين، والفقيه المتجزّئ، هو الذي له ملكة الاجتهاد في بعض مسائل الفقه دون بعض، ويقابله الفقيه غير المتجزئ، وقد يعبر عنه بالمطلق كما تقدم.

العاشر: ما يسمّى بالفقهاء المحدَّثين والأخباريين، وهم الذين يعتمدون على الأدلة النقلية دون الأدلة العقلية، ولا يعتبرون علم الأصول، ويقابلهم الفقهاء الأصوليون، وهم الذين يعتمدون عليها، ويأخذون بعلم الأصول، هذا أصلُ الاصطلاح، ولكن عند الشيعة الاختلاف بين الأصوليين والمحدَّثين قد تجاوز ذلك، وقد ألّف في ذلك جَدُّنا كاشف الغطاء رحمه الله ([156]) كتاباً فيما اختلف فيه الأصوليون والأخباريون.

الحادي عشر: ما يُسمَّى بالفقهاء السلَفيّين، وهم الفقهاء الذين دعوا للمذهب السلفيّ، والرجوع في معرفة الأحكام الشرعية إلى مصادرها الأصلية من الكتاب والسنة ونحوها، وحاربوا التقليد، وشدّدوا النكير على الجمود على الرجوع لفتاوى الفقهاء.

الثاني عشر: ما يُسمَّى بأصحاب الرّأي، وهُمْ أصْحَاب الرّأي والقياس والاستحسان، وهمُ الذين يَبْحَثون عن عللِ الأحكام الشرعية، ومناطاتها ويحكمون على طبقها، ولم يُحجموا عن الفتوى برأيهم عند فقد
النصّ الواضح، وكان أكْثَر فقهاءِ العراق منهم، ويسمّون بأهل مدرسة
الرأي، ويقابلهم أهل الظاهر، وهم الفقهاء الذين لا يُفتون بالرأي مع وجود الظواهر من كتاب أو سنة ونحوها، وكان أكثر أهل الحجاز منهم ويسمّون بأهل مدرسة الحديث.

ويروى في هذا الباب أنّ سعيد بن المسيب([157]) قال لربيعة بن عبد الرحمن المتوفى سنة (136هـ) لما سأله عن علّة الحكم: أعراقيٌ أنتَ([158])؟

الفقهاء للائمة  عليهم السلام  

قد ذكر الكَشّي([159]) أنّ العصابة قالوا بأن: (أفقه الأوّلين ستة
كانوا من أصحاب الباقر  عليه السلام  والصّادق  عليه السلام  وهم: زرارة، ومعروف
بن خرّبود([160])، وبريد([161])، وأبو بصير الاسدي([162])، والفضيل بن يسار([163])، ومحمد بن مسلم الطائفي([164])، قالوا: وأفقَهُ الستّة زرارة، وقال بعضهم([165]) مكان (أبي بصير الاسدي) أبو بصير المرادي([166]) وهو ليث بن البختري).

ثُمَّ ذكر الفقهاءَ من أصحاب الإمام الصادق  عليه السلام  خاصة
وعددهم ستة: جميل بن دراج([167])، وعبد الله بن مسكان([168]
وعبد الله بن بكير([169])، وحَمَّاد بن عيسى([170])، وحماد بن عثمان([171])، وأبان بن عثمان([172])، قالوا: وزعم أبو إسحاق الفقيه، وهو ثعلبة بن ميمون([173]): إنّ أفقه هؤلاءِ جميل بن درّاج)([174]).

ثم ذَكَرَ الفقهاءَ من أصحاب الإمام موسى بن جعفر  عليه السلام  وولده الرضا  عليه السلام  وعددهم ستة (منهم يونس بن عبد الرحمن([175])، وصفوان بن يحيى بياع السابري([176]). ومحمّد بن أبي عمير([177])، وعبد الله بن المغيرة([178])، والحسن بن محبوب([179])، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر([180]). وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب: الحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب، وقال بعضهم: مكان ابن فضال: عثمان بن عيسى، وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى)([181]) انتهى ما ذكره الكشي.

عَدَم إطلاق الفقيه على النبي  صلى الله عليه واله وسلم     

لا يصحُّ إطلاقُ الفقيهِ بالمعنى الاصطلاحيّ على النبيّ  صلى الله عليه واله وسلم ؛ لأنّ علمه  صلى الله عليه واله وسلم  بالأحكامِ الشَّرعيّة الفرعية لم يستند إلى النظر والاستدلال، بل هو بالوحي المبين، وأمّا الأئمة  عليهم السلام  فقد يُطْلَقُ عليهم الفقهاء، أو يسمّى أحدهم بالفقيه، بمعناه العرفي العام، وهو مطلق معرفة الأحكام الشرعية، سواء كانت عن دليلٍ تفصيليّ أم عن غيره.

وتسميةُ الإمام مُوسى بن جعفر  عليه السلام  بالفقيه بهذا المعنى عند الشيعة، وأمّا عند أهل السنة فإطلاقهم الفقهاء على الأئمة بالمعنى الاصطلاحي.

 

الفصل الثاني

في موضوع علم الفقه وشرح موضوع العلم ووجه التميّز به
والدليل على وجوده

الموضوعُ لكُلِّ علمٍ

الأمرُ الثاني من الأمور التي تُذكر في مقدّمات العلوم هو بيان موضوع العلم، وإنّما ذكروه باعتبار أنّه يرون أنّ تمايزَ العُلومِ في نفسها وذاتها بحَسَبِ تَمَايُزِ موضوعاتها؛ لأنّه هو المبحوث عن أحواله في العلم، بخلاف التمييز بالتعريف فإنّه إنّما يكونُ بحَسَبِ الآثار المرتّبة عليه.

ولأنّه كما تقدَّم بمنزلة مطلب (هل)، حيث أنّه بمعرفة الموضوع يعرف وجود العلم، ومطلب (هل) لا بدّ منه قَبْلَ الشروعِ في الشيء، إذْ الشيءُ لا يشرع فيه ما لم يعلم بوجوده.

وأيضاً إنّ جِهَةَ وحْدَةِ مسائل العلم أولاً وبالذّات هو الموضوع؛ إذ فيه اشتراكها، وبه اتحادها، وإذا عرف جهة اتحادها أحاطَ بها إجمالاً، بحيث إذا قصد تحصيل تفاصيلها لم ينصرف الطلب عمّا هو منها إلى ما ليس منها.

وتحقيق ذلك كما استفدناهُ من كلماتِ القَومِ: إنّ كمال النفس الانسانية بقوّتها الإدراكية، والقوّة الإدراكية إنّما تَحْصُلُ بمعرفة حقائق الأشياء وأحوالها بقدر الطاقة البشرية، ولمّا كانت حقائقُ الأشياء وأحوالها متكثّرة متنوعة، وكانت معرفتها مختلطة غير مستحسنة ومتعسّرة أقتضى حُسْنَ التّعليم وتسهيله أنْ تجعل مضبوطةً متمايزة فتصدَّى لذلك العلماء الأوائل، ووضعوا الحقائق وبحثوا عن أحوالها المختصّة التي هي الأغراض الذاتية لها، وأثبتوها لها بالأدلّة فحَصَلَتْ قضايا كسبية، محمولاتها أعراض ذاتية لتلك الحقائق سمّوها بالمسائل، وأدلّتها وتعاريف ما يتعلّق بها سموّها بالمبادئ، وتلك الحقيقة المبحوث عن أحوالها سمّوها بالموضوع.

فصارت عندهم كلُّ طائفة من الأحوال متشاركة في موضوع عِلْمَاً منفرداً ممتازاً في نفسه، يفرد بالتدوين والتسمية والتعليم نظراً إلى ما لتلك الطائفة من المسائل المتكثّرة المختلفة في المحمولات من الاتحاد في جهة الموضوع والاشتراك فيه على الوجه المذكور، وأصبحت علومهم بالحقائق وأحوالها متمايزة في أنفسها وموضوعاتها، وسَلَكَتْ الأواخر أيضاً هذه الطريقة في علومهم، ثمّ قد تتحد المسائل من جهات أخرى كالمنفعة والغاية ونحوها، ويؤخذ لمجموع تلك المسائل من بعض تلك الجهات ما يفيد تصوّرها إجمالاً من حيث اختصاصها بها، قال بعضهم: فيكونُ ذلك حَدّاً للعلم إنْ دَلَّ على حقيقةٍ سَمَّاهُ الذي هو المركّب الاعتباري، كما يقال هو: عِلْمٌ يُبْحَثُ عن كذا، أو علم بقواعد كذا، وإلاّ فرسماً، كما يقال: هو عِلْمٌ يقتدر به على كذا، أو يحترز به عن كذا، أو يكون آلة لكذا، فظَهَرَ أنّ الموضوع هو جهةُ وَحْدَةِ مسائل العلم الواحد نظراً إلى ذاتها وإنْ عرضت عليها جهاتٌ أخرى كالتعريف والغاية.

لا يقال: على هذا يكون العلم مُتعدِّداً بتعدُّد الموضوعات التي هي مقوّمات المسائل فلِمَ لَمْ يَجعل العلم متعدِّداً بتعدُّد المحمولات مع أنَّها مُقوِّمات للمسائل أيضاً، بأن يكون البحث عن بعض الأعراض الذاتية علماً، وعن البعض الآخر علماً آخر، مع اتحاد الموضوع، ويجعل المميّز هو القَدَرُ الجامع بين المحمولات، بل إنَّ هذا أقرب بناءً على كون الموضوع بمنزلةِ المادّة؛ لتوارد الأعراض عليه، كما تتوارد الصُّور على المادّة، والمادة مأخذ للجنس، والأعراض الذاتية بمنزلة الصُّورة وهي مأخَذٌ للفَصْلِ الذي به كَمَالُ التمييز؛ لأنّه قد قيل: إنّه لا ضبط للأعراض، ولا حَصْرَ لها، بَلْ لكُلِّ أحدٍ أنْ يثبت ما استطاع، فلا ينضبط أمر الاتحاد بين المسائل في العلم والاختلاف بينها فيه.

ولا يَخْفَى ما فيه، فإنّه لَهُم أنْ يفرضوا فائدَةً خاصَّةً لعنوانٍ جامعٍ بَينَ عِدَّة أعراضٍ كإلاعراب والبناء، ويطلبوا المسائل المحصّلة لها، إلاّ أنْ يقال: إنّ هذا لا يتيسَّرُ لنا في سائر العلوم؛ لعَدَم وجودِ القَدَرِ الجامع بين أعراضها، فإنّ أعراض العدد لعلم الحساب لا قدر جامع بها، كيف والأعراضُ بينها تباين واختلاف وتكثّر، بحيث يعسّر جمعها في كلّيٍّ واحد، وإلاّ لو أمكن ذلك صَحَّ أنْ يجعل ذلك العنوان أيضاً مميّزاً للعلم، فلو فَرَضْنا لعلم الفلسفة قَدَرٌ جامع بين محمولات مسائله صَحَّ أنْ يُجعل مميّزاً أيضاً كموضوعه.

وأمّا حَديثُ المادَّة والصّورة فهو غير صحيح؛ لأنّ كُلاًّ من الموضوع والمحمول جزءٌ ماديٌّ من المسألة، وإنّما الجُزْءُ الصُّوريّ لها هو الحكم على أنّ الكلام ليس في المسألة، وإنّما في المركّب الاعتباري الذي هو العلم، ولا خَفَاءَ في أنّ المسائل مادّةٌ للعلم، ومرجعُ الصُّورَةِ إلى جهةِ الاتحاد إذْ بها تصيرُ المسائل علماً واحداً.

الدليلُ على لزومِ وجودِ الموضوعِ لكُلِّ علم

إنّ الكَلامَ في موضوعِ علم الفقه يَستدعي الكَلامَ في مقاماتٍ ثلاثة:

الأوّل: في الدّليلِ على لزومِ وجودِ الموضوع لكلِّ علمٍ.

الثاني: في تعريفِ الموضوع لكلِّ علم.

الثالث: في بيانِ ما هو موضوعُ عِلْمِ الفقه.

أمّا الكلامُ في المقام الأوّل فنقول: إنّ الدليلَ على وجودِ الموضوع للعلم هو ما ذَكَرَهُ علماءُ الفلسفة والحكمة، وأشرنا إليه سابقاً إنّ العُلماءَ لمّا حاولوا معرفة الأشياء بقَدَرِ الطّاقة البشرية، وضعوا الحقائق أنواعاً وأجناساً وغيرها، كالعدد والفَلَك والوُجودُ، وبحثوا عن أعراضها وأحوالها المختصّة بها، وأثبتوها لها بالأدلّة فحَصَلَتْ لكُلٍّ من تلكَ الحقائق قضايا كسبية محمولاتها أعراضٌ ذاتية لتلك الحقائق وسمّوا تلك القضايا بالمسائل.

ثُمَّ إنّ كُلَّ طائفةٍ من تلك المسائل ترجع إلى حقيقةٍ واحدة من تلك الحقائق أفْرَدُوها بالتّدوين، والتسميّة باسم خاصّ في باب التعليم والتعلم، نظراً إلى ما لِتلك الطائفة على كثرتها واختلاف محمولاتها، من الاتّحاد في جهة الموضوع لكونها مشتركة في البحث عن حقيقةٍ واحدة من تلك الحقائق، وقد جعلوا تناسُبَ العلوم وتبايُنها وتداخلها بحسب تلك الجهة، بمعنى أنّ موضوع أحد العلمين إنْ كان مبايناً لموضوعِ الآخر من كُلِّ وجهٍ كالعَدَد للحساب، والكلمة للنحو، فالعلمان متباينان على الإطلاق، وإنْ كانَ أعمُّ منه فالعلمان متداخلان، وإنْ كان موضوعهما شيئاً واحداً بالذّات متغايراً بالاعتبار، أو شيئين متشاركين في جنس واحد، فالعلمان متناسبان، كما قُرِّر ذلك في محله.

وبعبارةٍ أخرى أنّ سعادة الإنسان لمّا كانَتْ منوطةً بمعرفة حقائق الأشياء وأحوالها بقَدَرِ الطاقة البشرية، وكانت تلك الحقائق والأحوال متكثّرة، وكانت معرفتها مختلطة متعسّرة تصدّى الأوائل لضبطها لتسهيل تعلّمها وتعليمها، فأفردوا الأحوال الذاتية المتعلّقة بشيءٍ واحد، ودوّنوها علماً، وسمّوا ذلك الشيء موضوعاً لذلك العلم، فأخذوا الوجودَ المطلق من حيث هو هو وسَمّوا العلم الباحث عن أحواله بالعلم الإلهيّ والفلسفة الأولى، وبالعلم الكلّيّ، وبما بعد الطبيعة، وأخذوا الكمَّ وقسموه إلى متّصلٍ ومنفصلٍ، والمتّصل: إمّا متحرّك أو ساكن، فالعلمُ الباحثُ عن أحوالِ الكمّ المتصل المتحرّك سمّوه بعلم الهيئة، والساكن بعلم الهندسة، والمنفصل: إمّا أنْ يكونَ له نسبةً تأليفية، أو لا يكون، والأول هو الموسيقى، والثاني هو الحساب، وهذه العلوم الأربعة تسمّى بالعلوم الرياضية، ولكلٍّ منها فروعٌ، وأخذوا الجسم الطبيعي وسَمّوا العلم الباحث عن أحواله بالعلم الطبيعي، وجعلوا له فروعاً، وأخذوا النفس الإنسانية من حيثُ اتّصافها بالأخلاق والملكات، وسمّوا العلم الباحث عن أحوالها، بالحكمة العملية إلى غير ذلك من أخذهم الحقائق، وبحثهم عن أحوالها، ولهذا جعلوا لكلِّ عِلمٍ موضوعاً.

الردُّ على صاحب الكفاية 

وعلى هذا فلا يَصحُّ تعريف المسائل بأنّها قضايا جَمَعَها اتّحادُ الغرض والغاية، كما صَدَرَ من صاحب الكفاية رحمه الله ([182])، بلْ تكونُ المسائل قضايا جمعها اتّحادُها في الموضوع الذي يُبْحَثُ عن أحواله في العلم.

والحاصل: إنّ الذين اعتبروا الموضوعَ للعلوم هُمْ علماءُ الحِكْمَة لتقسيمهم الحقائق إلى تلك الأمور، وبحثهم عن عوارضِ كُلِّ قسمٍ، وعليه فيكون المميز الذاتي للعلوم هو الموضوع، ولكنْ عُلماء الفنون التي اخترعوها لغايات خاصّة، كالنّحو لصونِ اللّسان يكونُ المدار عندهم في مسائل العلم، ما كان له دخل في حصول الغرض منه، وليس للموضوع الجامع لموضوعات المسائل عندهم، أيّ أثر في تكوين العلم، ولا في تسميته، ولا يلزم وجود الموضوع على هذا التقدير، وانّما يلزم وجود الغرض، كما أنّه لا يضرُّ البحث عن الأعراض الغريبة لموضوعِ العلم لو فرض له موضوعٌ إذا كان البحث ينفع في ترتّب الغاية عليه.

فظَهَرَ من هذا كُلِّهِ إنّ العلم إنْ كان الميزان في عَدِّه عِلْماً هو بَحْثُ مسائله عن موضوعٍ خاصّ لَزَمَ أنْ يكونَ موضوعاً له، ولزم أنْ يكونَ محمولات المسائل فيه أعراضاً ذاتية له، وإنْ كان الميزانُ في عَدِّهِ علماً هو ترتّب الغاية على معرفة مسائله لم يلزم أنْ يُوجد موضوعٌ له، ولا يلزم أنْ يكونَ محمولات المسائل عرضاً ذاتياً لموضوعه حتّى لو فُرِضَ له موضوعٌ، والمتأخّرونَ لمّا لم يلتفتوا إلى ذلك وقعوا في هذا المأزق الحرج، فأرادوا الجَمْعَ بينَ موضوعِ العِلْم ِوالغايةِ منه، وما دَرَوا أنّ كُلَّ واحدٍ منهما جهة وحدةٍ للمسائل بها تُعَدُّ علماً واحدا.

البرهانُ الفِعليُّ على وجودِ الموضوع

وقد حَاوَلَ بعضُ المتأخّرين إقامة البرهان العقليّ على وجود الموضوع لكلّ علم.

وحاصله بتوضيح منا: هو أنّ مسائل العلم إنْ كانت يترتَّبُ عليها أكثر من فائدة واحدة، بأنْ كانَ بعضُها يترتَّبُ عليه فائدة، وبعض يترتب عليه فائدة أخرى فلا تكونُ المسائل مسائل علم واحد وإنْ ترتب عليها فائدة واحدة، بأنْ أثرت جميعها أثراً واحداً، فلا يكون تأثيرها إلاّ من قبيلِ العِلم، وقد تقرَّرَ في علمِ الحكمة أنّ الواحد لا يصدر إلاّ من واحد.

وعليه فالأثرُ الواحد لا يصدُرُ من مسائلَ متعدّدة فلا بدّ من اتحادها في جهة واحدة، حتّى يمكنُ صدور ذلك الأثر الواحد منها، والجهَةُ الواحِدَةُ في المسائل إمّا أنْ تكونَ بين موضوعاتِ المسائل أو محمولاتها، فإنْ كانت بين موضوعات المسائل فهو المطلوب، إذ قد ثَبَتَ أنّ بين موضوعات المسائل قَدَرٌ جامع، وليس موضوعُ العلم إلاّ القدر الجامع بين موضوعاتِ المسائل، وإنْ كانت بين محمولات المسائل فهي عَرَضٌ لموضوعاتها، فلا بُدّ له من موضوعٍ واحدٍ؛ لأنّ الواحد لا يحلّ إلاّ في واحدٍ، وذلك الموضوع هو الجامعُ لموضوعاتِ المسائل، وهو موضوعُ العلم.

ولكن يرد عليه:

أولاً: إنّ العلومَ بالنسبة إلى أغراضها ليست من قبيل العلل، بل من قبيل الآلة الموصلة لأثر الفاعل لمنفعله، نعم خُصوصُ العلوم الاعتقادية بالنسبة للغرض منها يمكن أنْ يقال إنّها علّة، فلو تمَّ هذا الدليلُ فإنّما يتمُّ بالنسبة لها فقط.

وثانياً: لو سلّمنا إنّها من قبيل العللُ لكن هذه القاعدة إنّما أثبتها الحكماءُ في العلل الموجبة البسيطة وأثرها البسيط، لا في مثل العلم المركّب من المسائل ومبادئها ويكونُ أثره مركّباً من آثار متعدّدة بتعدُّد المسائلْ، فإنّ مثل (الفاعل مرفوع) يؤثر في صون اللسان عن الخطأ في الفاعل، (والمفعول منصوب) يؤثر في صون اللسان عن الخطأ في المفعول وهكذا باقي المسائل.

إنْ قلت: إنّه لا شكّ يَحْصُلُ في النفس من العلم معنى بسيط إجمالي، ولا أقلّ من الملكة.

قلنا: هذا المعنى إنّما يَحْصَلُ من حصول أغراضِ المسائل في النفس، فهو صادرٌ من أغراضِ المسائل، لا من نفس المسائل، ولا مانع من التزام وجود جامع من الأغراض.

والحاصل: إنّ الفائدة من قبيل الكلّ؛ لأنّ لكلّ مسألةٍ فائدةٌ، ومن المجموع يحصل ذلك الأثر، فالفائدة مجموع آثار تلك المسائل.

وثالثاً: إنّ العلم وإنْ كان علّة موجبة لكمال نفساني، إلا أنّ العلّية إنّما هي لمسائله، فلا بُدّ من رجوع مسائله لمسألةٍ واحدةٍ بسيطة، لا رجوعها لموضوعٍ واحد، إذ ذلك الموضوع ليس بنفسه مؤثّر، ولذا عند العلم به لا يؤثر ذلك الأثر أصلاً، ولا يخفى ما فيه، فإنّه على هذا يكونُ له موضوعٌ واحدٌ وهو موضوعُ تلك المسألة التي رجعت لها مسائل ذلك العلم.

ويمكنُ الاستدلالُ على وجودِ الموضوع أيضاً، بأنّ آليّة مسائلِ العلم للغرض الحاصل منه أو علّيتها له دون باقي مسائل العلوم الأخرى بالنسبة لذلك الغرض تقتضي وجودَ خصوصّيةٍ فيها، دُونَ باقي مسائل العلوم الأخر، وإلاّ لزم تأثيرُ باقي المسائل للعلوم الأخر في ذلك الغرض.

وهذه الخصوصية ليست بقائمة بخصوص الانضمام في المسائل؛ لأنّ الانضمام موجودٌ في سائر العلوم مع أنّه تابعٌ للمسائل، ولا في النّسب بين الموضوعات والمحمولات؛ لأنها موجودة في سائر مسائل العلوم، مع أنّ النسب تابعة للموضوعات والمحمولات.

ولو وُجِدَتْ الخصوصيةُ المذكورة في المحمولات، فلا بُدّ أنْ يكون لها محلّ واحد تعرض عليه، وليس هو إلاّ الجامعُ بين موضوعاتِ المسائل، ولم أرَ أحداً تعرّض للاستدلال على وجودِ الموضوع بهذا النحو فيما بين يديّ من الكتب.

ويمكنُ المناقَشَةُ فيه: بأنّ الخصوصية هي في نفسِ المسائل حينَ اجتماعها نظير اجتماع عِدّةِ أدويةٍ لأثرٍ خاصٍّ وليس يلزم وجودُ قدر جامع بينها.

إنْ قلت: إن الخصوصية لا بُدّ وأنْ تكون في الجميع بنحوٍ واحد فتكونُ قدراً جامعاً بينها.

قلنا: لو كان بنحو المعلول البسيط لتمَّ على رأيِ الفلاسفة من جهة لزوم السنخية بين العلّة والمعلول، لا في مثل ما نحن فيه الذي هو من قبيل الآلة ونحوها.

تعريف موضوع العلم (تفسير العوارض- تقسيمها إلى ذاتية وغريبة- تفسير الواسطة وتقسيمها إلـى ثلاثة أقسام)

عرَّف القوم الموضوعَ للعلم بأنه: ما يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية، وهذا التعريفُ قد تَسَالَمَ عليه الفلاسِفَة وأربابُ الحكمة المتعالية، وعلماء المنطق والعلوم النقلية. والمراد بالبحث عن العوارض هو التفتيش عنها بإثباتها للموضوع وحملها عليه.

والعوارضُ جَمْعُ عارضٍ، وهو المحمول الخارج عن حقيقة ما حُمِلَ عليه؛ إذ لو كان داخلاً لكان جزءه، والجزءُ ليس بعارضٍ على الكُلّ، ولو كان خارجاً -ولكنْ لا يُحْمَلُ عليه- لَكَانَ أجنبياً عنه، وليس بعارضٍ عليه، وقد جَعَلَ المتقدمون تقييد العوارض بالذاتية؛ لإخراج العوارض الغريبة؛ لأنّ الأعراض عندهم على قسمين ذاتية وغريبة.

وحصر الكثير منهم الأعراض الذاتية بثلاثة أنواع:

الأول: ما يعرض الشيءَ لذاته، كعروض الزوجية للأربعة، والإمكان والوجوب للماهية، ومنه عروضُ الجنس للفصل أو بالعكس.

الثاني: ما يعرض الشيءَ بواسطة جزئه، وهو إنّما يكون في الحقائق المركبة، دون البسيطة، حيثُ لا جزءَ لها، بخلاف الأول وهو على صنفين:

أحدهما: بواسطة جزئِهِ المساوي، كإدراك الكلّياتِ العارض للإنسان بواسطة كونه ناطقاً المعبّر عنه بالتعقل.

وثانيهما: بواسطة جزئه الأعمّ كالمشي العارض للإنسان بواسطة كونه حيواناً.

الثالث: ما يعرض للشيء بواسطة الأمر الخارج المساوي، سواء كان مساوياً للمعروض، كما لو كانَ المعروض بسيطاً، ومساوياً لجزئه كما لو كانَ مركَّباً أو عارضاً لأمرٍ خارج أيضاً يكون مساوياً للمعروض، كالبِشْر العارض للإنسان بواسطة الفرح العارض لابتهاج النفس العارض للإنسان كما قيل.

وقد جعلوا هذه الأعراض الستة أعراضاً ذاتية؛ لأنّ العروض فيها مستندٌ إلى الذات، أمّا في الأول فظاهر، وأما في الثاني بقسميه فلاستناده إلى الجزء، وهو من مقوِّمات الذات، وأمّا الثالث بأقسامه فلأنّ العارض المساوي مستند إلى المستند إلى الذات والمستند إلى المستند إليها مستند إليها.

وأمّا الأعراض الغريبة فقد حَصَروها في نوعين:

الأوّل: ما يَعْرِضُ الشيءَ بواسطة أمرٍ خارجٍ أعمّ كالتحريك بالإرادة العارضة للناطق بواسطة الحيوان.

الثاني: ما يعرض الشيء بواسطة أمرٍ خارجٍ أخصَّ كإدراكِ الكليات العارض للحيوان بواسطة الناطق، وقد ألحق بهما بعض المتأخّرين (كصاحب القسطاس)([183]).

وهو ما يَعْرِضُ الشيءَ بواسطة الأمر المباين كعروض الحرارة للماء بواسطة النار.

وجَعَلوا هذه الأنواع الثلاثة أعراضاً غريبة لعدم استنادها إلى ذات المعروض.

والحاصل: إنّ العلماء المتقدّمين كصاحب الشَّمْسيّة([184])، وشارحُ التهذيب([185]) ادّعوا أنّ ما كان عوارض الموضوع من قبيل القسم الأول فهو من العوارض الذاتية، يبحث عنه في العلم، وما كان من قبيلِ القِسْمِ الثاني، فهو من العوارض الغريبة لا يُبْحَثُ عنه في العلم.

ولكنّ المتأخرين عَدَلوا عن هذا التفسير للأعراض الذاتية، وفسّروها بتفسيرٍ آخر قد سَبَقَهُم إليه جُمْلَةٌ من الحكماء، وجَعَلُوها عبارة عمَّا يَعْرِضُ الشيءَ بلا واسطةٍ في العروض وجعلوا التقييدَ بالذّاتية لإخراج العوارض التي تَعْرِضُ لموضوع العلم بواسطةٍ في العروض.

الواسطة في الثبوت والاثبات والعروض

وتوضيحُ مرادهم أنّ المراد لهم بالواسطة هي العلّة، وهي عندهم على ثلاثة أقسام:

أحدها: المسمّاة بالواسطة في الثبوت، وهي الواسطة لوجود العارض لمعروضه في عالم الواقع والثبوت، بحيث بواسطتها ينسب العارض لمعروضه على سبيل الحقيقة، كالنّار؛ فإنّها واسطة في عروض الإحراق للخشب، وتعفّن الأخلاط فإنّه واسطة في عروض الحمّى للبدن والعلل للوجود، وسائر العوارض لمعروضاتها من قبيل هذه الواسطة.

ثانيهما: المسمّاة بالواسطة في الإثبات والتصديق وهي الواسِطَةُ لوجود العارض لمعروضه في عالم الذهن والإثبات كالدُّخّان الذي هو علّةٌ للعلم بثبوت الوجود للنار في الذهن. والأدلّة لسائر المطالب كلّها من هذا القبيل وهي التي تكون الحدّ الأوسط في الأشكال الأربعة.

وثالثها: المسمّاة بالواسطة في العروض، وهي الواسطة الموجبة لثبوت العارض للمعروض ثانياً وبالتبّع، بعدما كان العارض ثابتاً لتلك الواسطة
أولا وبالذات.

وبعبارة أخرى: هي العلّة الموجبة لثبوت العارض للمعروض على سبيل المجاز، بحيث يصحُّ سلبه عنه على سبيل الحقيقة، فليس هنا إلاّ عَرَضٌ واحد ينسب للواسطة على سبيل الحقيقة، وللمعروض على سبيل المجاز، كجيش الملك إذا فتح المدينة، فإنّ الفتح ينسب إلى الجيش حقيقةً وإلى الملك مجازاً، وكان الجيشُ هو الواسطة في عروض الفتح للملك.

وسائر الأمور الموجبة للإسناد المجازي تكون من هذا القبيل.

ومن هذا الباب ما يقالُ في لسان الأدباء: إنّ هذا الأمر ثابتٌ لذلكَ الشيء بالعَرَض والمجاز، فإنَّ مرادَهُم إنّه ثابتٌ له بالواسطة في العروض، فيكون عندهم الأعراض الذاتية هي ما تعرض للشيء بدونِ واسطةٍ أصلا أو بواسطة ولكنّها غيرُ الواسطة في العروض.

وجهُ عدول القوم عن التفسير المشهور

وإنّما عدلوا عن التفسير المشهور إلى هذا التفسير لوجوه.

أحدها: إنّه بالتفسير الأول للعوارض الذاتية يلزم أنْ تكون أغلب محمولات مسائل العلوم أعراضاً غريبة لموضوع العلم؛ لأنّها تَعْرِضُ له بواسطة موضوع المسألة الذي هو أخصّ من موضوع العلم، والعارِضُ بواسطة الأخصّ على التفسير الأول، يكونُ من العوارض الغريبة بخلافهِ على التفسير الثاني، فإنّه يكونَ من العوارض الذاتية؛ لأنّ توسُّط الأخصّ لا يمنع من نسبته إلى ذات المعروض على سبيل الحقيقة؛ إذ التقسيمُ المذكور إنمّا هو تقسيمُ لما يعرض للشيء على سبيل الحقيقة، ومنه ما يعرض بواسطة الأخص.

ثانيها: إنّ بَعْضَ محمولاتِ المسائل تَعْرِضُ لموضوعِ العلم بواسطة الأعمّ؛ لأنّ موضوعها أعمُّ من موضوع العلم، كعروض الدّلالة على الوجوب لصيغة (إفعل) وما في معناها على الوجوب في علم الأصول، فإنّ موضوع هذه المسألة وهو صيغة إفعل وما في معناها أعمُّ من الأدلّة التي هي موضوع علم الأصول؛ لأنّ صيغة إفعل تَعْرِضُ للأدلة ولغيرها من كلام الناس، فعلى التفسير الأول يكونُ العارض المذكور عارضاً غريباً لموضوع علم الأصول، حيثُ كان عارضاً له بواسطة الأعمّ، بخلافه على التفسير الثاني، فإنهّ يكونُ من العوارض الذاتية لنسبته إلى موضوعِ العلم على سبيل الحقيقة.

ثالثها: إنّ العلم ينبغي أنْ يبحث عن حالات موضوعه وصفاته الحقيقية سواء كانت عارضة له بدون واسطة أو بواسطة الأخصّ أو الأعمّ أو المباين، دونَ العوارض المجازية له؛ لأنّها ليست من حالاته، وإنّما هي من حالاتِ غيره مما كانت تَعْرضُ له حقيقة.

رابعها: إنّه على التفسير الأوّل يلزمهم أنْ لا يبحثوا في علم النحو والصّرف عن الإعراب والبناء للكلمة؛ لأنّ عروضهما بتوسُّط أمرٍ مباين، وهو تصرّف الواضع أو المتكلّم، وهكذا لا يبحثون في علم الصّرف عن اختصاص كُلِّ صيغةٍ بمادّة؛ لأنّ الواسطة هو تصرُّف الواضع، وهو أمرٌ مباين، وهكذا لا يبحثون في علم اللغة عن اختصاص كلّ لفظٍ بمعنى؛ لأنّ الواسطة هو تصرف الواضع، وهو أمر مباين، وهكذا يلزمهم أنْ لا يبحثوا في علم الأصول عن حجية الكتاب والسنة، وفي علم الفقه عن الأحكام الشرعية الطارئة على أفعال المكلفين؛ لأنّ الواسطة هو جَعْلُ الشّارع، وهو أمرٌ مباين، وهذا بخلافِ ما إذا فَسَّرْنا العوارض الذاتية بالتفسير الثاني لم يرد ذلك كلّه؛ لأنه يصحُّ نسبةُ تلك العوارض إلى موضوعِ علومها على سبيلِ الحقيقة.

وهذه الأوجه وإنْ كُنّا قد ناقشنا فيها، وأجبنا عنها في نَقْدِ الآراء المنطقية([186]) إلا أنّها هي التي دَعَتْ صاحب الكفاية رحمه الله ([187]) والكثير ممّن سبَقَه ولَحِقَهَُ من المتأخرين إلى التفسير الثاني، والعمدة عندهم هو الوجهُ الأول والثالث، والذي يرد عليهم أو يُمكِنْ أنْ يُورَدْ عليهم أمور:

الأول: أنّ تفسيرَ المتأخّرين للعوارض يكونُ أخصُّ من تفسير المتقدمين لها؛ لأنّ مرادَهُم من الواسطة هي الواسطة في العروض، كما حققنا ذلك في كتابنا نقد الآراء المنطقية، فيكونُ على تفسيرهم العوارض الذاتية هي خصوصُ ما يعرض للشيء لذاته فقط؛ لأنّه هو الذي يكون بلا واسطةٍ في العروض، وأمّا العارض للشيء بواسطةِ جُزئه أو المساوي على أنْ يكون الجزء أو المساوي واسطة في العروض فهو من الأعراض الغريبة، بخلافه على تفسير المتقدّمين، فإنّه يكون من الأعراض الذاتية.

والحقُّ مع المتقدمين فإنَّ الواسطةَ في العروض إذا كانت مساويةً للمعروض صادقةً عليه أو كانت جُزْءاً للمعروض كانَ العَرَضُ من أحوالِ المعروض وأطواره وشؤونِهِ فيصحُّ البَحْثُ عنه في العلم الذي يُبْحَثُ عن أحوال ذلك الموضوع، فلا وَجْهَ لتخصيص المتأخّرين البحثَ في العلم بخصوصِ العوارض التي تَعْرِضُ الموضوع بلا واسطةٍ في العروض وأنْ يخرجوا عن البحث العوارض التي كانت الواسطة في العروض خارجاً مساوياً أو جزءاً مساوياً أو جزءاً أعمّ من الأوجه الأربعة التي ذكرناها لعدول المتأخّرين عن تفسير المتقدّمين لا تتمُّ على تفسيرهم.

وجوابه: إنّ الواسطةَ في العُروض لها معنيان:

أحدهما: ما هو المعروف عند الفلاسفة، وهو ما كان اتّصاف الواسطة بالعَرَض منشأ لاتّصافِ المعروض به حقيقةً لا مجازاً كاتّصافِ المفتاح بواسطة حركة اليد له، وعليه ينزل قولهم: إنّ اتّصاف الشيء الفلاني بالمحمول الفلاني أولاً وبالذّات واتّصاف الشيء الآخر به ثانياً وبالعرض.

ويدلُّ على ذلك تقسيمهم للعارض على سبيل الحقيقة إلى الأقسام الستة المتقدمة، والواسطة في الثبوت عندهم هي العلّةُ الفاعلية المستقلّة بالوجود فقط كاتّصافِ الماء بالحرارة بواسطة النار، وكاتّصاف الحيوان بالحركة، وعليه فالحيوان واسطة في العروض لاتّصاف الإنسان بالحركة حقيقةً، فيقال: الإنسان متحرك على سبيل الحقيقة.

وثانيهما: ما هو المعروفُ عندَ علماء الأدب، وهو ما كان اتّصاف الواسطة منشأً لاتّصاف المعروض بالعرض مجازاً، كاتّصاف جيش الأمير بالفتح، فإنّه مُوجبٌ لاتّصاف الأمير بالفتح مجازاً، والواسطةُ في الثّبوت عندهم مطلقُ ما يُوجِبُ الاتّصافَ حقيقةً سواءٌ كان شرطاً أو جزءاً أو معدّاً أو فاعلاً، وبهذا المعنى للواسطة في الثبوت جعل صاحب الحاشية الشيخ محمد تقي([188]) صهر جدّنا كاشف الغطاء رحمه الله  موضوعاتِ مسائل العلوم التي هي أخصُّ أو أعمُّ من موضوع العلم وسائط في الثبوت بين محمولات المسائل وموضوع علومها لا وسائط في العروض حتّى يلزم أنْ تكون عوارض غريبة بالنسبة لموضوع علومها.

وبهذا المعنى للواسطة في العروض قال علماء المعاني والبيان: (إنّ الفتح ينسب للأمير بالعرض والمجاز)، والمتأخّرون أرادوا بالواسطة في العروض هذا المعنى الثاني، بدليلِ أنّهم جَوَّزوا كونَ موضوعِ المسألةِ أخصّ من موضوع العلم وأنّه من قبيل الفرد له، فلو لم يكُنْ العارض بواسطة الأخصّ عَرَضٌ ذاتي عندهم لما جوّزوا ذلك لكونهِ حينئذٍ يكونُ مَحْمولُ المسألة المفروضة عَرَضٌ غريب لموضوع العلم.

وعليه فيكونُ تفسيرهم أعمُّ من تفسير المتقدّمين؛ لأنّه يشمل العرض بأقسامه الستّة لكونِ العَرَض يَعْرِضُ فيها حقيقةً للمعروض فيكونُ بلا واسطة في العروض بالمعنى الثاني.

وعليه فتصحُّ الأوجُهُ السّابقةُ الأربعة لعدولهم عن تفسير المتقدمين للعوارض الذاتية. نَعَمْ صاحِبُ الفُصول رحمه الله ([189]) تَخيَّلَ أنّ مُرادَ المتقدّمين بالواسطة في تقسيمهم العَرَض إلى أقسامه الستّة، هو الواسطة في العروض بالمعنى الثّاني المعروف عند أهل الأدب، فأشكل عليهم بأنّ ما يعرض بواسطة الأمر الخارج حتّى المساوي يكونُ من عوارض ذلك الأمر الخارج، لا من حالاتِ المعروض، وما عُلِمَ أنّ القوم إنّما قَسَّموا خصوصَ العارض حقيقةً للمعروض إلى الأقسام الستّة دون العارض مجازاً لمعروضه وأنّ مرادهم بالواسطة فيها هو الواسطة في العروض بالمعنى الأول.

ويَرِدُ على المتأخّرين ثانياً: أنّه على تفسيرهم العوارض الذاتية بذلك يلزم أنْ يَخْرُجُ أغلبَ مسائل علم الفقه عنه؛ لأنّ الأحكام الشرعية لا تعرض على فعل المكلّف الذي هو موضوعُ علم الفقه من حيث هو فعل، بل إنّما تعرض عليه بما هو صلاةً وشرب خمر ودخول مسجد، فتكونُ موضوعاتُ الأحكام الشرعية واسطةٌ في عروضها على فعل المكلّف، فإنّها هي المتّصفَةُ حقيقة بالحُكْم الشرعي، وبواسطة عروضها على فعلِ المكلَّف اتّصَفَ فعلُ المكلّف بالحكم الشرعي، وليست هي بواسطةٍ في الثّبوت؛ لأنّ الواسطة في ثبوتِ الحكم الشرعي هو جَعْلُ اللهِ، أو دلالة الدليل.

وهكذا الحالُ في عِلْمِ النّحو، فإنّ عروضَ الأحوال الإعرابية من الرفع والنصب ونحوها على الكلمة بواسطة عروض عنوان الفاعلية لها والمفعولية، فهذه العناوين هي التي تتصفُ أوّلاً وبالذّات بالرفع والنصب ثمّ الكلمة ثانياً وبالعرض، وليستْ هيَ بواسطة في الثبوت؛ لأنّ الواسطة في ثبوتها هو المتكلّم أو جَعْلُ الواضع، ولو كانَ الأمرُ كما زَعَمَهُ المتأخّرون من أنّ موضوع العلم ما يَبْحَثُ عن عوارضِهِ التي تَعْرِض له بلا واسطة في العروض؛ للزم خُروجُ هذه الأبحاث عن هذه العلوم، بل خروجُ أغلبِ مسائل العلوم عنها، أو عدم كونِ تلك الموضوعاتِ موضوعاتٌ للعلوم لكونِ البحث فيها كانَ عن عوارِضَ تعرض لها بواسطةٍ في العُروض وهيَ موضوعاتُ مسائلها.

وجوابه ما عرفته: من أنّ المراد نفيُ الواسطة في العُروض بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول، وموضوعات المسائل وسائط في عروض محمولاتها لموضوع العلم بالمعنى الأوّل بدليلِ صِحَّةِ نسبةِ تلك المحمولات لموضوع علومها على سبيل الحقيقة، فتكونُ من العوارض الذاتية لموضوع العلم عندهم، نَعَمْ عند المتقدّمين تكونُ عوارض غريبة؛ لأنّ موضوعاتِ المسائل كانت أخَصُّ من موضوع العلم فيها، فتكونُ محمولاتها عارِضَة لموضوع العلم بواسِطَةِ الأخصّ كما تقدَّم.

ويَرِدُ على المتأخّرين ثالثاً بأنّه على تفسيرهم للعوارض الذاتية بذلك يلزم دخولُ العلم الأعلى الذي موضوعه الأعمّ الأدنى الذي موضوعه أخصّ؛ لأنَّ عوارض الأعمّ عوارض للأخص حقيقةً لاتحادِهِ به خارجاً فتكونُ عوارض ذاتية للأخص أيضاً فينبغي أن يبحث عنها في العلم الأدنى.

وجوابه مضافاً إلى أنّ هذا الإيراد يَرِدُ أيضاً على المشهور الذي جعلوا العارِضَ بواسطة الجزء الأعمّ من الأعراض الذاتية، فإنّه لو كان موضوع العلم الأعلى جزءاً أعمّ لموضوع العلم الأدنى فتكونُ محمولاتُ مسائل العِلْمِ الأعلى أعراضٌ ذاتيّة لموضوعِ العِلْمِ الأدنى.

إنَّ التعريف لموضوعِ العلم إنّما يقتضي أنْ يكونَ البَحْثُ عن عوارض الموضوع التي تعرض له حقيقة، ولا يقتضي أنْ يبحث العلم عن جميع العوارض الذاتية لموضوع العلم، ولو سَلَّمْنا ذلكَ بناءً على أنّ إضافة الجمع وهو (العوارض)  للضمير تفيدُ الاستغراق فإنّما يَحْسُنُ التّدوينُ للبحث عن عوارض الموضوع التي لم يُبْحَثْ عنها في علمٍ آخر، وأمّا التي يُبْحَثُ عنها في علم آخر وهي عوارضُ موضوعِ العلم الأعلى فيُستَهْجَنُ مَرَّةً أخرى أنْ تدوّن في ضمن علمٍ آخر وقد صَرَّحَ الحكماء بأنّ تدوين العلوم بهذا النّحو بأنْ يبحث في كلِّ علمٍ عن العوارض الذاتية لموضوع خاصّ إنّما هو أمرٌ استحساني؛ إذ لا مانع عقلاً من عدّ كُلِّ مسألة عِلماً برأسِهِ وتفرّد بالتعليم ولا من عدّ مسائل متعدّدة كثيرة غير متشاركة في موضوعٍ واحدٍ علماً واحداً وتفرّد بالتّدوين كما صَرَّحَ بذلك شارِحُ المواقف.

وعليه فلو استهْجَنَ التدوين لا يصحُّ وقوعه.

وبعبارةٍ أُخرى أنّ التعريف إنمّا يُستفاد منه أنّ العارض إذا كان ذاتياً للموضوع يَقْتَضي تدوينه في العلم، وهذا لا يُنافي وجود المانع من تدوينه كما إذا كان بدهياً ثبوته، وما نحنُ فيهِ وُجد المانع من التدوين في العلم الأدنى وهو الاستهجان بالتّكرار للتدوين بلا فائدة ولا جدوى.

ولعلّك تستفيدُ جواباً آخر عن هذا الإيراد ممّا يأتي من جوابِ الإيراد الرابع على المتأخرين.

ويَرِدُ على المتأخرين رابعاً: إنّه لو كان المرادُ بالعوارض الذاتية ما ذكروه لَزَمَ أنْ يكون موضوعَ العلم جميعَ الكلّيات التي هي أعمُّ منه؛ لأنّه يَصْدُقُ عليها هذا التعريف لموضوع العلم، حيث أنّ عوارض الأخصّ تنسب للأعمّ على سبيل الحقيقة، فيصدق أنّ هذا العلم يبحث عن العوارض الذاتية لهذا الأعمّ من موضوعِهِ فمَثَلاً إذا كانَتْ الكَلِمَةُ موضوعاً لعلم النحو، كان اللَّفظُ العَرَبيُّ أيضاً موضوعاً له؛ لأنّه يُبْحَثُ في العلم عن عوارضه الذاتية، بل ومطلق اللفظ أيضاً موضوعاً له؛ بل مطلق الصّوت، بل مطلق الكيف؛ لأنّ عوارض الكلمة على تفسيرهم عوارض ذاتية لتلك المفاهيم؛ لأنّها تنسب إليها على سبيل الحقيقة بخلافِهِ على تفسير المتقدّمين، فإنّها عليها تصيرُ أعْراضاً غريبة؛ لأنّها تَعْرِضُ لها بواسِطَةِ الأخصّ.

ويمكنُ الجوابُ عنه بأنّه لم يَكُنْ البَحْثُ عنها، وإنّما كانَ البَحْثُ
 عن الأخصّ منها، فإنّ البَحْثَ عن الشيء كما عَرَفْتَ إثباتُ المحمولاتِ له، والعلم الباحث عن الأخصّ إنّما كان المقصود إثبات المحمولات له لا للأعمّ منه، وإنْ استلزم ثبوتها للأعمّ منه، ففي عِلْمِ النحو، إنّما يقال البَحْثُ عن الكَلِمَةِ
لا عن اللفظ العربي؛ لأنّها هي المقصودُ بإثباتِ العوارضِ لها فالميزانُ ما قُصِدَ البَحْثُ عن عوارضه الذاتية.

ويَرِدُ على المتأخّرين خامساً بأنّه لا وَجْهَ لإخراجِ الأعراض الغريبة، أعني: التي تَعْرِضُ بواسطة العروض عن العلم؛ إذ قد لا تكونُ لتلك الأعراض أهمّية تَصْلُحُ بها لتدوينها في فنٍّ مستقل فحينئذٍٍ تُذْكَرُ في هذا الفنّ، وربّما يستفادُ هذا الإيراد من إيراد بَعْضِ المعلِّقين على الفصول.

وجوابه: إنّ عَدَمَ صلاحية الأعراض الغريبة لتدوينها في علم مستقلٍّ وعدم أهميّتها لا يكونُ موجباً لتدوينها في علمٍ تكونُ أعراضاً غريبةً لموضوعه حسب الغرض.

والحاصِلُ: إنّ عليه أنْ يُثْبِتَ المقتضي لتدوينها في ذلك العلم، ومُجرَّدُ عدم صلاحيّتها للتدوين في علمٍ مستقلٍّ ليس بمقتضٍ لذلك؛ إذ كثيرٌ من العوارض الأجنبية لا تَصْلُحُ للتدوين، فلو كان مجرّد عدم الصّلاحية مقتض لذلك لكان المقتضي لتدوينها موجوداً.

ويَرِدُ على المتأخرين سادساً: أنّ كلامهم إنّما يتّم لو فُرضَ انحصارُ الأعراض المبحوث عنها في العلوم بالأعراض الذاتية التي تعرض بلا واسطة في العروض، إلاّ أنّ دعوى الانحصار لا بيّنة، ولا عليها بيّنة، بل ظاهرُ كلامِ غيرِ واحدٍ المفروغية عن أنّه قد يكونُ موضوع بعض المسائل الفنون من عوارض نفس موضوع العلم، فيكونُ محمولُها من قبيلِ عَرَضِ الموضوع بواسطةٍ في العروض، بلْ قَدْ يكون موضوعُ بعض المسائل من قبيل الجزء لموضوع العلم، كمسائل علمِ الجغرافية والهيئة ونحوهما ممّا يكونُ فيهِ موضوعُ المسألة
جزءاً لموضوع العلم، فإنّ محمولات مسائلها لا تكونُ من عوارضِ موضوعِ العلم إلاّ بنحوِ المجاز.

وجوابُه إنّ العلوم التي يكونُ لها الموضوع هي العلوم التي يتطلّب فيها معرفةُ حالاتِ الموضوع، والعَرَض الغريب، العارض بواسطةٍ في العروض ليس من حالاتِ الموضوع، وإنّما يُنسب إليه مَجَازاً، وأمّا المحمولاتُ العارضة لعوارض موضوع العلم، فهي عارضةٌ لموضوع العلم بواسطةٍ في العُروضِ بالمعنى الفلسفي، لا بالمعنى البياني والعَرَض الغريب، هو العارض بواسطةٍ في العروض بالمعنى البياني لا بالمعنى الفلسفي كما تقدم.

على أنّه يمكن أنْ يقال: إنّه واسطة في الثبوت لا في العروض كما قيل في
علم الحساب والهندسة ان موضوعات المسائل علة لعروض محمولاتها لموضوعهما.

وأمّا كونُ موضوعِ المسألة قد يكونُ جزءاً لموضوعِ العلم، فالحقُّ أنّ الموضوع في تلك المسائل يَرْجعُ إلى موضوع يَصْدُقُ عليه موضوعُ العلم، وإلاّ لم تكن المسألة من مسائل ذلك العلم؛ إذ لا بُدَّ أنْ يكون المحمولُ فيها من عوارض موضوع العلم وباحثاً عنه، فما لم يَتحد موضوعها مع موضوع العلم لم تَكُنْ المسألة باحثةً عن موضوعِ العلم، ولا محمولها من عوارضِهِ إلاّ أنْ تكونَ من مسائل العلم الّتي ذُكِرَتْ فيه استطراداً أو من المبادئ لمسائله.

ويَرِدُ على المتأخرين سابعاً: أنْ لا وَجْهَ لجعل موضوعِ العلمِ ما يُبْحَثُ في العلم عن أعراضه الذاتية بأيّ معنى فُسِّرَتْ الأعراضُ الذاتية؛ إذ الميزان عندهم في البحث عن المسألة في العلم هو دخلها في الغرض الذي دوّن لأجل هذا العلم. ومن الممكن أنْ تكون بعض المحمولات أعراضاً غريبة لموضوع العلم ولكنّها لها دَخْلٌ في الغرض الذي لأجله دُوِّنَ هذا العلم فكان عليهم أنْ يجعلوا موضوعَ العلم هو القَدَرُ الجامع بينَ موضوعاتِ مسائله التي لها دَخْلٌ في غَرَضِهِ.

وقد أورد هذا الإيراد على صاحب الكفاية رحمه الله  الشيخُ مُحمَّدْ حُسين الأصفهاني رحمه الله  في تعليقته على هذا الكتاب، والشيخ الايرواني رحمه الله  في تعليقته على هذا الكتاب، وبَعْضُ مقرّري بحث النائيني رحمه الله ، وقد سبقهم ميرزا أبو الفتح في حاشيته على شرح ملا جلال([190]) على متن التّهذيب في المنطق، وقد تَعرَّضنا له في نقدِ الآراء المنطقيّة ([191]).

وجوابُهُ أنّ الموضوع إنّما نقول به في العلم الذي دُوِّن لمعرفةِ حالاتِ شيءٍ خاصَّة كما تقدَّم في مَبْحَثِ الدليل على وجودِ الموضوع، وعليه فلابُدَّ أنْ يذكر في مسائله ما هو من حالته، والعارِضُ له مجازاً ليست من حالته، نَعَمْ لو قلنا: بأنّ لكلِّ علمٍ مَوْضُوعاً توجَّهَ الإيراد.

وأمّا إذا قلنا: إنّ العَمَلَ الذي دُوِّنَ لغايةٍ خاصّةٍ لا حاجةَ لالتزام الموضوع
 له ولا لالتزامِ عُروضِ المحمولات لموضوعهِ بلا واسطةٍ في العروض، بل
 ولا لالتزام كونها عوارض ذاتية لموضوعاتِ المسائل، فلا يتوجَّهُ الإيراد،
فلو فُرِضَ أنَّ الغَرَضَ يترتَّبُ على مسألةٍ يكونُ محمولُها بالنسبة لموضوعِ
العلم عَرَضٌ غريبٌ صَحَّ جعلُها من ذلك العلم، وبهذا ظَهَرَ لكَ ما في تعليقة المرحوم الأصفهاني وغيره.

ويرد ثامناً: إنَّ العلم إنْ كان عبارَةً عن الملَكَة فموضُوعُه هو النَّفْسُ الإنسانية وإنْ كان عبارةً عن المسائل فمَوضُوعُه نَفْسُ مَوضُوعِ المسائل؛ إذ لو كانَ يُغايرها حتّى بالإطلاق والتقييد لَزَمَ أنْ يكون العِلْمُ غيرُ المسائل لاختلاف موضوعه مع موضوعها، فإنَّ الموضوع هو المقوِّم وقد اختلفا فيه.

وجوابُهُ: إنّه لا يُرادُ به الملكة؛ لأنّ الكلام في تميّز العلم المدوَّن عن باقي العلوم؛ لأنّ الكَلاَمَ في تعلُّمِهِ والشّروع فيه، وعليه فالمرادُ بالعِلْمِ هو المسائل، مُضَافاً إلى أنّ إضافةَ الموضوعِ إلى العِلْمِ لو كانَتْ من إضَافَةِ الجُزْءِ للكُلِّ لَزَم ذلك، ولكنَّها إضافةٌ بمعنى اللاّم، وهي تصحُّ لأدنى ملابسةٍ فباعتبار أنّ هذا الكُلِّي يُبْحَثُ في العِلْمِ عن عوارِضِهِ نُسِبَ للعلم، ويُنْسَبُ للمَلَكَةِ الحاصِلَةِ منها.

المميّز لموضوع العلم الذي ذكره صاحبُ الكفاية 

هذا وقَدْ جعَلَ صاحِبُ الكفاية لموضوع([192]) العلم مميّزاً ويَصْلُحُ أنْ يكون تعريفاً آخر، وهو إنّ موضوع العلم نفسُ موضوعاتِ مسائل العلم عيناً، ويتّحِدُ معها خارجاً، وإنْ كان يغايرها تغايُر الكلّي ومصاديقه، والطبيعيّ وأفراده، وذلك كالكلمة فإنّها في الواقع عَيْنُ الفاعل والمفعول والمجرور ونحو ذلك.

وأراد رحمه الله  (بالعين) هو الواقع، ويقابلها الذهن، وقد تَعارَفَ عند الحكماءِ إطلاقُ العين على ذلك خصوصاً في لسان متأخّريهم فيكونُ مُحَصَّلُ هذه الخاصة أنّ موضوع العلم يكونُ عينُ موضوعاتِ مسائله في عالم الواقع والتحقّق، سواء تَخَالَفَ معها في عالم الذهن والتصوُّر كما لو كانَ موضوعُ المسألة أخصُّ منه أو اتّحَدَ معها في عالَمِ الذّهن والتصوّر، كما لو كانَ موضوعُ المسألة عَيْنُ موضوعِ العلم، كمسألة: الكلمة تحذف في الدرج همزة الوصل منها، ومسألة: الكلمة إذا كانت حرفاً تبنى، فإنّ موضوع هاتين المسألتين هو الكلمة وهو عين موضوع علمهما وهو النحو، وكعلم العرفان فإنّ موضوعه الذات المقدّسة، وموضوع مسائله أيضاً الذات المقدّسة، والدليلُ على ثبوتِ هذه الخاصية لموضوع العلم أنّه لو لم يكن عينُها في الواقع، وكانت مغايرة له، لكانت العَوارِض الثابتة لها أجنبية عن موضوع العلم؛ إذ لا تكونُ حينئذٍ عارضة عليه بل عارضة على غيره.

ما يُورَدُ على صاحب الكفاية 

ويَرِدُ عليهِ أوّلاً: أنّ بعضَ العلومِ موضوعها متعدِّدٌ كالمنطق، فإنّ موضوعه المعلوم التصوّري، والمعلومُ التصديقي، وهما مُتعدّدان، فكيفَ يكونان عين موضوعاتِ مسائل علمِ المنطق؛ لأنّ كُلاًّ منهما ليس بعينٍ لجميع موضوعاتِ المسائل، بل لبعضها.

وجوابه: كما قرّرناه في نقد الآراء المنطقية: إنّ كُلَّ علمٍ تخيّل فيه ذلك فهو يرجعُ لموضوعٍ واحدٍ، كما فيما نحنُ فيه، فإنّه يَرْجِعُ لموضوعٍ واحدٍ، وهو المعلومُ وإلاّ كان علمين.

ويرد عليه ثانياً: أنّ مَحَطَّ الكلام في موضوع العلم، العلم الذي هو بمعنى المسائل؛ لأنّه هو الصناعة التي تتعلّم وتشتَملُ عليها المؤلفات.

وعليه: فيكون موضوعُ العلم نفسُ موضوعِ المسائل من دون أنْ يُغايرها حتّى مفهوماً، وإلاّ لكان العلم غير المسائل؛ إذ باختلاف الموضوع ولو بجهةٍ يلزمه التغاير بينهما، وإلاّ لما اختلف الموضوع؛ لأنّ الشيء الواحد موضوعه شيءٌ واحدٌ فكيف يدّعي صاحبُ الكفاية رحمه الله  أنّه يُغايرها تغايُرَ الكُلّي وأفراده.

وجوابُهُ: إنّ العِلْمَ عبارَةٌ عن مجموع المسائل، والموضوع لمجموعها هو الكُلّي؛ لأنّ المسائل إنّما ذُكِرَتْ للبَحْث في العلم عن عوارضِهِ الذاتية، فكان الموضوع لدى الحقيقة لمجموع محمولاتها هو الكلّي الذي يُقْصَدُ معرفة أحواله في العلم، وموضوعاتُ المسائل إنّما ذُكِرَتْ باعتبار أنّها محقَّقات لذلكِ الكُلّي ومشخّصاته إلاّ أنّها هي المقصودُ إثباتُ المحمول لها بالذات.

ويرد عليه ثالثاً: أنّ من مسائل العلم ما يكون موضوعها عينُ موضوع
العلم مفهوماً، فإنّ من مسائل العلم الطبيعي (كلُّ جسمٍ فله حَيِّز)، وموضوع العلم الطبيعي هو الجسم، ومن مسائل علم النّحو الذي موضوعه الكلمة (الكلمة إذا كانت حرفاً تُبنى)، وموضوع علم العرفان هو الذات المقدسة مع أنّ موضوع مسائله كذلك، فكيف يدّعي أنّه يصدق عليها صِدْقَ الكلّي على أفراده.

وجوابه: إنّ قَوْلَ صاحِب الكفاية رحمه الله  وإنْ كان يَصْدُقُ (إنْ) فيه وصليّة للتّعميم، فيكونُ المرادُ أنّه سواء صَدَقَ أم لم يَصْدُقْ بأنْ كانَ عينه مفهوماً كما ذكرناه.

ويَرِدُ عليه رابعاً: أنّه قد يكونُ موضوع المسألة جُزْءاً من موضوع العلم، وقد يكونُ عَرَضاً لموضوعِ العلم كمسألة (كلّ حَرَكةٍ تَنْطَبِقُ على الزّمان أو كُلّ حركة بطيئةٍ يتخلَّلُ السُّكونُ بينهما) في العلم الطبيعي.

والحَرَكَةُ تَعْرِضُ على الجسم الذي هو موضوع هذا العلم، وكمسألة (الأمر العبادي لا يسقط إلاّ بقَصْدِ القُرْبَةِ) في علم الفقه، فإنّ الأمرَ من عوارضِ فِعْلِ المكلّف، وكمسألة (حَقُّ الزّوجِ النّصف)، فإنّ الحقيّة من عوارضِ فِعْلِ المكلَّف وهو العَطَاء، ومن المعلومِ صِدْقُ الموضوع في العلوم المذكورة على هذه الموضوعات لمسائلها، فإنّ الجسم لا يَصْدُقُ على الحركة، ولا فِعْلَ المكلّف يَصْدُقُ على الحقّ والأمر؛ لأنّ الأمرَ صَادِرٌ من الله تعالى، وقد أورد هذا الإيراد أستاذنا الشيرازي رحمه الله ، والمرحوم القوجاني([193]) وبعض المعلِّقين على الكفاية.

وجوابه: إنّ الموضوع في مثل تلك المسائل يرجعُ إلى موضوعٍ يَصْدُقُ عليه موضوع العلم، وإلاّ لما كانت المسألة من مسائل ذلك العلم؛ إذْ لا بُدّ أنْ يكون المحمولُ فيها من عوارض موضوع العلم، وباحثاً عنه، فما لم يَتَّحِدْ موضوعها مع موضوع العلم، لم تَكُنْ المسألةُ باحثةً عن موضع العلم، ولا محمُولُها من عوارضه، فالحركة باعتبار الجسم المتحرك أُخِذَتْ موضوعاً في مسائل علم الطبيعية، وإلاّ فلا معنى للبَحْثِ عنها فيه؛ لأنّ المطلوب هو البحث عن حالاتِ الجسم الطبيعي لا عن حالةِ الحركة، فالموضوعُ في المسألة الأولى هو المتحرِّكُ بالحركة والمتحرِّك بالحركة البطيئة، والموضوع في المسألة الثانية هو امتثالُ الأمر العبادي، وفي الثالثة العطاء الذي يستحقُّهُ الزوج.

ويردُ عليه خامساً: أنّه لا دليلَ على لزومِ عينيّة موضوع العلم لموضوعات مسائله؛ إذ من الجائز أنْ يكونَ الغَرَضُ مرتّباً على مسألةٍ لَمْ يَكُنْ موضوع العلم مُتّحِداً مع موضوعها.

وجوابُهُ: ما عرفته سابقاً إنّ هذا إنّما يتمّ في العلوم المخترعة لغايةٍ خاصّةٍ، أما العلوم التي دُوّنت لمعرفةِ حالاتِ شيءٍ مُعيَّن لا بُدّ فيها من ذلك، وإلاّ لما كانت باحثة عن أحوال ذلك الشيء.

ويرد عليه سادساً: أنّ موضوع العلم إذا كان من قبيل الكلّي بالنسبة
إلى موضوعات المسائل لزم أنْ يكونَ محمولاتُ المسائل من قبيل العارض بواسطة الأخصّ، وهو عَرَضٌ غَريبٌ فيلزَمُ أنْ يكونَ البَحْثُ في العلوم عن العوارض الغريبة.

وجوابه: أنّ الميزان عنده رحمه الله  كما عرفت في كون العارض غريباً كون نسبته لمعروضه بالعرض والمجاز، ومع فرض اتحّاد الموضوع مع موضوعات المسائل خارجاً تكون محمولاتها منسوباتٍ لموضوعِ العلم على سبيل الحقيقة لا على سبيل المجاز، فتكونُ أعراضاً ذاتية.

نعم هذا الإشكال يتحكّم على المشهور في عَدِّهم العارضَ بواسطةِ الأخصّ عَرَضٌ غريبٌ، وقد كان لهم عدّة أجوبة للتخلّص منه، ومن أراد الاطّلاع عليها، فليراجع كتابنا نقد الآراء المنطقية([194]).

ويرد عليه سابعاً: ما ذكره المرحوم السيد البروجردي آغا حسين القمي([195]) من أنّ موضوع العلم هو الجامعُ بين محمولاتِ المسائل، وأنّ معنى البحث عن عوارضِهِ في العلم هو البحثُ عن تعيُّناتِهِ وتشخّصاتِهِ، فموضوعُ علم النّحو هو المعرب، ويَطْلُبُ في النّحو تعيُّناتِهِ من الفاعل والمفعول والمضاف إليه، وموضوع علم الأصول الحجّة التي هي القدر الجامع بين محمولاتِ مسائله، ويطلب في علم الأصول تعيّناته من السنة والكتاب والعقل، وإنّ مراد القوم ذلك، وقد بَنَى هذا الرأي منه على مقدّمات خمسة تتلخص.

الأولى منها: إنّ مجموع مسائل العلم تشترك في جهة لا توجد في مجموع مسائل العلم الآخر، تمتاز بها عنها، كما أنّ كلَّ مسألة تمتاز بجهة عن المسألة الأخرى، وإنّ هاتين الجهتين ليستا بخارجتين عن ذواتِ المسائل فلا بدّ أنْ يكونا في الموضوع أو المحمول؛ إذ النسبة معنىً حرفي يوجد في جميع القضايا.

والمقدّمة الثانية: إنّ الجهة الأولى لابُدّ أنْ توجد في محمولات المسائل؛ لأنّ محمولات المسائل في العلوم المدوّنة.

إمّا أنْ يكون مفهوماً واحداً كالعلم الإلهيّ بالمعنى الأعمّ، حيثُ أنّ المحمول في مسائله (مَوجودٌ) فيقال: اللهُ مَوْجود والعقل موجود والجسم موجود.

أو مختلفاً يكون بينها جهة جامعة كمحمولاتِ مسائل علم النحو، فإنّ بينها جهة جامعة؛ لأنّها تعيينات للإعراب، فيكون عنوان المعرب هو القادر الجامع بينها، بخلافِ موضوعات المسائل فهي دائماً مختلفة، فلا جهة جامعة بينها، وبهذا ظهر أنّ الجهة الجامعة المميزة بينَ مسائل العلم عن مسائل العلم الآخر هي الجهة الجامعة بين المحمولات؛ إذ لا جهة جامعة في ذات المسائل غيرها.

وحاصلُ باقي المقدّمات الثلاثة: إنّ مرادَ القومِ بموضوعِ العلم هو ذلك، أعني الجهة الجامعة بين محمولاتِ المسائل؛ لأنّ النظام الطبيعيّ للمسألة يقتضي جَعْلَ المعلوم من الأمرين موضوعاً والمحمول هو المجهول الذي أريد في القضية إثباته، وجامعُ المحمولاتِ في كلِّ علمٍ هو الذي ينسبق أوّلاً إلى الذّهن، ويطلب في العلم تعيُّناتِهِ وتعييناته بموضوعاتِ المسائل، وهيَ العوارضُ الذّاتية له؛ لأنّ العرض الذاتي عند المنطق، هو عبارة عن الخارج عن ذاتِ الشيء ويَصْلُحُ للحمل عليه، وموضوعاتُ المسائل خارجة عن جامع محمولاتها، وهي صالحةٌ لأنْ تُحْمَلُ عليه، فيقال في علم النحو: المعرب الفاعِلُ والمفعول، فظَهَرَ من هذا كُلِّهِ أنّ موضوع العلم هو جامع المحمولاتِ ويَبْحَثُ في العلم عن عوارِضِهِ الذّاتية وهي موضوعاتُ المسائل؛ لأنّ المطلوب في العلم إثباتُ تعيّناتِهِ وخصوصيّاته بموضوعاتِ مسائله.

وجوابه: إنّا لا نُسلِّمُ صِحَّةَ المقدّمة الأولى: فإنّه يجوزُ أنْ تكونَ الجهة المميزة لمجموع المسائل أمراً لازماً لخصوص هذا المجموع نظيرُ المركَّبات الكيمياوية، ويكونُ مجموعُ تلك المسائل المختلفة بالذات نظيرُ مجموعِ الأجزاء الكيمياوية المجتمعة في امتياز المجموع عن المجموع باللوازم والآثار، وهكذا لا نُسلِّمُ المقدّمة الثانية، فإنّ للخَصْمِ أنْ يلتزم بأنَّ بينَ موضوعاتِ المسائل قَدْراً جامعاً نظير ما زَعَمَهُ في المحمولاتِ المختلفة للمسائل من أنّ بينها قَدْراً جامعاً.

والحاصلُ: إنّ الاختلافَ الذي جَعَلَهُ دائماً في الموضوعاتِ دون
 المحمولات إنْ أرادَ بهِ الاختلاف في التعيُّناتِ والتشخُّصاتِ دونَ الذاتِ
 فهو موجود في المحمولات، كما في بعض محمولاتِ علم النحو وغيره، فإنّ الرفع غير النصب والجر، فإنّها مختلفة بالتعُّينات والتشخُّصات دون الذات؛ إذ
الجميعُ من الإعراب وإنْ أرادَ به الاختلافُ بالذّات بحيثُ لا يُوجَدُ قدر
جامعٌ بينها يختصّ بها، فهو مضافاً إلى وجود هذا الاختلاف في بعض المحمولات فإنّ علم النحو لا جامع بين بعض محمولاتِ مسائله؛ إذ لا جَامِعَ بينَ الإعرابِ والبناء.

إنَّ الخَصْمَ القائل بتمايُز الموضوعات يلتَزِمُ بأنّ موضوعاتِ المسائل بينها قَدَرٌ جامع، ولا يُوجَدُ فيها الاختلافُ المذكور، وأمّا باقي المقدّمات فلا نُسلِّمُ صِحَّتَها، فإنّه لو فرضنا أنّه يكون جامعاً للمحمولات، فلا نُسلِّم أنّه هو الذي يَنْسَبقُ للذهن أوّلاً، فإنّ العلوم التي دُوِّنت للبَحْثِ عن موضوعاتٍ خاصَّةٍ يكونُ الموضوع هو المعلوم فيها، وقد تقدَّمَ أنّ مُدوِّني العلومِ قَدْ دَوَّنوها لموضوعاتٍ خاصّةٍ للبحث عن عوارضها، فهو أشْبَهُ ما يكونُ بالترجَمَة للشّخْص في كتب التراجم، فإنّ الشخص هو الموضوع لها، ويُبْحَثُ عن أحوالِهِ التي تُنْسَبْ إليه حقيقة.

ثم إن ما ذكره يُنافي جَعْلَ الموضوعاتِ للمسائل؛ لأنّه يَقْتَضي كونَ موضوعها أسبقُ للذهن من محمولها لما تقرَّرَ في محلّه من أنّ القضايا يكونُ موضوعها أعرف لئلا يلزم الحُكْمُ على المجهول، وأفرادُ العامّ إذا سَبَقَتْ للذّهن، وطلب لها المحمول لا شَكَّ أنّ جامعها يكون أعرَفُ من جامعِ المحمول.

على أنّ موضوعاتِ المسائل كيفَ يعبر عنها القوم بالعوارض لجامع المحمولات، والعارضُ عندهم هو الخارج المحمول لا الذي يَصْلُحُ للحمل، ولذا لم يسمّ أحدهم محمولُ المسألة موضوعاً، ويَجْعَلُ موضوعها عارضاً على محمولها وقد قَسموا في بابِ الكلّيات العرض إلى عامّ وخاص وأخذوا في مفهومِ كُلِّ منهما الحمل.

ثمّ إنّ موضوعات المسائل على مسلكه رحمه الله  إذا كانت عارضةً لجامع المحمولات كانت أخصّ منه، فتكونُ من الأعراض الغريبة إلاّ على ما تقدَّم
من التوجيه مضافاً إلى أنّ ما ذكره مُخالِفٌ لما بنى عليه أرباب العلوم من التفسير.

ويَرِدُ على صاحب الكفاية ثامناً: أنّ موضوع العلم قد يكونُ أمراً ذهنياً وموضوع مسائله كذلك، كموضوع علم المنطق مع موضوعات مسائله، فإنّها لا تُوجدُ إلاّ في الذهن، فكيف يخصُّ الاتحاد بين موضوع العلم وبين موضوعاتِ المسائل بالخارج.

وجوابه: أنّه أرادَ بالخارج الواقع ونفس الأمر، لا الخارج المقابل للذهن، وكثيراً ما يطلق الخارج لهذا المعنى في ألسنة الحكماء، وإنْ شئتَ قلتَ: خارجُ كلِّ شيء بحسبه، ويقابله الذهنُ وهو وجودُهُ التصوري.

ويرد عليه تاسعاً: إنّ موضوعَ العلم لا يَلْزَمُ فيه: أنْ يكون نوعاً لموضوعات المسائل، بل من الجائز أنْ يكونَ عَرَضَاً عليها، كالدليليةِ العارضة على الكتاب والسنّة، فجَعْلُ صاحب الكفاية رحمه الله ([196]) التغايُرَ بينَهُما من قبيل الطبيعيّ وأفراده يقتضي أنّ موضوعَ العلمِ دائماً يكونُ من قبيل النوع لموضوعات المسائل، وهذا لا يلتزم به أحد.

وجوابُهُ: أنّ مرادَهُ بأفراده الطبيعيّ هو مصاديقُهُ لا خُصوصُ أشخاصه، والطبيعيّ يَصْدُقُ على غير أشخاصه، كالأسود يصدق على الأبيض المتصف بالسواد، على أنّك قد عرفت أنّ (إنْ) وصلية تعميمية.

خواص موضوع العلم وما به تداخل العلوم وتباينها

ثمّ إنّه ذَكَرَ القوم إنّ موضوع أحد العلمين إنْ كان مبايناً للآخر من كلِّ وجهٍ وإنْ كان بينهما قَدَرٌ جامعٌ فالعلمان متباينان على الإطلاق وإنْ كان أعمّ منه فالعلمان متداخلان وإنْ كانَ موضوعهما شيئاً واحداً بالذات متغايراً بالاعتبار فهما متداخلان أيضاً.

وقد أطبقوا على امتناع أنْ يكون شيءٌ واحدٌ موضوعاً لعلمين من
غير اعتبار تغاير بينهما بالجهة والحيثية، كما أطبقوا على امتناع أنْ يكون موضوع علم واحد شيئين من غير اعتبار اتحادهما في جنس يكون هو جهة البحث كالمعلوم التصوّري والمعلوم التصديقي، فإنّهما إنّما صارا موضوع علم
المنطق باعتبار اتحادهما في المعلوم، وكان البحث في العلم من جهة كونهما من المعلوم أو من جهة اتحادهما في أمرٍ عرضيٍّ، كبدنِ الإنسان وأجزائه
وأحواله، والأدوية والأغذية ونحوها لعلم الطبّ، فإنها تشارك في كونها منسوبة للصحة التي هي الغاية لذلك العلم، وكان البَحْثُ في ذلك من جهةِ الصِّحّةِ العارضة للبدن.

والضّابط في ذلك أنْ يكون البحث عن الأشياء المتعدّدة من جهة
اشتراكها في أمرٍ واحدٍ ذاتيّ أو عرضي، فإنّ العلم يكون واحداً، وأمّا إنْ كان البحث لا من جهة اشتراكها بل يكون البحث عن كلِّ جهةٍ تخصُّهُ فالعلم
 المتكثر وإنْ كان بينهما جهة مشتركة، كالعدد والمقدار المشتركين في الكمّ مع
أنّ أحدهما موضوع لعلم الحساب والآخر للهندسة، وأمّا إنْ كان البحثُ
عن شيء واحدٍ بالذات فإنْ كانَ عن جهتين فالعلم متكثّر، كاللفظ العربي
بالنسبة للعلوم العربية وإلا فعلمُ واحد.

موضوع علم الفقه

المعروف إنّ موضوع علم الفقه هو فعلُ المكلف من حيث الاقتضاء والتخيير، ومَنْ عَبّر عنه بأفعال المكلفين فهو يريد ذلك؛ لأنّ موضوع العلم عندهم لا يتعدد، وإذا تعدد تعدّدتْ العلوم، وهذا نظيرُ مَنْ عَبَّر عن موضوع علم الأصول بالأدلة فإنّه يريد الدليل.

والمراد بحيثية الاقتضاء هو اقتضاء الدليل لإتيانه أو لتركه أو تخيير الدليل بين إتيانه وتركه، كما لو دَلَّ الدليل على وجوب الفعل أو حرمته أو استحبابه أو كراهته أو جزئيته للواجب أو شرطيته له أو مانعيته من صحة العمل.

والمرادُ بحيثية التخيير هو التخيير فيما إذا دَلَّ الدليل على الإباحة أو عدم بطلان العلم به، وبعضهم إنْ لم نقل أكثرهم قد فَسَّرَ الحيثية المذكورة باقتضاء الخطاب بلْ لم أطّلع على غيره من التفسير.

ولا يخفى ما فيه فإنّه:

لو أريد الخطاب اللفظي فيخرج البحث عن الأحكام الشرعية الفرعية التي دَلَّ عليها العقل أو السيرة.

وإنْ أريد الخطاب الواقعيّ المسمّى بالحكم الشرعي فهو غير صحيح؛ لأنّه لو كان هو المراد لقالوا: (من حيث ثبوت الأحكام الشرعية لها) كان أخصر وأوضح.

وكيف كان فيرد على جعل موضوع علم الفقه ذلك:

أولاً: خروجُ البحث عن أحكام أفعال الأطفال والمجانين، كفساد معاملاتهم من عقود أو ايقاعات، وفساد عبادات المجنون، واستحباب عبادات المميز بناءً على أنّها شرعية لا تمرينية.

وأجيب عنه: بأن ذلك استطراد.

ولا يخفى ما فيه، فإنّها لا إشكالَ في كونها أحكامٌ شرعية فرعية، فيكونُ العلم بها من علم الفقه، فيصدق عليها تعريف الفقه.

ويمكن أنْ يقال: إنّ المخاطب بأحكامهما هو الوليُّ لا الصبيّ والمجنون،
كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما أتلفته، حيثُ فَرَّط في حفظها؛ لتنزيل فعلها في هذه الحالة بمنزلة فعله، وأمّا البحثُ عن صحّة عبادة الصبي من
 صلاة وصوم وثوابه عليهما، فهي بحثٌ عن أمرٍ عقليّ من باب ربط
الأحكام بأسبابها، ولم يكن مخاطباً بها، وهو من مباحث الكلام فإنّ استحقاق الثواب ليس من الأحكام الشرعية فهو ليس من علمِ الفقه حتَّى يورد على الفقهاء به.

وقد يجاب أيضاً: بأنّ المراد نوع المكلّفين، فإنّ الغالب في الجمع ولو كان مقترناً بأل إذا أضيف إليه العمل هو إرادة النوع منه.

ويرد عليه ثانياً: بأنَّ كثيراً من مباحث الفقه لا يتعلّق بالفعل فضلاً عن صدوره من المكلّف كمباحث الميراث لا سيّما إذا كان الوارث أو المورث أو كليهما غير مكلّف.

وأجيب عنه: بالاستطراد، وقد تقدّم في الجواب عن الإيراد الأول ما فيه.

ويمكن أنْ يجاب: أنّ المراد بالفعل ما يَعُمُّ غيرَ الاختياريّ كالموت، أو يقال: إنّ مثل هذه الأبحاث باعتبار ما يترتّبُ عليها من بيانِ فعل المكلّف صَحَّ البحثُ عنها، فإنّ البحث عن ميراث الزوجة الثمن يترتّب عليه جوازُ تصرُّفها بالثّمن وحرمة تصرّفها بالمثمن وغير ذلك.

ويرد عليه ثالثاً: بأنّ علم الفقه يبحث في الأحكام الوضعّية كالسببية والمانعية والضمان والملكية والزّوجية ونحو ذلك، وهو ليس بحثاً عن العوارض من حيث الاقتضاء والتخيير؛ لأنّه قد عَرَفْتَ أنّ المرادَ من الحيثية المذكورة هي الأحكام التكليفية الخمسة.

والجواب عنه: نظير ما ذكرناه في الجواب عن الإيراد الثاني، من أنّ البحث عنها إنّما صارَ من علم الفقه باعتبار أنّه يرجع إلى البحث عن الأحكام الشرعية للأفعال المرتبطة بها، فإنّ البحث عن سببية الزّوال للصّلاة يَرْجعُ إلى ترتّب جواز فعل الصلاة عنده. ولذا كان البحثُ في علم الفقه عن السببية الشرعية لا السببية التكوينية.

وقد استراح من هذا الإيراد مَنْ أنكر وجودَ الأحكام الوضعية وأرجعها للأحكام التكليفية، فإنّ البحث حينئذٍ يكون فيها عن الأحكام التكليفية نفسها فقط.

والعلاّمة الطباطبائي  قدس سره  جَعَلَ في مصابيحه موضوع علم الفقه هو متعلّقات الأحكام الشرعية الفرعية من حيث هي كذلك، أي: من حيث أنّها متعلّقات الأحكام، ثم قال: (وهي- أي: متعلقات الأحكام- أكثر أفعال المكلّفين من حيث الاقتضاء والتخيير، وقد تكونُ غير فعل أو فعلاً لغير مكلّف أو لمكلّف لا من حيثُ التّكليف، بل من جهة الوضع كما في الأحكام الوضعية)([197]).

ولعلّه  قدس سره  فعل ذلك فراراً عن الإيرادات المذكورة، ولا بُدّ أنّه رحمه الله  أراد الكلّي المنطبق على موضوعات مسائل علم الفقه، وإلاّ لزم تعدُّد الموضوع لعلمٍ واحد، وقد سَلَكَ هذا المسلك صاحب الكفاية ([198]) في جعله موضوع علم الأصول هو الكلّي المنطبق على موضوعاتِ مسائل علم الأصول من دون تعيينه وتشخيصه، وقد أشكلنا عليه في كتابنا نقد الآراء الأصولية، من أنّ الغرض من ذكر موضوع العلم هو البصيرة في الشروع في العلم ليميّزه عمّا عداه، كما ذكره القوم واتّفقت عليه كلمتهم، ومع الإشارة المبهمة إليه والتعبير عنه بعنوانٍ مُجْمَلٍ لا يحصل به ذلك.

مضافاً إلى أنّ مقتضى تحديد الموضوع أنْ يكون الموضوع معلوماً معيّناً باسمه أو عنوانه، وإلاّ فكيف يَبْحَثُ في العلم عن عوارض شيءٍ وهو مجهول لدى البحث، ولا يعلم إلاّ بعنوان يؤخذ من نفس متعلّقات العوارض.

ويرد عليه رابعاً: أنّ الحيثية المأخوذة في موضوع العلم:

أمّا أنْ تكون تعليلية، مأخوذة من علّة وجود الموضوع، فهي لا تنفع؛ لأنّ علة نفس وجود الموضوع مشتركة بين جميع العلوم الذي جعل موضوعاً لها.

وأما أنْ تكون مأخوذة من علّة موضوعيته للعلم، فهي أيضاً لا تنفع؛ لأنّها عبارة عن البحث عن عوارضه، وهو مشترك بين الجميع.

وأما أن تكون مأخوذة من علّة عروض محمولات العلم على موضوعه فهو فاسد، ضرورةَ أنّ المسائل لم يؤخذ في ثبوت المحمولات لموضوعاتها علّة ثبوت هذه المحمولات لموضوع العلم، وقد عرفت أنّه لا بُدَّ من اعتبار ما يُؤخذ في موضوع العلم في موضوع المسألة، وإلاّ لكان موضوع المسألة أجنبياً عنه، على أنّ العلل متعدّدة فيلزم أنْ يكونَ موضوع العلم متعدداً بتعددها.

وأما أن تكون الحيثية تقيدية، فلا يخلو: إمّا أنْ تؤخذ من محمولات المسائل فيلزم أنْ تؤخذ المحمولات في موضوعاتِ المسائل؛ لأنّها كما عرفت عين موضوع العلم، فيلزم تكرّر النسبة وانقلاب القضية إلى ضرورية، لأنّها تكون قضية بشرط المحمول، وإنْ أخذت من استعداد الموضوع للحوق المحمولاتِ باعتبار أنَّ الشيء قد تكون له استعدادات مختلفة، وبحسب كل استعداد يكون موضوعاً لعلم، كاللفظ العربي تارةً يلحظ من حيث خصوص استعداده لقبول الإعراب والبناء فيكون موضوعاً لعلم النحو، وأخرى يُلحظ من حيث خصوص استعداده لقبول الإعلال والصّحة، فيكون موضوعاً لعلم الصَّرف، وأخرى يلحظ من حيث استعداده لقبول المحسّنات البديعية، فيكون موضوعاً لعلم البديع، كما هو المحكيّ عن السبزواري الحكيم رحمه الله ([199]) فهو أيضاً فاسدٌُ؛ لأنه لا يستدعي ذلك اختلافاً في الموضوع؛ لأنّ استعداده لقبولِ نوعٍ خاصٍّ من المحمولات لا يُباين استعداده لقبول النوع الآخر من المحمولات لِعَدَمِ التنافي بين الاستعدادين.

ألا ترى أنّ اللفظ العربي باستعداده لقبول الإعراب يبحث عن عوارضه الذاتية من حيث الإعلال والصّحة والفصاحة والبلاغة، فلم يَكُنْ بين موضوع هذه العلوم تغاير، مع أنّ الماهية الواحدة لها استعدادٌ واحد لعروض سائر العوارض عليها لا استعدادات متباينة؛ لأنّ الذات واحدة فمقتضاها يكون واحداً؛ لأنّ الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد، مع أنّ موضوع العلم متحدٌ مع موضوع المسألة، فالحيثيّة لو كانت معتبرة في الموضوع للعلم لَكَانَتْ معتبرة في موضوع مسائله، مع أنّها غير معتبرةٍ فيه.

وإنْ أخذت الحيثية التقييدية من غرض العلم فحينئذٍ رجع التمييز بين العلوم إلى الأغراض.

وإنْ أخذت الحيثية من جهة البحث.

فمثلاً: إنَّ علم الفقه لا يُبْحَثُ عن جميع عوارض فعل المكلّف، بل يبحث فيه من حيث الاقتضاء والتخيير.

وعلم النّحو لا يُبْحَث عن جميع عوارض اللفظ العربي، بل يبحث فيه من حيث الإعراب والبناء، كما ذَهَبَ إليه صاحب الفصول([200])، بدليل أنّ الفاعل بما هو فاعلٌ موضوعٌ للرفع لا بما هو كلمة معربة، أو مبنية موضوع له فهو فاسد؛ لأنّ قيودَ البحث لا توجب تقييدَ الموضوعات، كما لا توجب تقييدَ المحمولات وتخصيصها بحدٍّ خاصّ، وذلك لأنّ البحث من توابع الموضوع والمحمولات فهو متأخِّرٌ عنها رتبةً، وفي مرحلة التعقُّل، وإذا ثَبَتَ أنَّ الموضوعات والمحمولات لا تصلُح أنَّ تتقيّد بقيدٍ البحث، فلا يُعقل أنْ يكون قيد البحث يحدّ تلك المحمولات أو الموضوع، وإلا لزم أخذُ ما هو متأخر رتبة في المتقدّم رتبةً وهو محال.

مضافاً إلى أنّ الحيثيات المذكورة ثابتة في الموضوعات والمحمولات قبل البحث، والبحث إنّما يتعلّق بها بأجمعها فكيفَ يُعْقَل أنْ يقيّد بها، فإنّ ما أخذ في المتعلّق لا يكون قيداً للعارض عليه؛ إذ المتقدّم لو أخذ نفسه في المتأخر لزم تقدمه على نفسه، ولذا قيود المعلوم لا تكون قيداً للعلم.

وبهذا ظَهَرَ لك فساد ما ذهب إليه بعض مقرّري بحث النائيني رحمه الله  أخذاً من صاحب الفصول من رجوع الحيثيات إلى البحث، وأمّا انْ جعلت الحيثية إشارة لعنوان منتزع منطبق على الموضوع بأنْ يكون الموضوع في الحقيقة هو ذلك العنوان، كما يقال: (اكرم زيداً من حيث علمه)، فإنّ الموضوع في الحقيقة ليس هو زيد من حيث هو، بل العالم المنتزع من الحيثية، فقولهم: موضوع النحو اللفظ العربي من حيث الإعراب والبناء، معناه: إنّ موضوعه المعرب والمبني، وهكذا مرادهم موضوع علم الصرف اللفظ العربي من حيث الصحة والاعتلال يعنون أنّ الموضوع له هو الصحيح والمعتلّ، وإنّما عَبَّروا بالحيثيات لبيان أنّ مورد الموضوعين واحد، وهو أيضاً فاسدٌ، فإنّ الحيثيات المذكورة لا تَصْلُحُ لأنْ تكون العناوين المنتزعة منها مواضيع للعلم، فإنّ علم النحو لا يَصْلُحُ عنوان المعرب هو بما معرب أنْ يكون موضوعاً له؛ لأنّه بما هو مُعْرَب لا تَعْرض له المحمولات في مسائله، كالرّفع والنصب، بل تكون أجزاء مقوّمة له.

هذا مضافاً إلى أنّا لو التزمنا بذلك لم تَكُنْ المسألةُ الواحدة مشتركة بين العلمين؛ لاختلافِ موضوعها فيها، فمسألة الجمع في النحو تكون هو المعرب من الجمع، وفي الصَّرف هو الصحيح من الجمع مثلاً؛ لما عرفت أنَّ موضوع العلم معتبر ومتَحِدٌ مع مسائله، وإلاّ لمَا كَانَتْ باحثة عنه.

ويمكنُ الجوابُ عنه: إنّ الحيثيةَ تكونُ اشارة إلى الاستعداد الموجود في الموضوع لقبول نوعٍ خاصٍّ من المحمولات.

وما ذَكَرَهُ الخَصْمُ من عدم التنافي بين الاستعدادين فلا يكون تغايراً بين الموضوعين لعدم التبايُن بين الحيثيتين فاسدٌ؛ لأنّه بما هو مقيّد بهذا الاستعداد يُغاير نفسه بما هو مقيّد باستعداد آخر، فإنّه بكُلِّ استعدادٍ له عنوان غير العنوان المنتزع له من الاستعداد الآخر، ولذا العوارض التي تعرض له بأحد الاستعدادين لا تعرض له بما هو مقيّد بالاستعداد الآخر، وحيثيةُ أحد الاستعدادين تمنعُ من حَمْلِ محمولات الاستعداد الآخر عليه، فإنّ زيداً من حيث أنّه عالم لا يحمل عليه إلاّ شؤون العالمية دون الهاشمية، ولذا قيل: الماهية من حيث هي ليست إلاّ هي مع أنّها لها عوارض أخرى.

وعليه فاللفظ العربيّ بما هو مُعْرَبٌ ومبني، غيرُهُ بما هو صحيحٌ ومعتلّ، وغيره بما هو فصيحٌ وبليغ، فإنّ الشيء الواحد يختلِفُ بالوجوه والعناوين المنتزعة منه، ولذا تختلف أحكامه باختلافها.

وعدم التنافي بين الحيثيات إنْ أريد به مجرد اجتماعهما فهو صحيح؛ إذ لا ينكر أنّ الاستعدادين ثابتان له في الواقع لماهيته، ولكن لا ينفعه، وإنْ أريد أنّهما معتبران في الموضوع معاً فهو غير صحيح؛ لأنّ الموضوع لعلم النحو هو اللفظ العربي بما هو معربٌ ومبني، لا بما هو فصيحٌ وبليغٌ، فاشتبه عليه حال التقييد بشرط التقييد.

وما ذكرَهُ الخصمُ إنّ الماهية لها استعدادٌ واحدٌ لا استعدادات متعددة، فاسدٌ؛ لأن الجنس مستعدٌ لقبول الفصول، وهي متباينةٌ، فلو لم يكُنْ له استعداداتٌ متعدّدة لما كانَ له قبولٌ لأمورٍ متباينة.

وما ذَكَرَهُ الخَصْمُ من أنّ موضوع المسألة متّحِدٌ مع موضوع العلم، فالحيثية لابدّ أنْ تعتبر فيه لو كانت معتبرة في موضوع العلم مع أنّها غيرُ معتبرة في موضوع المسألة فاسدٌ؛ لأنّ موضوع المسألة بمناسبة ذكر المحمول يستغني عن ذكر الحيثية معه وتكون ملحوظة إجمالاً في المسألة.

 

الفصل الثالث

في الغاية من علم الفقه وشرح غاية كل علم ووجه التمييز بها

الغاية لكل علم

الأمر الثالث من الأمور التي تذكر في مقدمة العلوم هو بيانُ الغايةِ من تدوين هذا العلم بعد ذكر تعريفه وبيان موضوعه لأمور:

أحدها: أنْ لا يكون طلبه عبثاً، فإنّ الإنسانَ الذي يشرع في العمل إذا لم يكن مُدْرِكاً للفائدة منه كان طلبه له وشروعه فيه عبثاً لا يرضى به العقل.

وثانيها: أنْ يحترز من الاعتقاد بوجود فائدةٍ أخرى هي ليست له فيكون سعيُه بلا جدوى وعمله بلا فائدة.

وثالثها: إنّ بيان الغاية يوجب معرفة ما للعلم من الأهمية فيسعى بمقدارها في تحصيله له.

ورابعها: إنّه يعرف بذلك أنّه يوافق غرضه ومقصوده في هذه الحياة أم لا.

ثُمّ إنّك قد عرفت أنّ بيان الغاية للعلم بمنزلة مطلب (لِم) لأنّه بيانٌ لعلّة وجودِ هذا العلم والسبب في تدوينه، وقبلَ الخوض في بيانِ غايةِ علم الفقه نُقدِّمُ مقدّمتين:

الفرق بيـن الغاية والفائدة والغرض والعلة والمنفعة

إحداهما: إنّ الغاية والفائدة والغرض والعلّة الغائية والمنفعة ألفاظٌ متقاربة في المعنى.

أمّا الأولان: فمتّحدان ذاتاً متغايران اعتباراً، فإنّ الشيءَ باعتبار أنّه طَرَفُ الفعل وآخره يسمّى غاية، وباعتبار الترتّب عليه يسمّى فائدة، ولا يلاحظ في شيء منهما كونُهُ باعثاً للفاعل على الفعل.

وأمّا الآخران: فيلاحظ فيهما الباعثية للفاعل على الفعل، وهما في الاتحاد بالذّات والتغايرُ بالاعتبار مثل الأولين، إذ الأوّل وهو الغرض، إنّما يُطْلَق بالقياس للفعل، والثاني وهو العلّة الغائية إنّما يطلق بالقياس إلى الفعل، فإنّ التأديب مثلاً علّة غائية للضَّرْب وهو غرض للضّارب.

وأمّا الخامس: وهي المنفعة، فهي عبارةٌ عن الفائدة التي يتشوّقها الكلّ بمقتضى طبعهم.

ثانيهما: إنّ الشيء قد يكون مقصوداً بذاته، ويراد لذاته، فتكونُ غايته عين ذاته، ولا غاية له وراء ذلك، كعلوم العقائد، وقد يراد لغيره. وحيث أنّ ما بالغير لا بد أن ينتهي إلى ما بالذات فلا بدّ أنْ ينتهي الأمر إلى شيءٍ يُراد لذاته، ويكون ذلك الشيء هو الغاية الذاتية والمتوسّطات بينه وبين ذي الغاية غاياتٌ بالعرض، فمثلاً علمُ النحو يُراد لغيره، وهو صون اللسان، وصون اللسان قد يريده الإنسان لذاته، وقد يريده لكمال نفسه، فيكون المقصود بالذات هو كمال النفس.

الغرض من علم الفقه

إذا عَرَفْتَ ذلكَ فنقول: إنّ الفقهاء قد ذكروا أنّ الغَرَضَ من علم الفقه وتدوينه وتعليمه وتعلّمه هو تحصيلُ السّعادتين والفوز بالدّارين الدنيوية والأخروية، والخلاص من الشقاوة الأبدية. وتحصيلُ السَّعادة والخلاص من الشقاوة هما مقصودان بالذّات ولا بدّ أنْ يكون مرادهم هو حصول ذلك بمراعاة قوانينه والعمل بها، وإنْ لم يُصَرِّحوا بذلك لوضوح أنّه لولا العمل بها لم يحصل ذلك.

ويمكن أنْ يرد عليهم أولاً: أنّ هذه الغاية تحصل بمعرفة علم الكلام أيضاً؛ لاشتماله على بيانِ الواجبات الاعتقادية الأصولية التي هي أهمّ من الواجبات الفرعية، وغايةُ العلم يجب أنْ تختصّ به؛ لأنّ العلم عبارة عن مسائل جمعت لترتّب غرضٍ مهمّ عليها، فيكون كلُّ ما له دخلٌ في الغرض داخلاً في ذلك العلم، ولازمه أنّ الغرض لا يترتب على علمٍ آخر، ولذا قيل: إنَّ تمايُزَ العلوم بتمايز الأغراض.

اللّهم إلاّ أنْ يقال: إنّا لا نُسَلِّمُ اختصاصَ غايةِ العلم به، وما ذهب إليه بعضهم من أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض إنّما يتُّم لو كان العلم إنّما ألف لتحصيلِ غايةٍ خاصّةٍ، لا لبيان أحوال موضوع خاصٍ، فإنّه لو كان للثّاني فلا مانع من ترتّب غايةٍ وغرضٍ عليه تترتب على علم آخر.

ويمكن أنْ يجاب عن ذلك: بأخذ الحيثية، بأن يقال: إنّ الغاية هي تحصيل السعادتين من حيث العمل، وعلمُ الكلام تكونُ الغاية منه ذلك من حيث الاعتقاد.

وثانياً: إنّ هذه غايةُ لتشريع الأحكام الشرعية لا لعلم الفقه؛ إذ العمل بنفس الأحكام الشرعية موجبٌ لذلك، ولذا المقلّد العامل بالأحكام الشرعية تَحْصَلْ له تلك الغاية. ومن الواضح أنّ تشريع الأحكام الشرعية غيرُ علمِ الفقه، فإنّ علم الفقه عبارة عن البحث عن الأحكام وإثباتها بالأدلة.

ويمكن الجواب عنه: بأنّ غاية كل علم هي التي تترتب على العمل به، فالمنطق غايتُهُ صونُ الذّهن عن الخطأ وهي لا تكون إلاّ بالعمل بقوانينه التي شرعت من قبل جاعلها. وهكذا النّحو والصَّرف غايتُهما صونُ اللسان عن الخطأ في المقال، وهي لا تحصل إلاّ بالعمل بقوانينها، وأمّا كون ذلك غايةً للتشريع فهو لا ينافي ما ذكرناه، فإنّ كلّ مُشرِّعٍ للقوانين يتوخّى الفائدة المرتبة على ملاحظة تلك القوانين ورعايتها والعمل بها. والعلم الذي يوضع لها إنّما هو لمعرفتها حتى يترتب الغرض من تشريعها على العمل بها، المتوقّف على معرفتها.

فالغايةُ من كُلِّ علمٍ هيَ ما قَصَدَهُ الواضعُ من تشريع قوانينه عند العمل بها، أعني: ما يترتب على العمل بها من الفائدة، وتلك الفائدة تكونُ هي الغاية من العلم بتلك القوانين باعتبار أنّه بملاحظتها والعلم بها والعمل بها تترتب تلك الفائدة وفيما نحنُ فيه كانَ الأمرُ كذلك.

ويرد ثالثاً: بحصول الغاية المذكورة للمقلِّد إذا علم بالأحكام الشرعية عن طريق التقليد، فتكونُ الغايةُ المذكورة مرتّبة على العلم من الفقه وعلى العلم من التقليد، وليست مختصَّة بالعلم من الفقه.

وجوابُه: إنّها تختلِفُ بالحيثية فالغايةُ الحاصِلَةُ من العلم بالفقه هو الفوز بالسعادتين من طريق الاجتهاد، والغاية الحاصلة من علم المقلد هي الفوز بالسعادتين من طريق التقليد، ولا إشكال إنّ الأولى أعظم شأناً وأكثر ثواباً من الثانية كما دَلَّ على ذلك العقل والنقل.

ما ذكره حُكماءُ الإسلام وعلماؤهم من الغايات

وإلى الغاية المذكورة لعلم الفقه يَرْجِعُ ما ذَكَرَهُ حُكَمَاَءُ الإسلام من أنَّ غاية علم الفقه هي حفظُ الفرد بنهيه عمّا يضرُّهُ وأمره بما ينفعه، وحفظ النوع من الفساد بالهَرَج والمَرَج لاحتياج بَعْضِهم إلى بعض في حياتهم الدنيوية فان الإنسان مدني بالطبع فلابدّ لهم من قانونٍ يحفظهم من ذلك.

قالوا: والغايةُ من تشريعِ العبادات مع أنّها لا علاقة لها بالغاية المذكورة هي أنّ النظام المذكور يحتاجُ في طاعته الخوف من العقاب على مخالفته والثوابُ على فعلِهِ وهما إنّما يَحْصَلان بالتذكُّر عدَّة مرّات للمشرِّع لذلك النّظام ووَعْدِهِ ووَعيدِهِ والعبادات يَحْصُلُ بها التذكُّر المذكور.

وبعضُهُم جَعل غايتهِ حِفْظُ الشّريعة الإسلامية عن الضّياع.

ويردُ عليه أولاً: ما أوردناه على جَعْلِ الغاية تحصيلَ السعادتين من ترتّب هذه الغاية على العلم بالفقه من طريقِ التقليد حيثُ أنّه بالتقليد تُحْفَظُ الأحكامُ الشرعية الفرعية.

والجواب عنه مضافاً إلى ما سبق من جواب الإيراد الثالث: أنّه يمكن أنْ يقال: إنّ بكثرة الاختلافات فيها صارَ التقليدُ غيرُ حافظٍ لها على سبيل اليقين، بخلاف ما لو أُخذت من الدليل، فإنّه يَحْصَلُ له الاطمئنان بالظفر بالواقع.

وَبعْضُهُم جَعل غايَتِهِ حفظُ المقاصد الخمسة، وهي الدّينُ والنّفس والعقل والنسب والمال.

وبَعْضُهُم جعل الغايةَ من علم الفقه، هو إثباتُ الأحكام الصادرة من الشارع من حيث صدورها عنه لا من حيث صحّتها وثبوتها الواقعي ولا من حيث اشتمال متعلقاتها على المصالح أو المفاسد، ولا يضرُّ ذلك توقُّفُ ثبوتِها من هذه الحيثية على ثبوتِ الشريعة الذي هو من المطالب الكلامية، ولذا عدّوا علم الكلام من مبادئ الفقه التصديقية، فإنّ الكثير من غاياتِ العلوم تتوقَّفُ على غيرها، ولذا كانَ لها تقدّمٌ عليها.

ويردُ عليه ما لا يخفى، فإنّ الاثبات المذكور عبارةٌ عن نفس العلم المذكور فيكون المغيّى والغاية واحد. وهذا وإنْ صَحَّحْناهُ في العلوم التي تقصد بذاتها لذاتها وتطلب بنفسها لنفسها كعلم العقائد، لكنه إنّما يتمُّ في العلوم الواجبة والمطلوبة بالذات، لا العلوم المطلوبة للغير، وعلم الفقه إنما هو مطلوب للعمل به.

والأولى أنْ تجعل غاية علم الفقه هو إطاعة الله والفرار من مخالفته في العمل عن اجتهادٍ لا عن تقليد بمراعاةِ مسائله. فإنّه هو المقصودُ بالذّات من تعلّم علم الفقه والاطلاع عليه.

نعم، الغاية من ذلك هو نيلُ السَّعادَةِ في الدّارين والفوز بالنشأتين الدنيوية والأخروية.

ويمكن أنْ يُجعل له فوائد أخرى:

إحداها: إنّ العلم المذكور مع الورع والتقوى موجبٌ للتحلّي بثوبِ الزعامة الإلهية والرئاسة الدينية التي خَصَّ اللهُ تعالى بها أولياءه وأصفياءه وهي مما يبذل في تحصيلها النفس والنفيس.

ثانيها: الخروجُ من حضيض التقليد إلى ذروة الاجتهاد والمعرفة للأحكام عن دليلٍ، قال الله تعالى: [يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ]([201]) فخصَّ اللهُ العلماء بالذكر مع اندراجهم في المؤمنين رفعاً لمنزلتهم.

ثالثها: تعليمُ المسترشدين بإيضاحِ الحجّة لهم وإلزامُ المعاندين بإقامة الدليل عليهم.

رابعها: حِفْظُ الأحكام الشرعيّة الفرعية عن أنْ يُزيلها مرور الأيّام، ويسدل عليها ثوبُ النسيان أو تلوّثها شُبْهَةُ الجاهلين وتشكيكاتُ المعاندين.

خامسها: وقوعُ الأعمال العبادية والمعاملية عن عقيدة لا عن تقليد.

سادسها: الإرشاد للمصالح الدينية والدنيوية بالاطّلاع على أسرار الشريعة الإسلامية. ولا بأس من نقل بعضِ الشَّذَرات من خُطَبنا وكلماتنا في فوائد الدين والثمرات القيّمة التي تحصل من التمسك به.

كلمتنا في المولد النبوي

فمن ذلك من كلمةٍ لنا في المولد النبوي  صلى الله عليه واله وسلم  نشرتها مجلة الثقافة 26، ج2.

ثم ما فتئ الأمرُ حتّى تعاكست أنوار الإسلام النفوس واستعبرت به المدارك والعقول، يختالُ بأنظمته القيّمة وأصوله الكاملة المبرمة الحقب والأزمان حتَّى أصبح ومن ورائه شَعْبٌ صار مؤمناً بعقائده مندفعاً بمبادئه، لا تأخذه فيها لومة لائم، ولا يَهابُ في الدّفاع عنها سطوةُ جائر غاشم، فأزال مماليك الشكّ، وهدم تقاليد الإلحاد، واستأصل العادات القبيحة، ونشر الآداب الحسنة، وقلب الوضع العالمي رأساً على عقب، وركّز الإخاء في الروح والتعاون على الخير والصدق في القول والعمل، التي تحيى بها الإنسانية، وتزدهر بأشعتها البشرية. ناهيك به من انقلاب زعزع أركان دولتي الشرق والغرب الروم والفرس، وأراح الشعوب من الاستبداد والاستعباد الذي أرهقها صعوداً، وجشّمها كؤوداً، وخلّصها من تقاليد ثقيلة، لا يطاق حملها، وجرّدها من عقائد تشبه الألغاز والأحاجي في إبهامها وغموضها، وهيّأها للدخول في أدوار جديدة من حياة سعيدة موفورة بالحرية بعد أنْ غَلَبَ عليها الشقاء، وألبسها الحضارة بعد أنْ كانت بعيدة عن مفاهيم الناس بعد الأرض عن السماء. وتلا ذلك كلَّهُ ما نراه اليوم من النهضة المستمرة في عالمي العلم والعمل، حتى أنّك لا تجد نظرية تأسّست بعقولٍ راجحة وأدمغة ناضجة يكون لها الأثر القيِّمُ في تطوُّر الحياة البشرية، وترقيها في مدارج الكمال، إلا وهي صدى آيةٍ من آيات الكتاب المجيد أو حديثٍ من الأحاديث الشريفة للنبي الكريم.

مقالنا الذي نشرته صحيفة الأمة

ومن ذلك مقالُنا الذي نشرته صحيفة الأمّة اللبنانية في عددها 31 لسنتها الثانية تحت عنوان (الإنسانية في طريقها إلى الفناء أو خدمة الدين للإنسانية).

إنّ الإنسان بوضعه الفردي أو وضعه الاجتماعي مفطورٌ على حُبِّ الذات والإيثار لها على الغير مهما بلغ من درجات الرقي والكمال، وهذا الحبُّ وإنْ جَرَّ للإنسانِ الخير وجعله طالباً للسعادة والهناء، إلاّ أنّه لا يزال يدفعه للتغلّب على الغير والسيطرة على مقدرات الحياة فتَجِدُ الفَرْدَ يسابق الآخر ليكسب المغنم لنفسه دون غيره، وتجد الأمة تطاول الأخرى لتفوز بالفائدة لذاتها دون من عداها. وما الصراع القائم بين الأمم في هذا الزمن الذي كاد أنْ يضرم البشرية بنار يفنى فيها الصغير والكبير، ويلتهب اليابس والأخضر إلا نتيجة لحب الأمم لذاتها، ولا تستطيع أشدّ القوانين المدنية الصارمة مهما صقلتها العقول أنْ تقف دون هذه الغدّة النفسية التي لا زالت تفرز أشدّ الويلات على البشرية، ما لم يكن الرادع فطرياً مثلها، يغزوها في وكرها، ويقضي عليها في مستقرها، وليس هو إلا العقيدة الدينية المرتكزة في النفوس، فإنّها هي التي تصرعها في مغرسها، وتغتالها في وكرها ومعرّسها، وتسيّرها نحو السعادة البشرية، بأحسن طرقها. وإنّ كثيراً من الملحدين قد أدركوا هذه الحاجة للوازع الدينيّ والرادع الإلهي، ولكنّ روحهم الالحادية لا تتركهم يتدانون للحقّ فيعترفون أنّ غير الدين لا يمكن أنْ يكون رادعاً لتلك الغريزة الحيوانية، وليست الأحكام المدنية والقواعد الاخلاقية كافية لدوام نظام المجتمع والحالة أنّ الإنسان مفطورٌ على حُبِّ نفسه واستئثارها على غيره بفواتن الحياة ولذائذها وسواحرها، ولا يتحاشى عن أضرار النّاس ما رأى نفسَهُ بعيدة عن مراقبة القانون، ما لم يكن يشعر بمراقبة غيبية قدسية تطلع مستسر سره، ومكنوناتِ نفسه أينما وُجدَ، وأينما حَلَّ، وهذا لا يتوفّر لنا ما لم نحيِ بالإنسان الغريزة الاعتقادية والإيمان بالمراقبة الإلهية والخوف الشديد من تجاوزه على شريعته الدينية.

ولعلّ أحسن شاهدٍ نقيمه على ذلك هو أنّك لو فتحت دفاتر الجرائم في محاكم العدل في سائر الدول الكبيرة والصغيرة لا تجد في المجرمين من المؤمنين واحداً من ألف، وهذا الاستقراء أدلّ دليلٍ على محاربة العاطفة الدينية للإجرام وموجباته وأسبابه. ألا وإنّ عدم إدراك الشعوب للقيم الروحية وعدم التفات حكوماتها لمحاسن الثقافة الدينية جعلها بعيدة عن هذه الناحية، فسنّت قوانين صارمة، وفتحت مدارس جامعة لو أنفقت بعضاً من ذلك على إضافة الثقافة الدينية إلى الثقافة العلمية لكَاَنَ خيراً لها وأحسن سبيلاً، حيثُ بها تنتشل الإنسانية من غمراتِ الحروب ولهواتها وتبعدها عن مأساة الشرور وآلامها وتنصرف للصالح العام والنَّفع التامّ وتجعلهم إخواناً على سُرُرٍ متقابلين قد تناسوا الفوارق بأنواعها.

ولا أعني بالثقافة الدينية هو مجرد اللقلقة اللسانية والتقاليد المتبعة، وإنّما أعني بها تركيز العقيدة الدينية في النفوس بحيثُ تلتهب بها العاطفة وتلتاط بالضمائر والدخائل ويبذل فيها النفس والنفيس، بعد الشعور بأنّها التحفة الملكوتية التي ضمنت للعالم الانساني سعادةَ الدارين وخير النشأتين. ورُبمّا يتخيّل المتخيلون أنّ الدين يصطدم بالعلم الحاضر، ولكنّ الأمر بالعكس، فإنّ العلم قد أزال كثيراً من الحجب الكثيفة عن حقائق الدين، ولا زال يخدم الدين حتى عند الملحدين، فيُدخِل إلى ما استسرّ في نفوسهم من دخائل الإلحاد، فيطبع فيها صوراً عالية من المبادئ الدينية لا تزال تطفح على أقلامهم من دون أنْ يكونوا هم شاعرين بها، فهذا شبلي شميل([202]) الملحد المعروف يقول في جملة من كلامه: (إنّ الشرائع اجتماعية أو دينية غرضها واحد وهو صلاح حال الإنسان، وواضعوها من أنبل المصلحين غاية، والشريعة الإسلامية خاتمتها وفذلكتها وإنّها الشريعة الوحيدة الاجتماعية العليا المستوفاة التي ترمي إلى أغراض نبيلة دنيوية حقيقية، وإنّ الدين الإسلامي نظامٌ عملي مادّي قانوني يتكفل بصلاح حال المجتمع).

وإنّ لنا على كلامه هذا أصحّ شاهد، فهذه الأمة العربية كانت بلادها قاحلة وهي على شظف من العيش وانحطاط في درجات سلم العلوم والعرفان، تتحكم في عراقها الفرس، وفي تخوم شامها الروم، فارتقت بعد أنْ مَنَّ اللهُ تعالى عليه بالإسلام أقصى ذرى المجد، وتحكّمت في ممالك فارس والروم، وحيث إنّي أريد أنْ أعالج الموضوع والجواب عن الشبهة المذكورة عن طريق يؤمن به الملحدون ويَدينُ به الجاهلون، لذا كان لزاماً عليَّ أنْ استشهد بقول مَنْ تَركَنُ نفوسهم إليه من أنّ الدين لا يتنافى مع العلم، فقد سبق منا كلام شبلي، وإليك ما صرح به العلامة هرشل([203]) حيث يقول: (كلّما اتّسعَ نطاقُ العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حَدَّ لقدرته، فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صروح العلم، وهو صرح عظمة الله وحده). وهذا الفيلسوف الغربي([204]) صاحب كتاب ثمرات الحياة يقول: (انه توجد فوق الإنسان قوة أزلية أبدية ينشأ عنها كل شيء) وما أحسن الكلمة المأثورة عن (باكو) التي يقول فيها: (إنّ العلوم الطبيعية إذا رشفت بأطراف الشفاه أبعدت عن الله تعالى وإنْ شربت عبّاً أوصلت إليه تعالى). وهذا الدكتور الذري أخي محمد([205]) قال لي: (إنّي كنت مقلداً في عقيدتي الدينية، أمّا اليوم بعد درسي للعلوم الطبيعية وتعمّقي فيها وخوضي في الذّرة ومجرّها آمنتُ بالدِّين الإلهي إيماناً لا يشوبُهُ شَكٌّ ولا تزلزله أيُّ شبهةٍ لله الحمد).

خطبتنا في عيد الأضحى في الصَّحن الحسيني

ومن ذلك من خطبةٍ لنا بعد صلاة عيد الأضحى في صحن الحسين  عليه السلام  سنة (1382هـ) وهي بعد البسملة.

أيّتُها الأمّةُ المسلمة:

حُيّيتم بأبهى تحية تمتزج باللطف الإلهي والعناية الربانية، وإذا حييتكم فإنما أحيي قلوباً يقظة وعواطف نبيلة، ونفوساً طاهرة، تجشّمت العناء والتعب في سبيل إعلاء كلمة الله والدعوة لدينه. إنّ تركيز الدين ضروري للمجموعة الإنسانية على حدّ ضرورة نشر المعارف فيها، بل يزيدُ عليها بمراتب كثيرة، بل أكثر لما في انتشار المادية وتفشّي الإلحادية من خسارة الفرد والعائلة والمجتمع.

أمّا خسارةُ الفرد فلشعوره بأنّ حياته وما يُحيطها أمرٌ محدود يفنى بفناء الدهر وينقضي بانقضاء الزمن، وهذا ما يجعله في حزنٍ وكمد عند التفاته لذلك وفي أسفٍ وتألّم عند إدراكه محدودية حياته، بل تصبح نفسه ضعيفة أمام محن الأيام وطوارق الزمان، فلا يحتمل أبسط الحوادث المؤلمة، وأقلّ الوقائع المزعجة بخلاف المؤمن بربّهِ المتمسّك بدينه، فإنّه تضعف في نظره الحوادث بمقدار قوّة إيمانه وشدّة عقيدته، وإنّي وَجَدْتُ الكثير ممّن آمنَ بالله لو فقد عزيزه كانَ كَمَنْ سافر عزيزه عنه ويلتقي به بعد حين، وإذا حَلَّ به البلاءُ آنس نفسه بما يناله في الآخرة من الجزاء، وهوّن عليها الخطب يوم الحساب يوم الأجر والثواب.

وأمّا خسارة العائلة فهو لا يأمن على عرضه، ولا على نفسه، ولا على ماله من أهل بيته عند فقدهم العقيدة الدينية، فإنّ سلطان الشهوة لا يقهره شيء لا شرف النفس ولا حسن التربية إذا جَدَّ الجدّ وخلا له الوقت إلا تمركز العقيدة بالله، والحوادث التاريخية أدلّ دليل على ذلك، فقد شهد الكثير منها أنّ البيت الذي يفقد الوعيَ الديني تتحكَّمُ اللّذات الحيوانية بمقدّراته، وتكون المادة العمياء هي المقياس الوحيد في حياته، وإذ ذاك تنعدِمُ الثقة حتّى في أهمّ أركانه، فلا أمانَ لصاحبه بزوجته، ولا لزوجته الأمان به، ولا ثقة له بذويه، ولا لذويه ثقة به، كما لا يطمئنّ على حياته فيما لو اقتضت الميول البيتية القضاء عليها، ولا يأخذه القرار على ماله ولا على ما في يده فيما لو أراد البيت غصبها من عنده أو سرقتها منه، ولنا على ذلك شواهد سجّلها التاريخ وقضايا دوّنتها المحاكم المدنية، وعند ذلك ينهار البيت ويزول الحنان والتعاطف من بين يديه ويصبح صاحبه في شقاء مستمر، وذووه في خشية وخوف دائم وسرعان ما ينحلُّ الإخاء ويذهب الولاء.

وأمّا خسارة المجتمع فهي لا تحتاج إلى بيانٍ حيثُ تزول بانعدام القيم الدينية كلُّ صفةٍ إنسانية كمالية عن النفوس وتتحكّم فيها الأهواء والرغبات، فلا صدق في اللهجة ولا أمانة في المعاملة، ولا إخلاص في العمل، وتصبحُ الأمّةُ بين أمرين: إمّا بهائم خرساء في قبضة سائقها وآلة صمّاء في يد عاملها لا تملك من أمرها شيئاً، وإمّا خَبْطَ عشواء، وتعيشُ في خطّة عمياء تعصفُ في أجوائها مختلفات الأهواء وتَهُبُّ في أرجائها الفتنُ الخرساء.

ألا وإنّ فقدانَ الوعي الدّيني في وسطنا الاجتماعي هذا اليوم أوجب أنْ نصبح في ظرف عصيب ووقت رهيب، نقطع فيه أصعب المراحل الخطيرة في تأريخنا الحديث، فالصراع قائمٌ بين الأمم الكبيرة، والحقُّ تطغى عليه القوّة وعلى الأماني المنايا، وشَبَحُ الموت والفناء يرفرف على العالم كُلِّهِ وأبطال الحرب ومديروا دفتها يوالون الاجتماعات إثر الاجتماعات ويعقدون المؤتمرات إثر المؤتمرات لإضرام البشرية بنار لا يسهل إخمادها وإثارة فتنة صمّاء يَصْعُبُ الخروج منها.

 

المطلب الثاني

في الشريعة والتشريع، وفيه فصول

الفصل الأول

في معناها وتقسيمها وأي قسم منها يختص باسم الدين

وحيث إنّ الفقه إنّما يكونُ في الشريعة الإسلامية كانَ لزاماً علينا أنْ نتعرض لمعنى الشريعة فنقول: إنّ الشريعة لغة الطريقة المستقيمة، واصطلاحاً عبارة عن الأحكام والقوانين التي سنّت للمصلحة، سواء كانت للفرد أو المجتمع وسواء كانت متعلقة بالأفعال أو بالعقائد أو تهذيب النفوس، وهي قد تكون سماوية إذا كان المشرّع لها هو اللهُ تعالى، كالشريعة الإسلامية، وقد تكون مَدَنيّة إذا كان المشرّع لها هو الإنسان كشريعة حمورابي، فإطلاق الشريعة على الأحكام باعتبار أنّها الطريق المستقيم الذي يُوصِلُ من يسلكه لصالحه وسعادته، كما أنَّ الشريعة السّماوية تسمّى بالدّين باعتبار لزوم التديُّن بها من رَبِّ العالمين، والفرق بين التشريع والشريعة أنَّ التشريع هو سَنُّ تلك الأحكام والقوانين والأنظمة، والشريعة هي نفس القوانين والأنظمة والأحكام.

وبهذا يظهرُ لكَ الفرقُ بين التشريع والاجتهاد والتفقّه، فإنّ التشريع: هو سن الأحكام والقوانين وإيجادها، والاجتهادُ: هو استنباط الأحكام والقوانين من أدلتها ومصادرها، والتفقّه: هو معرفة القوانين والأحكام والأنظمة من أدلتها، وعليه فليس الفقيه والمجتهد بمشرّع، وليس هما من السلطة التشريعية.

ثمّ إنّ الشريعة والمنهاج في لسان الشرع شيءٌ واحد قال تعالى: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا]([206])، ولكن يظهر من بعضهم أنّ الشريعة هي الأصولُ والقواعد الدينية والمنهاج هو الذي يفصّل هذه القواعد.

والحاصل: إنّ الشريعة والمنهاج عبارةٌ عن نفس الأنظمة والقوانين والفقه هو معرفتها من الأدلة القائمة عليها.

 

الفصل الثاني

في وجه الحاجة للتشريع الإلهي

لقد كان من وضع الإنسان المحتّم أنْ يقطع مفاوز الحياة مع أبناء نوعه، سواء قلنا إنّ ذلك يقتضيه بطبيعته وفطرته أو كان ذلك من جهة الحاجة في شؤونه ومعيشته، وهذا مما أوجبَ الحاجة إلى تشريع يُحدِّدُ له الارتباط بالغير في المجتمع الذي يعيش فيه؛ منعاً له من شذوذ التصرّف وإطلاق العنان للشهوة والأثرة وحبّ الذات والإسفاف والإسراف في تنفيذ الرغبات.

وللقضاء على العلل ومشاكل الاجتماع، وللإرشاد للمصالح والمنافع، ولتنظيم الحياة لكسب السعادة فيها، ولإقامة العدل وصيانة حقوق الناس الشخصية والكلية، ولحفظ الأمن العام، وللسلوك بهم نحو مدارج السموّ والكمال، ولاستلهام المثل العليا والفوز بالنشأتين والسَّعَادة في الدّارين، وهذا التشريع وأنْ كانت العقول قد وضَعَتْهُ لأممها حسب معرفتها وعلمها، إلاّ أنّه لا شكَّ أنّ التشريع الإلهي حيثُ يستند لأعظم عقلية غيبية تدرك مصير الأعمال ومصالح الأفعال ومفاسدها، ويستمدّ من أوسع علمية بمجاري الأمور، وما تؤول إليها بخيرها وشرّها ومحاسنها ومساوئها، وأبصر معرفة بحقائق الموجودات، ودقائقها وأسرارها، كان التشريعُ الصَّادر منها أسمى وأنفع من التشريع الصادر من العقليّة البشرية المحدودة في معلوماتها، والتي طالما وَقَعَتْ في الهفوات والأخطاء حتّى فيما يخصّ نفسها.

هذا مع أنّ النفس لشهواتها طغيان يوقعها في مهامه الهلكات، وينزلها لأخس الدنيئات، ولا يمكن أنْ يقفَ دُونَه التشريعُ الإنساني، حيثُ ينعدم سلطانه عند الخلوة والأمن من المراقبة، بخلاف التشريع الإلهي، فإنّه لا ينعدم معه الرقيب فالله يعلم السرّ وأخفى.

أضف إلى ذلك ما في التشريع الإلهي من ربط العبد بمولاه والمخلوق بخالقه الموجب لشكره، وشكره يوجب شمول رعايته وجميل لطفه وزيادة النعمة وتوفير الإحسان والبركة، فالغاية من التشريع الإلهي والمنفعة المرتبة عليه هو سير الناس نحو الحياة الموفّرة بالسعادة في الدارين على الوجه الأكمل، ونيل الخير في النشأتين على النّحو الأحسن؛ ليكونوا خير أمّة أُخرجت للناس بتنظيم حياتهم ووفور السعادة لديهم، وإلاّ لكان الأمر فوضى بينهم تتحكَّمُ فيه رغبات القوي وتُغصَب حقوقُ الضَّعيف وتُسْلَبُ عنهم الحرّيات وتتبع في تصرّفاتهم الشهوات ويُفرَّط بمهمّات الحياة الخمس الدِّينُ والنفس والعرض والمال والعقل، وذلك هو الخسران المبين.

ما يحتاجه التشريع

ولكنّ التشريع مهما كان نوعه إلهياً أو مدنياً يحتاج إلى الأحكام التي تكفل له القيام بأحكامه، وتضمن له الإطاعة لقوانينه، أمّا روادع وزواجر كبطلان العقود والايقاعات المخالفة للتشريع، وأما عقوبات وتأديبات كالحدود والتعزيرات والسجون والقصاص والغرامات.

ويختصُّ التشريع الإلهي بالعقوبات الأخروية مضافاً للعقوبات الدنيوية فيكونُ في النفوس أركز وبالاندفاع نحو العمل أزيد، ولنا في هذا المقام مقالاتٌ قَيِّمة نَشَرَتْها المجلاّتُ الإسلامية والصُّحُفُ العَرَبيّة فيراجعها من أراد زيادة البصيرة.

 

الفصل الثالث

في فصل الدين عن السياسة

ويلحقُ بهذا المطلب ما لاكته الألسن في هذا الوقت من فصل الدِّينِ عن السياسة، والسبب فيه إنّ الغَرب لمّا رأى هيمنة الكنيسة على شعوبهم، حتى أصبحت الطاقة الروحية تصطدم بقوة الدولة وتزاحمها في نفوذها وسطوتها وسلطانها، أخذ رجالُ الدولة في بذلِ السَّعي لفصل الدِّين عن سياسة الدولة، وإبعاد نفوذِ رجال الدين عن شؤون الحاكمين، مستندين في ذلك إلى ما في الأناجيل متّى ولوقا ومرقص من قول اليسوع  (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله)([207])، وتمكّن بذلك وُلاةُ الأمور منهم أنْ يفصلوا رجالَ الكنيسة، ويبعدوا علماءها عن آفاق السياسة والحياة العملية لشعوبهم.

وأمّا الإسلام فقد ربط السياسة بالدين والحياة بالشريعة الإسلامية، حيثُ قنَّنَ أحكام الحياة للفرد وللبيت وللمجتمع حتّى مع الغير، وطَلَبَ من العُلماء أنْ لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم.

وأما العبارة المنقولة عن الأناجيل فهي لا تدلُّ على أكثر من أنّ المال
الذي لقيصر لا يُعطى لله، والمال الذي لله لا يعطى لقيصر، فإنّك لو راجعت الأناجيل المذكورة تجد هذه الكلمة صَدَرَتْ من اليسوع في دينار قُدّم له عليه كتابة وصورة لقيصر، وقد عالجنا هذا الموضوع بصورة أوسع في كتابنا نقد الآراء الفلسفية.

 

المطلب الثالث

الإسلام والشريعة الإسلامية وعمومها، وفيه فصول

الفصل الأول

في تسميته وعموميته

الإسلام مصدر (أسلم) بمعنى: انقاد، وليس كما تُوهم أنّه مأخوذ من سَالَمَ بمعنى: وَافَقَ؛ لأنّ مصدره مسالمة لا إسلام.

وقد نُقِل من هذا المعنى عند المسلمين للدّين الذي جاء به نبيُّنا محمَّد  صلى الله عليه واله وسلم  لقوله تعالى: [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ]([208])، ولقوله تعالى: [وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا]([209])، وهذا هو مصدر تسميته بالإسلام، فإنّها تسميةٌ قد جاءَت من عند الله تعالى.

وكان الإسلامُ آخِرَ الشرائع الدينية وخاتمتها جاءَ لعامّةِ الناس في شرق الأرض، وغربها لقوله تعالى من سورة سبأ: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]([210])، ولقوله تعالى في سورة الأعراف: [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً]([211])، ولهذا نَهَضَ نبيُّنا محمّد  صلى الله عليه واله وسلم  بتبليغ الدعوة الإسلامية، حتى أوصل الدعوة
لهرقل امبراطور الروم ولكسرى ملك الفرس وللحارث الحميري ملك 
اليمن وللمقوقس حاكم مصر وللحارث الغسّاني ملك الحيرة وللنجاشي ملك الحبشة.

 

الفصل الثاني

في أصول الإسلام

وأصول الإسلام ثلاثة، التوحيد، وهو شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، والنبّوة وهي شهادة أنّ محمّداً رسولُ الله  صلى الله عليه واله وسلم ، والمعاد وهو الاعتراف بعود النّاس بعد مماتهم يوم القيامة؛ ليأخُذَ كلٌّ منهم حقه إنْ خيراً فخير وإنْ شرّاً فشر، سواء عُلِم من المقرّ أنّه مصدّق بذلك أم لم يُعلَم، فمجرد إقراره واعترافه بذلك كافٍ في ثبوت إسلامه وترتّب آثار الإسلام عليه، كالطهارة، وجواز النكاح، والدية التامة، كما صَرَّح بذلك العلماء.

والدليل عليه هو ما تواتر عن النبي صلى الله عليه واله وسلم ([212]) والصحابة أنّهم كانوا يكتفون في ثبوت الإسلام بالإقرار بالشهادتين واستغنوا عن الإقرار بالمعاد؛ لأنه لازم بيّن للإقرار بالنبوة، ثم بعد ذلك ينبّهون المُقِر على المعارف الدينية التي يتحقّق بها الإيمان، ففي رواية سُماعة عن أبي عبد الله  عليه السلام  في وصف الإسلام أنّه قال: (شهادةُ أنْ لا اله إلا الله والتصديقُ برسول الله  صلى الله عليه واله وسلم ، به حُقِنَتْ الدماءُ وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جَمَاعَةُ النَّاسِ)([213]).

وأمّا عَدُّ منكِرِ ضروريِّ الدّين ومنكر ما قطع به أنّه من الدّين من الكافرين من دون شبهة، ولا دليل؛ فلأنه يرجع إنكاره إلى إنكار النبوّة؛ ولما جاء به     النبي  صلى الله عليه واله وسلم ، ولذا حكم الأصحاب بكفر النّواصب الذين نَصَبَوا العداوة لأهل البيت  عليهم السلام ؛ لأنّهم أنكروا الولاية التي هي من ضروريات الدّين.

ومن هذا الباب حكم بعضهم بكفر المستخفّ بالدّين، كالملقي للقرآن في القاذورات، والمستهزئ بالمؤدين للواجبات الدينية استنكاراً لها وتعصُّباً وعنادا.

وأمّا ما وَرَدَ من إطلاق الكافر على تارك الصَّلاة([214]) والحجّ والزكاة ونحوها فالمرادُ به هو الفسق، أو من تركها إنكاراً لها بدون شبهة ودليل، فإنّه إذ ذاك يكون منكراً لضروريّ الدّين الراجع لإنكار النبوة.

وأمّا ما ورد من الحديث المشهور من بناء الإسلام على خمسٍ(2) فلا بدّ أنْ يراد به الإسلام الكامل الذي يوجب دخول الجنة لا الإسلام الظاهري بدليل عدّ إقامة الصّلاة وإيتاء الزكاة من الخمسة.

 

الفصل الثالث

في مميزات الشريعة الإسلامية

لقد امتازت الشريعةُ بأمورٍ يعرفها كلُّ مَنْ قارَنَ بين الشرائع الدينية، إلا أنّ الأمر البارز في ذلك منها هو تكفّلها لسائر الأحكام التي تخصُّ حياة الإنسان الفردية والاجتماعية الدينية والدنيوية.

وظهرت هذه الشريعةُ بثوبِ الدّولة السياسي، ومثلت كُلَّ شيءٍ مما يخصُّ المجتمع أو الفرد بطابعٍ دينيّ وتشريعٍ إلهيّ، تساير الزمن مهما تقلّبت الأحوال وتعالج شؤونَ الحياة في العالم مهما اخْتَلَفَتْ الأوساطُ، فكانَتْ النّتيجَةُ الحتمية أنْ صارتْ خاتِمةَ الشرائع الإلهية والأديان السماوية.

بعد أنْ هبط الوحي المبين بأوّلها على قلب رسول ربّ العالمين في مكة المكرمة والأرض المشرفة كعبة رب العالمين، ثم جاءت أحكامُها تباعاً وتدريجاً حتّى كَمُلَتْ قواعدها وأصولها وتمّت أحكامُها وأسُسها في غدير خمّ عندما نزلت الآية الكريمة: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا]([215]).

وذكر علماء التفسير لمورد نزول آية [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] [معانٍ متعددة]، ففي رُوحِ المعاني للآلوسي ج6، ص55 طبع مصر (عن أبي سعيد الخدري: إنّ هذه الآية نزلت بعد أنْ قال النبي  صلى الله عليه واله وسلم  لعلي (كرم الله وجهه) في غدير خمّ (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)، فلمّا نزلت قال  صلى الله عليه واله وسلم : (الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النّعمة ورضا الرّبّ برسالتي وولاية عليّ بعدي)...)([216]).

ومثله ما ذكره ابنُ كثير في تفسيره([217]) ج2، ص14 طبع مصر.

وفي تفسير النيسابوري ج2، ص4 (إنّه لمّا نَزَلَتْ الآيةُ المذكورة على النبي  صلى الله عليه واله وسلم  فرح الصّحابة إلاّ أكابرهم كأبي بكر الصديق وغيره، فإنهّم حزنوا، وقالوا: ليس بعد الكمال إلاّ الزوال، وكان كما ظنوا، فإنّه لم يعمّر بعدها إلاّ أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص)([218]).

وغدير خمّ هو بين الحرمين مكة المكرمة والمدينة المنورة عند الجحفة، وهو الذي خطب فيه رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  بعد حجة الوداع ونَصَبَ علياً ولياً على المسلمين.

ومن بارز مميّزاتها أنّها حَثَّتْ على العمل لِكَسْبِ المغنم في هذه الحياة وتحصيل المعرفة بأسرار هذه الكائنات، ووعدت الصَّالحين الذين يصلحون للتدبير والتقويم بالميراث للسّطوة والسلطة بقوله تعالى: [أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ]([219])، ولم تغادر صغيرة أو كبيرة إلاّ وذكرت حكمها، حتى أنّك لا تجد واقعة من الوقائع التي تخصُّ الإنسان نفسه، أو مع غيره، أو المجتمع نفسه، أو مع غيره إلاّ ويظهر حكمها من نصّ أو ظاهر أو قاعدة أو أصل، وهذه الميزة تفقدها سائر الشرائع لسماوية والنظم الحزبية والقوانين الدولية.

ومن بارز ميّزاتها إنّها حرّرت العقل البشري من الأساطير والخرافات ووجّهَتْهُ نحو المنطق الحرّ والدليل والبرهان في العقيدة والايمان.

ولم تأخذ بالجريمة والجريرة بمجرّد التفكير فيها، وإنّما تأخذ بها بعد ارتكابها، فلم تأخذ بالتفكير في الزنا، وإنّما تعاقب على ارتكابه، كما ينسب ذلك لبعض الشرائع، إلى غير ذلك من مميّزاتها، فإنّها لا يمكننا إحصاءها بهذه العجالة.

 

الفصل الرابع

في وجه جعل الرسالة الإسلامية في جزيرة العرب

إنّ من مميّزات البلاد العربية وما حولها أنّ الشرائع السماوية الثلاثة التي يعتنِقُها أكثر العالم الانساني كانت هي مهبطها، فاليهوديّة أوحي بها
لموسى  عليه السلام  في صحراء سيناء، والنصرانية في فلسطين، والإسلام في مكّة المكرمة، وقد جعل الله تعالى تشريعه للإسلام للعالم الإنساني من مكّة المكرمة؛ لأنَّ الثقافة كانت منعدمة فيها، والفضيلة العلمية غير موجودة في ناشئتها، والأميّة قد ضربت سُرادِقُها على جوانبها؛ لئلا يتخيّل متخيّل أنّ هذا التشريع المتقن من صنع البشر فيها.

بخلافِ ما لو كان من بلادٍ تقوى الثقافة فيها كاليونان والرومان وفارس، فإنّه قد يذهب الوهم ويقوى القول والظنّ أنّ هذا التشريع من وضع المثقفين فيها، ومن هذا الباب جعل الوحي ينزل على الأميّ من أمّ القرى لا على الكاتب القارئ فيها.

وهذا الوَجْهُ الذي ذكرناه أحسنُ من الوجوه التي ذكرها القوم من كون جزيرة العرب فيها عقائد متباينة وأديان مختلفة، فجاء الإسلام ليردّهم إلى دين الحق، أو من أنهم كانوا متفكّكي الروابط وكثيري المشاحنات فجاءَ الإسلام لجمع كلمتهم، ولو كان الأمرُ كما ذَكَروه لَلَزَمَ القولُ بعدم حاجةِ باقي الملل والنِّحَلِ للإسلام.

 

الفصل الخامس

في علوم الشريعة الإسلامية

إنّ الشريعة الإسلامية لمّا كانت أحكامُها على أقسام ثلاثة:

أحدها: ما يتعلّق بالعقائد الإسلامية كالاعتقاد بوجود الله وصفاته ورسله وكتبه والمعاد والثواب والعقاب، ونحو ذلك مما يرتبط بالعقيدة الإسلامية، وضع المسلمون لها علماً خاصّاً يبحث عنها سمّوه بعلمِ الكلام وعلم أصول العقائد وعلم الفقه الأكبر، وعلم التوحيد، وعلم العقيدة، وعلم المبدأ والمعاد.

ثم إنهّم بعد ذلك سَلَكوا في دراسة هذا العلم مسلكين:

أحدهما: مَسْلَكُ النقل وهو الاعتماد على معرفة ذلك من القرآن الكريم والسنّة وتأييدهما بالعقل.

وثانيهما: مَسْلَكُ العقل وهو الاعتمادُ على معرفة ذلك من الأدلّة العقلية، وما وَصَلَ إلى المسلمين من معارف الفلاسفة والحكماء مع تأييد النقل فخصّوا الأول بعلم الكلام والثاني بعلم الحِكْمَةِ والفلسفة.

وثانيها: ما يتعلَّقُ بالأفعال والأعمال التي تخصُّ المكلّف بوضعه الفردي أو وضعه الاجتماعي من عبادات ومعاملات وعقوبات والتزامات، ووضع له المسلمون علماً خاصاً به سمّوه بعلم الفقه، الذي هو محلُّ بحثنا، ويسمّى في عرف الحقوقيين بعلم القانون.

وثالثها: ما يتعلَّق بكمال الإنسان وآدابه وسيره وسلوكه من تهذيبه وإصلاحه، وما يجب أنْ يتحلّى به من الفضائل وما يتخلّى عنه من الرذائل ووضع له المسلمون علماً خاصّاً به سمّوه بعلم الأخلاق.

وبيان هذا التقسيم أولى وأحسن مما قيل في بيانه من: أنّ العلم الذي يُبْحَثُ عن أحكامِ الشَّريعة الإسلامية التي تخصُّ العقيدةَ يسمّى بعلم الكلام، والعلم الذي يبحث عن أحكام الشريعة التي تخصُّ تزكيةَ النفس وتطهيرها يسمّى بعلم الأخلاق، والعلم الذي يبحث عن أحكام الشريعة الإسلامية التي تخصُّ إصلاح المجتمع الإنساني وينظم مدنيته يسمّى بعلم الفقه، فإنَّ إثبات أصل وجود الله وصفاته ليس من الأحكام، وإنّما الحكم، هو وجوب الاعتقاد بوجوده، وهكذا أحوال المعاد.

ثم إنّ علم الفقه يبحث عن أحكام تخصّ الفرد كعباداته، فكيف يجعله باحثاً عن خصوص ما يصلح المجتمع وينظم مدنيته؟

 

الفصل السادس

في مجيء الإسلام على سبيل التدريج وحكمة ذلك

ولقد جاء الإسلام بأحكامه وأنظمته وقوانينه على سبيل التدريج، حسب ما تقتضيه المصلحة، ومن أجل هذا نزل القرآن نجوماً أي: على دفعات متقطعة حسب مقتضيات الأحوال والأحداث والأوضاع.

وكانت الآياتُ النازلة يسأل من النبي  صلى الله عليه واله وسلم  عن وضعها في أيِّ سورة من سور القرآن الكريم، ويحكى أنّ الصّلاة أوّل تشريعها ركعتان صُبحاً، وركعتان مساءً، ثمّ لما اعتادت عليها النفوس جُعِلَتْ خمس صلوات، وإنّ الصيام أوّل ما شُرِّعَ كان ثلاثَةَ أيامّ في كُلِّ شهرٍ ثُمّ جُعِلَ عليهم صوم شهر رمضان بأجمعه، وكانت القبلة إلى بيت المقدس، ثم بعد ستة عشر شهراً أو أكثر جعلت القبلة الكعبة المشرفة. وهذا أدل دليل على أنّ أحكامه تابعة للمصالح والمفاسد الكائنة في متعلّقاتها، يتوخّى منها سعادة الفرد والمجتمع في الدّارين والفوز بالنشأتين، كما يرشد إلى ذلك مجيء التخصيص أو التقييد في بعضها بَعْدَ مُضي زمانِ العموم والإطلاق، ومجيء النسخ في بعضٍ آخر منها بَعْدَ مُضي زمانِ المنسوخ، إلى غير ذلك مما تقتضيه المصلحة أو المفسدة.

 

الفصلُ السَّابعُ

في أنّ لكلّ واقعةٍ حكماً شرعياً

لقد قام الإجماع منّا، بل من جميع المسلمين على أنّ الوقائع والحوادث على مختلف أنواعها وأزمانها وظروفها وحاضرها ومستحدثها لا تخلو عن حكمٍ إسلاميٍ وتشريعٍ إلهيٍ، اقتضائي أو تخييري، بدليل قوله تعالى: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...]([220])، وأمّا الرُّجوعُ إلى العقل، فهو إمّا في معرفة مقاصد الأدلة الشرعية وأهدافها، وما ترمي إليه من القواعد وتَتَطلّعُ إليه من الدفائن والحقائق، وإمّا في كشفه عن الحكم الشرعي نظيرُ كشف القرآن والسنة، وهو مُضَافاً إلى قلته؛ لأنّه لا يكونُ إلاّ في الأمور الواضحة الحكم كَردِّ الوديعة ونحوها، ففي مَوْرِدِهِ لابدّ وأنْ يكون من الأدلّة الشرعيّة ما يدلّ عليه.

والحاصل: إنّ كلَّ واقعة لا تخلو عن الحكم الشرعي، نعم بعضُ الوقائع
لا يمكن التشريعُ فيها كالاعتقاد بوجودِ اللهِ تعالى، وكالإطاعة والامتثال للتكليف الشرعيّ للزوم الدور أو التسلسل، ولكنّ هذا ليس قصوراً في التشريع، بل هو من جهة عدم قابلية المحلّ، نظير اجتماع النقيضين، فإنّ عدم قدرة الله تعالى عليه ليس نقصاً في القدرة، بل هو من جهة عدم قابلية المحل. وعليه ففي مثل تلك الموارد يكون المرجع هو حكم العقل، ولله أنْ يؤاخذ ويعاقب على مخالفته.

نعم، الملازمات العقلية كوجوب المقدمة والنهي عن الضد يكون العقل مرجعاً فيها، وهكذا الأصولُ العملية، وهكذا الظنُّ بناء على الانسداد، كما أنّ القرآن والسنّة تكونُ مرجعاً في الأحكام، بمعنى: أنّه يكشف حكم الشارع في الواقعة بها لا أنّها تقتضي عَدَمَ حكمٍ للشارع في الواقعة.

 

الفصلُ الثامن

في بيان الرسول لجميع أحكام الوقائع

هذا ولكنْ وَقَعَ الكلام بين المسلمين في أنَّ الرسول  صلى الله عليه واله وسلم  بَلَّغَ وبيّنَ جميع أحكام الوقائع بالكتاب وبالسنة النبوية وأظهرها بأجمعها فيهما، ولم يكتم شيئاً منها، أو أنّ الرسول بلَّغَ خصوصَ الأحكام الشرعيّة التي تخصُّ الوقائع التي حَدَثَتْ في زمانه، وكانت محلّ الابتلاء في وقته، وأودع باقي الأحكام عند
علي  عليه السلام ، وعليٌّ  عليه السلام  صنع الرسول  صلى الله عليه واله وسلم ، فأظهر منها التي تخصّ الحوادث التي وقعت في زمانه وكانت محلّ الابتلاء فيه وأودع الباقي من الأحكام للإمام الذي يكون بعده، وهكذا كلّ إمام يصنع كذا، فيُظْهر ذلك الإمام مما تبقى عنده من الأحكام بحسب الحاجة، ويودع ما بقيَ من الأحكام عند من بعده، وهكذا إلى الإمام الثاني عشر، وكلُّ واحدٍ منهم يُظْهِر منها ما يخصُّ الحوادث النازلة في وقته، ويودع ما تبقى من الأحكام عند من بعده من الأئمة؛ ليظهرها وقت الحاجة، والإمام الثاني عشر حيٌ موجودٌ يظهرها بالمناسبات التي تقتضي ذلك، بل إنّه  عليه السلام  ينتفع بوجوده كانتفاع عالمنا بالشمس حتَّى حين يغطيها الغمام.

وذهب إلى القول الأوّل أهلُ السنة، وذهب إلى الثاني الشيعة، والكلام يقع أولاً في تجويزه، وأخرى في تحقّقه، أما جوازه فهو لا إشكال فيه؛ لأنّ العقل لا يمنع من تأخير البيان للحكم قبل مجيء وقت الحاجة إلى بيانه، وإنّما يمنع من تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وفرض كلامنا أنّ الأحكام التي أخّر بيانها لم نكن نحتاجُ بيانَها، وقتَ وجودِ الرسول  صلى الله عليه واله وسلم ، وإنّما نحتاجُهُ بعده للوقائع المتجددة بعده  صلى الله عليه واله وسلم ، بل قد يلزم تأخيرُ بيان بعض الأحكام لبعض الوقائع، كما إذا كانت المصلحة تقتضي تأخيرُ بيانها، أو كانت مفسدة في بيانها، ويُرْشِدُكَ إلى ذلك تأخيرُ بيان بعض الأحكام في نفس زمان الرسول  صلى الله عليه واله وسلم ، فإنّه لم يكن قد بيّن جميع الأحكام أوّل رسالته، وإنمّا أظهرها على سبيل التدريج، فأوّلُ ما بيّن التكليفُ بالشهادتين، ثم أخذ يُظْهِرُ التكاليف تدريجاً، فإذا جَازَ التأخيرُ في
إظهار بَعْضِ الأحكام في زمانه  صلى الله عليه واله وسلم ، فإذنْ يَجوزُ تأخيرُ بيانِ بَعْضِ الأحكام بعد وفاته  صلى الله عليه واله وسلم ؛ لأنَّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.

ويرشدك لذلك قوله تعالى في سورة المائدة [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ]([221])، فإنّها تدلُّ على تأخير بيانِ حُكْمِ هذه الأشياء، وإنّ المصلحة تقتضي عَدَمَ إظهارَ حُكْمِها فعلاً، بل يمكن أنْ نقول: إنّه يجوزُ أنْ يكون  صلى الله عليه واله وسلم  أودعَ إظهارَ نُسَخِ بَعْضِ الأحكام الواقع ذلك النسخ في زمن وجوده  صلى الله عليه واله وسلم  عند أوصيائه المأمونين على سرّه؛ لكونِ أمَدِ بقاءِ الحُكْمِ المنسوخ ينتهي في زمانهم  عليهم السلام  لا في زمانه  صلى الله عليه واله وسلم .

والحاصل: إنّ العقلَ يُجوِّزُ تأخيرُ البيان للحُكْمِ بَعْدَ الرّسول بأنْ يُودِعُ بيانه لأحد أوصيائه المؤتمنين على الدنيا والدين إلى الوقت المطلوب إظهاره من دون قبحٍ في ذلك، بل يُلْزِم بتأخيرِهِ إذا اقتضت المصلَحَةُ ذلك أو كانت المفسدة في إظهاره في زمان وجوده  صلى الله عليه واله وسلم ، بل وحتّى نَسْخه إذا كان أمَدُ الحكم المنسوخ ينتهي إلى ما بعد زمنِ الرّسول  صلى الله عليه واله وسلم ، فيكون إظهارُ نسخه مودعاً عند المأمون على
سره  صلى الله عليه واله وسلم ، هذا ما يقتضيه حكم العقل...

وأمّا النقل فقد وَرَدَ منه من طريق العامّة والخاصة ما يدلُّ على ذلك بالمطابقة أو الالتزام ما يبلغ أكثر من حدّ التواتر. أمّا ما روي عن طريق العامة فهو حديثُ الثقلين الدالّ على التمسُّكِ بعد النبي  صلى الله عليه واله وسلم  بالكتاب وبعترته أهل بيته وإنّهما لن يفترقا حتَّى يَرِدَا عليَّ الحوض، فقد رَواهُ ابنُ سَعْدٍ في الطبقات الكبرى([222])، والطّبراني في المعْجَم الصغير([223])، والطبري في ذخائر العقبى([224])، والسيوطي في إحياء الميت([225])، والترمذي في صحيحه([226])، ومسلم في صحيحه([227])، وغيرهم حتّى كاد أنْ يكون متواتراً أو بلغ حدّ التواتر عندهم.

فلو لم يكن عند عترته بيانُ بعض الأحكام الشرعية للأزمنة اللاحقة بعد موته  صلى الله عليه واله وسلم  لما أوصى بالتمسُّكِ بها على حدِّ التمسك بالكتاب.

وما روي عن كنز العمال([228]) وعن مفتاح النجا([229])، وعن إسعاف الراغبين([230]) من أن النبي  صلى الله عليه واله وسلم  قال: (عليٌّ بابُ علمي ومبيّنٌ من بعدي لأمّتي وما أرسلت به). وما روي عن المناقب لابن المغازلي([231]): (عن النبي  صلى الله عليه واله وسلم  ما علمت شيئاً إلا علّمته علياً فهو باب مدينة علمي)، وما تواتر نقله عن الفريقين من أنّ عليا باب مدينة علم الرسول ومَنْ أراد العلم فليأته من بابه([232])، فلو لم يكن هناك أحكام شريعة اختصَّ بمعرفتها عليّ  عليه السلام  لما حصر معرفتها من طريقه.

وأمّا ما ذكروه من الردّ على ذلك فوجوه:

أحدها: قوله  صلى الله عليه واله وسلم ، (تركت فيكم ما إنْ تمسّكتُم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي)([233])، باعتبار أنّه يدلُّ على أنّ الأحكام للوقائع قد بيّنها رسول
الله  صلى الله عليه واله وسلم  بالكتاب والسنّة، ولم يُودَعْ عندَ أحدٍ منها شيئاً، وإلاّ لكان التمسُّكُ بذلك غير رافع للضلال.

ففيه: إنّ الحديث قد تواتر حتّى عند أهل السنة بدل (سنتي) عترتي فلتراجع كتب أخبار السنة، فلو فرض بينهما منافاة فلابد من الأخذ بالمتواتر وترك ما عداه، ولو سُلِّم فهو لا ينافي ما ذكرته الشيعة؛ لأنّ من سنته هو الرجوع للعترة ومعرفة أحكام الوقائع منهم، وأنّهم سفن النجاة وأنّهم أبواب مدينة علمه  صلى الله عليه واله وسلم .

ثانيها: قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ]([234]) الآية، فإنّ الرسولَ لمّا كان رسولاً لكافّة الناس لا لأهل بيته خاصّة، فالتبليغُ يَجِبُ أنْ يكون إلى الناس كافة لا لبعض دون بعض.

وفيه: أنّ الرسالة وإنْ كانت لكافّة الناس لكن لا يلزم أنْ تكون جميع أحكامها يظهرها دفعة واحدة، بل يجب الأمانة في تأديتها والتحفُّظ بإبلاغ من أراد الشارع تبليغه، فمن الأحكام ما أراد الله تعالى من الرسول تبليغه لعامة الناس، ومن الأحكام ما أراد الله تعالى تبليغه لبعضٍ بخصوصِهِ، فلو بلّغه على نحو العموم لخالف أمانة الرسالة.

والحاصل: إنّ المراد به التبليغ على الوجه المأمور به سِعةً وضيقاً،
خصوصاً وعموماً، فوراً أو في المستقبل، ألا ترى أنّ الملك يرسل رسولاً للمحاربين بين يديه، ويأمره بتبليغهم بعض الأمور بنحو العموم، ويأمره بتبليغ بعض الأمور بنحو السّر لبعض الجيش، فهل ترى أنّه لو قام بالرّسالة مع المحافظة على التبليغ بالنحو المذكور يصحُّ أنْ يقال: إنّ تبليغه بنحو السّر ينافي رسالته
لهم عموماً، بل لو فرض أنّه بَلَّغَ على نحو العموم جميع ما كلَّف بهِ، ولم يُراعِ قيودَ التبليغ وسعة دائرته وضيقها يقال في حقِّهِ إنّه قد خَانَ الأمانة ولم يَحْسُنُ التبليغ.

وعليهِ فاختصاصُ الأئّمة بتبليغِ بَعْضِ الأحكام الشرعيّة من قبل الرسول  صلى الله عليه واله وسلم  لا يُنافي رسالته لكافّة الناس، بعد أنْ كان اللهُ تعالى قد أمره بذلك وبيّنه
بقوله  صلى الله عليه واله وسلم : إنّهم سفن النجاة([235])، وأمره  صلى الله عليه واله وسلم  بالرجوع إليهم([236]) في الحوادث، مع أنّا لو سلَّمنا ذلك، فالآيةُ إنّما تقتضي تبليغ ما كان قد أنزله الله إليه قبلها لا ما أنزل إليه بعدها؛ لأنَّ لفظ (أنزل) للماضي لا يتناول الحال أو الاستقبال، هذا مع ما نقله الكثير من المفسّرين من علماء أهل السّنة من أنّ الآية الشريفة وَرَدَتْ في حقِّ عليٍّ  عليه السلام .

ثالثها: قوله تعالى: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي]([237]) الآية، فإنّها واردة في مقام الامتنان على المسلمين بإكمال الدين عليهم وهو يستلزم بيانه لهم لا كتمان شيء عليهم.

وفيه: إنّ المنّة بإتمام القانون لا يستلزم بيانه فوراً، بل إنّما يستلزم حفظه أو إظهاره وقت الحاجة إلى البيان، والرّسولُ  صلى الله عليه واله وسلم  حَسْبَ الفرض قد أظْهَرَ من موادّه ما هو محتاجٌ إلى إظهاره وأخَّر بيانَ ما بَقي إلى وقتِ الحاجة لمصلحةٍ هناك أو لمفسدة في البيان، وأودع ما هو غير محتاجٍ للبيان عند الأمنة الحفظة، يبيّنونه عند الحاجة للبيان، فإنّ في ذلك كمالُ الامتنان على الأمة؛ إذ لو قدّم بيانه مع أنّه خلاف المصلحة أو فيه المفسدة لكان في ذلكَ تفويتٌ للمصلحة أو إيقاعٌ في المفسدة وهو خلافُ الامتنان.

رابعها: إنّ المنقول عن أئمّة الشيعة لا يفي بالحوادث والوقائع المستجدة لوجود الاجتهاد عندهم في مسائل كثيرة جدا، ووجودُ الاختلاف الكثير في هذه المسائل يقتضي عدم كفاية بيانات أئمة الشيعة لبيان الأحكام أو عدم وفاء الشريعة وتماميتها للوقائع والأحداث.

وفيه: إنّ هذا الإيراد لو تَمّ فهو وارد على الجميع، فإنّه بمثل ذلك يقال في حَقّ أهل السنة، بأنّ الموجود في الكتاب والسنة لا يفي بالحوادث المستجدة لوجود الاجتهاد عندهم في أغلب مسائلهم، ورجوعهم للاستحسان والقياس، وغيرها من الظنون بالأحكام الشرعية، التي لم تقم الحجة من الشرع على اعتبارها، وهذا يقتضي عدم كفاية بيان الكتاب والسنّة عندهم، كيف وقد صَرَّحَ الكثير منهم بذلك، واعترفوا بأنَّ المأثور من تشريعاتِ الرَّسول وأحكامه وأقضيته أصبح غير وافٍ بالحوادث النازلة والوقائع المتجددة في كلِّ وقتٍ وزمان.

وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري([238]) يقول فيه: (الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سنة النبي  صلى الله عليه واله وسلم )([239])، وهذا الشهرستاني([240]) في الملل والنحل يقول: (إنّ الحوادث والوقائع في العبادات والتصرّفات مما لا تقبل الحصر والعدّ، ونعلم قطعاً أنّه لم يرد في كلِّ حادثةٍ نَصٌّ ولا يتصوّر ذلك، والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى عُلِم قطعاً أنّ الاجتهاد والقياس واجبُ الاعتبار حتّى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد)([241]).

ولكنّ الذي تذهب إليه الشيعة أنّ القرآن والسنة النبوية والمأثور من
العترة الطاهرة الزكية قد أظهرت الأحكام الشرعية لكلِّ حادثةٍ من الحوادث النازلة والوقائع المستجدة إلى يوم القيامة، أمّا بالنصّ عليها بالخصوص أو
بنحو العموم، شأن الأنظمة والقوانين الدولية، فإنّها تشرّع أحكام الحوادث النازلة والوقائع المتجددة بموادّها الكلية وأصولها العامة ومبادئها الشاملة
تاركةً فهم الجزئيات واستنباط التفاصيل وما تهدف إليه من حقائق ومقاصد لأهل البصيرة وحسن السليقة، ومعتمدة على استخراج أحكام الوقائع
من نصوصها وظواهرها ومفاهيمها، وسياق بيانها ولوازمها على أهل المعرفة والتفكير المستنير.

وهذا هو الاجتهاد الذي عند الشيعة الذي يحتاجه كلُّ أحدٍ في معرفة منطق القوانين والأنظمة حتّى لو كانت موادُّها بأسمى بيانٍ وأحسن توضيح، واختلاف فقهاء الشيعة في بعض أحكامِ الوقائع لم يَكُنْ من جهةِ نُقْصانِ البيان للأحكام الشرعية، فإنّكَ لا تَجِدُ حادثة من الحوادث إلاّ وهي صَدَى آيةٍ قرآنية، أو سنّة نبوية أو أثر للعترة الزكية، حتّى في موارِدِ حُكْمِ العقل المستقلِّ الذي لا يحتاج للبيان الشرعي، فإنّه لا بُدّ وأنْ يَدُلَّ على حُكْمِهِ نَصٌّ من نصوصِ الشَّرْع الخاصَّةِ أو أصلٌ من أصوله المطلقة، أو قاعدة من قواعده العامّة، بل العترة النبوية بيّنت حتى حكم الواقعة التي يلتبس على المجتهد حكمها، بأنّه الإباحة أو الاستصحاب لحكمها السابق أو الاحتياط بإتيان أطراف المحتملات أو التخيير بينها.

والحاصل: إنّ اختلاف فقهاء الشيعة لم يكن من جهة تقصير الرسول أو العترة في البيان لأحكام الشريعة، وإنّما كان من جهة اختلاف الأفهام والدسّ في الأحكام، وبسوء اختيار الأمة، مما أوجده أبناؤها من الحُجُب عن وصول البيان إلينا، وغير ذلك مما كان من تصرّفاتها التي حالت بيننا وبين معرفة الأحكام الشرعية والمعارف الإلهية.

 

المطلب الرابع

في الدّين والمذهب والغريزة الدينية والفطرة الإلهية

الفصلُ الأوَّل

في شرح الدين

اشتهر تعريفُ الدّين عند علماء الإسلام بأنّه: الإيمانُ بالذّات الإلهية الجديرة بالطاعة والعبادة. والحقُّ إنّ الدّينَ له عدّة إطلاقات، فقد يطلق على ما ذكر، وقد يطلق على نفس الأحكام الإلهية، كما يقال: إنّ الدّين عندَ الله الإسلام، وقد يطلق على اتباع الشيء، كما يقال: أدينُ بدينِ الحُبِّ والهَوَى، ودِينُكُمْ دَنانيرُكُم، والغريزة الدينية: هي مَيْلُ النَّفْس للإيمان بما وراء الطبيعة التي يعبّر عنها بالفطرة الدينية.

كلمة الوالد القَيِّمة في الدين

وقد ظَفَرْتُ في هذا الموضوع بكلمةٍ قَيِّمَةٍ لوالدي الشَّيخ محمد رضا، أستاذي وله الحقُّ عليّ في تربيتي الدينية  قدس سره  أحببتُ نقلها هنا لما فيها من الفائدة،
قال رحمه الله :

(من المتعذّر أنْ نعرِّف الدّين تعريفاً منطقياً عاماً يشمل الدّين بأوسع معانيه، تعريفاً نشرح به مفهومه الذي ترمي إليه جميع الفرق والطوائف، سواء كان حقاً أو باطلاً؛ لأنّ الدّين عند كلِّ فرقةٍ له شأنٌ ومميّزات غير ما هو عند الأخرى، فإنّا نجد قوماً يرونَ الدِّينَ عبارةً عن بَعْض الأساطير والخرافات، والبعضُ الآخر يرونَ أنّه عبارةً عن الإلهام والشعور، وبعضهم: إنّه الطقوس والعبادات، وبعضهم: إنّه التقاليد الموروثة والأنظمة المسيطرة والانعطاف على الزعماء وتقديس آرائهم.

ولكن مَن تَعَمَّق وتبصَّر في هذا الموضوع يرى أنّ الدين هو الإيمان الكامن في أعماق النفوس والسرّ الغامض القائم فيها، والشعور الخفيّ الذي يجعل الإنسان يرهب شيئاً ويؤمن به ويقدسه، فذلكَ المعنى والرُّوح والسرُّ والصِّلَةُ والخشية التي تتمثَّلُ لنا في النظام والطقس والعبادة والمنسك، وحتى في الأسطورة التي هي واقعة تاريخية نحتها الخيال وحرّفها البشر وأسدى عليها هالة من العظمة والقداسة، هو الدين بأوسع معانيه، يمكن أنْ نحلِّل ذلك الشعور تحليلاً كيمياوياً نفسياً بما حلّله علماء النفس إلى عناصر ثلاثة:

أولها: اعتقادُ النّاس بوجودِ قوّةٍ أو قوىً متعدِّدة أعْظَمُ منهم شأناً غير مسخّرة لهم.

ثانيها: تصويرُ الناس إنّ لهم تعلُّقاً بهذه القوّة أو القوى.

ثالثها: اندفاعُ النّاس إلى إيجاد علاقة لهم بها، ويمكن أنْ نزيد على قولهم (غير مسخّرة) وأنّهم مسخّرون لها، فاعتقاد البشر بتلك القوّة العظيم شأنُها التي تقودهم ولا تنقادُ لهم، وتسخّرهم ولا يسخّرونها، هي قوامُ الدِّين من أول أدواره الهلامية إلى نهاية أدواره التكاملية، فالأديان الأولية البائدة والحاضرة المتكاملة مشتركة في هذا المبدأ الديني الواسع، وهذا المبدأ المشترك بين الأديان هو غريزة من غرائز النفس وقواها التي فُطِرتْ عليها، ومن تلك الغريزة نشأت الأديان.

وقد أشار لذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: [فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ]([242]) إلاّ أنَّ بعض الملحدين حاولوا دَحْضَ هذه الفكرة، وإثباتُ أنّ فكرة الدّين إنمّا نشأتْ بين البَشَر من عاطفتي الخوف والأمل، بتقريب إنّ الإنسان في أدواره الأولى عندما شاهد مظاهر الطبيعة خاف
من بعضها، وأنس بالآخر، رأى البرق يلمظ بين السحب، والعواصف والأعاصير تزأر في الأجواء، والزلازل والاهتزاز يميد بالأرض، والسيول الجارفة تصارع الاثقال، والرعد المزمجر يفسِّرُ الصَّخر الأصمّ، رأى هذه المظاهر الجبّارة المدهشة فخاف منها وألفى نفسه ضعيفاً لديها، وألجأه الخوف والخشية إلى أنْ يتضرَّع إليها ويتوسّل، يقرّب لها القرابين، ويصنع المناسك والطقوس ويتّقيها بالأدعية والحجب والأحراز والصلوات، ولم تكن مشاهداته للمظاهر الطبيعية كلِّها مخيفة، فإنّ منها ما ترتاح له النفس وتأنس بمرآها الجميل فوقف أمامها خاشعاً حيراناً.

رأى الشَّمْسَ تطلع وتغرب بجمالها الساحر وجلالها الباهر، ورأى البدر ينير الأفق وشاهد الربيع يفرِّغ على الأرض ألواناً من الحلل ويكسو أديم الأرض حللاً من الأزهار، والأشجار تحمل مختلف الألوان من الثمر اليانع.

رأى هذه المشاهدات الرائعة البديعة فسكَنَ إليها لتقيه خَطَرَ العاصفة وزمجرة الرعد، ودمدمة الزلزلة، واستجار بها من تلك الأهوال ولاذَ بها وتوسل إليها.

فعاطفتي الخوف من المشاهدة الأولى والأمل بالمشاهدة الثانية نشأت منها فكرته الدينية، وبنوا على ذلك أنّ النفوس الضعيفة لمّا كان مفعول العاطفة أشدُّ فيها من النفوس القوية كانت العقيدة الدينية في نفس المرأة أقوى وأظهر؛ لأنَّ مفعول العاطفة عليها أشدُّ ثمّ يتمشَّى القياس في الأقوام المتوحّشة التي لم تتذوق الحقائق العلمية، فإنّ العقيدة الدينية شاملة لجميع فروع الحياة عندهم).

قال  قدس سره : (ويكفينا قناعة بفساد هذه النظرية أنْ نَجِدَ الأممَ الراقية التي افتضحت لديها أسرار الطبيعة ودرست نواميسها وأصبحت لديها هذه المشاهدات كأمرٍ عاديٍ ليسَ فيهِ شيءٌ من الرَّوعة والخشية والغرابة، وأمكن لها بواسطة معرفتها بالنواميس الطبيعية الجوية أنْ تتنبأ بوقوع تلك المشاهدات قبل زمانها، وما تزال متمسّكة بعقيدتها الدينية، ولو كان الدين حاصلاً من الخوف والأمل وحدهما لَنبَذَ البَشَرُ الدّين عندما شَعَرَ بماهية المظاهر الطبيعية، وانكشف له القناع عن غوامضها، ولمَا بقي منقاداً لفكرة الدّين جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرنٍ، ولو دقّقنا النظر وجدنا أنَّ عاطفتي الخوف والأمل إنّما نشأتا من تلك الموهبة الإلهية والفطرة الرّبانية، قَبْلَ أنْ يستنيرَ الإنسانُ بأنوار الهداية وتتجلّى له مقاييس الحقيقة) انتهى ملخصا.

 

الفصل الثاني

في فلسفة الدين

فلسفةُ الدّين هي البَحْثُ عن الحقائق الدينية بحثاً مستقلاً من ناحية تاريخها، وتطوّر الفكرة فيها، أو من ناحية وصف الحالات النفسية التي يبتني عليها الحياة الدينية في الإنسان، أو من ناحية الأدلّة عليها، وردّ الشكوك والاعتراضات عنها وتمحيصها نقداً وتحليلا.

العناصر المقومة للدين      

ثم إنّ لكلّ دينٍ سماوي عناصر ثلاثة: الإيمان بالخالق لهذا العالم، والإيمان باليوم الآخر، وشريعة جاء بها رسول من خالق هذا العالم إلى مخلوقاته الحية العاقلة القابلة للتكليف.

ما هو المجتمع الديني والمجتمع المادي

المجتَمعُ الدّيني هو المجتمع الذي يتمَشَّى مع الشريعة الإلهية، ويتقيّدُ بقيودها وأنظمتها، ومن مزاياه أنْ تسوده المثل العليا، والأمن والأمان والقيم الروحية والأخلاقُ الفاضلة، والإخلاص في العمل بقلبٍ سليم ونية طاهرة.

والمجتمع المادي هو المجتمع الذي يتحكّم في مقدراته النفع الذاتي المتبادل، ويكون هو الهدف الأوّلُ في سلوك الفرد أو الجماعة، فإذا انعدم النفعُ انفصمت عراه وتفكَّكت أوصاله ويتّجه في مساره حيث ما توجهت ركاب المادة العمياء، فهو كبناء منسق لا ارتباط بين أجزائه ارتباط ذاتياً ولا يتركّز على قواعد محكمة وأسس قوية سرعان ما ينهار؛ لعدم ديمومة النفع الذي يتركّز عليه بخلاف المجتمع الديني، فإنّه يكونُ مُتَرَاصّ البناء يشدُّ بعضُهُ بعضاً ما دام الدِّينُ قائماً فيه والقيم الروحية متركزة فيه.

 

الفصل الثالث

في المذهب الديني

وممّا يُناسِبُ هذا المقام الكلام في المذهب فنقول:

إنّ المذهب هو الطريق الخاص الذي يسلك لمعرفة أحكام الشريعة، وإذا كان له صاحب واحد سمّي بالإمام، وإذا كان له أصحابُ متعدّدة سمّي بالأئمة، وقد انقسمت الشريعة الإسلامية إلى مذهبين، فمن قال: بأنّ الخليفة بعد رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  بلا فصل هو علي  عليه السلام  كان مذهبه التشيع، ومن قال: إنّ الخليفة بعد رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  بلا فصل هو أبو بكر كان مذهبه التسنّن، ثمّ كلٌّ منهم انقسم إلى مذاهب متعددة، فالتشيع إلى جعفرية وزيدية وغيرهم، والتسنن إلى حنفية وشافعية وغيرهم.

وكان لكلٍّ منهم مبادئ وأصول وآراء تخصُّهُم في معرفة الأحكام الشرعية، ولكلٍّ منهم طريقٌ خاصٌ في استنباط القوانين الإلهية، فالمذهب إنّما يكون مذهباً إذا كانت له أدلّةٌ ومبادئ وأصول وأسس خاصّة متميّزة عمّا عداه من المذاهب، وليس مجرّد المخالفة في الحكم الشرعي مع الاتفاق في المبدأ والمرجع موجباً لتعدد المذهب، وإلا فالمجتهدون في المذهب الجعفري يلزم أنْ يكون لكلٍّ منهم مذهب، والمختلفون في المذهب الحنفي يقتضي أنْ يكون لكلٍّ منهم مذهب، ولو أطلق المذهب على ذلك كان خلاف الاصطلاح، كما أنّ إطلاق الدين على المذهب خلاف الاصطلاح، ولهذا أعبنا على أبي تمام([243]) حيث قال: (وكوّفَني ديني)، فإنّه إنما كَوَّفَهُ رحمه الله  مذهبه لا دينه.

وقد تعارف عند الأصوليين والفقهاء إطلاق (ذهب) على الرأي والقول في مقام تعدد آراء العلماء في المسألة، فيقولون: (ذهب فلان إلى كذا، وذهب فلان إلى كذا)، بل قد يستعملوها بالنسبة لشخص واحد إذا كان له في المسألة أكثر من رأيٍ واحد في عدّة من كتبهِ أو في مواضع مختلفة من كتابه، فكان استعمال الفعل الماضي لهذا اللفظ في غير ما اصطلح عليه في لفظ (مذهب).

ثم إنّ المذهب على قسمين: مذهبٌ جماعي وهو ما كان له أتباع، ومذهبٌ فردي، وهو ما ليس له أتباع، فالمجتهد الذي له آراء في المسائل الفقهية إنْ كان له أتباع سُمّي مذهبه مذهباً جماعياً، وإنْ لم يكن له أتباع سُمّي مذهبه مذهبا فردياً وانفرادياً.

 

المطلب الخامس

في القانون وأقسامه

وحيثُ إنّ الفقه يَشْتَمِلُ على القوانين الإلهية ناسَبَ التعرُّضُ لشرح القانون، فنقول: إنّ القانون هو مسطرة الكتابة، وهو لفظٌ يوناني، ثمّ نقل إلى اللغة السريانية، ثُمّ منها إلى اللغة العربية، وفي الاصطلاح هو القاعِدَةُ الكلّية التي يُعْرَفُ منها أحكامُ أفرادِ مَوْضُوعِها، ويَسْتَعْمِلُها الفُقَهَاءُ في أحكام الشَّريعة الإسلامية، فيقولونَ القوانينُ الشَّرعية، ويكثُر إطلاقهم له على أحكام المعاملات، وعلى الأحكام المتعلقة بالأموال والملكيات، والتعامل بين الناس من بيع وإجارة ورهن وشركة، ونحوها مما ينظّم الشؤون المالية بين الأفراد والجماعات، وما يتبع ذلك من الأهلية والولاية بالمعاملات.

قانون الأحوال الشخصية في الفقه

وقانون الأحوال الشخصية في الفقه، هو الأحكام التي تخصُّ الإنسان، وما يعرف للفقهاء هذا الاصطلاح من قبل، وإنّما حَدََثَ في الأيام المتأخّرة، فإنّ الحقوقيين قد أطلقوا على القوانين التي تخصُّ شخص الإنسان من الزواج والطلاق والعدّة والنسب والنفقة والحضانة والولادة والوصية والإرث ونحوها اسم الأحوال الشخصية، وتسمّى أيضاً بقانون العائلة والأسرة.

القانون المدني في الفقه

والقانون المدني في الفقه، هو عبارة عن قوانين الأحوال الشخصية المذكورة مع القوانين التي تخصُّ البُيوعَ والإجارة والهبة والإعارة والوديعة والكفالة والشِّرْكَةَ والصُّلْحَ والغَصْبَ والإتلاف وما شابه ذلك.

قانون المرافعات في الفقه

وقانونُ المرافعات وأصولُ المحاكمات في الفقه هي ما يخصُّ القضاء والدَّعاوي والبيانات.

القانون الدولي في الفقه

والقانونُ الدّوليُ في الفقه هو ما يَخُصُّ الجهاد والغنائم والأمان، وعقد الذمة والحرب والسلم والمعاهدات والمواثيق وعلاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم ونحوها، وهو المسمّى بالسير والمغازي، فإنّ القانون الدّولي العام، إنّما يخصُّ علاقة الدولة فيما بينها في السلم والحرب، والقانون الدّولي الخاص في الفقه هو ما يخص شخصية المسلم وجنسيته وتابعيته لأيّ مَذْهَبٍ من مذاهب الإسلام باعتبار أنّ القانون الدولي الخاصّ هو ما يخصُّ الجنسية والتابعية.

قانونُ العقوبات في الفقه

وقانونُ الجزاء أو قانون العقوبات في الفقه، هو ما يُعيّن عقاب المجرمين الذين يتعدُّون على الرّاحة الخاصة أو العامّة أو على الأمن الخاصّ أو العام، وهو ما يَخُصُّ الحدود والقِصَاص والدِّيات.

ثمّ إنّه في الأزمنة المتأخرة اختصّ اسمُ القانون بمجموع القواعد التي تَضَعُها وتقرّرها الهيئة الحاكمة والسلطة الزمنية بواسطة المقننين لها لسير الرعية فيما يخصُّ شؤونهم الدنيوية، سواء كانَ عامّاً كقانون منع السرقة، فإنّه لا يخصُّ طائفة دون أخرى، أو خاصّاً كقانون الشرطة، فإنّها تخصُّ خصوص الشرطة. ومن مقوماتِ القانون وجود الجزاء والعقاب من السلطة على مخالفته.

التنفيذ المباشر وغير المباشر           

ويسمّى إلزامُ الشَّخْصِ بالعَمَل بهِ بالتنفيذ الجبري المباشر كإلزام الشاهد بتأدية شهادته أمام الحاكم، ويقابله التنفيذ غير المباشر فيما إذا كان التنفيذ الجبري غير مُمكن كأنْ يحجر على ماله أو يحبس من يخصّه.

القانون الوضعي والطبيعي

وقد قَسَّموا القانون إلى الوضعي والطبيعي، والأصحّ في تفسيرهما هو أنّ القانون إنْ أخذ واستمدّ من قوانين موضوعة سابقاً أو من تقاليد موجودة حالاً، أو من أمورٍ عُرْفيّةٍ عامّةٍ ثابتة سُمّي وضعيّاً لوضعه سابقاً، وإنْ استُمِدّ وأخذ من أحكام العقل بحسب ما تقتضيه المصالح والمفاسد سُمِّي طبيعياً؛ لأنّ الطبيعة هي التي أَوْحَتْ بهِ لِعَقْلِ المقنّنين.

القانون المدوّن أو المسطور

ثمّ إنّ القانون إذا وُضِعَتْ صيغة قوانينه في شكل المواد سُمِّي بالقانون المدوّن أو القانون المسطور، وإذا لم يكن كذلك سُمِّيَ بغيرِ المدوّن، ومنه يمكن أنْ نُسمِّي الأحكام الشرعية المسطورة في الكتاب والسنّة بالفقه المدوّن، والتي تستخرج بالاجتهادِ الفقهي بالفِقْهِ غير المدوّن.

الزّواجر والمؤيّدات والضوامن

والقوانينُ التي تَحْمِلُ الرَّعيَّة على العَمَل بالأوامِرِ والنَّواهي المشرّعة في حَقِّهِم وتَكْسِبُ النّظام المشرّع في حَقِّهم قوّة ومنعة وتجعله محترماً مطاعاً تسمّى عند الفقهاء بالزواجر؛ لأنّها تردع وتزجر عند المخالفة لنظام المشرّع لهم، وتسمّى عند الحقوقيين بالمؤيّدات؛ لأنّها تؤيِّدُ النظام المشرّع لهم وتقويه وتسمّى بالضّوامن جمع (ضامن)؛ لأنّها تضمن الطاعة للنظام المشرّع في حقّهم، وتكفل تنفيذه وتصونه عن مخالفة الرعية له، وفي الشريعة الإسلامية تكون أحكامُ القصاص والحدود والتعزيرات، بل والكفّارات ونحوها من الزواجر والضوامن والمؤيدات.

ثمّ إنّ الزواجر تكونُ على قسمين:

الأول: الترغيبية وهو ما يرتب من النفع على العمل بالقانون كقانون إعطاء الغنائم للمجاهدين في سبيلِ الله، وكحَقِّ الإمام الذي يعطي للإمام أو لنائبه، وكالأجور التي تُعْطَى للقَيِّمِ على الصِّغار أو للمتولّي على المال.

والثاني: الترهيبية والتأديبية، وهو ما يرتّب من الجزاء والعقاب على المخالفين للقانون، كقانون قَطْعِ يَدِ السَّارق على مخالفته بارتكابِهِ السَّرِقَةَ المنهيّ عنها أو الحُكْمُ بفسَادِ المعاملة عند فقدها لشرائطها، وكقوانين الحدودِ والقصاص والتعزيرات.

 

المطلب السادس

في أجزاء العلوم وبيان أجزاء علم الفقه

الفصل الاول([244])

في أجزاء العلوم

ومما يذكر قبل الشّروع في العلم أجزاؤه، فقد ذهب أربابُ العلوم إلى أنّ أجزاءَ العلوم ثلاثة: الموضوعات، والمبادئ، والمسائل.

والمراد من العلوم العلوم المدونة في الكتب، لا القائمة في صدور العلماء؛ لأنّ العلوم القائمة في الصدور، إمّا عبارة عن نفس مسائلها أو عبارة عن ملكاتها، وعلى الأول فأجزاؤها نفس المسائل، وعلى الثاني فلا أجزاء لها، نعم العلوم التي دوّنت لها تلك الأجزاء.

وقد صرّح بهذا القيد، أعني: قيد (المدوّنة) جماعة منهم ملا عبد الله رحمه الله ([245]).

فلا يرد عليهم ما قيل: من أنّ حقيقة كلِّ علمٍ مسائله، فكيف يجعل الموضوع والمبادئ من أجزاء العلم، وذلك لأنّ مرادهم بالعلوم في هذا المقام هي
العلوم المدوّنة لإثبات مسائلها بالدليل، ولا ريب أنّه لا يقتصر فيها على ذكر مسائلها مجرّدة عن الدليل، ومجرّدة عمّا يفيد تصور موضوعاتها ومحمولاتها؛
إذ لا فائدة معتد بها في تدوينها بدون تصوّرها، وبدون الحجّة عليها،
وبهذا الاعتبار صارت تلك المقدمات التي تفيد تصوّر المسائل، والتي يُستَدَلُّ بها عليها أجزاء من تلك العلوم.

فالمرادُ بكون أجزاء العلم ثلاثة هو أجزاء العلم المدوّن، والمرادُ بكون حقيقة العلم مسائله هو العلم في حدّ ذاته مع قطع النظر عن تدوينه.

ويمكن الجواب أيضاً عن هذا الإشكال بما أجبنا عنه في كتابنا نقد الآراء المنطقية([246])، وهو أنّ الأجزاء أعمُّ من الأجزاء المقوِّمة وغيرها، والمسائل هي الأجزاء المقوّمة، وما عداها هي أجزاءٌ غيرُ مقوّمة، نظير الصلاة فإنّ لها أجزاء مقوِّمة كالرّكوع وأجزاء غير مقوّمة كالقنوت.

المراد بالموضوع هو الذي هو جزء العلم

والمراد من الموضوعات هو نفس موضوعات العلوم وذاتها؛ لأنّها هي التي يبحث في العلم عن أحوالها، فلا يعقل أنْ تكون خارجة عن العلم المدوّن للبحث عن أحوالها، فإنّ الموضوع للشيء له تمام الدخول في قوامِهِ، بل لَدَىَ التحقيق تكون هي المقصودة بالذات في العلم للبحث عن أحوالها، فلا يعقل تحقّق العلم المذكور بدون الموضوع. وبهذا يندفع الإشكال المعروف على عدّ الموضوعات من أجزاء العلوم.

الإشكال المعروف على عدّ الموضوع من أجزاء العلم

وتوضيح الإشكال: إنّ مَن عَدّ الموضوع من أجزاء العلم:

إنْ أراد به نفس الموضوع، فهو باطل؛ لأنه مندرج في موضوعات المسائل؛ لأنّ موضوعات المسائل - كما قد تقرّر في محله-:

إما أنْ تكون عين موضوع العلم كقول النحوي: (الكلمة إمّا مبنية أو معربة) ولا ريب أنّ الكلمة موضوع علم النحو.

أو تكونُ نوعاً منه كقول النحوي: (الحرفُ مبنيٌ)، فإنّ الحرف نوع من الكلمة.

أو تكون عرضاً ذاتياً له كقول النحوي: (المثنى يرفع بالألف)، فإنّ التثنية تعرض الكلمة.

أو تكون مركَّبة منهما، كقول النحوي: (كل كلمة كان أولها ساكناً يبدأ فيها بهمزة الوصل).

فكان موضوعُ العلم مندرجاً في موضوعات المسائل التي هي أجزاءُ المسائل، فلا يصحُّ عدّهُ جزءاً على حِدَة في مقابل المسائل، وإلاّ لعدّ المحمولات جزءاً أيضاً فتكون أجزاء العلوم أربعة.

وإنْ أراد به تعريفُ وتصوّر ماهية كلّي الموضوع، التي هي عبارةٌ عمّا يبحث في العلم عن عوارضِهِ الذاتية، أعني: وَصْفُ الموضوعية، فهذا من صناعة البرهان؛ لأنه إنّما يذكر في صدر الكتب ويذكرونه للبرهان على أنّ الشيء الفلاني موضوع لهذا العلم فليس له اختصاصٌ بشيء من العلوم، فالمناسب إيرادُهُ في علم المنطق؛ لأنّ المنطق آلة لجميع العلوم، فلا وجه لِعَدِّهِ من أجزاء العلم.

وإنْ أراد به تصوّر ذات موضوع العلم ومصداقه، كتعريف الكلمة التي
هي موضوع علم النحو، فهذا مندرجٌ وداخِلٌ في المبادئ التصورية؛ لأنّه يتوقَّفُ عليه معرفة موضوع المسألة؛ لما عَرَفْتَ من أنّ موضوع العلم قد يكونُ عينُ موضوع المسألة؛ ولأنّ البحث في المسائل إنّما يكون عنه، فمعرفة المسألة موقوف على معرفته فهو مندرج في المبادئ التصورية، بل هو أيضاً مقدمة لمقدّمة الشروع؛ لأنّ من مقدّمة الشّروع التصديق بموضوعية الموضوع، وهي متوقفة على تصوّر الموضوع.

وهكذا لو قلنا بأنّ التصديق بوجود الموضوع من أجزاء العلم أو من مقدّمة الشّروع، فهو متوقفٌ أيضاً على تصوّر الموضوع، فلا وَجْهَ لعدِّهِ جزءاً على حدة.

وإنْ أراد به التصديقُ بوجود الموضوع كالتصديق بوجود الكلمة فهو داخل في المبادئ التصديقية؛ لأنّ البرهان على وجودِ الموضوع يتوقَّفُ عليه التصديق بالمسألة لما عَرَفْتَ من أنَّ البَحْثَ في المسائل إنّما يكونُ عن أحواله، فلا يعقل أنْ يصدّق بالمسألة إذا لم يصدق بوجوده، وإلا لكان البحثُ عن أحواله أمراً موهوماً، فيكون التصديق بوجوده مندرجاً في المبادئ التصديقية، فلا وجه لِعدِّه جزءاً على حدة، ولذا قالوا: إنّ التصديق بوجود الموضوع إمّا أنْ يكون بديهياً، كالموجود بما هو موجود الذي هو موضوع الفلسفة الأولى، واما مُبيَّناً في علمٍ آخر كالعدد للحساب، والمقدار للهندسة المبيّن وجودها في الفلسفة الأولى.

قالوا: والمتكفّل لبيانِ جميع الموضوعات هو الفلسفة الأولى، وإنّه لها الرئاسة المطلقة، ولا يجوز بيانهُ في العلم الذي يكونُ هو موضوعاً له، ضرورةَ أنّ ما لا يُعْلَمْ ثبوته كيف يُطْلَبُ ثبوتُ شيءٍ له؟

وإنْ أراد التصديق بموضوعيّته للعلم كأنْ يصدِّق بأنّ الكلمة موضوع لعلم النحو، فهو من مقدمات الشروع في العلم، ولذا يُعرِّفون فيها مطلق الموضوع، ويذكرون فيه إنّ العلم يبحث عن أحوال هذا الشيء، كلُّ ذلك للتصديق بأنَّ العلم المسمى بهذا الاسم هو الذي بحث عن أحوال هذا الشيء، ولا ريب أنَّ مقدمة الشروع في العلم خارجةٌ عنه، فكيف يُعَدُّ ما هو جزءٌ منها جزءاً من العلم لأنّ الشروعَ في العلم موقوفٌ على الشروع فيها، فلو كانَ جُزْؤُها جزءاً للعلم لَلَزم توقُّفُ الشيءِ على نفسه.

بل يمكن أنْ يقال: إنّ التصديق بموضوعية الموضوع من ثمرات العلم؛ لأنّه لا يمكن التصديق بذلك إلاّ بعد الإحاطة بمسائل ذلك العلم حتّى يعلم أنّه يبحث عن أحوال ذلك الشيء وإنْ كان يمكن أنْ يقال: إنّ التصديق بالموضوعيّةِ إجمالاً من سوابق العلم ومقدّمات الشروع، والتصديق بذلك تحقيقاً وتفصيلاً من ثمراتِ العلم ولواحقه.

الجوابُ عن الإشكال المعروف

والجواب عن الإشكال المذكور:

إنّ مرادهم بالموضوعات نفسِها لا تصوّرها ولا التصديق بوجودها
ولا التصديق بموضوعيتها للعلم، كما هو الحال في المسائل، فإنّهم لا يريدون
بها تصوّرها ولا التّصديقُ بوجودها ولا التّصديقُ بكونها مسألة للعلم أو
مبدءاً تصوّرياً أو تصديقياً له، وإنّما يُريدون أنَّ نفسها وذاتها جزءٌ
للعلم.

ودعوى: أنّ نفس الموضوع مُنْدَرجٌ في موضوعاتِ المسائل فهو جزءُ من المسائل.

مندفعةٌ بأنّ الذي هو جزءٌ للعلم هو نفس الموضوع في حدّ ذاته لا باعتبار أنّه موضوع للمسألة، وأمّا موضوعُ المسألة، فهو إنّما يكون موضوعاً باعتبار المسألة، بل الكثير من المتأخرين ظاهرُ كلامهم: أنّ موضوعَ العلم يُغايرُ موضوعات مسائله تغاير الكلّيّ الطبيعي مع مصاديقه.

كما أنّه استراحَ من هذا الإشكال من قال: بأنّ المسائل هي
المحمولات المنتسبة للموضوعات، كما ينسب ذلك للمحقق الدوّاني وغيره من المتأخرين.

وقد أجابَ عن الإشكال المذكور التفتازاني([247]) إنّ الذي هو جزء من
العلم هو التصديق بوجود الموضوع، فإنّ ما لم يعلم وجوده كيف يبحث
عن عوارضه؟ ورَدّ عليه السيد الشريف بأنّ التصديق بالوجود من المبادئ التصديقية للعلم على ما صرَّح به الشيخ في الشفاء([248])، وأورد بأنّ المبادئ التصديقية هي التي يتألف منها قياسات العلم، والتصديقُ بوجود الموضوع ليس كذلك.

نعم، لو فسّرنا المبادئ بما فسَّرَها التفتازاني([249]) من أنّها ما يبتني عليها قياسات المسائل لا خصوصُ المقدمات التي يتألف منها قياسات المسائل كانَ التصديقُ بوجود الموضوع داخلاً في المبادئ؛ لتوقّف التصديق بالمسألة على التصديق بوجودِ موضوعها، وهو يرجع إلى التصديق بوجودِ موضوع العلم؛ لما عَرَفْتَ من أنّ موضوع المسألة إمّا عينُ موضوع العلم أو جزئيٌّ منه، أو عرضيٌ ذاتيٌ له، أو مركَّب منهما، ولا ريب أنّ التصديق بوجود ذلك يستدعي التصديق بوجود موضوع العلم.

وقد ظَهَرَ ممّا ذكرناه فَسَادُ ما ذكره صاحبُ البدائع ([250]) في الجوابِ عن الإشكال بأنّ المعدود من مقدمات الشروع هو تصوُّرُ موضوعات المسائل بالعنوان الإجمالي، والذي هو جزءٌ من العلم هو تصوّراتها التفصيلية؛ لأنّه إنّما يتمُّ لو جَعَلْنا المسائل عِبارَة عن المحمولات المنتسبة.

وقد استدلَّ بعضُهم على أنّ التصديق بوجود الموضوع ليس من أجزاء العلوم بما هو المنسوب لصاحب المحاكمات،([251]) من أنّ مسائل العلم هي إثبات الأعراض الذاتية للموضوع وأجزائه، وهو يتوقَّفُ على ثبوتِ الموضوعِ، فلو كان ثبوتُ الموضوع وأجزائه من مسائل العلم لَزَمَ توقُّفُ الشيءِ على نفسه.

ولا يخفى ما فيه: فإنّ هذا إنّما يصلُحُ دليلاً لنفي كونه مسألة من مسائل العلم لا لنفي جزئيته للعلم، فإنّه لو كان جزءاً للعلم في مقابل مسائله لم يلزم ذلك.

بيان المراد بالمبادئ التي هي جزء العلم

والمراد بالمبادئ إذا أطلقت في هذا المقام: هو ما يتوقّف توقّفاً قريباً -لا بعيداً- عليه معرفةُ المسائل تصوّراً، كتعاريف موضوعاتها ومحمولاتها، أو تصديقاً، كالأدلّة عليها، وهي على قسمين:

أحدهما: مبادئ تصوّرية وهي تعاريفُ موضوعاتِ المسائل ومحمولاتها وتعاريفُ أجزائها فيما لو كانَ موضوع المسألة أو محمولها مركّباً وتعاريف أقسامها، وأعراضها فيما لو احتيجَ إلى ذكرها، وعليه فتعريفُ مثل البلوغ أو العدالة في علم الفقه من المبادئ لكونها مأخوذة في موضوع مسائله.

وثانيهما: المبادئ التصديقيّة وهي المقدّمات التي تتألف منها أدلّة المسائل، لا ما يتوقّفُ عليه التصديقُ بالمسائل، وإلا لكانَ أغلب العلوم مبادئ تصديقية لغيرها من العلوم.

وهذه المقدّمات التي تتألّفُ منها أدلّة المسائل:

إنْ كانت واضحة بيّنة سُمّيت علوماً متعارَفة أو أصولاً متعارَفة.

وإنْ كانت غير بيّنة، فإنْ كانت قد برهن عليها في علم وأخذت في هذا العلم على سبيل التسليم سُمّيتْ بالمسلمات، وإنْ بُرهن عليها في نفس العلم سُمّيت بالبرهانيات، وإنْ لم يُبَرْهَنْ عليها فيه ولم تكن قد برهن عليها في علم آخر فإنْ كانت قريبةً من الطّبع يسكن إليها المتعلم سُمّيت أصولاً موضوعة أو سميت مصادرات.

وهذا بخلاف المبادئ التصوّرية، فإنّها لا بدّ وأنْ تبيّن في نفس العلم لتوقّف تصوّر المسائل عليها، ولذا الفقهاء يعرفون في كتبهم موضوعات مسائل الفقه التي هي غيرُ واضحة، ولا يحوّلون الأمر لكُتُبِ اللّغة وغيرها، بخلاف أدلّتهم فإنّهم يأخذون مقدّماتها على سبيل التسليم، ألا ترى أنّهم يستدلّون بالاستصحاب والخبر الواحد والدَّور والتسلسل دُونَ أنْ يقيموا البرهان على دليليتها، اعتماداً على العلوم المتكفّلة لذلك كعلم الأصول وعلم الحكمة والكلام ونحوها.

ثمَّ هذه المبادئ:

قد تكونُ عامَّةً تستعمل في كُلِّ علم، كقولهم: (النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان)، وإذا (وجدت العلّة وجد المعلول)، و(الدليل متى تطرقه الاحتمال بطل فيه الاستدلال).

وقد تكونُ خاصّة بالعلم، كقاعدة الثقل في التلفظ في علم النحو، وكقاعدة ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه في علم الفقه، وكقاعدة الشكّ بعد الفراغ.

وقد تكون المبادئ للعلم مسائل له أيضاً كقاعدة الطهارة، فإنّها مسألة فقهية ومبدأ لمسألة طهارة ماء الغسالة مثلاً.

وقد تطلق المبادئ على الأعمّ من ذلك، وهو ما يُبدأ به قبلَ الشّروعِ في مسائل العلم، سواء كان:

داخلاً في العلم فيكونُ من المبادئ المصطلحة المتقدّم ذكرها، كتصوّر موضوع المسألة ومحمولها، وكالتصديقات التي يتألّف منها قياساتُ مسائل العلم.

أو خارجاً عن العلم يتوقّفُ عليه الشروع على وجهِ البصيرة، ويسمّى بالمقدّمات للعلم، كتعريف العلم، وبيان غايته، وموضوعه، وطالما أطلقناها بهذا المعنى في صدر هذا الكتاب.

وهي بهذا المعنى تُطْلَقُ على الرؤوس الثمانية.

وقد تطلق المبادئ على الأعمّ من ذلك وهو ما يُتوقَّفُ عليه معرفة
المسائل ولو توقّفاً بعيداً، وعليه فتكونُ كثيرٌ من العلوم من مبادئ العلم المتوقّف مسائله عليها. وبهذا الاعتبار سُمّيتْ العُلوم التي يتوقّفُ عليها علم الفقه بالمبادئ.

المسائل التي هي من أجزاء العلم

والمراد بالمسائل هي المطالبُ المقصودُ بيانُها في العلم، وهي تكونُ مشتملة على بيان عوارض موضوع العلم الذاتية، كقول النحوي: (الفاعل مرفوع)، فإنّها تسمّى مسألة نحوية؛ لأنّها مشتملة على بيان ثبوت الرفع للكلمة التي تكون فاعلاً، وهكذا قول الفقيه: (الصلاة واجبة)، فإنّها مسألة فقهية؛ لأنّها مشتملة على بيان ثبوت الوجوب لفعل المكلّف الذي هو الصّلاة، وذلك لأنّ موضوع العلم هو الذي يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية، والذي يشتمل على هذا البحث هو مسائلُ العلم، فلا بدّ أنْ تكون مسائل العلم هي التي تشتمل على البحث عن عوارض موضوع العلم.

هذا فيما إذا كان العلم قد دُوّن لبيان عوارض موضوع خاص، وأمّا إذا دوّن لغايةٍ خاصّة فتكونُ مسائله هي القضايا التي تترتّبُ عليها تلك الغاية.

البحث عن المسألة من جهات ثلاثة

ثمّ لا يخفى أنّ الكلام في المسائل، وقَعَ في جهاتٍ ثلاثة بعد الاتّفاق على أنَّها هي المطالبُ المقصود بيانها في العلم:

[نفس القضايا]: الجهة الأولى في أنّها عبارة عن نفس القضايا، كما هو ظاهر عبارة التفتازاني حيث قال: (المسائل هي قضايا تطلب في العلم)([252])، وظاهر عبارة العلاّمة الحلّي أيضاً في شرحه لتجريد المنطق([253])، بل لعلّه ظاهرُ الأكثر.

أو المسائل عبارة عن المحمولاتِ المنسوبة إلى الموضوعاتِ بحيثُ تكونُ موضوعاتُ المسائل خارجةٌ عن المسائل، كما هو المحكي في شرح المطالع عن المحقق الدوّاني([254]).

والمسائل: (النّسب التامة الخبرية التي يتعلق بها التصديق) كما هو مذهب الشيخ محمّد تقي صاحب الحاشية على المعالم([255]).

واستُدِل على الأخير بأنّ المراد من وضع الفنّ هو التصديقُ بمسائله،
والذي يتعلَّقُ به التصديقُ هو النسبة التامّةُ الخبرية لا أطرافها التي هي الموضوعات والمحمولات.

ولا يخفى ما فيه، فإنّ كون متعلّق التصديق هو ذلك، أو كونه هو الذي يقام عليه الدليل لا يستدعي أنْ تكون المسألة عبارة عنه، فإنّ المركَّبات طالما يتعلَّق القصد ببعض أجزائها، فإنّ ذلك لا يستدعي كون المركب هو ذلك الجزء، ألا ترى إنّا نقصد من المركَّبات كالحيوانات بعض أجزائها، فإنّه لا يلزم أن يكون ذلك الحيوان عبارةٌ عن نفس ذلك المقصود منه، على أنّا لا نسلّم ذلك، فإنّ المقصود هو معرفة حال الموضوع، غاية الأمر أنّ هذه المعرفة بعضها يحصل بالتصوّر، وهو تصوّر الموضوع وتصوّر حاله وعوارضه، وبعضُها يَحْصَلُ بالتّصديق، وهو التصديق بالنسبة التامّة بينه وبين عوارضه، فلابُدّ أنْ نبقي المسألة على معناها ولا نخرجها عنه، وهو القضيّة، فإنّه المتبادر منها.

مضافاً إلى أنّ المسألة لو كانت هي النسبةُ التامة الخبرية وإنّ الموضوعات خارجة عنها لزم أنْ تكون المحمولات أيضاً خارجة عنها، فيلزم أنْ تكون أجزاء العلوم أربعة: الموضوعات والمحمولات والمبادئ والمسائل، بل خمسة بناءً على أنّ موضوع العلم غيرُ موضوعات المسائل.

ودعوى أنّ المسألة هي حيثيّةُ ثبوت المحمولات وانتسابها، لا أنّها نفس المحمولات، فحينئذ لا مجالَ لعدّها جزءاً من العلم بعد مدخليّتها في المسائل مدخلية تامة.

فاسدة، فإنّ الحيثية المذكورة إنْ كانت نفسُ النسبة القائمة بين الطرفين فهي بالنسبة للموضوع والمحمول على حدٍّ سواء، فإنْ كانت المحمولات داخلة فيها فالموضوعات كذلك، وإنْ كانت غيرها فنحنُ لا نتعقّل في القضية وراء الموضوع والمحمول والنسبة التامة الخبرية ووقوعها شيئاً آخر.

اشتراط نظرية المسألة: الجهة الثانية في أنّ المسأَلَة التي هي جزءٌ من العلم هل يشترط أنْ تكون نظرية أم يجوز أنْ تكون بديهية، ظاهر الأكثر كالتفتازاني وغيره اشتراط ذلك، بل ادّعي عليه الإجماع، ومن هذه الجهة أخرج الفقهاء المسائل الفقهية الضرورية عن علم الفقه، وظاهرُ المحقّق الطوسي في تجريده([256]) للمنطق، والعلاّمة الحلي رحمه الله  في شرحه للتجريد عَدَمُ الاشتراطِ، حيثُ قال رحمه الله  في شرحه لتجريد المنطق: (المسائل في كلِّ علمٍ هي القضايا الخاصّة بذلك العلم التي يُشَكُّ في انتسابِ محمولاتها إلى موضوعاتها، ويطلب في ذلك العلم البرهان عليها إنْ لم تكن بيِّنة)([257]) انتهى.

وصريحُ شارحِ المواقِفِ حيثُ جَوَّز كون المسألة بديهيّة، تورد في العلم أما لإزالة خَفَائها أو لبيان لمّيتها([258]).

والحقّ أنّه لابدَّ في أنْ تكونَ المسألةُ من العلم فيها نوعٌ من الخفاء، وإلاّ لم يَصْدق عليها أنّها يَبْحَثُ فيها عن عارضِ موضوعِ ذلك العلم، فإنْ كانت بديهية فيجلى عنها ذلك الخفاء في العلم ولو من جهة اشتباه موضوعها، كمسألة حرمة الغناء فإنّها ضرورية، ولكنْ فيها خفاء من جهة تشخيص موضوعها وهو الغناء، وإلاّ لما كان يَحْصُل بها البَحْثُ عن عوارض موضوع العلم.

مع أنّ العلم مفروضٌ فيه أنْ يُبْحَثُ عن عوارضه.

جوازُ أنْ يكون المحمول عَرَضاً غريبا: الجهة الثالثة في أنّ محمول المسألة هل يجوزُ أنْ يكون عَرَضَاً غريباً لموضوع المسألة، أم لا بدّ وأنْ يكون عرضاً ذاتياً لموضوعها، بعد اتفاقهم على أنَّ محمولها لابدّ وأنْ يكون عَرَضاً ذاتياً لموضوع العلم المدوّنة فيه، وإلاّ لمَاَ كانَ العِلْمُ باحثاً عن الأعراض الذاتية لموضوعه.

ذَهَبَ إلى الثاني الشيخُ ابنُ سينا([259]) والتفتازاني وأكثر العلماء، وذهب إلى الأول المحقّق الطوسي رحمه الله  وغيره، على ما حُكي عنه، فجوّزوا كونه عرضاً غريباً لموضوع المسألة.

والحقّ مع الشيخ لو فسَّرنا الأعراض الذاتية بالذي يعرض للشيء بلا واسطةٍ في العروض، وقلنا: إنّ موضوع العلم لابدّ وأنْ يكون عين موضوعات مسائله؛ إذ لا بدّ من رجوعِ موضوعاتِ المسائل إليه، وإلاّ لكان البحث فيها عن غير عوارضه، فإنّه على هذا لا بدّ وأنْ يكون المحمول من عوارض موضوع المسألة الذاتية؛ لرجوع موضوع المسألة لموضوع العلم، والمحمول عرض ذاتي لموضوع العلم، فيكون عرضاً ذاتياً لموضوع المسألة، وعليه فالمسائل الفقهية التي كانَ محمولها عَرَضَاً غريباً لموضوعها ليست من مسائل العلم، فقول الفقهاء: (الخَمْرُ حَرَامٌ)، لا تكون مسألة فقهية؛ لأنّ عروض الحرمة للخمر بالعرض والمجاز وإنّما المسألة الفقهية هي (شرب الخمر حرام).

ثمّ إنّ الذين اشترطوا أنْ يكون محمول المسألة عرضاً ذاتياً اختلفوا فيما بينهم، فذهب بعضُهُم بل أكثرُهم إلى عدم جواز أنْ تكونَ محمولاتُ المسائل من مقوّمات موضوعاتها؛ لأنّ المقوّم للشيء لا يُطْلَبُ بالبرهان ثبوتُه له؛ إذ لا يطلب البرهان على المسألة إلاّ بعد تصوّر أجزائها، فلا يطلب البرهان على المسألة، إلا بعد تصوّر موضوعها ومعرفته، ومن المستحيل أنْ يحصل معناه في الذهن خالياً عن حصول ما هو ذاتيٌّ له في الذهن؛ لأنّه محالٌ مَعْرِفَةُ الشيء مع الجهل بمقوّماته، فجميعُ مقوّمات الماهيّة داخلةٌ مع الماهية في التصوّر، فكيف تأخُذُ الماهية، ويثبُتُ لها أحدُ أجزائها المقوّمة لها بالبرهان.

ولكنّ التحقيقَ جوازُ ذلك، فإنّا كثيراً ما نتصوّر الماهية بعارضٍ من عوارضها، ونشكُّ في ثبوتِ بعض الأجزاء لها؛ لأنّ الأجزاء ليست أجزاء للعارض المتصوّر وإنّما هي أجزاءُ للمعروض.

نعم، لو كانَتْ الماهيّة متصوّرة بكُنْهِهَا وحقيقَتها لا يُطْلَبُ ثبوتُ ذاتيّتها لها بالبرهان.

وعليه فالمسائل المشتملة على بيان أجزاء بعض الموضوعات الفقهية كالمسائل الباحثة عن الأجزاء المقوّمة للوضوء والغسل والصلاة والحج كلُّها من المسائل الفقهية، ولا وَجْهَ لإخراجها تبعاً لما هو المشهور بينَ الحُكَمَاء والفلاسفة.

عينية موضوعات المسائل لموضوع العلم

ثم إنّ موضوعات المسائل لا بُدّ وأنْ تكون:

إمّا عينُ موضوع العلم، كقول النحوي: (الكلمة اسم أو فعل أو حرف)، فإنّ موضوع هذه المسألة هو الكلمة، وهو عينُ موضوع علم النحو، وكقول الفقيه: (الفعل إمّا يمنع من تركه فهو الواجب، وإمّا يمنع من إتيانه فهو
المحرّم، وإمّا يرجح إتيانه فهو المستحبّ، وأمّا يرجّح تركُهُ فهو المكروه، وأما يتساوى طَرَفَاهُ فهو المباح)، فإنّ موضوع هذه المسألة هو فِعْلُ المكلف، وهو عين موضوع علم الفقه، وكقول الفقيه: (الفعل بلا اجتهاد ولا تقليد ولا احتياط باطل).

وأمّا أنْ يكون موضوع المسألة نوعٌ من موضوع العلم، كقول النحوي: (الحرف مبنيٌ)، فإنّ الحرف نوع من الكلمة التي هي موضوع علم النحو، وكقول الفقيه: (الغصب حرام)، فإنّ الغصب نوعٌ من فعل المكلف الذي هو موضوع علم الفقه.

وأمّا أنْ يكون موضوعُ المسألة عرضاً لموضوعِ العلم كقول الفقيه: (عباديةُ العَمَل لا بدَّ فيها من قَصْدِ القُرْبة)، فإنَّ العبادية عَرَضٌ لفعلِ المكلّف الذي هو موضوع علم الفقه، وكقولنا: (الصلاة واجبة)، فإنّ الصلاة عَرَضٌ للفعل، نظيرُ قولِ النحوي: (الفاعل مرفوع)، فإنّ الفاعلية عَرَضٌ للكلمة.

أو يكون موضوعُ المسألة مركّباً منهما كقولِ الفقيه: (الفعل الضارّ
يحرم ارتكابه)، وإنّما اشترطوا في موضوع المسألة أنْ يكون كذلك لأجل أنْ يكون البحثُ فيها عن العوارض الذاتية لموضوع العلم، فإنّ موضوع المسألة
لو لم يكن كذلك لما كانَ محمولها من الأعراض الذاتية لموضوع العلم، فلا يكونُ البحث في المسألة عن العوارض الذاتية؛ لموضوع العلم، فتكونُ خارجة عن العلم.

ومن هنا يظهر لك أنّ قول الفقيه: (الخمر حرام)، و(الكلب نجس)، و(العذرة ثمنها سُحْتٌ)، ليست بمسألةٍ فقهيّة؛ إذ ليس موضوعُها أَحَدُ الأقسام الأربعة المذكورة، فلا بُدّ من تأويلها بأنْ يقال: شرب الخمر حرام وإنّ مباشرته سبب لتنجس المباشر بالرطوبة([260]) وإنّ أكْلَ ثمن العذرة حرام.

 

المطلب السابع

في ما يميز به مسائل كل علمٍ عن مسائل علم آخر

لمّا كانَ تمييزُ مسائل العلم عن غيرها مما يَحتَاجُ إليه المؤلّف والمتعلّم
لئلا يطلب ما لا يهمّه ويترك ما يهمه، مضافاً إلى أنّ الفقهاء والأصوليين طالما وقع منهم النّزاعُ في بعض المسائل أنّها من علم الفقه أو من علم الأصول وَجَبَ علينا أنْ نذكر الميزان في عدّ المسألة من العلم؛ ليميز به مسألة العلم عن غيرها، فنقول:

[الميزانُ في عَدّ المسألة مِن العِلْمِ]

إنّ ما ذكر ميزاناً لعدّ المسألة من العلم أو يمكن أنْ يكون ميزاناً لعدّها منه أمور:

الميزانُ الأوّل في عدّ المسألة من العلم

أحدها: أنْ تكون المسألة باحثة عن الأعراض الذاتية لموضوع العلم،
وهي إنّما تكونُ كذلك، إذا كانَ مَحْمُولها من الأعراض الذاتية لموضوعِ العلم، وهو إنما يكون كذلك إذا كان موضوع المسألة عينُ موضوع العلم، أو نوعاً منه، أو عرضاً ذاتياً له، أو المركب منهما، كما تقدم؛ إذ لو لم يكن كذلك كان موضوعها أجنبياً عن موضوع العلم، فلا يكونُ محمولها عرضاً ذاتياً له.

ولا يخفى أنّ هذا الميزان إنّما يتمُّ لو كان للعلم موضوعٌ، وإلاّ لو جمعت المسائل لغرض خاص وسمّيت باسم علمٍ فالميزانُ هو ترتُّبُ ذلك الغرض عليها.

الميزان الثاني في عدّ المسألة من العلم

ثانيها: إنّه بواسطة تعريف ذلك العلم تحصل مقدّمتان كلّيتان موجبتان
 للزوم التساوي بين المعرَّف والمعرِّف، للزوم صدق المعرِّف على جميع
ما صدق عليه المعرَّف، وصدق المعرَّف على جميع ما صدق عليه المعرِّف،
أو موجبة كلية وأخرى سالبة كلية معدولة الموضوع للزوم سلب المعرِّف
عن كلّ ما ليس بالمعرَّف للزوم التساوي بينهما، وبسبب العلم بهاتين
المقدّمتين يقتدر على تمييز([261]) مسائل ذلك العلم عن غيرها بواسطة
مقدمة وجدانية، فمثلاً إذا علمنا بأنَّ علم الفقه عبارةٌ عن العلم
بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية يَحْصَلُ لنا العِلْمُ بكُلّيتين موجبتين:

إحداهما: كُلُّ علمٍ يكونُ فِقهاً فهو علمٌ بالحكم الشرعيّ الفرعيّ عن دليلٍ تفصيلي.

وثانيهما: كلُّ علم بالحكم الشرعي الفرعيّ عن دليل تفصيليّ فهو من علم الفقه؛ أو نقول بدلاً عن هذه المقدمة الثانية: لا شيء مما هو ليس بعلمٍ بالحكم الشرعيّ الفرعيّ عن دليل تفصيلي بفقه.

ثمّ إذا وجدنا مسألةً يَحْصَلُ بها العلم المذكور بالوجدان السليم والطبع المستقيم نضمُّها إلى المقدمة الثانية، ونقول هكذا: هذا العلم من هذه
المسألة علمٌ بالحكم الشرعيّ الفرعيّ عن دليلٍ تفصيلي، وكلُّ علمٍ كذلك فهو من علمِ الفقه، فينتج: هذا العلم من هذه المسألة من علم الفقه، بالضرب الأول من الشكل الأول.

وليست مسألة العلم إلاّ التي يحصل منها ذلك العلم، وإذا وجدناها مسألة لا يحصل بها العلم المذكور نضمّها إلى المقدمة الأولى فنقول هكذا: هذا العلم
من هذه المسألة ليس بالعلم المذكور، وكلُّ علمٍ يكون من الفقه هو العلم
بالحكم الشرعي الفرعي عن دليله التفصيلي، ينتج: هذا العلم من هذه
المسألة ليس بعلم فقه، بالضرب الثاني من الشكل الثاني، أو نقول: هذا
العلم من هذه المسألة هو اللا علم بالحكم الشرعي الفرعي عن دليل تفصيلي، بنحو الموجبة المعدولة المحمول، ولا شيء من اللا علم بذلك بفقه، ينتج: لا
شيء من هذا العلم من هذه المسألة بفقهٍ، بالضّرب الثاني من الشّكل
الأول.

الميزان الثالث في عدّ المسألة من العلم

ثالثها: ما يظهر من صاحب المعالم([262]) من أنّ مسائل العلم هي المطالب الجزئية المستدلّ عليها في العلم، وفيه:

أولاً: إنّ من المبادئ التصديقية ما يُستدَلُّ عليها في العلم إذا لم يستدلّ
عليها في علمٍ آخر، كأماريّة اليد، فإنّه يستدلّ بها على ملكيّة ما في يدِ الإنسان في الفقه.

وثانياً: إنّ المسألة الفقهية المستحدَثَة، والتي غَفَلَ عن ذكرها، لا تعرّف بهذا التعريف؛ لعدم الاستدلال عليها في العلم، كمسألة المعاملات المصرفية والتأمين على الحياة والسرقفلية.

وثالثاً: إنّ مسائل العلم هي مطالب كليّة، وقواعد عامّة، ولعلّ الأصحّ قراءة الجزئية بالخبرية.

الميزان الرابع في عدّ المسألة من العلم

رابعها: ما ذكره بعضُ المحقّقين من الحكماء والمنطقيين، وتبعهم عليه صاحب الكفاية رحمه الله ([263]) في أنّ الميزان والضابط في عَدِّ المسألة من العلم ترتّب غرض المدوّن عليها، وإنّما اعتبروا غَرَضَ المدوّن هو الميزان دون غرض المتعلم أو المعلم؛ لأنّ الذي جعل هذه المسائل المتشتتة علماً واحداً هو المدوّن، وهو إنّما جعلها من العلم الذي دوّنه لكونِ الغَرَض الذي تصوّره كانَ مترتباً عليها، ولذا لو فُرِضَ مسألة لم يدوّنها المدوّن للعلم في مسائل العلم، وبعد ذلك اطّلعنا على دخولها في غرضه عَدَدْناها من مسائل العلم؛ لأنّ المقياس عنده في وحدة المسائل وعدّها من علمٍ واحدٍ هو دُخولُها في ذلك الغرض.

كما لو اطّلعنا على مسألةٍ لا دَخْلَ لها في غرض المدوّن لم نعدّها من مسائل العلم، وإنْ عدّها المدوّن من العلم.

ثم إنّ دَخْلَ المسائل في الغرضِ تارة يكون بنحو العلّية، كمسائل الحكمة، فإنّ غرض المدوّن منها هو كمالُ النَّفْسِ، وتارةً يكونُ بنحو الآلة من قبيل دخل الضوء في معرفة الرائي للأشياء، ونظير دخل المرشد في دلالة الضّالّ على الطريق، ونظير دخل العقل في تركيب العمل من العامل وإتقان صنعه له، وذلك مثل علم النحو، وعلم المنطق، فإنّ علم النحو بواسطته يصون المتكلم لسانه عن الخطأ، وعلم المنطق بواسطته يصون المفكّر ذهنه عن الخطأ في الفكر.

ويرد عليهم أولاً: أنّ ما ذكروه إنّما يتمُّ لو كانَ تدوينُ العلم لغرضٍ خاصّ، أمّا إذا كانَ تدوينُ العلم لأجل البحث عن حالاتِ موضوعٍ خاصٍّ، فالميزانُ في عدّ المسألة من العلم كون محمولها من حالاتِ ذلك الموضوع الخاصّ، وهكذا لو كان تدوينُ العلم لأجل غَرَضٍ خاصّ وبيانُ حالاتِ موضوعٍ خاصّ فالميزانُ في عَدّ المسألة من العلم ثبوتُهُما كليهما فيها.

ولا يخفى ما فيه: فإنّه أيضاً يكون عَدُّ المسألة من العلم لترتُّبِ غَرَض المدوّن عليها، غايةُ الأمر يكونُ غرض المدوّن، هو معرفةُ حالات ذلك الموضوع الخاص.

ولكن يمكن أنْ يقال: إنّ مرادهم أنّ ترتب غاية العلم يكونُ هو الميزان حتَّى لو كانَ له موضوعُ، وليس كون المسألة تبحث عن حالاتِ الموضوع من الغرض المذكور.

ويرد عليهم ثانياً: بما أورده والدي  قدس سره ([264]) بأنَّ مسائل العُلومِ مُتَّفقة في الغرض وهو تكميلُ النّفس، أو كما قيل: معرفةُ الله تعالى، فيجبُ أنْ تكونَ مسائل العلوم مسائلٌ لعلمٍ واحدٍ، وتكون العلوم علماً واحداً.

وجوابه ما قدَّمناه: إنّ الميزان هو ترتُّبُ غَرَضِ المدوّن عليها، وهو نوعٌ من تكميل النفس.

ويرد عليهم ثالثاً: بأنّ بَعْضَ مسائلِ الهيئة والعلوم العربية والحساب لها دَخْلٌ في الغَرَض الذي لأجلِهِ دوّن علم الفقه، فإنّ علم الهيئة له دخل في معرفة الجهة التي يَجِبُ أنْ يستقبل فيها الصّلاة والذبح ونحو ذلك، وهكذا الحساب بالنسبة إلى المواريث، وهكذا مَعْرِفَةُ أوضاع اللّغة لها دَخْلٌ في معرفة الأحكام الشرعية من السنة والكتاب، بل الكثيرُ من مسائل العلوم العربية لها دَخْلٌ في الغَرَضْ الذي لأجله دوّن عِِلْمُ الأصول، فإنّها تُوجِبُ القدْرَةَ على الاستنباط.

وجوابه كما ذكره بعض المحققين بتوضيح منّا: إنّ المراد أنّها لها دخلٌ في الغَرَض الذي لأجله دوّن العلم بلا واسطة، فالمسائل المذكورة إنْ كانَ لَهَا دَخْلٌ في الغرض بلا واسطةٍ كانت من العلم وإنْ كان لها دَخْلٌ في الغَرَضْ بالواسطة لم تَكُنْ من مسائل العلم، على أنّهم التَزَمُوا بكونِ المسألة التي يرتّب عليها غرضانٌ أو أغراضٌ لعلومٍ متعدّدة تكونُ من مسائل تلك العلوم.

ويَرِدُ عليهم رابعاً: إنّ الميزان في عَدّ المسألة من العلم لو كان ما ذكروه لزم أنْ يصحّ في المسألة التي رتّب عليها غَرَضُ المدوّن إنْ تُعَدّ من مسائل العلم ولو كان موضوعها لا ينطبق عليه موضوعُ العلم، مع أنّهم اشترطوا أنْ يصدق موضوعُ العلم على موضوعها.

والتحقيقُ ما عرفته منّا من أنَّ العلم المدوّن للبحث عن موضوعات خاصّة، شرط عدّ المسألة منها، وهو صدق موضوعه على موضوع المسألة، أو يكون موضوع المسألة عرضاً ذاتياً له، وإلا لكانت غير باحثة عنه.

وأما العلم المدوّن للبحث عن غاية وغرض خاصّ شرط عدّ المسألة منه دخلها في الغرض الذي دوّن له العلم، سواء كان له موضوع أم لا وسواء صدق موضوعه على موضوع المسألة أم لا؛ لأن المهم معرفة ترتب الغرض لا غير.

نعم، لو كان المقصود كليهما وجب في المسألة التي تعدّ منه ثبوتهما، بأنْ يصدق على موضوعها موضوعُ العلم وترتب الغاية عليها، فمثلاً إنّ الميزان في عدّ المسألة من علم الأصول يكونُ إمّا بانطباق موضوع علم الأصول على موضوعها، وهذا إنما يتمّ لو قلنا بأنَّ علم الأصول قد دوّن للبحث عن حالات موضوع خاصّ، كأن قلنا إنّه دُوِّنَ للبحث عن الأدلة، وأمّا بدخل المسألة في غرضِ علم الأصول، وهذا إنما يتمّ لو قلنا بأنَّ علم الأصول قد دُوِّنَ لغرضٍ خاصّ كالقدرة على استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية.

الميزانُ في عَدّ المسألة مِن عِلْمِ الأصولِ لا من الفقه

وبهذهِ المناسبة لا بأسَ بالتعرُّض لما ذَكَرَهُ بَعْضُ الأصوليين من الموازين في عَدِّ المسألة من علمِ الأصول لِكَثْرَةِ الاشتباهِ بينها وبينَ مسائل علم الفقه.

الميزان الأول لعدّ المسألة من علم الاصول

الميزان الأول: هو أنّ مسألة علم الأصول تقع كبرى لقياسٍ يُنتجُ حُكْماً شرعياً كلياً.

وتقريب ذلك على ما ذكره والدي رحمه الله  في تقريراته لبحث أستاذه
النائيني رحمه الله  بتوضيح منّا:

إنّ علم الأصول تثبت به كبرياتٌ تكونُ الجزءُ الأخيرُ لدليل الاستنباط للحكم الشرعي الكلّي، وتنقيح صغرياتِِ هذه الكبريات في العلوم السابقة على الأصول، كالنحو والصرف والبيان والرجال واللغة، فإنّه بأحدها تثبُتُ صغرى، وهي (إنّ هذه الآية أو الحديث ظاهرٌ في كذا)، وفي علم الأصول يبيّن كبرى هذه الصغرى، وهي (إنّ الظواهر حُجَّةٌ يُعْمَلُ على طبقها)، كما يقال: إنّ الوجوب ظاهرُ الآية، والظاهر حُجَّة، يُعْمَلُ على طبقه، فالوجوب يُعْمَلُ على طبقه، وبعلم الرجال يَثْبُتُ أنّ هذا الراوي ثقة، وبالأُصول تُنقَّحُ كبرى ذلك، وهي أنّ الوثاقة مُوجِبَةٌ لحُجِّيةِ الخبر ومرجِّحَةٌ له عند التعارض أو غير ذلك.

ويرد عليه رحمه الله  أولا: أنّ القواعد الفقهية كقاعدة الحلّية تقعُ كبرىً لقياسٍ يُستَنْبَطُ منه حُكْمٌ شرعيٌ، نظيرُ المسألة الأصولية، فيقال: الدّخانُ مشكوكُ الحلِّية، وكُلُّ مشكوكِ الحلّية حلالٌ استعماله، فالدخانُ حلالٌ استعماله.

وجوابهُ كما هو أجاب عنه رحمه الله : إنّ المستنتج من المسألة الأصولية لا يكونُ إلا حُكماً كلياً، بخلاف المستنتج من القاعدة الفقهية، فإنّه يكون حكماً جزئياً، وإنْ صَلُحَتْ في بعضِ الموارد لاستنتاج الكلّي، فالمائز بينهما هو قابليةُ استنتاج الحكم الجزئي بالقاعدة الفقهية، وعدمه في المسألة الأصولية، وسيجيء ما فيه إنْ شاء الله في الإيراد الثالث.

ويرد عليه ثانياً: كما يَظْهَرُ من كلام بعض مقرِّري بحثه رحمه الله ([265]): إنّ بعض المسائل الأصولية تقعُ صغرىً لقياس استنباط الحكم الشرعي، فتكونُ فاقدة للمائز المذكور، كالبحث عن معنى صيغة (إفعل) ومعنى النهي.

وجوابه كما هو أجاب عنه: إنّ هذه المسألة الأصولية التي تقعُ صغرىً لقياسِ الاستنباط تقعُ كبرىً في قياسِ استنباط آخر، فيكون المائز موجوداً فيها، بخلاف مسائل باقي العلوم التي تكونُ صغرىً لقياسِ الاستنباط، فإنّها لا تَقَعُ كبرى لقياس الاستنباط أصلا.

ويرد عليه ثالثا: بمثل القواعد الفقهية العامّة التي تقع كبرى في قياس الاستنباط لحكم كلّي، مثل قاعدة الضّرر، وقاعدة ما يُضْمَن بصحيحه، وقاعدة الطهارة، وقاعدة الحرج، وقاعدة الصلح جارٍ بين المسلمين إلا ما أحَلَّ حراماً وحرّم حلالاً، وقاعدة لا يُبطَلُّ دَمُ امرءٍ مسلم، وقاعدة الحدود تُدرء بالشبهات، وقاعدة القرعة لكلّ أمر مشتبه، وقاعدة ما يُحرّم من الرضاع يُحرّم من النسب، فإنّها تقعُ كبرىً لقياسٍ يُستَنبَطُ منه حكمٌ كلّيٌ، وهو حُرْمَةُ الأمِّ الرضاعية، بأنْ يقال: إنَّ الأمّ تحرم من النسب، وكُلّما يَحرُمُ من النسب يَحرُمُ من الرّضاع، فالأم تحرم من الرضاع، وهو حُكْمٌ كلّي، نظير استصحاب حرمة زوجة الأب بعد وفاة أبيه على تقدير الشكّ في حرمتها، فإنّ استصحابَ حُرمتها من المسائل الأصولية.

بل وهكذا مثل قاعدة الطهارة الجارية في الشبهات الحكمية، مثل بعض المستحدثة، كالقهوة التي يُشَكُّ في طهارتها، فإنّه أيّ فرقٍ بين قاعدة الطهارة وأصالة البراءة من حرمة شربها، فكما أنّ البراءة في الشبهات الحكمية من مسائل الأصول، فهكذا أصالةُ الطهارة في الشبهات الحكمية، فإنّ كلاً منهما يُستنتَجُ به حكمٌ كلّي لموضوع عام.

إنْ قلت: إنّه قد سبق أنّ المائز هو الصّلاحيةُ لاستنتاجِ الحُكْم الجزئي، فإنّ قاعدة الطهارة يستنتج بها حكم جزئي.

قلنا: إنّ ذلك لا يصلُحُ مائزاً، فإنّ القواعد الأصولية كالاستصحاب أو البراءة أيضاً يستنتج بها حكم جزئي، كما لو أجريت في الشبهات الموضوعية، فهي فيها قابلية الاستنتاج للحُكْمِ الجزئي، كالقواعِدِ الفقهية، بل حَتَّى حُجّية الخبر قد تقع كبرىً لاستنتاج حكم جزئي، كأحكام الحجر الأسود، وأحكام مكّة والمدينة ومقام إبراهيم، ولعن يزيد بن معاوية والبراءة منه، فإنّها تستنتج أحكامها من أخبار الآحاد الواردة فيها بواسطة حُجّية خبر الواحد.

إنْ قلت: إنّ أصل البراءة والاستصحاب في الشبهات الحكمية من
المسائل الأصولية، دون ما كان يجري في الشبهات الموضوعية، فإنّه ليس
من المسائل الأصولية.

قلنا: فلازم ذلك الالتزام في أصل الطهارة كذلك، بأنْ تكون في الشبهات الموضوعية من الفقه وفي الشبهات الحكمية من مسائل الأصول، مع أنّ الأصوليين لا يلتزمون بذلك.

إنْ قلت: إنّ المسألة الأصولية هي ما تقع كبرىً لقياسٍ يُستنتج به حكم شرعي مجعولٌ، والقياس الذي تقع فيه القاعدة الفقهية العامة لا يستنتج منه حكمٌ شرعيٌ مجعول، وإنّما يستنتج منه حكمٌ عقليّ، وذلك لأنّ الحكم الشرعي الفقهي المجعول إنّما هو تلك القاعدة العامة، والحكم المستفادُ من ضَمِّها إلى صغرى وجدانية ليس بحكمٍ شرعيّ مجعول، فكون الأمّ تحرم من الرضاع، والقهوة حلال شربها في الأمثلة المذكورة ليست بحكمٍ شرعيٍّ مجعولٍ للشارع، وإنّما المجعول للشّارع هو حِلُّ المشكوكِ وحُرْمَةُ الرّضاع لما يَحْرُمُ من النَّسب، وأمّا كون القهوة حلالٌ والأمُّ الرِّضاعيةُ حرامٌ فهو مما يُحْكَمُ بهِ العَقْلُ بملاحَظَةِ كونِهِ من جزئيّات ذلك الحكم الشرعيّ الفقهيّ العامّ، وإلاّ فنفسه لم يجعله الشارع.

ويدلُّكَ على ذلك أنّ هذا الحكم المستنتج يَدورُ مَدَار صُغْرَى وجدانيّة تختلفُ باختلاف الآراء والوجدانيات، والحكم الشرعي لا يعقل أنْ يختلف باختلاف الآراء والوجدان، فمَنْ يرى أنّ القهوة مشكوكة الحكم ضَمَّ هذه الصغرى الوجدانية إلى تلك القاعدة الفقهية، واستنتج الحكم المذكور، وإلاّ
فلا، وهكذا قاعدة الضرر يُستنتج بها الحكم لموردٍ خاصّ بَعْدَ رؤيةِ الضَّرَرِ
فيه، وهذا يَجْري في سائر العُلوم، فقولُنا: (زيدٌ فاعل) و(كلُّ فاعلٍ
مرفوع) ينتج: (زيد مرفوع)، وهو ليس بحكمٍ نحوي، وإنمّا الحُكْمُ النّحوي
هو (كلُّ فاعل مرفوع)، وأمّا كون زيد مرفوع فهو تابعٌ لصغرى وجدانية،
وهو كونه فاعلاً، وهي تختلفُ باختلاف الآراء والوجدان، وليس أمرُهُ
راجعاً للنّحوي، فهكذا الأحكامُ الفقهية التي تستنتج بضمّها لصغرياتِ وجدانية ليسَ بحُكْمٍ شرعيّ فقهي حقيقةً، وإنْ كان المستنتج بها حكماً كلياً ولا يستنتجه إلاّ الفقيه، إلاّ أنّه حكمٌ عقليٌّ استنتج من حُكْمٍ مجعول شرعيٍّ فقهيّ،
وهذا بخلاف المسألة الأصولية، فإنّها يُستنتج بها نَفْسُ الحكم الفقهي المجعول للشارع.

قلنا: هذا مضافاً إلى عَدَمِ تماميّته في بعضِ القواعد الفقهية، فإنّها تضمُّ
إلى صُغْرَى فقهيّة لا وجدانية، كما في قاعِدَةِ الرّضاع، فإنّها تضمُّ إلى صُغْرى أنّ الأمَّ حرامٌ من النسب كما في المثال المتقدم، وهي صغرى ليست بوجدانية، وأيضاً يلزم منه خروجُ الأصول العملية في الشُّبهات الحكمية، فإنّها تضمُّ
إلى صغرى وجدانية مع أنّها من علم الأصول بلا كلامٍ، بل يَلْزَم خروجُ
مسألةِ التعادل والتراجيح من الأصول؛ لأنه يضمُّ إليه صُغْرى وجدانية وهي تَعارض الخبرين.

اللهم إلاّ أنْ يقال: إنّ الكبرى تَصْلُحُ لأنْ تَقَعَ في طريق الاستكشاف في كلِّ بابٍ من أبوابِ الفقه، بخلافِ القواعد المذكورة، فإنّها ليست فيها تلك الصّلاحية، فإنّ قاعدة ما يَحرمُ من الرّضاع مختصّةٌ بباب النكاح، وقاعدة الطَّهارة بباب الطهارة.

وفيه: إنّ هذا خروجٌ عن الميزان الذي ذكره، ويكونُ الميزان في عَدِّ المسألة أصولية هو الوقوعُ في طريقِ الاستنباط في سائر أبوابِ الفقه، مضافاً إلى عَدَمِ تماميّتِهِ في قاعِدَةِ الحَرَج والضّرر؛ لوقوعهما في طريق الاستنباط في سائر أبواب الفقه مع أنّها من القواعد الفقهية.

ويردُ عليه رابعاً خروجُ مباحِثِ الألفاظ المتكفّلة لتعيّن المدلول كمباحث صيغة الأمر والنّهي، والمفاهيم، ومبحث العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، فإنّها لا تَقَع نتيجتُها كبرى في قياسِ الاستنباط للحكم الشرعيّ؛ لأنّها انّما تشخّص الظاهر عن غيره، فهي دائماً متكفّلة لصغرى دليلِ الحكم الشرعيّ، ولا تقع كبرى لدليل الاستنباط، ولا يصحُّ الالتزام بخروجِ هذه المباحث عن مسائل علم الأصول، كيفَ وهي من مهمّاتها والقسم الأوّلُ منها، وهذا الإيرادُ يَرْجِعُ للإيراد الثاني.

وما ذكره المرحوم آغا ضياء في تقريراته([266]) من أنّ مباحث المفاهيم وما بعدها مما يستكشف بها مقدارُ الوظيفة العملية، وكيفية تعلّقها بفعلِ المكلّف، فهيَ من المسائل الأصولية، بخلافِ غيرها من علمِ الرِّجال والنحو والصّرف، فإنّ تلك متمحّضة للبحث عن تشخيص موضوع الأمارة من حيثُ السَّنَد أو من حيث المفهوم منها، فهو لا يرفَعُ الإشكالَ عن هذا المائز؛ إذ لا يوجبُ وقوعَ نتيجتها كبرى قياس يُستَكْشَفُ به الحكم الشرعي.

مضافاً إلى أنَّ بَعْضَ مسائلِ الأصول كَمبْحَثِ دلالةِ صيغة (إفعل)، ودلالة النهي، فإنّها تُشَخِّصُ موضوع الأمارة من حيثُ الظّهور مع أنّها من المسائل الأصولية.

الميزان الثاني لعدّ المسألة من علم الأصول

هو أنْ تكون من المبادئ التصورية أو التصديقية لمسائل الفقه، وتوضيح ذلك:

أنّ ما يفيد تصوّر أطراف المسألة فهو مبدأٌ تصوُّري، وما يفيد التصديق بالنسبة في المسألة فهو مبدأ تصديقي، ونسبة علم الأصول إلى الفقه نسبةُ المبادئ، فما يفيد تصوّر الصّلاة كمبحث الحقيقة الشرعية يكونُ مبدأً تصوّرياً، وهكذا ما يفيد تصوّر [أَقِيمُوا]([267])، كمبحث دلالة الأمر يكونُ مبدأً تصوّرياً، وما يبحث عن حجية الظواهر وحجية الخبر والاستصحاب مبدءٌ تصديقي.

فعلم الأصول: عبارة عن مبادئ تصورية لمسائل الفقه، بمعونتها تحصل صغريات ومبادئ تصديقية لمسائل الفقه، بمعونتها تحصل كبريات ينتج منها المسألة الفقهية.

وهو يرجع إلى ما ذكروه: من أنّ علم الأصول يتوقف على مسائله الاستنباطُ توقفاً قريباً لا بعيداً.

وإليه يرجع ما ذكره المرحوم أحمد الحسيني من أنّ المسألة الأصولية يقصد منها العلم الكلّي المستنبط منه الأحكام، والمسألةَ الفقهية يُقْصَدُ منها العلم، فالأولى متقدّمة بحَسَبِ الرُّتبة على الثانية ومقدّمة لها.

ولعلّ إليه يرجع من ذكر أنّ المائز هو أنّ المسألة الأصولية يكون البَحْثُ فيها عن الأدلة الشرعية وجزئياتها وكيفياتها وشرائطها، وكلُّّّّّّ ما يتعلق بها من حيث كونه مرتبطاً بالدليل الشرعي، والمسألة الفقهية ما يُبْحَثُ فيها عن الأحكام المتعلّقة بأفعال المكلّفين تكليفية كانت أو وضعية.

ويرد عليه: بما تنبّه هو له من لزومِ دُخولِ مسائل علم الرّجال والحديث وعلمُ النّحو وبعض مسائل علم الكلام.

وأجاب عن الإيراد بعدّةِ أجوبة، أوجهُها: أنّ مسائل الأصول هي المبادئ للفقه بلا واسطة، وهذه مبادئ لمسائل علم الأصول فهي مبادئ لمبادئ الفقه.

ولا يخفى ما فيه فإنّ الكثيرَ من مسائل علمي المعاني والبيان ما هي مبادئ المسائل الفقهية لأنها تعين الظاهر.

على أنّ حجّية الخبر يتوقّفُ استفادة الحكم منها على تشكيلِ صُغرى وكبرى جامعةً للشَّرائط، فتكونُ الحجيّة لمبدأ المسألة الفقهية.

الميزان الثالث لعدّ المسألة من علم الأصول

هو أنّ نتيجة البحث لا تنفع المقلّدين وإنّما تنفعُ المجتهدين، ألا ترى أنّ البحث في مثل خَبَرِ الواحد نتيجتُهُ سواء كانت حجّية خبر الواحد أو عدمها فإنّه لا يصحُّ من المجتهد أنْ يفتي في رسالته بها؛ لأنّ تطبيقها في الخارج ليس بيد المقلد بل هو من وظيفة المجتهد.

وأمّا المسألة الفقهية فنتيجةُ البَحْثِ فيها تنفع المقلّد، وللمجتهد أنْ يفتي بها وللمقلِّد أنْ يعمل بها في الخارج، كالبحث في حرمة العصير العنبي، فإنّ نتيجة البحث فيها للمجتهد الفتوى بها وللمقلد العمل بها.

وبعبارة أخرى: إنّ المسألة الأصولية لا تنفع في مقام العمل ما لم يصرف
فيها قوة الاجتهاد ويستعمل فيها ملكته فلا تفيد المقلّد، بخلاف المسألة الفقهية
فإنّ المجتهد بعد صرف قوّة اجتهاده وإعمال ملكته إذا ألقاها للمقلّد تفيد
المقلِّد، ويستطيعُ العَمَلُ بها، فمثل حُجّية خبر الواحد لا يستفيد بها المقلِّد في
مقام العمل؛ لاحتياجه إلى فهم مدلول الخبر والبحث عن معارضه
وعلاج التّعارض ونحو ذلك، وليس ذلك إلاّ وظيفة المجتهد بخلافِ مثل
حُرْمَةُ الخمر، ووجوب الصّلاة، فإنَّ المقلِّد يَعْمَلُ بها كالمجتهد وإنْ كان
المجتهد احتاج في استنتاجها إلى ملكة الاجتهاد إلاّ أنّه في مقامِ العمل على
حَدٍّ سواء.

والغريبُ هو جَعْلُ المرحوم النائيني على ما في تقريراته([268]) هذا المائز للمسألة الأصولية تقريباً آخر للمائز الأول، مع وضوح الفرق بينهما، فإنّ المائز السابق وقوع المسألة الأصولية جُزْءاً أخيراً لدليلِ الحُكْمِ الشّرعي الكُلّي الذي للمجتهد الفتوى به لمقلّده، وهذا المائز الثالث إنّما هو صِحَّةُ الفتوى بالمسألة وعدم صحتها.

وكيف كان فقد ذَكَرَ هذا المائز المرحوم الشيخ عبد الكريم اليزدي رحمه الله ، ونَسَبَهُ بَعْضُهُم للمرحوم الشّيخ الأنصاري([269])، وأورد عليه الشيخ المذكوررحمه الله  والمرحوم آغا ضياء رحمه الله ([270]) في تقريراته بأنّ مثل (قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) من القواعد الفقهية، ومن المعلوم عَدَمُ تمكُّنِ المقلِّد من العمل بها بعد فتوى المجتهد بها، بل يحتاج إلى تعيين ما هو صُغْرى لتلك القاعدة، وبأنّ مثل قاعدة نفوذ الصّلح والشرط باعتبار كونهما غيرُ مخالفين للكتاب أو السنة أو مخالفين مما ينحصر أمرُهُ بنظر المجتهد.

وجوابه: إنّ المراد عَدَمُ القدرة ليس من جهة الجهل بالموضوع، وإلاّ لو علم المقلِد بالعقد الصحيح المضمّن عَمَل بهذه القاعدة، فللمجتهد الفتوى بهما، كما يفتي بقاعدة التجاوز والفراغ واليد، ويشخّص مواضيعها، ويعمل بها
المقلِد، وهذا بخلاف مسألة حُجّية خبر العَدْل فإنّه لو أفتى بها المجتهد
وشخَّص خَبَرُ العدل لم يجز للمقلّد العمل به؛ لأنّ شرطه الاجتهاد وهو مفقود منه.

وبعبارة أخرى: المرادُ عَدَمُ القدرة وعَدَمُ التمكُّن من العمل من جهة عدم الاجتهاد لا من جهة الجهل بالموضوع، وإلاّ فلا حاجة للإشكال بالقاعدة المذكورة، بل حتَّى مسألة وجوب الصلاة، فإنّه إذا لم يعرف المقلّد الصلاة لا يقدر أنْ يعمل بها حتى يعيّن المجتهد له الصلاة ويعرّفه بها.

والأولى أنْ يورد على هذا المائز بقواعد النحو والصرف والبيان
والمنطق التي تنفع المجتهد، فإنها لا يجوز للمجتهد أنْ يفتي بها للمقلِّد لكي
يعمل بها في معرفة الحكم الشرعي، فهي تنفع المجتهدَ، فالمائز موجودٌ فيها تماماً وكمالا.

ويرد عليه أيضاً بالقواعد الفقهية في الشبهات الحكمية، فإنّها معدودةٌ
 من علم الفقه مع عَدَمِ جواز فتوى المجتهد بها لمقلّديه وعملهم بها، وما
يتراءى من رجوع المقلِد إلى أصالة الطهارة وأصالة الحِلّ في بعض الموضوعات الكلية فإنما هو من جهة فهمه من المجتهد انحصار النجاسات والمحرمات،
وإنّ ما عداها طاهرٌ وحلال، وإلاّ لو لم يفهم ذلك منه لم يَجُزْ له الرجوع
إلى ذلك.

وأيضاً يرد عليه: أنّ مباحث التقليد يفتي فيها المجتهد ويرجع إليه فيها المقلِد، إلاّ أنْ يلتزم أنّها من مباحث الفقه.

 

المطلب الثامن

في مَطَالِبِ علم الفقه الثلاثة وهي مطلب (ما، وهل، ولِمَ)

وممّا ينبغي ذكره قبل الشروع في العلم بيانُ مطالبه الثلاثة، فإنّه قد ذكر علماء الفلسفة أنّ أمّهات المطالب العلمية الكلّية الأصلية التي لا يقوم غيرها مقامها لكُلِّ ناظر في استعلام شيءٍ من الأشياء ثلاثة: مطلب (ما)، مطلب (هل)، مطلب (لِمَ) .

وذلك لأنّ الطالب لمعرفة الشيء ما أنْ يطلب معرفة ماهيّته وتصوّرها وهو مطلب (ما)، وأمّا أنْ يطلب معرفة وجوده وهو مطلب (هل)، وأما أنْ يطلب علّة وجوده وهو مطلب (لِم).

وقد زاد بعضهم مطلب (أيّ) وهو ما يميّز الماهية عمّا يشاركها في الوجود، كما لو كانت بسيطةً أو في الجنس كما لو كانت مركَّبة من جنس وفصل، وطَلَبَ تميّزها عمّا يشاركها في أمرٍ ذاتيٍ أو في العرض، أو طلب لها المميز بالخاصة.

وقد زاد آخرون مطلب (كيف، وكم، وأين، ومتى).

ولكن التحقيق: إنّه يستغنى عنها بمطلب هل المركبة كما سيجيء إن شاء الله وتوضيح الحال وتنقيحه.

مطلب ما

(إنّ مطلب ما) على ثلاثة أقسام:

لأنّ (ما) قد يطلب بها شرحُ الاسم وبيان مدلول لفظه، وتسمّى بما اللفظية، فيقع في جوابها مفهومُ الاسم، ومعناهُ وهو قد يكونُ الموضوعُ له اللفظ وقد يكون المستعمل فيه، فعبّروا عن كُلِّ مفهوم للفظ ومدلوله بمطلب ما اللفظية.

وقد يطلب بــ(ما) تمييز ماهيّة مفهوم اللفظ وحقيقة مدلوله، ويقع في جوابها أمّا الحدّ التام أو الناقص أو الرّسم التام أو الناقص، وتسمّى ما الإسمية، وعبّروا عن كلّ حدٍّ تام أو ناقص أو رسم تام أو ناقص بمطلب (ما) الاسمية أو الماهوية إذا كان ذلك قبل العلم بوجود مدلول اللفظ، وأما بعد العلم بوجوده، فإذا طلب (بما) تمييز ماهيته فتسمّى (ما) الحقيقية وما يقع في جوابها يسمّى مطلب ما الحقيقية، وعبرّوا عن كل حدٍّ ورسم تام أو ناقص للشيء المفروض الوجود بمطلب (ما) الحقيقية، وذلك لأنّ الماهية لا تسمّى بالحقيقة إلاّ بعد وجودها.

ومن هنا ظهر للأوجه ما هو المعروف عندهم أنّ التعاريف المثبتة في أوائل العلوم المدوّنة للأشياء قبل إثبات وجودها حدودٌ إسمية، وبعد وجودها حدودٌ حقيقية.

وكيف كان فهذه الأقسام الثلاثة تسمى: بـ(ما) الشارحة ومطلبها بمطلب (ما) الشارحة.

فعلمُ الفقه المفهومُ منه عند إطلاقه ويستعمله فيه علماء الفقه يكونُ مطلب ما اللفظية، وتعريفُه مع قطع النظر عن وجودِهِ يسمّى بمطلب ما الاسمية، وتعريفه بعد فرض وجودِهِ وتدوينه يسمّى بمطلب ما الحقيقة، والجميع يقال له مطلب ما الشارحة.

مطلب هل

إنّ مَطْلَبْ هل على قسمين؛ لأنّ هل:

قد يطلب بها الجزم بوجود الشيء في حد ذاته، وتسمّى بهل البسيطة؛ لأنّ المطلوب بها الوجود البسيط، وعبّروا عن ثبوت الوجود البسيط للماهية بمطلب هل البسيطة، وقد يعبّرون عنه بمفاد (كان) التامة، كما يعبّرون عن عدم الشيء في حدِّ ذاته بمفاد (ليس) التامة.

وقد يطلب بهل ثبوتُ وجود شيءِ لشيء آخر، كما يقال: (هل القمر منخسف)، فيطلب ثبوتُ وجود الانخساف للقمر، وتسمّى بهل المركبة، وما يقع في جوابها يسمّى بمطلب هل المركبة؛ لأنّه هو الذي يطلب بها.

وعبّروا عن ثبوتِ كلِّ صفةٍ لموصوفها وكلِّ عَرَضٍ لمعروضه بمطلب هل المركبة، وقد يعبّرون عنه بمفاد كان الناقصة كما يعبّرون عن عدم شيء لشيء كعدم الحركة للجماد بمفاد (ليس الناقصة).

فعلم الفقه ثبوت أصل وجودِهِ وتحقُّقه وأنّه موجود يكونُ مطلب هل البسيطة.

ولعل إثبات وجود موضوع العلم يكونُ فيه نحوٌ من الإثبات لوجود العلم فيكون فيه مطلب هل البسيطة، وأما ثبوت أنّه مقدّم على غيره من العلوم أو شرفه فهو مطلب هل المركّبة ومنه إثباتُ الغاية له.

مطلب لم

إنّ مَطْلبْ (لم) فهو أيضاً على قسمين؛ لأن (لِمَ):

قد يطلب بها علّةُ ثبوت الوجود للشيء في الأعيان أو ثبوت صفة له فيها، فيقع في جوابها ما هو العلّة لذلك، ويسمّى بالواسطة في الثبوت.

وقد يطلب بها علة التصديق والاعتقاد بذلك، فيقع في جوابها الحدّ الأوسط، ويسمّى بالواسطة في الإثبات، كقولنا: (لِمَ كان العالم حادثا)؟ فيقال: لكونه ممكناً، وكلُّ ممكنٍ حادثٌ فالعالم حادث، فيعبرون عن كلّ ما كان علّة لتحقق الحكم أو علة لمعرفته بمطلب (لِمَ)، ولعلّ منه طلب العلّة الغائية وإنْ كنتُ لم أرَ أحداً تعرّض لذلك؛ لأنها أيضاً علّة للتحقق.

فعلم الفقه يكونُ البحث عن المدوّن له، والمؤسس له بل البحث عن غايته بحثاً عن مطلب (لم) وبحثاً عن الواسطة في الثبوت، كما أنّ البَحْثَ عن إثبات وجوده في عصر النبي  صلى الله عليه واله وسلم  أو الأئمة في رَدِّ مَنْ أنكر ذلك يكونُ بحثاً عن مطلب لم، وبحثاً عن الواسطة في الإثبات في ذلك العصر.

مطلب أي وأين وكم ومتى

إن مطلب (أي وأين وكيف وكم ومتى) فهي ترجع إلى ما ذكر، أمّا مطلب (أي) فهو يرجع لمطلب (ما)؛ لأنّه يطلب بها التمييز للماهية، وأما مطلب (أين، وكيف، وكم، ومتى) فهي ترجع لمطلب هل المركبة؛ لأنه يطلب بها عوارضُ الشيء من الكمية والكيفية والمتى والأين، وهي ترجع لمطلب هل المركبة، وتحقيق ذلك يطلب من شرحنا على منظومة السبزواري رحمه الله .

وما يقدم من المطالب

إنّ مطلب ما الذي هو بحسب مفهوم الاسم يتقدَّمُ على جميع المطالب؛ لأنّ من لم يفهم الاسم يستحيل منه طلبُ الحقيقة الموجودة له، فإنّه لا يَحْسُنُ أنْ يسأل عن وجود الشيء فيقول: هل هو موجود، أو هل هو موجود بحال كذا؟ أو أن يطلب العلة في انتسابه إلى الغير، أو العلة في وجوده في الخارج، أو في اتّصافه بصفة كذا، فإنّ ذلك كلّه إنّما يكون بعد مفهوم الاسم.

ومطلب (هل البسيطة) تتقدَّم على مطلب ما الحقيقية؛ لأنّ الذي يطلب حقيقة أمرٍ فإنّما يَطْلُبُ حقيقةَ أمرٍ موجودٍ؛ لأنّ الحقيقةَ كما تقدّم لا تكونُ إلاّ لأمرٍ موجودٍ، فوَجَبَ أنْ يتقدَّمَ علمه بوجوده، وذلك مَطْلَبُ هل البسيطة، ويجوز أنْ يكونَ الشّيءُ موجوداً في ذاتِهِ مع الجهل أو الشك بوجوده فيطلب معنى مفهوم الاسم الدال عليه؛ لأنّ طلب مفهوم الاسم مع الجهل أو الشكّ في وجوده جائز، فإذا أجَابَ عن مفهوم الاسم كان ذلك الجواب حدّاً بحسب الاسم، فإذا عرف وجوده يصير ذلك بعينه حدّاً بحسب الحقيقة، فعلم أنّ الجواب الواحد يجوزُ أنْ يكون حدّاً بحسب المفهوم وبحسب الحقيقة وبالنسبة إلى شخصين أو إلى واحدٍ في زمانين.

 

المطلب التاسع

في العِلَلِ الأربعة لعلم الفقه

ومما ينبغي ذِكْرُهُ قبل الشروع في العلم بيانُ عِلَلِهِ الأربعة؛ إذ أنّ الأمور المركبة الحادثة لا بُدّ لها من عِلَلٍ أربعة: العِلّة المادية والعِلَّةُ الصُّوريّة والعِلَّةُ الفاعلية والعلة الغائية، فعلم الفقه لا بدّ له من هذه العلل الأربعة.

أمّا علته المادية: فهي عبارةٌ عن موضوعه ومسائله ومبادئه؛ لأنها هي الأجزاء المادية التي تقبل الصور للعلوم.

وأمّا علته الصورية: فهي الهيئةُ الحاصلةُ من جمعِ مسائله، مترتّبة على هذا النحو الخاص، مع ذكر أدلّتها، وتعاريف موضوعاتها ومحمولاتها ومتعلقاتها التي بواسطتها صحّ إطلاقُ اسم الفقه عليها، فإنّ المركَّبات الاعتبارية علّتها الصورية هي الهيئة الطارئة على أجزائها بالنّحو المختصّ بها المصحِّح لإطلاق اسم ذلك المركب عليها، فإنّ العلّة الصُّورية -كما حُقِّقَ في محلِّه- هي ما يكونُ بها الشيءُ هو هو، كالناطقية للإنسان والهيئة المذكورة للمركّبات الاعتبارية تكونُ للمركّبات كذلك.

وأمّا عِلّته الفاعلية فهي المدوّن الأول، وسيجيء إنْ شاء الله بيانه.

وأمّا علّته الغائية: فهي الغَرَضُ الذي كان من تدوينِهِ، وقد تقدَّمَ في مبحث الغاية الكلام فيه.

 

المطلب العاشر

في الرّؤوسِ الثّمانية لعلم الفقه

فائدتها: كانَ القُدَمَاءُ يذكرونَ في صَدْرِ كُتُبهم ما يسمّونه بالرؤوس الثمانية؛ لكونها تُفيدُ بصيرةً بالعلم عند الشروع فيه، ومشعرةٌ بمقاصده على سبيل الإجمال عند الدخول فيه، وسمّوها بالرؤوس الثمانية؛ لأنّ الرأس يطلق على (المقصد- والأصل) حقيقة أو مجازاً، وهذه الأمور تُشْعِرُ بأصولِ العلم، ومقاصده، وكانوا يذكرونها بعد أنْ يذكروا تعريفه، وموضوعه، وغايته، وأجزاءه الثلاثة؛ لأنها ليستْ لها من الأهمية بمقدار ما لتلك في الأهمية، حيثُ أنّ البصيرة في الشروع بالعلم الحاصل من الرؤوس الثمانية أقلُّ من البصيرة الحاصلة من تلك، بل إنّه لا يتوقّفُ عليها الشروع كما يتوقّفُ على تلك، وكيفَ كانَ فَقَدْ عَدَّها القومُ ثمانية.

 

الرأس الأول

بيان الغرض من علم الفقه

الرأسُ الأوّلُ من الرؤوس الثمانية بيانُ الغرض الذي دعا المدوِّن لتدوين العلم ومن أَجْلِهِ ألّف العلم وصنّفه، وجَمَعَ شتات مسائله، وهذا قد يكون عينُ وجهِ الحاجة للعلم الذي يذكر في مقدمة العلم.

وعليه فيُستغنى عن ذكره مرّة ثانية في الرؤوس الثمانية، وقد يكونُ غيره بأنْ يكونَ وَجْهُ الحَاجَةِ لتعلُّم العلم والغرضِ من دَرْسِهِ غيرُ الغرض الذي دَوّن المدوّن له العلم، كما يذكر في علم السِّحر فإنّ الغرض الذي دوّن له المدوّن السحر هو الشعوذة، ولكنّ حاجة المؤمنين له هو دَفْعُ كيدِ السَّحَرة، كما أنّ له منافع كمعرفة خواصِّ بعض الأشياء وفوائدها.

والحاصل: إنّ ما يذكر في المقدّمة، هو بيانُ وَجْهِ حاجَةِ الناس للعِلْمِ فإنّه المرغّب لهم في قراءته ودراسته.

والذي يذكر هنا- أعني: في مبحث الرؤوس الثمانية- هو الغرض الذي دعا المدوّن لتدوين العلم، وهما قد يتّحدان- كما هو الغالب في العلوم- وقد يختلفان كما في علم الفقه، فإنّ المدوّن الأول له هو الإمام علي  عليه السلام ، كان غَرَضُهُ حِفْظُ الأحكام الشرعية من الضّياع، ولكنْ وَجْهُ حاجة الناس إليه هو إطاعَةُ اللهِ وعَدَمُ الخُروجِ عن معاصيه، وقد تقدَّمَ تحقيقُ ذلك في المطلب الثالث من مطالب المقدمة.

وجُوب تَعلُّم الفقه كفائيٌ

ومما يُناسِبُ هذا الرأس الأوّل من الرؤوس الثمانية لعلم الفقه التّعرُّضُ لوجوب تعلّم علم الفقه، فنقول: إنّه يجب تعلُّمُه بالإجماع؛ إذ لا ينكر أحدٌ وجوبه، وإنّما النزاعُ في وجوبه عيناً أو كفايةً أو تعيُّناً أو تخييراً بَيْنَهُ وبَينَ التقليد والاحتياط، مضافاً للأمر في الآية([271]) بالتفقُّه الظاهر في الوجوب. وللأخبار الدالّة على الوجوب كقوله  صلى الله عليه واله وسلم : (إنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال)([272]) والتي سيجيء إنْ شاء اللهُ نقل بعضٍ منها في مبحث فضل علم الفقه.

ولبقاءِ التّكليف في الفروع، فلابُدّ من معرفتها للخُروجِ من عهدة التكليف، أمّا بالتفقه أو التقليد أو الاحتياط، فمن لم يكن مقلّداً أو محتاطاً وَجَبَ عليه التفقه، ولحاجة النّاس إليه في القَضَاء والولايات والوقائع المتجددة. وأمّا إنّ كون وجوبه على سبيل التخيير كفائياً، فللسيرة على ذلك، ولآيةِ التفقُّه([273]) فإنَّها تقتضي وجوبه على بعضِ الأفراد دون بعضٍ لأخذ الطائفة فيها، وللزوم العُسْرِ والحَرَج.

إنْ قلت: قد اشتهر عند الجميع أنّ رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  قال: (طَلَبُ العلم فريضة على كلِّ مسلم)([274])، وقال  صلى الله عليه واله وسلم  أيضاً: (اطلبوا العلم ولو بالصّين)([275])، فإنّ الحديثين المذكورين ظاهران في أنّ ما جاء به الرسول  صلى الله عليه واله وسلم  فَرْضُ عين العلم به على كل مسلم.

قلنا: هذا لا ينافي كونُ وجوبه على سبيل الكفاية، فإنّ الواجبات الكفائية مفروضة على كُلِّ أحدٍ لكنّه يَسْقُطُ وجوبها على الغير بقيامِ شخصٍ بها.

المراد بالعلم في حديثي طلب العلم

هذا مضافاً إلى أنّهم اختلفوا في المرادِ بالعلم في الحديثين المذكورين، فقال الفقهاء: هو عِلْمُ الفقه؛ إذ به يُعْرَفُ الحَلالُ من الحرام، والصحيحُ والفاسد من المعاملات، وقال المتكلمون: هو علمُ الكلام؛ إذ به تعرف العقائد الدينية التي يجب التديُّن بها كالتوحيد وغيره، وقال المفسّرون والمحدّثون: هو علمُ الكتاب والسنة؛ إذ بهما يُتوصَّلُ إلى العلوم كلّها، وقال المتصوّفة: هو علمُ التصوّف.

والحقُّ أنّه هو العلم بالعقائد الدينية وهو العلمُ بالأصول الخمسة من التوحيد والنبوّة والإمامة والعَدْل والمعاد مع التصديق بما جاء به النبي  صلى الله عليه واله وسلم .

 

الرأسُ الثاني

بيانُ منفعة علم الفقه

الرأسُ الثاني من الرؤوس الثمانية لعلم الفقه بيانُ المنفعة في تعلُّمِهِ، فإنّ المتقدّمين قد جَعَلوا الرأسَ الثاني من الرؤوس الثمانية التي تُذْكَر في صَدْر كلِّ علمٍ هو بيانُ منفعة العلم، والفوائد التي تترتب على معرفته، وهي قد تكونُ نفس غرض المدوّن للعلم، ونفسُ وَجْهِ حاجة النّاس لتعلُّمِهِ، وقد تكونُ غيرُهُما من الفوائد الّتي تترتّبُ على دراسته، فإنْ كانت غيرُهما ذكرت، وإنْ كانت عبارة عن أحدهما أو عنهما مما استُغني عن ذكرها بذكرهما.

إنْ قلتُ: إنّا لا نتصور أنْ تكون المنفعة غيرهما.

قلنا: المنفعةُ هي الفائدة، والعَمَلُ قَدْ تَكونُ له فوائدُ غيرُ ما هو مقصودٌ منه، فمثلاً إنّ عَمَلَ الرّياضة الغَرَضُ منه تقويةُ العضلات، ولكن قد تترتَّبَ عليه منافع كَهَضْمِ الطّعام وشفاء بعض الاسقام. ثمّ إنّه قد ظَهَر لك ما في تعلُّم علم الفقه من الفوائد والمنافع عن التعرّض للمطلب الثالث من مطالب المقدمة.

 

الرأسُ الثالث

وجه تسمية علم الفقه بعلم الفقه

الرأسُ الثالثُ من الرّؤوس الثمانية لعلم الفقه بيانُ وَجْهِ تسميَتِهِ بهذا الاسم، فإنّ المتقدّمين قد جَعَلوا الرأسَ الثالث من الرؤوس الثمانية التي تذكر في صدر كلِّ عِلْمٍ هو بيانُ وَجْهِ تسميةِ العِلْمِ باسمه، ويعبِّرُ عنه القُدَمَاءُ بالسِّمَةِ، ويريدونَ بذلك وجه تسميةِ العلم باسمه، وإنّما يذكرونَ ذلك قبل الشّروع في العلم؛ لأنّ في بيانِ التسميةِ اشارةٌ إجمالية إلى ما يفصّله العلم، فيكون للطّالب كَمَالُ الاستبصار بشأنه.

ووَجْهُ تسمية هذا العلم بالفقه؛ لأنّه من أعلى الأنواع للفهم، وكثر استعمال هذه المادّة من قبل الرسول  صلى الله عليه واله وسلم  وأتباعِهِ في مُطْلَقِ الأحكام الشَّرعيّة الأصلية والفرعية، باعتبار أنّه أهمّ ما يجب على الإنسان معرفته، ثم كَثُرَ استعمالُهُ في خصوص العلم بالأحكام الشرعية الفرعية، وخصّوا العلم بالعقائد باسم الكلام وعلم الفقه الأكبر، فكانوا إذا أرادوا علم العقائد عبّروا عنه بالاسمين المذكورين فأوْجَبَ ذلك كَثْرَةَ استعمالِ لفظ الفقه في خصوصِ العلم المذكور حتَّى صار منقولاً إليه لا يَتَبَادَرُ من إطلاقه إلاّ العلم المذكور لا عن تقليد.

فيكونُ لَفْظُ (الفقه) منقولاً من الفقه عند أهل الإسلام المنقول من الفقه عند أهل اللغة، نظيرُ ما قيل في (المقدّمة): إنّها منقولةٌ من مقدّمة الجيش، المنقولة من المقدّمة التي هي الوصف، أو لأنّ الفُقَهَاء في الصَّدر الأول يَرَونَ أنّ الفقه الذي نَدَبَ له الشارعُ بلفظِ الفقه، هو العلم المذكور لا العلم بالعقائد المسمّى بعلم الكلام، ولا العلم بها عن تقليدٍ، فإنّهم حرموا العلم بالعقائد المسمَّى بعلمِ الكلام، وقالوا: إنّ العقائد تُؤْخَذُ من الكتاب والسنّة لا من هذه الأدلّة التي ذكرت في علم الكلام.

تحريمُ عِلْمِ الكلام ونَقْلِ كلمات العلماء فيه

وقد حكى الغزالي([276]) وغيره عن الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من أهل السلف تحريمَ علم الكلام، وعن أبي يوسف أنّه قال لبشر المريسي: (العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم)، وأنّه لا تجوز الصَّلاةُ خَلْفَ المتكلّم وإنْ تكلّم بحق([277]).

ونقل عن الشافعي أنّه قال: (حكمي في أهل الكلام أنْ يضربوا بالجريد والنعال ويُطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاءُ مَنْ تَرَكَ الكتاب والسنة وأقبل على كلام أهل البدعة)([278]) وأنّه قال: (إذا سمعت الرجل يقول الاسم هو المسمّى أو غير المسمّى فأشْهَدُ بأنه من أهل الكلام ولا دين له)([279])، ونُقِلَ عن جلالِ الدّين السّيوطيّ وابنُ الصَّلاح والنووي([280]) إنّه يحرّم علوم الفلسفة كالمنطق لإجماع السلف، وذَكَرَ الحافظ سراجُ الدّين القزويني([281]) من الحنفية في كتابٍ ألَّفه في تحريم علم الكلام: إنّ الغزالي رجع إلى تحريمه بعد ثنائه عليه في أوّل المستصفى([282]).

وذَهَبَ النسفيُّ([283]) وابنُ رُشْد([284]) من المالكية إلى أنّ المشتغل به لا تقبل روايته.

وحُكيَ عن أبي المعالي الجُويني أنّه قال: (يا أَصْحَابَنا لا تَشْتَغِلوا بالكلام،
 فلو عَرَفْتَ أنّ الكلام يبلُغُ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به)، وقال عند موته:
(لقد خُضْتُ البَحْرَ الخِضَمَّ وخَلّيتُ أهلَ الإسلام وعلومهم ودَخَلْتُ في
الذي نَهَوني عنه، والآن إذا لم يتداركني ربّي برحمته، فالويل لابن الجويني،
وها أنا ذا أموتُ على عقيدَةِ أمّي، أو قال: على عقيدةِ أهل نيسابور)([285])، وقال الرّازي:

نهايةُ إقدام العقول عقال
و أرواحُنا في وَحْشَةٍ من جُسُومنا
ولم نَسْتَفِد من بَحْثِنا طُولَ عُمْرِنا
­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­

 

وغايةُ سعي العالمين ضَلالُ
وحَاصِلُ دُنيانا أذىً ووَبَالُ
سِوى أنْ جَمَعْنَا فيهِ قيلَ وقالوا([286])

 

 

وخاطَبَ الخِسروشاهي([287]) -وكان من أجَلَِّ تلامِذَة الفَخْرِ الرّازي- بَعْضُ الفضلاء، فقال له الخِسروشاهي: ما تعتقده؟ فقال الفاضل: ما يعتقد المسلمون، فقال: وأنت منشرحُ الصّدر لذلك مستيقنٌ به، قال: نعم، فقال: أُشكر الله على هذه النعمة، ولكنّي واللهِ لا أدري ما اعتقدُهُ، واللهِ ما أدري ما اعتقده، وبَكَى حتى اخضلَّتْ لحيتُه([288]).

وقال ابنُ عبد البر (أجمع أهلُ الفقه والآثار في جميع الأمصار على أنّ أهل الكلام أهلُ بدع وزيغٍ لا يعدّون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء)([289]).

والحاصل: أنّ الفقهاء في الصّدر الأول يكونْ قد سمّوا العلم المذكور بالفقه في مقابل المتكلّمين لبيان أنّه هو الفِقْهُ الصَّحيح، وليسَ عِلْمُ الكلام بفقهٍ، أو لأنّه يورثُ شِدّة الفهم وقوّة التفقه في الأحكام الشّرعية حتّى الأصولية والاعتقادية منها، نظيرُ تسميةِ علم المنطق بالمنطق؛ لأنّه يقوى به على المنطق الباطنيّ والظاهري، ونظيرُ تسميةِ علمِ الطّب بالحكمة مع أنّه من أنواعها.

ثمّ إنّ ما تَعَارَفَ في بَعْضِ التّصانيف من ذكر المعنى اللُّغوي قبل الاصطلاحي؛ لأجل الاشارة إلى وجه التسمية.

أسماءُ العلوم أعلامٌ لها

وممّا ينبغي الحاقُهُ بالرّأسِ الثالث من الرؤوسِ الثمانية هو البحثُ عن أسماء العلوم إعلامٌ لها أم لا؟ فقد اختلف العلماء في أنّ أسماء العلوم أعلامٌ لها على أقوال:

القول الأول: إنّها من قبيل العَلَم الشخصي؛ لأنّه علم لتلك المسائل المخصوصة، وقد نسب هذا القول إلى بعض الحنفية.

وقد أورد عليه أولاً: أنّ العلم الشخصي ما كان مسمّاه جزئياً حقيقياً، والجُزئيُّ الحقيقي لا يكونُ كاسباً ولا مكتسباً ولا يعرِّفُ ولا يعرَّف، ولا كَمَالَ في معرفة الجزئيات لتغيُّرها وعَدَمُ ثباتها، وإنّما يبحث عنها في ضِمْنِ الكلّيات التي يحكم فيها على الأشخاص إجمالاً، ولأنّ الجزئيات إنّما تُدْرَكُ بالآلات الحسّية أمّا بالحواس الظّاهريّة أو الباطنيّة.

وليسَ الإحساسُ مما يؤدّي بالنظر إلى إحساسٍ آخر، بأنْ يُحَسُّ بمحسوساتٍ متعدّدة وترتُّب على وَجْهٍ يؤدّي إلى الإحساس بمحسوسٍ آخر، بل لا بُدَّ لذلك المحسوس الآخر في الحسّ به من الإحساس ابتداء. والحال أنّ الفقه هنا عُرِفَ بالتعريفِ المتقدّم فليس هو بأمرٍ شخصي جزئي.

وثانياً: إنّه ليسَ القَصْدُ فيه تسميةُ شَخْصٍ مُعيّن بالاسمِ المخصوص، لما ترى من تزايد كُلِّ علمٍ بتلاحُق الأفكار.

وثالثاً: أنْ لو كان من قبيل العَلَمَ الشخصي لامتنع من الإضافة ودخول اللام، مع أنَّ أسامي العلوم تضاف ويدخل عليها اللام، كما يقال: (النحو والصرف والفقه)، ويقال: (نحو زيد أكثر من نحو عمرو) وهكذا.

ودعوى عدمُ دخولِ (ألـ) على أصول الفقه وعدم إضافته، مدفوعةٌ بأنّ ذلك ليس من جهة العَلَمية، بل لمانعٍ، وهو كونُهُ مُرَكَّباً إضافياً، وإلا لم يتفاوت حاله مع أسامي العلوم.

وقد أجيب عن الأول: إن ما ذكر إنّما يَصحُّ في الجزئيات المادّية الحسية لا في الجزئيات المجرّدة المعقولة؛ لأنها لا تدرك بالإحساس بل تدرك بالعقول، وما نحن فيه من قبيل الثاني لا الأول، وأيضاً: إنّ المانع من تعريف الجزئي هو تغيّرُهُ وعدم ثباته، وما نحنُ فيه كان ثابتاً مستقرّاً، والأولى: أن يقال: إنّ ما يذكر للعلوم هي من قبيل الخواصّ المميزة لها عَمَّا عداها.

وقد أجيب عن الثاني: بعدم تزايُدِ المعنى العلمي بتلاحق الأفكار؛ لأنّ الفقه مثلاً موضوعٌ لأمّهات المسائل المعيّنة الواقعية، وهذه المسائل لا تتزايد أصلاً، والزيادة المشاهدة إنّما هي في الفروع والملحقات لا في الأصول والأمّهات، ومثل هذه الزيادة لا تضرُّ بالأعلام الشخصية، وإلاّ لم يوجد عَلَمٌ شخصيٌ أصلاً؛ إذ ما من عَلَمٍ شخصيٍّ إلاّ يزيدُ أو ينقُصُ بعد العلمية.

ألا ترى أنّ الطفل في أول تولّده كان جسمه أصغر وبَعْدَ تسميَتِهِِ يكْبُرُ ويزداد آناً فآنا حتّى يَبْلُغُ إلى ما يبلغ من عظم الجثة ونبات اللحية وغير ذلك، ومع ذلك يصحُّ إطلاق التسمية عليه حقيقة.

والقولُ بأنه اسمٌ للنفس الناطقة يكذّبه الوجدان، من جهة كون المسمّى جسماً لا من المجرّدات، فإنّ أربابَ التسمية العوامّ، وهم لم يُدْرِكوا النَّفْسَ الناطقة، وإنّما يُشَاهِدونَ الجسم، فكما أنّ أمثالَ هذه الزّيادة لا تَضُرُّ في الأعلام الشخصية، فكذا ما نحن فيه.

وقد أجيب عن الثالث: هو أنّ الإضافة بعد تسليم صحّة استعمالها نمنعُ كونها بالمعنى العلمي؛ لأنّ لفظ النّحو مثلاً باعتبار مَعْناهُ العلميّ اسمٌ لجميع مسائل النّحو أو التصديقِ به، أو ملكة التصديقِ به، على خلافٍ في ذلك، فلا معنى لأكثرية جميع مسائل نحو زيد من جميع مسائل عمرو وهكذا، بل معناه حينئذٍ أنّ إدراك زيد لمسائل النحو أكثر من إدراك عمرو لها.

وعليه فإمّا أنْ يكون الكلامُ على الحذف والتقدير، أو أُخْرِجَ العَلَمُ عن علميته نظير قولهم:

علا زيدُنا يَومَ النِقا رأسَ زيدِكُم([290])

فإنّ الأعلامَ قد تُنَكَّر فتُستعمل في المسمّى كما في تثنيتها وجمعها، وأسماء العلوم قد تنكّر فتستعمل في بعض المسائل.

على أنّنا لا نسلّم صحّة الاستعمال المذكور، فلا يقال: زيدٌ أكثر نحواً من بكر، وإنما يقال: أكثر علماً بالنحو من بكر، ويكونُ بالنّحو باقِياً على علميته، وأمّا دخول اللام فالممتنعُ هو دُخولُ لام التّعريف عليه لا مطلقاً، فإنّها تَدْخُلُ للمح الأصلِ، كما في قولنا: (الصادق) عَلَمَاً لشخصٍ، وللتحلية كالحسن والحسين، واللازم في أسامي العلوم أيضاً كذلك؛ لأنّ جميعها منقولات.

القول الثاني: إنّه من قبيلِ العَلَمِ الجنسي؛ لأنّ القَصْدَ فيهِ إلى تسميةِ الطبيعة من حيثُ هي.

وهذا معنى العلم الجنسي، كيف لا تكون كذلك والحالُ أنّ العلوم بتلاحق الأفكار والأزمان تتزايدُ في كلِّ وقتٍ وزمان.

ولكنْ يرد عليه الإيراد الأخير من الإيرادات الواردة على العَلَم الشخصي؛ لأنَّ العَلَمُ الجنسيّ يشبهه في الأحكام اللفظية فيمتنعُ من الإضافة ومن دخول (أل)، فلا يقال: أسامتكم، كما لا يُقال: (زيدُكم) ولا (الأسامة)، كما لا يقال (الزيد)، مع أنّ أسامي العلوم تضافُ وتدخل عليها اللام.

والجواب عن هذا الجواب هو الجواب عن ذلك.

القول الثالث: إنّها من قبيل اسم الجنس، والظاهر أنّ هذا هو مراد السيد علي القزويني رحمه الله ([291]) بقوله: (والظاهر أنّ المراد بالعَلَمَيّة هنا ما في كلام بعض النحاة: (الرفع علم على الفاعلية، والنصب على المفعولية) أي: علامةُ كونِ الشيء فاعلاً أو مفعولاً)([292]).

ولا يخفى بُعدُ هذا بَعْدَ صِحَّة كونها من قبيل العَلَمِ الشخصيّ أو الجنسي.

أسماءُ الكُتُب أعلامٌ شخصيّة

ومما يلحق بذلك بيانُ أنّ أسماءَ الكُتُبِ أعلامٌ شخصيّةٌ أو جنسية فقد ذَهَبَ بعضُهم إلى أنّ أسماء الكُتُب أيضاً من قبيل العَلَمِ الجنسي، وارتضاهُ بعضُ أهل التحقيق من النّحاة حيثُ قال: إنّ أسماءَ الكُتُب ليست من الأعلامِ الشخصية وإلاّ كان إطلاقُها على النسخ المتعدّدة لكتابٍ واحد مجازاً، بل من الأعلام الجنسية الموضوعة للإشارة إلى الحقائق الكلّية، وقيل: إنّها من قبيل اسم الجنس، والتحقيقُ أنّها من قبيل الأعلام الشخصية؛ لأنّها موضوعةٌ للمعاني الذهنية التي تَكْشِفُ عن الألفاظ والنقوش الثابتة في الكتاب، فالمصنَّف للكتاب تصوّر المعاني التي تكشف عنها نقوشُ الكتاب وألفاظه، ثمّ وضع اسمُ الكتاب لهذه المعاني الذهنية المعلومة المشخصة.

فمجموعُ هذه المعاني من حيثُ هو واحد شخصيٌ لا تعدُّدَ له أصلاً حتّى يَرِدُ ما ذكره البَعْضُ، وما ترى من التعدُّد حيثُ أنَّ بعضه بخطّ زيدٍ وبعضهُ بخطِِّّ عمر، وهكذا فهو بمنزلة الألبسة المتعدِّدَةِ لشخصٍ واحد فافهم.

 

الرأس الرابع

في مُدوِّنِ علمِ الفقه وواضعه

الرأسُ الرّابعُ من الرؤوس الثمانية لعلم الفقه بيانُ المدوِّن له، فإنّ المتقدمين قد جعلوا الرأس الرّابع من الرؤوس الثمانية التي تُذْكَرُ في صَدْرِ كُلِّ عِلْمٍ هو بيانُ المدوّن له ليسكُن في قَلْبِ المتعلّم، فإنّ طالب العلم إذا عَرَفَ أنّ مُدوِّنَهُ من رجالاتِ الفكر أدْرَكَ هذا العلم؛ لأنّ الفِطْرَةَ البشرية تُقَدِّرُ المقال بمراتِبِ الرِّجال فالمتعلِّم إذا عَرَفَ أنَّ واضع العلم، ومدوّنه من العباقرة أدرك جلالة قدر ذلك العلم، واشتاقَتْ نَفْسُهُ لطلبه، كما هو المشَاهَدُ في الكُتُب والصُّحُف والمجَلاّت، فإنّه إذا رأى أنّ مؤلف الكتاب أو كاتب المقال من فطاحل العلم اشتاقت النفس لمطالعة ذلك الكتاب، وذلك المقال، وبهذا تعرف وجه ذكر اسم مؤلف الكتاب أو المقال في أوائلِ الكُتُب والمقالات.

مَسيسُ الحاجة لتدوين علم الفقه

ثمّ إنّه لا ريبَ في أنّ تدوينَ علم الفقه تقتضيه الحاجة المُلِحَّة لشدّة احتياج المسلمين إليه في أمور دينهم ودنياهم؛ لأنّ مسائله هي دستورُ حياتهم العملية، والفقهُ هو الذي يُبيّنها ويَشْرَحُها ولمّا كان كتاب الله المجيد لا يستطيعُ المسلمون فَهْمَ أحكامِهِم الشرعيّة بأجمعها منه؛ لما فيه من مجملاتٍ تحتاجُ إلى تفصيل وعمومات لا بدّ لها من تخصيصٍ ومطلقاتٍ فيها تقييد كان المسلمون في أمَسّ الحاجة لتدوين تلك القوانين الشرعية والمسائل الفقهية، فدوّنوا تلك الموسوعات الفقهية المهمّة، وألّفوا فيه الكتب القَيِّمة، التي لولاها لانسدَّ علينا مَعْرِفَةُ الأحكام الشرعيّة وتَعَطَّلَتْ الشريعة الإسلامية.

منعُ ولاةِ الأمور في الدَّور الأوّلِ من تدوين الفقه

ولكن كانت عواملُ مُهِمّة في عدم توجّه الصّحَابة لتدوينِ الفِقْهِ في صَدْرِ الإسلام كما توجّهوا لجمع القرآن.

وأهمّها: منعُ ولاة الأمور عن كتابةِ الأحاديث لأسبابٍ ليس هنا مَحَلُّ ذكرها، فقد نَقَلَ صاحب تذكرة الحفّاظ عن أبي بكر أنّه كَتَبَ جملةً من الأحاديث ثمَّ حرقها([293]).

وروى الحافظ عبد الرّزاق الصنعاني([294]) أنّ عمر بن الخطاب قد منع من كتابة السنن، ومَنَعَ من إتيان الدواةِ والقلم ليَكْتُبَ النبيُّ  صلى الله عليه واله وسلم  ما ينفعهم من الأحكام في مرضه([295]).

إلاّ أنّه لا يَكَادُ ينكر أنّ علم الفقه، أعني: معرفة المسائل عن دليلها التفصيلي موجودٌ في صُدورِ أصْحَابِ النبيّ  صلى الله عليه واله وسلم  في عَصْرِهِ وزمانِ حياته لا في سطورهم، فقد كانوا يعلمون بالحكم الشرعي والمسألة الفقهية عن دليلها التفصيلي من الكتاب أو من سنة النبي  صلى الله عليه واله وسلم  أو ممن يعتمد على روايَتِهِ عَنْ النبيّ  صلى الله عليه واله وسلم ، أو عن حُكْمِ عقله واجتهادِهِ عند عَدَمِ التمكُّن من الظفر بالنصّ كما هو المرويُّ عن كتابِ الملل والنحل للشهرستاني من أنّه (قد استفاض الخبر عن النبيّ  صلى الله عليه واله وسلم ، أنّه لما بعث مَعاذاً([296]) إلى اليمن قال  صلى الله عليه واله وسلم : يا معاذ بم تحكم؟ قال بكتاب الله، قال  صلى الله عليه واله وسلم  فإنْ لم تجد، قال: بسنّة رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  قال: فإنْ لم تجد، قال: اجتهد رأيي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  لما يرضاه)([297]).

وفي مستطرَفَاتِ السَّرائر من نَوادِرِ البَزَنْطيّ([298]) المصحّح بخطِّ جَدّي
الهادي رحمه الله  أنه: (ذكر عبد اللهِ بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر  عليه السلام  قال: أتَى عَمَّار بن ياسر([299]) رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم ، فقال يا رسول اللهِ أجنبتُ الليلة ولم يكن معي ماء، قال  صلى الله عليه واله وسلم  فكيف صنعت؟ قال: طرحتُ ثيابي وقُمْتُ على الصّعيد فتمعّكتُ فيه، فقال  صلى الله عليه واله وسلم : هكذا يصنعُ الحمار، إنّما قال الله  عجل الله فرجه الشريف : [فَتَيَمَّموا صَعِيداً طَيّبَاً]([300]) فضَرَبَ بيديه على الأرض ثمّ ضَرَبَ إحديهما على الأخرى ثمّ مَسَحَ جبينَهُ ثُمّ مَسَحَ كفّيهِ كُلّ واحِدَةٍ على الأخرى فمَسَحَ باليسرى على اليمنى واليمنى على اليسرى)([301]).

وكيف كان فلا إشكال ولا ريب في أنّ مسائل علم الفقه في صَدْرِ الإسلام كانت كسائر العلوم من النحو والصرف والمعاني والبيان موجودةٌ في الصدور، إلا أنّ الكلامَ في أوّلِ مَنْ قامَ بتدوينِها في السّطور وتقسيمها إلى العبادات والمعاملات وتبويبها إلى الطّهارة والصّلاة والزكاة وغيرِها من العبادات وإلى البيع والإجارة والنكاح وغيرها من المعاملات وذكر الدليل عليها.

كما لا ريب في تدوين المَصْدَر الأوّل لعلمِ الفقه وهو القرآن الكريم وحرص المسلمين على حفظه وعدم مخالفته، وإليك بسط المقام وتوضيحه وتحقيقه.

المراد بالتدوين والمدوِّن الأول للفقه

وقبل الخوض في معرفة المدوّن للفقه لا بدّ لنا من البحث في المراد من تدوين العلم، وإلا فمسائل العلم قد تكونُ موجودةً بوجودِ موضوعاتها قبل تدوينِهِ، فمثلاً النحو مسائله كانت موجودة في الجاهلية عند العرب، فإذا وجد الفاعل رفعوه، وإذا وُجِدَ المفعول نصبوه، ولكن لم يكن مدوّناً تدويناً بالمعنى المقصود لأرباب العلوم والفنون من هذه الكلمة، فإذن لا بدّ لنا قبل البحث في تدوين الفقه أنْ نفهم المعنى المراد لأرباب العلوم من هذه الكلمة إذا أطلقوها في كتبهم، ولعلّ ما وقع من الخلط والخبط في بحث الباحثين عن تدوين علم الفقه هو عدم تشخيصهم لمعنى تدوين العلم والفن.

فنقول: إنّ معنى تدوين العلم هو تحريرُ مسائله كتابةً أو بياناً مع ذكر مبادئها التصورية والتصديقية، وضَمُّ بعضها إلى البعض الذي يناسبها ويشترك معها في البحث عن مطلب واحد، ويسمّى ذلك بالباب أو المطلب أو نحو ذلك.

وعليه فالفقه لمّا كان هو العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية كان تدوينه بالمعنى الصحيح هو جمع مسائله بياناً أو كتابة، على نحوٍ تُجْعَلُ كُلُّ مسألةٍ وما يتبَعُها في محلّها ومرتبتها وبابها، وبيان موضوعاتها النظرية تصوّراً، ومحمولاتها النظرية تصوّراً، مع ذكر الأدلّة للنظري من تلك المسائل للتصديق بها.

فالمدوّن هو الجامع لتلك المسائل كتابةً أو بياناً بذلك النحو، والتدوينُ هو نَفْسُ هذا الجمع لتلك المسائل بذلك النحو.

وعليه فلا وَجْهَ لجعل القرآن الكريم من كُتُبِ الفقه، وإنّما هو مصدر من مصادره، وهكذا لا وجه لجعل كتب الحديث من كتب الفقه، وإنّما هي مصدر من مصادره، إلاّ إذا كان مؤلّفها قد رَتَّبها على أبواب الفقه جاعلاً لكلِّ مسألةٍ من مسائل كلِّ بابِ الحديث الذي يُثْبِتُها على نحوٍ يكون ذكر الأحاديث منه لبيانِ الدّليل على المسألة التي جعلها عنواناً لنقله، فإنَّ مثل ذلك يكون تدويناً لعلم الفقه لذكرِهِ للمسألة مع الدّليلِ عليها، كما يكونُ تدويناً للحديث لنقله له في كل مسألة من المسائل.

وعليه فمثلُ هذا التأليف يجمع بين الصّفتين الفقه والحديث كالكافي للشيخ الكليني، وصحيحُ البُخاري، وصحيحُ مسلم، والوسائل، ومستدركها، فإنّه من الممكن أنْ يقال إنّ مثل تلك الكتب تجمع بين الصّفتين عِلْمُ الحديث وعلمُ الفقه، أمّا مثلُ كُتُبِ المسانيد كمسند أحمد بن حنبل أو الصّحائف غير المرتبة أو الأصول غير المبوّبة من كُتُبِ الأخبار فهيَ لَيْسَتْ من كُتُبِ الفقه، وإنمّا هي مصادِرُ لِعِلْمِ الفقه كالقرآن الكريم.

ولا لجعلِ كُتُبِ الفَتَاوي المجرّدة عن الدليل عليها كالرّسائل العَمَليّة من كُتُبِ الفقه، وإنّما هي كتب أحكامِ الفقه أو قواعده، نَعَمْ قد تُسَمَّى بكُتُبِ الفقه على ضَرْبٍ من المجاز والحذف.

وعليه فيكون المدوِّنُ الأوّلُ لهذا العلم هو المحرِّرُ الأوّل لمسائلِ علمِ الفِقْهِ وقواعِدِهِ الكُلّية مع إقامة الدليل عليها، والتعرُّض لمداركها ومبانيها، وبيان موضوعاتها ومحمولاتها، وما يتعلّق بها.

أقدم مؤلّف وصل إلينا في الفقه

وقد ذَكَرَ الفقهاء أنّ أقَدَمَ مؤلَّف وَصَلَ إلينا في الفقه الإسلامي هو مجموع الإمام زيد بن علي بن الحسين([302]) الذي استشهد عام (121هـ) أيّام خلافة هشام بن عبد الملك، والّذي تلمّذ عليه أبو حنيفة([303])، ورواه عنه عمرو بن خالد الواسطي، يشتمل على أغلب أبواب الفقه إلاّ ما قَلَّ، وطبع بمدينة (ميلانو) من أعمال إيطاليا (1919م)، ويكون أقدم من كتاب الموطأ أكثر من نصف قرن، إلاّ أنّ الظاهر أنّ الكتاب يلحق بكتب الحديث كالموطأ، ولو سلَّمْنا إنّه يجمع بين الصّفتين الحديثُ والفقه إلاّ أنّ ذلك لا يثبت أنّه هو أوّلُ مُدوّن في علم الفقه إلا إذا لم يثبت تأليفٌ في هذا العلم قبله.

والتحقيقُ في أنّ النصوص التاريخية الواضحة الجلية تُثبت أنّ أوّلَ من دوّن علم الفقه هو الإمام علي بن أبي طالب  عليه السلام ، فقد وَرَدَ بعدّة طرق إنّ له كتاباً خطَّهُ بيده من إملاء رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم ، وفيه جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة حتى أنّ فيه أرش الخدش، فعن كتاب سليم بن قيس([304]) إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب قال لطلحة: كلُّ حلالٍ وحرامٍ أو حُكْمٍ أو حَدٍّ تحتاجُ إليه الأمّة إلى يومِ القيامة عندي مكتوبٌ بإملاءِ رسولِ الله  صلى الله عليه واله وسلم  وخطَّ بيدي حتى أرش الخدش([305]).

حديث الجامعة للأحكام الشرعية عند أهل البيت  عليهم السلام  

وفي الكافي في كتابِ الحُجَّة في بابِ ذكر الصّحيفة عن عدة من الأصحاب عن أحمد بن محمّد بسنده عن أبي بصير فيما رواه عن أبي عبد الله أنّه قال  عليه السلام : (إنّ عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة، قال قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفةٌ طولها سبعونَ ذراعاً بذراع رسول الله وإملائه من فَلْق فيه -أي: من شفتيه- وخطّ عليّ بيمينه فيها كلّ حلالٍ وحرام وكلُّ شيءٍ يحتاج الناس حتى أرش الخدش -أي: ديّةُ الجرح-...)([306]) الخبر.

وفي بصائر الدرجات مسنداً إلى أبي عبد الله  عليه السلام  ما يكادُ يبلغ حدَّ التواتر مما يدلّ أنّ عندهم  عليه السلام  الجامعة، وهي الصحيفة، وطولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم -أي: جلد المدبوغ- مثل فخذ البعير الضخم، بخطّ عليٍّ وإملاء رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم ، فيها من كلّ حلال وحرام حتى أرش الخدش([307]).

اختلاف الإمام الباقر  عليه السلام  مع الحكم

وفي رجال النجاشي([308]) بسنده عن عذافر الصيرفي قال: كنتُ مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر  عليه السلام  فجَعَلَ يسأله، وكان أبو جعفر  عليه السلام  له مكرّما فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر  عليه السلام  لابنه: يا بُني قُمْ، فقام فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً ففتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر  عليه السلام : هذا خطُّ عليٍّ وإملاء رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم )([309]).

وعن الكافي بسنده (عن أبي عبيدة قال: سأل أبا عبد الله  عليه السلام  بعضُ أصحابنا عن الجفر فقال: هو جلْدُ ثورٍ مملوءٌ علما، قال له: فالجامعة؟ قال: تلك صحيفة طولها سبعون ذراعا وعرض الأديم -أي: الجلد المدبوغ- مثلُ فخذ الفالج -أي اخير الجمل الضّخم ذي السّنامين- فيها كُلُّ ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضيّة إلاّ وهي فيها حتّى أرش الخدش، قال: فمصحف فاطمة  عليها السلام ؟ قال فَسَكَتَ طويلاً ثم قال: إنّكُم لَتَبحثون عمَّا تُريدونَ وعمّا لا تريدون، إنّ فاطمة  عليها السلام  مكثَتْ بعد رسول الله خَمْسَة وسبعين يوماً، وكان دَخَلَها حُزْنٌ شديد على أبيها، وكان جبريل  عليه السلام  يأتيها فيُحسِنُ عزاءها على أبيها ويُطيِّبُ نفسها ويُخبرها عن أبيها ومكانه ويُخبرها بما يكون بعدها في ذرّيتها، وكانَ عليّ  عليه السلام  يكتب ذلك، فهذا مُصْحف فاطمة  عليها السلام )([310]).

وعن الكافي في كتاب فضل العلم في باب البدع فيما رواه أبان (عن أبي شيبة قال: سَمِعْتُ أبا عبد الله يقول: ضَلّ علم ابن شبرمة عند الجامعة إملاءُ رَسُولِ الله  صلى الله عليه واله وسلم  وخَطُّ عليٍّ  عليه السلام  بيده، إنّ الجامعة لم تدع لأحدٍ كلاماً فيها علم الحلال والحرام)([311]).

وعن كتابِ أدَبِ الإملاء والاستملاء طبع ليدن إنّ أبا سعيد السَّمَعاني روى بسنده عن أمِّ سلمة رضي الله عنها  زَوْجُ النبيّ قالت: (دعا رسول الله بأديمٍ وعليّ بن أبي طالب  عليه السلام  عنده، فلم يَزَل رسولُ اللهِ  صلى الله عليه واله وسلم  يُملي وعَليّ  عليه السلام  يكتب حتى ملأ بَطْنَ الأديم وظهره وأكارعه)([312])، وقد رأى هذه الصحيفة عبد الملك وعذافر الصيرفي وغيرهم ممن يجده المتتبع في كتب الأخبار.

ومما يُؤيِّدُه ما ذكرناه من أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب  عليه السلام  هو أوّلُ
من دَوَّنَ علم الفقه ما ذَكَرَهُ النَّجَاشي من أنّ عبيد الله بن أبي رافع كان
كاتباً لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وجمع كتاباً في فنون الفقه والوضوء والصلاة وسائر الأبواب([313])، وإنّ تفقهه كانَ على أمير المؤمنين وجمعه في أيّامِهِ، وكانوا يُعَظِّمون هذا الكتاب، وقد نقل أصحابه  عليه السلام  كسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري([314]) وسليم بن قيس أنّه قد ألّف كُلٌّ منهم كتاباً في الأحكام. ومما يزيدُكُ بصيرة في هذا الموضوع هو عهده إلى جدِّنا مالك الأشتر([315]) ووصيّته لابنه
 مُحمَّد بن الحنفية([316]) ولشبله الحسن  عليه السلام ، وممّا يُؤكِّدُ ذلك، ويدلُّ عليهِ تَصريحُ علماء التاريخ وموثقيهم.

كلامُ ابنُ أبي الحديد في حَقِّ أميرِ المؤمنيـن  عليه السلام  

فَقَدْ ذَكَرَ العلاّمة ابنُ أبي الحديد المعتزلي([317]) في شرح النهج (ج1 ص6 طبع القاهرة) (علم الفقه أصله وأساسه هو عليُّ بن أبي طالب  عليه السلام  وكُلُّ فقيهٍ في الإسلام فهو عيالٌ عليه ومستفيد من فقهه)([318]).

ويؤيّدُ ذلك ما عن كتاب الألف باء، ج1، ص222، إنّ معاوية([319]) لما بلغه قتل الإمام علي  عليه السلام  قال: (لقد ذَهَبَ الفِقْهُ والعلم بموت ابن أبي طالب)([320]).

فساد ما ذهب إليه السيوطي والغزالي وابن عبد البر والمستشرقون وغيرهم

وبهذا ظهر لك فسادُ ما ذهب إليه السيوطي من أنّ أول من
دوَّنَ الفقه الإمامُ أبو حنيفة([321])، وفي مناقب الشافعي([322]) الرّدُّ عليه بأنّه إنْ أراد السيوطيّ بالتدوين التصنيف، فلم يثبت لأبي حنيفةَ شيءٌ وإنّما أصحابُهُ الذين صَنَّفوا.

وإنْ أراد التفريعَ فقد سَبَقَهُ الصَّحَابَةُ والتّابعون.

كما ظَهَرَ لك فَسَادُ ما في إحياءِ العلوم([323]) من أنّ (الكُتُبَ والتَّصانيفَ محدثة، لم يكُنْ شيءٌ منها في زمن الصّحابة والتابعين لهم، وإنّما حَدَثَتْ بَعْدَ سَنَةِ 120هـ بَعْدَ الهجرة وبَعْدَ وفاة جَميعِ الصَّحَابة وجُلّ التابعين).

كما ظهر أيضاً فسادُ ما ذَكَرَهُ ابنُ عَبْد البرّ في جامعه([324]) عَنْ عَبْد العزيز بن محمد([325]) المتوفى سنة (186هـ) إنّه قال: أوّلُ من دوّن العلم وكَتَبَه ابنُ شهاب([326])، ثمّ نقل عن عبد الرحمن بن أبي الزناد([327]) عن أبيه قال: (كُنَّا نكتُبُ الحلال والحرام وكانَ ابنُ شهاب يكتب كُلَّ ما سَمِعَ، فلمّا احتيجَ إليه عَلِمْتُ أنّه أعلم الناس)([328]).

وكما ظَهَرَ لكَ أيضاً فسادُ ما ذَهَبَ إليه المستشرقون من أنّ الأحاديث قد دُوّنت في رأس القرن الثاني الهجري.

وكما ظَهَرَ فسادُ ما أصَرَّ عليه بعض المتأخرين وذكره ابنُ حَجَرَ العسقلاني([329]) من أنّ التدوين كان في عهد عمر بن عبد العزيز([330]).

كما ظهر فساد ما عن الغزالي إنّ أول كتاب صُنِّفَ في الإسلام هو كتاب ابن جريج في الآثار([331]) وصرف التفاسير عن مجاهد([332])، وعطاء([333])، وبعده كتاب معتمر بن راشد الصنعاني([334]) باليمن، وبعده موطأ مالك.

وما عن فتح الباري([335]) إنّ أول من جمع الحديث الربيع بن صبيح([336]) وكان في آخر عصر التابعين.

دفع شبهة تدوين الصحائف

وأمّا ما ذكره البعضُ من أنّ عبد الله بن عمر كانت له صحيفة قد جَمَعَ فيها الأحاديث عن رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  وأنّ لسعد بن عبادة([337]) المتوفّى سنة (15هـ) صحيفة جمع فيها طائفة من أحاديث رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  وسننه، وأن لجابر بن عبد الله الأنصاري المتوفى سنة (78هـ) صحيفة فيها مناسك الحج، ولعبد الله بن عباس المتوفى سنة (69هـ) كتب كثيرة فيها الكثير من سنن رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  وسيرته.

فإنّا لو سلّمنا صحّة ذلك فهو لا يدلُّ على تدوين الأحكام الشرعية
بالمعنى الذي يُقْصَدُ بكَلِمَةِ التّدوين فيما نحنُ فيه؛ إذ لعلَّ ما فيها أحاديث
لا تخصُّ الأحكامَ الشرعيّة، بل قَدْ قيل ذلكَ في الصّحيفَةِ المنسوبَةِ لعبدِ الله
 بن عمرو بن العاص([338]).

فقد ذكر بعضهم أنّها في الأدعية والصَّلوات وليس فيها شيءٌ من الفقه، مع أنّ عبد الله المذكور لم يَسْلَم هو وأبوه إلاّ قبل وفاة النبي  صلى الله عليه واله وسلم  بسنتين، وكان سنّهُ آنذاك خمس عشرة سنة وليس له كثير صلة بالنبي  صلى الله عليه واله وسلم .

وأمّا باقي الصّحائف فقد ذَكَرَ القومُ أنّها غير مرتَّبةٍ على أبواب الفقه، وإنّما اشتملت على موضوعاتٍ خاصة.

وعليه فيكونُ الّذي دَلَّتْ عليهِ الأحاديثُ والتّاريخُ صَريحاً هو كَونُ الإمام عليّ  عليه السلام  هو المدوّن الأول لعلمِ الفقه وإنّ صحيفته هي الأولى في هذا
العلم.

 

الرأسُ الخامس

في بيان أنّ علم الفقه من أيّ العلومِ هو، وتقسيمُ العلوم([339])

الرأسُ الخامس من الرؤوس الثمانية لعلم الفقه، بيانُ أنّه من أيّ علم هو، فإنّ المتقدمينَ قد جَعَلوا الرّأسَ الخامس من الرؤوس الثمانية التي تُذْكَرُ في صَدْرِ كُلِّ علمٍ هُو بيانُ أنّ ذلك العلم من أيِّ جنسٍ من أجناسِ العُلوم، لِيَطْلُبَ ما يليق به، وليتجنب في طلبه عمّا لا يليق به، وليعرف هل أنّ في نفسه استعداداً لتلقّي مسائله أو عدم قابليتها ذلك.

وقبل الخوض في بيان أنّ علم الفقه من أيّ العلوم لا بدّ لنا من الإشارة الإجمالية إليها.

شرح العلوم العالمية الكونية

وتوضيح ذلك أنّ العلوم تنقسم إلى: علوم حِكمِية، وغير حِكْمِية، وقد سمّى العامري القسم الثاني بالعلوم الملّية، حيثُ قَسَّمَ العلوم إلى مِلِّية وحكمية، وسمّاها الخوارزمي بالشّرعيّة حيثُ قَسَّمَ العُلومُ إلى شرعيّة وفَلْسَفيّة.

أساسُ هذا التقسيم

وأساسُ هذا التقسيم الوحيُ والعَقْلُ، فإنّ أساس العلوم الشرعية هو الوحي، وأساسُ العلوم الحكمية هو العقل.

العلوم الحكمية

والعلومُ الحِكَمية على ما هو المشهورُ بَيْنَهُم هي العلومُ التي تبحث عن أحوالِ الموجودات على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية.

فإنْ كانَ البَحْثُ فيها عن الأعيانِ التي كان وجُودُها تحتَ قُدْرَتنِا واختيارنا، بأنْ كان المبحوث فيها هو الأفعال والأعمال التي هي مقدورة لنا فهي الحكمة العملية.

وإنْ كان البَحْثُ فيها عن الأعيانِ التي لَيْسَتْ تَحْتَ قُدْرتنا واختيارنا، كالسَّماء والعناصر والنفس والآلة والعقول فهي الحكمة النظرية، كالبحث عن أنّ الجسم متحيّز والسّماء كروية والنفس باقية.

وجهُ التسمية بالنظرية

وإنّما سُمّيت بالنظرية؛ لأنّ الغرض منها العلمُ التصوّري والتصديقي الحاصل بالنظر، فغايتها نفسُ المعرفة لحصول الدّرجة الكبرى في المعارف.

لا يقال: إنّ الغاية وذا الغاية لا يتحدان.

لأنا نقول: إنّ ذا الغاية هو التحصيل والغاية نفس المعرفة.

لا يقال: هذا ينافي ما اشتهر من أنّ غاية الحكمة الفوز بالسعادة والرقي أعلى درجات الكمال.

لأنا نقول: ذلك غاية الغاية، وفائدة الغاية، على أنّه يجوز أنْ يكون للشيء عدّةُ غايات.

[اما] توجيه كلام صدر الدين الشيرازي: لا يقال إنّه وقع في كلام العلاّمة صدْرُ الدّين الشيرازي(1) من أنّ غايتها استكمالُ القوّة النظرية، مع أنّ المرتب عليها هو الكَمَالُ لا الاستكمال الذي هو طلب الكمال.

لأنا نقول: إنّما عَبّرَ بالاستكمال تنبيهاً على أنَّ الكمال الحاصل بغير الطلب لا يسمى حكمة.

والحاصل: إنّه إنْ كان البحث فيها عن الأعيان الموجودة من نوع الأفعال والأعمال سُمّيت بالحكمة العملية، وإلا فتُسَمَّى بالحكمة النظرية تسمية للنوع بوصف جنسه.

تقسيمُ العلوم الحكمية والعلوم النظرية

وكلٌّ منهما على ثلاثة أقسام

أما العملية: فإنْ كانَ البحث فيها عن الأعمال المتعلّقة بمصالح
الشخص المنفرد ليتحلّى بالفضائل ويتخلّى عن الرذائل وينظم معاشه ويصلح معاده فتسمى بعلم الأخلاق وعلم القلب وبعلم تهذيب الأخلاق وبالحكمة الخُلقية.

وإنْ كانَ البَحْثُ فيها عن الأعمال المتعلّقة بمصالح الجماعة المشتركة في المنزل كالوالد والمولود، والزوج والزوجة، والمالك والمملوك، فتسّمى بعلم تدبير المنزل.

وإنْ كانَ البَحْثُ فيها عن الأعمال المتعلّقة بمصالح الجماعة المشتركة في المدينة التي فيها تدبيرُ المعاش وانتظام الاجتماع وإدارة الشؤون العامة، فتسمّى بعلم السياسة.

وبعضُهم سمَّى ما يخصُّ تدبيرَ المُلكِ والسُلْطة الحاكمة بعلم السياسة،
 وما يخصّ النبوات والشرائع بعلم النواميس. وَجَعَلَ أقسام الحكمة العملية أربعة.

تقسيم العلوم النظرية

وأمّا النظرية فهي على ثلاثة أقسام

الأول: ما كانَ البَحْثُ فيها عمّا لا يفتقر في الوجود الخارجي والتعقل الذهني إلى المادة، فيبحث فيها عن الباري عزّ اسمه، وصفاته، والمجرّدات المتعالية عن المادة، كالعقول والنفوس، ويتبع ذلك الكلام في النبوّة، والإمامة، والمعاد، وعن الأمور العامة، كالوجود والعدم، والحدوث والقدم، والعلة والمعلول، والوحدة والكثرة، ونحو ذلك، فتسمّى بالعلم الأعلى؛ لعلوّ شأنها، وشرف موضوعها، وغايتها، وبالعلم الإلهيّ، وسمّاها الشيخ في الفصل الأول من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء بالفلسفة الأولى([340]).

وسمّاها الشيخ الميبذي([341]) بالعلم الكلي.

وتسمّى بما بَعْدَ الطّبيعة، وقد تسمَّى بما قبل الطبيعة.

وبَعْضُهُم جَعَلَ هذا القسم على قسمين:

فجَعَلَ البَحْثُ عن ما لا يفتقر إلى المادة إنْ كانَ بحثاً عمّا لا يُقارِنُها أصلاً كالعقول، سمّاه بالعلم الإلهي بالمعنى الأخصّ وباثولوجيا، أي: معرفة الربوبية، وبفنّ الربوبيات.

وإنْ كانَ بحثاً عمّا يُقارِنُها لا على وجهِ الافتقارِ كالوَحْدَةِ والكَثْرَة وسائرُ الأمور العامّة سمَّاهُ بالعلم الكلّي، والفلسفة الأولى.

الثاني: ما كان البحث فيها عمّا يفتقرُ إلى المادة في الوُجودِ الخارجيّ دون العقليّ، كالكرة، فإنّها إذا تعقّلت لا يتوقّفُ تعقّلها على المادة، لكنّها تفتقر في وجودها في الخارج إلى المادّة فتسمّى بالعلم الأوسط.

لكون المبحوث فيه برزخاً بينَ المجرّدات والمادّيات ووسطاً بين العلم الإلهي وبين العلم الطبيعي، فإنّ لموضوعها مناسبة بالإلهي من جهةِ التجرّد عن المادة في الذهن وبالطبيعيّ من جهة افتقارِهِ للمادّة في الخارج، وتسمّى أيضاً بالعلم الرياضي؛ لأنه ترتاضُ فيه النّفس من جهة انتقالها عن الماديات إلى ما هو المجرد عنها.

ويسمّى أيضاً بالعلم التعليمي؛ لأنه كان من دأبهم تعليم صبيانهم بادئ ذي بدء هذا العلم؛ ولأنّ للخيال دَخَلاً عظيماً في هذا العلم والخيال غالب على الصبيان، ويسمّى بسمع الكيان، والكيان هو الطبيعة، باعتبار أنّ أول ما تسمعه طبيعة الإنسان من العلوم.

وهو إن كان البحث فيه عن المقادير فهو الهندسة ويسمّى (جيومطريا).

وإنْ كانَ عن الأعداد فهو الحساب ويسمى (ارثماطيقا).

وإنْ كان عن أوضاع الأجرام العلوية فهو الهيئة ويسمى (استرنوميا).

وإنْ كان عن النسب التأليفية فهو الموسيقى ويسمى بعلم الانسجام وبـ(هرمونيقا).

قال الشيخ ابن سينا إنّ الموسيقى يشتمل على بحثين:

أحدهما: البحثُ عن أحوال النّغم أنفسها من حيث التآلف والتنافر، ويسمى بعلم التأليف.

وثانيهما: البحث عن أحوال الأزمنة المتخلّلة بين النغمات والفقرات([342])، أي:

أزمنة السكنات الواقعة فيها، ويسمّى بعلم الايقاع.

العلوم الطبيعية

الثالث ما كانَ البحثُ فيها عمّا يفتقُر إلى المادة في الوجود الخارجي والعقلي، كالإنسان والشجر والحجر، وغيرها من الأمور الطبيعية، فتسمّى بالعلم الأدنى؛ لكونِ موضوعها أقْرَبُ إلينا بالنَّظَر إلى موضوعِ الإلهي، وتسمّى أيضاً بالعلم الأسفل، وتسمّى أيضاً بالعلم الطبيعي؛ لأنه يبحث فيه عن أحوال الجسم الطبيعي.

تقسيم العلوم الطبيعية إلـى ثلاثة أقسام

والعلومُ الطبيعية تنقَسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ؛ لأنَّ البحث فيها: إمّا عن الأحوال العامة للأجسام كالتشكّل والتحيّز وغيرهما، أو عن الأحوالِ المختصّةِ بالأجرام العلوية، أو عن الأحوالِ المختصّة بالأجرام السُّفْليّة.

فالأوّل يسمّى بالسّماع الطبيعي؛ لأنّه أوّل ما يسمع في العلم الطبيعي، والثاني يسمّى بالفلكيات، والثالث يسمّى بالعنصريات.

ثم إنّه قد يُقَسَّم البحث في العلوم الطبيعية إلى سبعة أقسام.

تقسيم البحث عن العلوم الطبيعية إلـى سبعة أقسام

باعتبار أنّ البحث فيها إنْ كانَ عن البسائط العلويّة والسُّفْليّة فهو عِلْمُ السماء والعالم.

وإن كان البحثُ فيها عن الأركان والعَنَاصِرُ وتعَاوُر الصُّور على المادة المشتركة فعِلْمُ الكونِ والفَسَاد([343]).

وإنْ كان البحث فيها عن الكائنات الجويّة كالرعد والبرق والمطر والشهب والنيازك وبعض الأرضيات كالزلزلة والخسف تسمى بعلم الآثار العلوية.

وإنْ كان البحثُ فيها عن المركَّبات التامّة وكيفية تركيبها، وما يتعلَّقُ بذلك فتسمّى بعلم المعادن، وعلم النبات، وعلم الحيوان، وعلم النفس، فهذه أصول الحكمة الطبيعية.

فروع الحكمة الطبيعية

وجعلوا فروع العلوم الطبيعية سبعة:

(علم الطب)، والغرض منه معرفة بدن الإنسان من حيث الصحة والاعلال.

و(علم الفراسة) والغرض منه الاستدلال من الخلق على الأخلاق.

وعلمُ (التعبير) والغَرَضُ منه الاستدلال من التخيّلات المنامية على ما شاهدته النفس من عالم الغيب فخيّلته القوّة المخيلة بمثال غيره.

و(علمُ الطّلسمات)، والغَرَضُ منه مَزْجُ القوى السَّماوية بقوى بعض الأجرام الأرضية ليتألّف من ذلك قوّة تفعل فعلاً غريباً في عالم الأرض.

و(علم النيزرجيات) والغرض منه مزج القوى التي في جواهر العالم الأرضي ليحدث عنها قوة يصدر عنها الفعل الغريب.

و(علم الكيمياء) والغرض منه سلب الجواهر المعدنية خواصّها وإفادتها خواصّ غيرها، وإفادة بعضها خواصّ بعضٍ، كمزج بعض المعادن ببعض آخر لحصول الذهب والفضة.

و(علم النجوم)، وعلم الهيئة، والغَرَضُ منه مَعْرِفَةُ الأجسام السماوية، ومقادير أجرامها، ونسب بعضها إلى بعض، ومقادير أبعاد بعضها عن بعض، وحركات الأجسام السماوية في مختلف البروج، وكرويتها، وعن الأرض، ومقدارها، وحركتها، ومقدار بعدها عن باقي الأجرام، وعن خطوطها الطولية والعرضية، واختلاف الليل والنهار فيها، وحرارتها، وبردها، وأقاليمها، ونحو ذلك.

وأما البحثُ عن دلالة الكواكب على ما سيحدث في المستقبل فهو
 من خواصّ النفس التي تقدر بها على الإخبار بما يكونُ، فهو من نوع
الزّجر والقيافة والفراسة والطرق بالحصى وغير ذلك فهو ليس من العلوم المستقلة.

فروع علم الهيئة

وقد جعلوا فروعَ علم الهيئة خمسة: علم الزيجات والتقاويم، وعلم المواقيت، وعلم كيفية الأرصاد، وعلمُ تسطيح الكرة والآلات الشعاعية الحادثة عنه، وعلم الآلات الظلية.

العلوم غير الحكمية

وأمّا العلومُ غير الحكمية فهي التي يُبْحَثُ فيها عن الموجودات اعتماداً على النقل، كعلم النحو واللغة، بل وعلمُ الكلام حيثُ أنّه يشتمل على البحث عن الآراء والمعتقدات التي صَرَّح بها الشرع.

علمُ التوحيد والصفات والفقه الأكبر

وقد سَمَّاهُ بَعْضُهم بعلمِ التّوحيد والصّفات وسَمَّاهُ بعضهم بالفقه الأكبر، وبعضُهُم بعلم أصول الدّين، وأما علوم اللغة كمتن اللغة والنحو والصرف فهي آليةٌ لا ينتفع بها لذاتها، بل هي وسيلةٌ لتحصيلِ العلوم الشرعية والنقلية، وكذلك المنطق آلة لا يُنتَفَعُ بها لذاتها، وإنّما هو آلةٌ لتحصيلِ العُلومِ العقلية.

علم الفقه ليس من العلوم الحكمية

وبهذا يظهر لك أنّ علم الفقه ليس من العلوم الحِكْمِية؛ لأنَّ البحث في الفقه إنّما يكونُ عن معرفةِ نفس التشريع الإلهي والقانون الرّباني، على حَدِّ البحث عن سائر القوانين، فهو وإنْ يبحث فيه عن مصلحة الفرد والجماعة وتدبير المنزل وغير ذلك من شؤون الحياة إلاّ أنّ حيثية البحث تختلفُ فيه عنها، حيثُ أنّ العلوم الحِكْمِية إنّما تبحث حسبما يقتضيه العقل والنظر من دون ملاحظة للشرع.

نعم لمّا كانَ من أدلّة علم الفقه العَقْلُ، وكانت بعضُ أحكامِهِ إرشاداً لما يحكم به العقل الظاهري كانت معرفة الحكمة العملية تنفعُ فيه، كما أنّ علم العقائد خارجٌ عن مباحث الحكمة لِعَينِ ما ذَكَرْناه في خروجِ عِلْمِ الفقه، لكنْ لمَّا كانت بَعْضُ مسائله تتعلَّقُ بالباري جَلّ اسمُهُ وصفاتُُهُ وشؤونه كانت مَعْرِفَةُ الحكمة النظرية تنفع فيه.

اعتراف الشيخ بأنَّ مبادئ الحكمة مأخوذة من الشرائع الإلهية

نعم الظاهر كما اعترف به الشيخ الرئيس([344]) من أنّ مبادئ الحكمة العملية والنظرية مأخوذة من الشرائع الإلهية وآدابها وسننها وحدودها وظهرت بلسان الأنبياء المرسلين والكتب السماوية المرسلة من رب العالمين.

فإنّه في القسم الثالث من الحكمة العملية المسمّى بعلم السياسة تَعْرِفُ حاجة الناس إلى الشريعة والقانون العامّ الذي يتعلّق بصلاح المجتمع الانساني ولزوم وجود النبوة والإمامة.

ما تشتمل عليه بعض أقسام الحكمة النظرية

هذا وإنّ علم الحكمة النظرية المسمّى بالعلم الإلهي جَعَلوا:

المبحثَ الثالث من القسم الأول منه يشتملُ على البحث عن إثبات الباري، ووحدانيته، ووجوب وجوده، وصفاته، وأنّ صفاته لا توجب في ذاته تعدّداً، ولا تكثّراً، ولا تقدح في وحدانية ذاته الحقيقية.

والمبحث الرابع منه يشتمل على البحث عن مبدعاته، وأقرب مخلوقاته
 منزلةً عنده، واختلاف مراتبها، وتسمّى بالملائكة الكروبيين، وإثبات
الجواهر الروحانية التي هي بعد تلكَ بمرتبةٍ وهي الملائكة الموكّلة بالسماوات وحملة العرش، ومدبّرات الطبيعة، ومتعهدات ما يتولّد في عالم الكون
والفساد.

والمبحث الخامس منه يَشْتَمِلُ على البحث عن تسخيرِ الأجرام السّماوية، والأجسام العلوية والسفلية، السماوية والأرضية، لأولئك الملائكة، وإثبات ارتباط الأرضيات بالسماويات، والسماويات بالملائكة العاملين بالملائكة المبلّغين، وارتباط الكلّ بالواحد القهّار ارتباطاً لا ترى فيه من فطور، وأنّ مجراه على مقتضى الخير المحض، إلى غير ذلك من نزول الوحي وصدور المعجزات والإخبار بالغيب، إلا أنّ البحث في ذلك كلِّه من جهةِ حكمِ العقل، وقيامِ البرهان، من دون نظرٍ لما يقتضيه الشرع.

تقسيم العلوم إلى ثلاثة أقسام

وبعضهم قسم العلوم إلى ثلاثة أجناس:

الأول: العلوم الشرعية، وهي المنسوبة للشريعة، وقد جعلوها خمسة أنواع: علم التنزيل وعلماؤه القُرَّاء والحفظة، وعلم التأويل وعلماؤه الأئمة وخلفاء رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم ، وعلم الروايات وعلماؤه أصحاب الحديث، وعلم الفقه وعلماؤه الفقهاء، وعلم التصوّف وعلماؤه المتصوفة.

الثاني: علوم الآداب، وهي العلوم التي تخصّ إجادة المنظوم والمنثور على أساليب العرب في كلامهم ومناحي بلاغتهم.

وقَسَّمُوها إلى اثني عشر نوعاً: اللغة، والخط، والشعر، والعروض، والقافية، والنحو، والصرف، والاشتقاق، والمعاني، والبيان، والبديع، والمحاضرات، وقد ألحَقَ بعضُهم بذلك علمُ المنطق، وأخرجه من الحكمة، وليس هنا محلّ البحث في ذلك.

الثالث: العُلومُ الحِكْمِية، وقد عرفتها فيما تقدم.

وبعضُهُم قَسّمَ الحكمة العملية إلى قسمين: بحسب ما تؤخذ منه.

فإذا أخِذَتْ الحكمةُ العملية من العقل.

فإنْ كان البَحْثُ فيها عن الأعمال المتعلقة بمصلحة الشخص المنفرد ليتحلّى بالفضائل فهي علم الأخلاق.

وإنْ كان عن الأعمال المتعلقة بمصالح الجماعة المشتركة في المنزل فهي علم تدبير المنزل.

وان كان عن الأعمال المتعلّقة بمصالح الجماعة المشتركة في المدينة فهي علم السياسة.

فإنّ هذه الأقسام مما تستقلُّ بها العقول الكاملة، وقد ورد في جميعها عن الشارع الحكيم ما يُصَدِّقُ حُكْمَ العَقْلِ وينبّه عليه ويؤكده ويزيده وضوحاً.

وأمّا إذا أخذت الحكمة العملية من الشرع، فتنقسم أيضاً بالتقسيم المذكور إلى: العبادات، والمناكحات، والمعاملات، والسياسات الشرعية، والعلمُ بها هو المسمّى بالفقه، وعلى هذا يكونُ العِلْمُ بالأحكامِ الشَّرعية المتعلَّقة بأفعالِ المكلفين من أقسام الحكمة.

 

 الرأس السادس

في مرتبة علم الفقه

الرأس السادس من الرؤوس الثمانية لعلم الفقه بيانُ مرتبته، فإنّ المتقدمين قد جعلوا الرأسَ السادسَ من الرؤوس الثمانية التي تذكر في صَدْرِ كُلِّ علمٍ هو بيانُ مرتبة ذلك العلم، من حيثُ تقدّم معرفته على أيّ العلوم، وتأخرها عن أيّ العلوم، ولا وجه لتفسير المرتبة بالشَّرف؛ لأنَّ المراد بالمرتبة هو بيانُ حالِ العلم بالقياس إلى العلوم الأخرى في التحصيل.

المراد بشرف العلم

والمرادُ بالشرف علوُّ منزلة العلم وجلالة قدره؛ ليعرف قدره، فيوفّى حقه من الجدّ والاعتناء في اكتسابه واقتنائه، ولذا عدّوا في أقسام التقدّم التقدّمُ بالمرتبة، مغايراً للتقدّم بالشرف، هذا مع العلم بأنّ القدماء لم يعدّوا التقدّم بالشَّرَف
من الرؤوس الثمانية، إلا أنّ بعض الفقهاء , بيّنوا في صدر كتبهم التقدُّم بالشرف لعلم الفقه، وبالغوا في البحث عنه، وقد أفردنا له مطلباً مستقلاً في هذا الكتاب.

وقبل الخوض في بيان مرتبة هذا العلم- أعني: علم الفقه- نذكرُ أقسام التقدم، ويعرف منه أقسام التأخر بالمقابلة للتقدم، وأقسام المعيّة بالمقايسة عليهما؛ لأنّهما مقابلان له، وبهذا يطّلعُ القارئ ما للفقه من أقسام التقدم.

أقسام التقدم

فنقولُ إنّ التقدم عند الحكماء على خمسة أقسام:

الأول: التقدم بالعلّية.

والثاني: التقدّم بالطبع.

والثالث: التقدّم بالزمان.

والرابع: بالمرتبة.

والخامس: بالشرف.

وقد زاد المتكلّمون سادساً: وهو التقدّم بالذات، وجعلوا منه تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض.

وزاد قسماً سابعاً صدرُ المتألهين: سمّاه بالسبق بالحقيقة، وهو أنْ يكونَ المتقدِّمُ مُتّصفاً بالشيء حقيقةً، والمتأخّرُ متّصفٌ به بنحوِ المجاز بواسطة المتقدّم كتقدّم السفينة على الجالس فيها بالحركة.

وزادَ المحقّقُ الدّاماد قسماً ثامناً: سماه بالسبق الدّهري والسّرمدي([345])، كسبق الله تعالى في الوجود على العالم، فإنّ وجوده متقدّم عليه في عالم الدهر والسّرمدية مع قطع النظر عن العلّة والمعلولية.

وقد ألحَقَ بعضُ الحكماء قسما تاسعاً: وهو التقدُّم([346]) بحسب الماهية، كتقدّم الجزء المادّي والصوري، بل والجنس والفصل على الماهية، فإنّ حاجة الماهية إلى الأجزاء حاجة في القوام لا في الصّدور، بخلاف حاجتها إلى الفاعل، فإنّها تكون في الصدور عنه، فما فيه التقدُّم هو حُصول القوام، فإنّه حاصل للجزء وليس بحاصل للكل.

ويطلب تحقيق ذلك من حاشيتنا على المنظومة وإليك بيان ما ذكروه من أقسام التقدم.

التقدُّم بالعلية

الأوّلُ: التقدُّم بالعلّية، وهو تقدُّم العِلّة التامة على معلولها، إمّا بذاتها، أو باستجماعها لجميع ما يتوقّفُ عليه تأثيرها، فإنّها متقدّمة على وجودِ المعلول، لكن بحكم العقل لا بحسب الخارج، كما في حركة اليد بالنسبة لحركة المفتاح، فإنّها متقدّمة عليها بالعلّية، فالسبق بحسب العقل لا بحسب الخارج؛ لأنّ العلة التامّة وجودُها مقارنٌ لوجود معلولها في الخارج.

وما تُوُهِمَ من عَدَمِ اعتبار التماميّة في التقدُّم بالعلّية مستنداً بأنّ حركة اليد ليست علة تامة لحركة المفتاح ضرورةَ توقُّفها على اليد والعضلات.

فمدفوعٌ بأنّ المراد من العلة التامة ما لا يتوقَّفُ وجودُ المعلول بعد وجودِها من حيث هي علة إلى أمرٍ آخر، ولا يقدح في ذلك كونُ وجودِها متوقّفاً على شيء آخر.

التقدم بالطبع

الثاني: التقدّم بالطبع، ويسمّى التقدّم بالذات، وهو تقدُّمُ العلّة الناقصة على المعلول، ومنه تقدُّم المعروض على العارض، كتقدّم النار أو يبوسة المحلّ أو المقاربة بين النار والمحترق، على الاحتراق، فإنّا نحكُمُ بأنّه لا تحقُّقَ للاحتراق ما لم تتحقَّق النّار من غير عَكْس، فيجوزُ الانفكاك بينَ المتقدّم والمتأخّر من حيثُ التقدُّم بالطبع والذات والحقيقة، فإنْ امتنع فمن جهةٍ أخرى لا محالة، ومنه تقدّم المعروض على العارض وتقدم الأجزاء على المركب ومنها تقدم المقتضِي (بكسر الضاد) وعدم المانع على المقتضَى.

والحاصل: إنّ المحتاج إليه إنْ كفى في وجودِ المحتاج كانَ متقدّماً عليه
 بالعلّية، كالمؤثّر المستجمع لجميع شرائط التأثير والفاقد لموانعه، وإنْ لم يكن كذلك كانَ متقدّماً عليه بالطبع والذات، وعلى هذا كان التقدُّم بالطبع
 يَشْمَلُ العِلَلَ النّاقِصَةَ كلّها، وسُمّي تقدُّماً بالذات؛ لأنّ ذاتَ المتأخّر متوقّفةٌ على ذاتِ المتقدّم.

وقد يسمّى هذان التقدمان- أعني: القسم الأول والثاني من التقدم- بالتقدم بالذات، باعتبار اشتراكهما في معنىً واحد، وهو تقدّم المحتاج إليه على المحتاج، وقد يقال لهما التقدّم بالطبع أيضاً.

فكلُّ واحدٍ من لَفْظَيْ التقدّم بالذات والتقدّم بالطبع مُشْتَرَكٌ بينَ المعنى المشترك بين القسمين من التقدّم، وبين القسم الثاني نظير لفظِ الإمكان المشترك بين الإمكان العام والخاص.

التقدّم بالزمان

الثالث: التقدم بالزمان، وهو تقدّم السّابق غير المجامع للمسبوق، سواء كان عدم اجتماعه معه لذاتهما- كتقدُّم أمسِ على اليوم- أو لأمرٍ آخر كتقدُّمِ الحادث الأمسيّ على الحادث اليوميّ ويعودُ لا مَحالَةَ إلى أجزاءِ الزَّمان؛ لأنّ ما بالعرض يَرْجِعُ لما بالذات، فهذا التقدُّم يعرض أوّلاً وبالذات إلى أجزاء الزمان، وثانياً وبالعرض لما نسب إليها؛ إذ ليس في الموجودات شيءٌ ينقضي وينصرم بذاته ويفرض له بحسب التقضي والتصرم أجزاء غير مجتمعة في الوجود سوى الزمان كما لا يخفى.

قالوا: ويدلُّكَ على ذلك أنّه لو قيل: إنّ وجود زيد متقدِّم على وجود عمر اتّجه أنْ يقال لماذا قلت: إنّه متقدم عليه، فلو أجيب: بأنّ وجود زيد كان مع الحادثة الفلانية، والمتأخر كان مع الأخرى، والأولى كانت متقدّمة على الأخرى، بدون أنْ ينسب المتقدم إلى الأمس مثلاً والمتأخر إلى اليوم مثلاً اتّجه أنْ يقال: لم قلت إنّ تلك مقدّمة على هذه، فلو أجيب: بأنّ تلك كانت بالأمس، وهذه كانت في هذا اليوم انقطَع السؤالُ ولم يصحّ أن يقال: لماذا قُلتَ بتقدُّمِهِ عليه.

إنْ قيل: إنّ ذلك لأجل اعتبار التقدُّم في مفهومِ لفظ أمسِ، والتأخر في مفهوم لفظ اليوم.

أُجيب: بأنّ الأمس إشارة إلى قِطْعَةٍ معيّنةٍ من أجزاءِ الزّمان، وهكذا اليوم.

إنْ قلتَ: إنّ التدريجاتِ كالألفاظ تتقدَّمُ أجزاؤها بَعْضُها على بعضٍ بالذات لا بواسطة الزمان.

قلنا: بواسِطَةِ أنّ أحدَ أجزائها صَارَ في الزَّمان الأوّل متقدّماً، ولذا لو فرض إنّ المتكلّم أخّر اللفظ، وجعل زمانه متأخّراً عن ما بَعْدَهُ صَارَ ما بَعْدَهُ متقدّماً عليه.

التقدم بالرتبة

الرابع: التقدم بالرتبة: ويقال له التقدّم بالمكان أيضاً، ويسمّى التقدّم بالوضع، وهو أنْ يكونَ المتقدّم أقرب لما جعل مبدأً للأولية والتقدم، فمثلاً قد نبتدئ بالمحراب فيكونُ الصَّفُّ الأوّل هو المتقدم، وقد نبتدئُ من بابِ المسجد فيكون الصَّفُّ الأخير هو الأول.

والحاصل: إنّه لابُدّ فيه من مبدأ تعتبر فيه نسبة التقدم منه والتأخر عنه، وإنْ كان هذا الاعتبار لابُدَّ له من منشأ، وعليه فيكونُ الإمام مقدّماً على المأموم حيثُ جُعِلَ المبدأ هو المحرابُ، ويكونُ مَنْ في الصَّدر الأول مقدّماً على من يليه، لأنَّ الصدر هو المبدأ، هذا بالنسبة إلى الحسّ .

وأما بالنسبة إلى العقل، فكما لو أخذنا الجنس وجعلناه هو الأول باعتبار أعمّيته وأشمليته، وتحته النوع، وتحته الصنف، وتحته الشخص، والميزان فيه هو القرب من الذي اعتبر فيه الأولية، فإنّه يكون هو المتقدّم، فالنوع يكون متقدماً على الصنف، والصنف على الشخص.

التقدم بالشرف

الخامس: التقدّمُ بالشرف، وهو عبارةٌ عن التقدُّم بالفضل والقَدْرِ والجلالة والعَظَمَة والأهمّية، كتقدّم الفاضل على المفضول، والعالم على المتعلم، والرئيس على المرؤوس.

مخالفة المتكلميـن للحكماء

والمتكلمون وافقوا الحكماءَ في هذه الخَمْسَة إلاّ في التقدُّم في الزّمان، فاعتبروا فيه: أنْ يكونَ الزّمان خارجاً عن المتقدّم والمتقدّم عليه، بأنْ يكون السابق والمسبوق الزمان، فهُمْ يخصّون هذا السبق بالزّمانيات ويَجْعلونَ التقدُّمَ الواقع بين أجزاء الزمان قِسماً سادساً من التقدّم، ويسمّونه تقدّماً بالذات، ويجعلون تقدُّمَ عدم الزمان على وجودِهِ أيضاً من هذا القبيل؛ لعدم مجامعتهما، فهُمْ يجعلون التقدُّم غير المجامع مع التأخر على قسمين:

قِسمٌ يعرضه بحسب الزمان، ويسمّونه التقدُّم الزمني.

وقسمٌ يعرضه لذاته ويسمّونه تقدماً بالذات، كتقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض، فإنّه على ما قالوا ليس بالعلّية؛ لأن التقدم بالعلية يوجب الاجتماع في الوجود؛ لعدم انفكاك المعلول عن العلّة، ولا بالطبع ولا بالرتبة ولا بالشرف؛ لأنّ شيئاً منها لا ينافي الاجتماع في الوجود وهو ينافيه.

وأمّا عدمُ اجتماع العلّة المعدّة مع المعلول مع كون تقدّمها بالطبع فمن جهة تقدّمها بالزمان أيضاً، والتقدُّم بالزمان ليس من التقدُّم بالزمان، وإلاّ للزم التسلسل في الأزمنة؛ لأنّ التقدّم بالزمان يحتاج إلى زمان.

وفيه: إنّه إنّما يَلْزَمُ في تقدُّمِ الزّمان بالزمان أنْ يكونَ للزمان زمانٌ لو لزم أنْ يكون سَبْقُ الزّمان له زماناً زائداً على السّابق والمسبوق، وهو غيرُ لازمٍ، فإنّ التقدُّمَ بالزّمان للزمان بنفسِهِ نَظيرُ وجوديّةِ الوجود، وضوئية الضّوء، فإنّهما بنفسهما.

وإذا عرفت أقسام التقدم تعرف أقسام التأخر لأنه مضايف له.

وأيضاً تَعْرِفُ أقسامَ المعيّة بالمقايسة إليهما.

الحصر للتقدم

وكيف كان فالحَصْرُ للتقدّم في الأقسام المذكورة استقرائيٌ ورُبّما قيل في ضبطه على مذهب الحكماء:

إنّ المتقدم إمّا أنْ يجامع المتأخّر في الوجود أو لا، والثاني هو المتقدم بالزمان، وعلى الأول، إمّا أنْ يكون بينهما ترتّب أو لا، والأول هو التقدم بالرتبة، وعلى الثاني، فإمّا أنْ يكون بينهما احتياج أم لا، والثاني هو التقدم بالشرف، وعلى الأوّل فأمّا أنْ يكونَ المحتاجُ إليه علّة تامة أم لا، والأول هو التقدّم بالعلّية، والثاني هو التقدّم بالطّبع.

وإنْ شئت قلت: إنّ المتقدّم إنْ احتاج إليه المتأخّر فإنْ كان علّة تامّةً له فهو تقدم بالعلية، وإلاّ فبالطبع، وإنْ لم يحتج فإن لم يمكن اجتماعهما في الوجود فهو تقدّم بالزمان، وإنْ أمكن فإنْ اعتبر بينهما ترتّب فهو تقدّم بالرتبة، وإلا فبالشرف.

التقدم الحسي والتقدم المعنوي

إذا عرفتَ هذا فنقول: إنّ المراد بهذا المبحث- أعني: مبحث رتبة العلم- هو التقدُّمُ بالمكان والوضع الحسّي أو المعنوي بحسب التعليم والتعلُّم كما
عرفته في بيانِ مَعْنى التقدّم بالرتبة الذي هو القسم الرابع من التقدم، فيكون بيانُ مرتبة العلم هو بيان أنّ العلم الذي هو محلّ البحث في أيّ مكانٍ وضعه
 أهل التحصيل والتعليم، بمعنى إنّهم قد جعلوا تحصيلَهُ وتعلّمه قبل أيّ علمٍ وبَعْدَ أيّ علم، فإنّ تحصيل العلم والمعرفة هو المبدء، فما كان الأقرب يكون
هو الأول.

ترتب العلوم في تحصيل الفقه

وعليه فنقول: إنّ أهل تحصيل العلوم الدينية جَعَلوا الأول لتحصيلهم هو علم النحو، ثم الصّرف، ثم المنطق، ثم المعاني، ثم البيان، ثم الأصول، ثم الفقه، وإنّما صنعوا ذلك لتوقّف معرفة الفقه على الأصول؛ لأنّ أكثر مباحِثِ الفقه معرفَتُها موقوفة عليه؛ لكونِ أكثر مقدّمات أدلّة الفقه مثبتة فيه.

وجه توقّف علم الأصول

وتوقّف علم الأصول على العلوم المذكورة؛ لتوقف أكثر مواضيعِهِ عليها؛ لكون الكثير من مباحثه يتعلّق باللغة العربية.

وجهُ توقّف البيان على المعاني

وتوقُّفُ البيان على المعاني؛ لكون غاية علم المعاني- وهي رعاية المطابقة لمقتضى الحال- تتوقَفُ عليها غايةُ عِلْمِ البيان وهي إيرادُ المعنى الواحد بطرق متعدّدة مختلفةِ الوضوح والخفاء في الدّلالة، من حيثُ أنّه لا يُعْتَدُّ بإيراد المعنى الواحد بالطرق المختلفة في البلاغة.

إلاّ إذا حَصَلَتْ الرّعايةُ لمقتضى الحال، وتوقَّفَ علمُ المعاني على علم المنطق والصّرف والنحو؛ لاشتمال الأول على كيفية الاستدلال، وبحث الأخيرين عن اللغة العربية، ولا ريب في احتياج علم المعاني في بعض مسائله إلى النظر والاستدلال، وإلى معرفة صحّة اللفظ العربي وخطئه، وتوقّف علم الصرف على النحو؛ لتوقفه على معرفة تقسيم الكلمة وأحوالها.

وجهُ تقدّم النحو على الصرف

ولأن وضع النحو كان قبل علم الصرف، وبعضُهم قدّموا علم الصرف على النحو، باعتبار أنّ علم الصرف يتعلّق بمفردات اللغة، وعلم النحو يتعلق بمركباتها. وإنّما قدّموا النحو والصرف على المنطق؛ لأنّهما أسهل وأقرب لفهم المبتدئ من علم المنطق.

كلمة قيمة في تقديم العلوم بعضها على بعض

قال بعضهم: إنّ العلوم لكلٍّ منها مرتبة ومقام معلوم، فلا يشتغل بالغايات قبل المبادئ، ولا بالنتائج قبل المقدمات، ولا باختلاف العلماء في العقليات والسمعيات قبل إتقان الاعتقاديات، فيختلّ ذهنه ويحير عقله، ويضيع سعيه، بل يلاحظ الترتيب اللائق، ويؤتى كلَّ ذي حق حقّه، فيكون ممن أتَى البيوت من أبوابها، ويسهّل له إدراك البقية، وبلوغ الأمنية.

فيشتغل أوّلاً بحفظِ كتابِ الله وتجويده، ويكونُ مفتاحاً صالحاً ومعيناً ناجحاً يسَتنيرُ القَلْبُ به ويستعدُّ بسببه للإحاطة بباقي العلوم.

ثم بالعلوم العربية، فإنّها أول آلات الفهم وأعظم أسباب العلم الشرعي؛ لأن الكتاب  والسنة عربيان، فيتقن علم التصريف، والنحو، واللغة، والمعاني، والبيانْ إتقاناً جيّداً، بحيث إذا عَرَضَتْ عليه عبارَةٌ عربية غير موحشة قوى عليها، ويكفيه في غريب اللغة أصلٌ مركون إليه يراجعه عند الحاجة.

ثم بالمنطق يحقّق مقاصده، فإنّ له مدخلاً عظيماً في تقويم الفكر وإصلاح صور الأقيسة.

ثم بالعقليات كالآلهي، وشيءٌ من الطبيعيّ يشحن به ذهنه، ويرسّخ فيه ملكة الاستدلال.

وينظر في أصول الفقه، ودراية الحديث، والرجال، ويتعرف الاصطلاحات الموضوعة بين أهلها.

ثم يشتغل بالحديث والتفسير، وليمعن النظر في كشف أغوار كلام الله، فإنّها لاتقف على حَدِّ، وهو بحر عميق، ولا يقنع بما ذكره المفسرون، وليكن كثير التفتيش عن الرّوايات المأثورة في تفسير الظّهور والبطون، فإنّ فيها من علومِ الأسرار شيئاً كثيراً.

وليتقن من فقه الأحكام الشرعية طَرَفاً صَالحاً، ويطّلع على أقوال الفقهاء رضوان الله عليهم، ومواقع الخلاف بينهم، والإجماع لديهم، ولا يكتفي في ذلك بالمتون الوجيزة، فإنّ الشروح والكتب الاستدلالية أكثر فائدةً، وأوفى بالمقصود.

وإذا اشتغل بفنّ فلا ينتقل عنه حتّى يتقن فيه كتاباً أو أكثر إنْ أمكن،
ويحذر التنقل من كتابٍ إلى كتاب من فنٍّ إلى آخر، ومن غيرِ موجبٍ، فإنّ
ذلك علامة العجز وعدم الفلاح، وليأخذ من كلِّ فنٍّ حظّه، ويصرف تمام
قوته في العلوم الدينية الأخروية، فإنّها مما تُوجِبُ كمال النفس
وتزكيتها بالأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، ومرجعها إلى معرفة الكتاب والسنة.

الأمور الموجبة لتقدم العلوم بعضها على بعض

وقد ذكر القومُ لتقدم العلوم المدونة بعضها على بعض أمور:

التقدّمُ بالموضوع

الأول: التقدّم بالموضوع، كتقدم العلم الطبيعيّ على علم الهندسة؛ لأنّ موضوع الأول هو الجسم الطبيعي، وموضوع الثاني هو المقدار، والمقدار عارضٌ على الجسم الطبيعي، فيكونُ موضوع الأول مقدَّمٌ عليه تقدُّم المعروض على العارض عليه.

رجوعُ التقدُّم بالموضوعِ إِلـى التقدُّم بالطبع

ولا ريبَ أنّ هذا يَرجع إلى التقدّم بالطبع، الذي هو القسم الثاني، وعليه فيكونُ تقدّم موضوع علمِ النحو والصرف على علومِ البلاغة من التقدُّمِ بالطبع؛ لأن موضوعهما هو الكلمة من حيث الإعراب والبناء والإعلال والهيئة.

وموضوع علم البلاغة هو الكلام من حيث المحسّنات؛ إذ أن المحسّنات للكلام إنما تكون محسّنات إذا كانت كلماته صحيحة من حيث الاعراب والبناء والاعلال والهيئة، فهو متوقّفٌ عليه توقّفَ العارض على معروضه.

الردّ على صاحب الحاشية 

فلا وجه لما [ذكره] في حاشية المعالم للشيخ محمد تقي رحمه الله ([347]) من جَعْلِ ذلك من التقدُّمِ في الرتبة.

على أنّ ذلك إنّما يكون لدَى الحقيقة من التقدم بالطبع من جهة الغاية، لا من جهة الموضوع من حيث أن الغاية من علوم البلاغة، وهي تحسين الكلام برعاية قواعده، وهي إنّما تحصل ويعتدّ بها إذا حَصَلَتْ غاية علم النحو والصرف في كلماته، وهي صحّتها من حيث الهيئة والتركيب والإعراب والبناء.

التقدم بالغاية

الثاني: التقدُّم بالغاية، بأنْ يتوقَّفَ حُصول الغاية من العلم والاعتداد بها على غايةِ العلم الآخر، فيكونُ العِلْمُ الآخر مُقدَّماً عليهِ، كما تَقدَّم مثالُ ذلك قبل أسطر، وكما تقدَّم من توقّف غايةِ عِلْمِ البيان على غايةِ علم المعاني.

التقدُّم بحَسَبِ الحاجة

الثالث: التقدُّم بحَسَبِ الحَاجَة، وهو التقدُّم بسبب احتياجِ مَعْرِفَةِ العلم المتأخّر لمعرفة العِلْم المتقدّم، كاحتياج مَعْرِفَة علم الفقه لِعِلْمِ الأصول وغيره من العلوم التي يحتاج إليها الفقيه في معرفته للفقه كالنحو.

الخادم من العلوم

وقد يسمّى العلمُ المتقدّم المشتمل على مبادئ العلم المتأخر بالخادم، كما صَدَرَ ذلك من الفاضل الأبهري([348])، حيثُ سمّى بذلك علم الكلام، بأنّه خادِمٌ للعلوم الشّرعية، ورَدّ عليه شارح المواقف([349]) بما حاصله: إنّه لا يُناسِبُ تسميته بالخادم، وإنّما هو رئيسٌ عليها لتوقّفها عليه، واستمدادها منه، وأجيب عن ذلك بأن (سيد القوم خادمهم) ولهذا سَمَّى القومُ المنطقَ بخادِمِ العُلومِ لتوقُّفِ مَعْرِفَةِ صحَّةِ الاستدلال في العُلومِ على معرفته.

وهذا يكونُ من قبيل التقدّم بالطبع؛ لتوقُّفِ العلم المتأخّر على المتقدم واحتياجه إليه في معرفته.

التقدم بالشرف

الرابع: التقدّم بالشرف، وهو عظمة المنزلة، وعلوّها ورفعتها، وهي تكون بأشرفية موضوع ذلك العلم، أو بأشرفيّة معلوماته، أو بأشرفيّة ما يترتَّبُ عليها من الغايات والفوائد، أو بأشرفية واضعه؛ إذ لا تتجاوَزُ جِهَاتُ شَرَفِ العلم هذه الأربعة، فعِلْمُ الكلام أشْرَفُ العلوم من ناحية الموضوع؛ لأنّ مَوضُوعَهُ على ما ذَكَرَهُ بعضُهم كالقاضي الإرموي([350]) من أنه هو ذاتُ اللهِ؛ لأنّه يبحث فيه عن وجوده، وصفاته الثبوتية والسلبية، وعن أفعاله الدنيوية كحدوث العالم، والأخروية كحشر الأجسام، وعن أحكامه فيهما كبعث الرسل ونصب الإمام في الدّنيا، من حيث أنّهما واجبان عليه تعالى في الدّنيا، وكالثواب والعقاب من حيث إنّهما واجبان عليه تعالى في الآخرة.

وهكذا علمُ الكلام أشرف من ناحية الغاية؛ لأنّ غايته التّرقّي من
حضيضِ التقليد إلى ذروة اليقين، وإرشاد المسترشدين بإيضاح الحجة، وإلزام المعاندين بإقامة المحجّة، وحفظ أصول الدّين عن أنْ تزلزلها شُبَهُ المبطلين وشكوك الضّالين، وصحّة النية في الأعمال العبادية، والعمل بالواجبات والمحرمات الالهية.

وغاية ذلك هو الفوز بالسعادة في الدارين، وهي أشرف الغايات وأسماها وأجداها نفعاً.

وهكذا هو أشرف من ناحية معلوماته؛ لأنّ مسائله تتعلّق بأصول الدين، ويدلك على شدة شرفية معلوماته أنّه يجب العلم والتدين بها.

وهكذا علم التفسير معلوماته أشرف من باقي العلوم؛ لأنّها مرادات الله تعالى، فإنّها أشرف من مراداتِ غير الله تعالى، وهكذا علم النحو فإنّه أشرف من غيره من ناحية الواضع؛ لأنّ واضعه أمير المؤمنين علي  عليه السلام .

التقدم لشدة الحاجة إليه

الخامس: التقدُّمُ بشدّةِ الحاجة إليه، كتقدم علم الطب وعلم الفقه على غيرهما، بواسطة شدّة الحاجة إليهما في حفظ الأبدان والأنفس.

وهذا يرجع للتقدم في الرتبة؛ لأنّ حاجة الإنسان له جعلته أقرب منزلةً ومرتبة للإنسان من غيره في التحصيل والمعرفة، فإنّ المبدء للأقربية هو التحصيل والمعرفة.

التقدم بسهولة المعرفة

السادس: التقدّمُ بسهولةِ المعرفة والتعلّم، كتقدم علم الحساب على غيره، حتى يقوى الطالب على إدراك الحقائق، ويسهل عليه فهم المطالب، فيقوى استعداده وقابليته لتلقّي ما هو أصعب منه معرفةً، وأشكل منه مسألة.

ويمكن أنْ يسمّى هذا النحو من العلوم بسمع الكيان؛ لأنّه هو الذي ينبغي أنْ يكون أوّل ما تسمعه طبيعة الإنسان، ولذا كانت الحكماء والفلاسفة تقدّم مثل هذه العلوم في التعلم على باقي فنون الفلسفة والحكمة، وهذا أيضاً يرجع إلى التقدُّمِ بالرتبة لعين ما ذكرناه في التقدّم لشدّةِ الحاجة.

التقدم بقوة الأدلة

السابع: التقدّمُ بوثاقة الأدلة وقوّتها، كتقدّم العلوم العقلية على غيرها، باعتبار قوّة أدلتها ووثاقتها، وكتقدم علم الكلام على غيره باعتبار أنّ أدلته يقينية، مؤيّدة بالنقل، فهي في غاية الوثاقة.

ومن هنا تقدّم الكتب التي اعتمد مؤلفوها على ذكر الأدلة القوية على غيرها من الكتب التي لم تكن كذلك، مع أنّ مسائل الكتابين واحدة.

وهكذا يقدّم الحضور على يد الأساتذة المدقّقين والمحقّقين على غيرهم من أساتذة ذلك الفنّ، ممن لم يكونوا كذلك؛ لأنّ أدلّتهم على المطالب أوْثَقُ من أدلّة غيرهم عليها لدقتها.

وهذا يرجع للتقدّم بالشرف؛ لأنّ الأدلة التي هي أوثق وأشرف من الأدلّة التي هي ليست كذلك؛ لكمال تلك الأدلة؛ ونقصان تلك.

ويمكن أنْ يرجع للتقدّم بالمرتبة والمنزلة أيضاً؛ لأنّ حاجة الإنسان إلى الأدلة الكاملة أزيد من حاجته للأدلة الناقصة.

التقدم بعموم الموضوع

الثامن: التقدُّمُ بعموم الموضوع؛ لأنّه قد تقرّر عندهم أنّ العلوم تتصاعد بتصاعُدِ الموضوعاتِ عُموماً وخُصوصَاً كما يقال في علم الحكمة: فإنّ موضوع الوجود هو أعمُّ من موضوعاتِ غيره من العلوم.

ومن هنا يقدّم البحث في المسألة إذا كان عن عمومِ موضوعِ العلم وأطرافه على البحث في المسألة لو كان مختصّاً بجهةٍ خاصّة من الموضوعِ للعلم، وهذا كما عَرَفْتَهُ أنّه يَرْجِعُ إلى التقدُّمِ بالرتبة؛ لأنّ تقدُّمَ العامّ على الخاصّ بالرّتبة باعتبار أنّه لَهُ شُمولٌ للخاصّ فهو للشّمول أقربُ من الخاص.

 

الرأس السابع

في تقسيم علم الفقه

الرأسُ السَّابعُ من الرؤوس الثمانية لعلم الفقه بيانُ تقسيمه إلى أبواب، فإنّ المتقدّمين جَعَلوا الرأسَ السَّابع من الرؤوس الثمانية التي تُذْكَر في صَدْرِ كُلِّ علمٍ هو بيانُ أبوابِ العلم التي يُبحث فيها عنه، وقد تُسمَّى بالمباحث، وقد تسمَّى بالفصول، وقد تسمّى بالكتب، وقد تُسمَّى بالمقالات، وذلك ليُحيط بالعلم إجمالاً؛ ولأنّه عندما يَحْتَاجُ لمسألةٍ من العلم يُعْرَفُ موقعها من العلم، ولأنّ المتعلّم يسهل عليه أنْ يحضر في كل باب منه ما يليق به، وهكذا قد يذكر تقسيم الكتاب في أوّله للوجوه المذكورة.

تقسيم الكتاب

ثمّ إنّ تقسيمَ العلم يكونُ من المدوّن له، وتقسيمُ الكتاب يكونُ من المؤلّف له، بمعنى: أنْ يذكر مسائل كلِّ بابٍ في محلٍّ واحدٍ منه، كأنْ يذكر مسائل الطَّهارة في بابها، ومسائل الصَّلاة في بابها، ومسائل الصوم في بابه، لا أنْ يَخْلُط بينها، فيجمع بينَ مسائلها، بل الواجب أنّ المسألة التي ترتبطُ بأكثر من بابٍ واحد أنْ يذكرها في كلٍّ منها ولو بشرحها في أحدِها، والإشارة إلى شرحها في الباب الآخر.

الاستفتاءُ من البصرة

وإنّي لأذكُرُ مَرَّةً جاءنا استفتاءٌ من البصرة عن امرأةٍ حامل تُوفّي زوجها، ثم جاءت بحملها ميتاً تدّعي أنّها وَضَعَتْهُ حّياً في البادية، ولشِدّة الحرَّ، وعدم القابلة والمساعدة لها ماتَ الطّفلُ، وتدَّعي بإرثِهِ، وفي وقتها راجعتُ كُتُبَ الفقهِ التي تحت يَدَيّ في كتاب المواريث في مبحث ميراث الحمل لم أجده، وبلغني أنّ بعض المجتهدين لعدم وجوده للمسألة أفتى لهم بالمصالحة، وبعضُهُم أفتى بالميراث استصحاباً لحياة الحمل، وإنّّ المراد بالاستهلال المعتبر في ميراث الحمل هو الحياة فقط، ولكنْ بعد الفحص منّا رأينا إنّ المسألة محرّرة في كتاب الشهادات في مبحث شهادة القابلة، وفيها أخبارٌ قد نقلها القومُ هُناكَ، فأفتيتُ لهم بعدم الميراث، وشفّعتُ الفتوى بالأدلّة والأخبار، والكثيرِ من المباحث الفقهية أمرُها كذلك فيعسر على الفقيه استخراجها جداً.

قاموس فقهي  

وقد ذكر بعضُهم الخلوّ بالأجنبية في مبحثِ الإجارة، وحلق اللحية في المكاسب، وهذا ما دعاني أنْ أعقد النّية على صنع قاموسٍ مرتَّبٍ على الحروف الهجائية للموضوعات الفقهية نَشْرَحُ فيه ماهياتها ونبيّن أحكامها.

وإليك التقسيمُ الذي جَعَلَهُ عُلماءُ الفقه لهذا العلم، فقد قَسَّموا مباحث علم الفقه على أربعة أقسام:

XالقسمZ الأول: العباداتُ، وهيَ الصَّلاةُ والصَّومُ والفطرةُ والحَجُّ والاعتكافُ والزكاة والخمس والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ووجهُ تقديمِ الكلام في العبادات، [فانهم] إنّما قَدَّموا البَحْثَ عن العبادات وجَعَلوه هو الأّول؛ لأنّ العبادات هي الأفضل والأهمّ في نَظَرِ الشَّرع، وحيثُ كانت الصَّلاة أفضلها ووجوبها أعمّ قدَّموا البَحْثَ عنها على سائر العبادات، وحيثُ كانت الصّلاة مشروطة بالطَّهارة وفي الطهارة مباحث كثيرة، قدّموا البَحْثَ عن الطّهارة على البحث عن الصّلاة، ولما كانت الطّهارة المائية مقدّمة على الطّهارة الترابية قدّموا البحث عن الطهارة المائية، ولما كانت الطّهارة المائية تَحْصُلَ بالماء المطلق قدّموا البحث عنه.

والقسم الثاني: هو المعاملات، ويسمّى بالعقودِ، وهي البيعُ والإجارة والنّكاح وكلُّ ما يحتاجُ إلى إيجابٍ وقبول.

والقسم الثالث: الإيقاعات، كالطّلاق والعتق، وكلُّ ما يَحْتَاجُ إلى ايجابِ فقط.

والقسم الرابع: الأحكام، وهي ما عدا ذلك.

وهذا القِسمُ الرّابع: إنّما خَصّوه باسم الأحكام([351]) مع أنَّ الجميعَ هي أحكام شرعية؛ لأنّهم لم يجدوا له خصوصيةً يسمّونه بها، فسمّوه فيما بينهم بالأحكام.

وبعضُهُم سمّاه بالسياسات دُونَ الأحكام، كالشهيد رحمه الله  في الذّكرى([352]) احترازاً من الاشتراكِ اللّفظي بَيْنها وبينَ الأحكام الخمسة، وبعضُهُم فراراً من ذلك يُقيِّدُها فيعبّر عن القسم الرابع بالأحكام بالمعنى الأخصّ، والظاهر أنّهم إنّما خصّوا القسم الرابع بالسياسات؛ لأنّه يَشْتَمِلُ على تدبيرِ المنزلِ كالأطعمة والأشربة والمواريث، وعلى تدبير المجتمع كالحُدودِ والقِصاص والدّيّات، والسّياسة هي التدبير، فتكونُ التسمية من قبيلِ تسميةِ الشّيء بالأعمّ الأغلب فيه، كتسميةِ الآنية والخاتم بالفضّة؛ لأنَّ الأعمّ الأغلب فيه هو الفضّة.

تقسيمُ القِسْمِ الرابع إلـى اثني عشر باباً

وقد جعلوا هذا القسم الرابع اثني عشر باباً في الفقه.

الصيد والذباحة، والأطعمة والأشربة، والغصب، والشفعة، وإحياء الموات، واللقطة، والفرائض، والقضاء، والشهادات، والحدود، والقصاص، والديات.

ثمّ لا يخفى أنّه على هذه القسمة إلى أربعةِ أقسامٍ مع تسميةِ الرّابع بالأحكام بنى المحقّق طاب ثراه كتابَ الشرائع([353])، وكذا العلاّمة في المنتهى([354])، والتذكرة([355])، والتحريرُ([356])، وسمّى هذه الأقسام بالقواعد، والشهيد رحمه الله  في الذكرى([357]) رَتَّبَ كتابه على مقدّمة وأقطابٍ أربعة هي العباداتُ والعقود والإيقاعات والسياسات.

وَجْهُ الحَصْرِ في أربعة

وقال في تقرير الحصر: إنّ الحكم إمّا أنْ يشترط فيه القربة أو لا، والأول: إمّا ذو صيغة أو لا، والثاني: السياسات، والأول: إمّا وحدانية أو لا، والأول: الايقاعات، والثاني: العقود، وقال السيوري في التنقيح([358]): (حصر العلماء الفقه في أربعةِ أقسامٍ، عبادات وعقود وإيقاعات وأحكام وقرّروا دليلَ الحَصْرِ بوجوه:

الأول: إنّ المبحوث عنه إمّا متعلَّقٌ بالأمور الأُخرويّة، وهو العبادات أو الدنيوية، والثاني: إمّا أنْ لا يفتقر إلى عبارةٍ لفظيةٍ، وهو الأحكام، أو يفتقر، فأمّا من اثنين غالباً وهو العقودُ، أو من واحدٍ وهو الإيقاعات.

الثاني: طريقةُ الحُكماء، وهو أنْ يقال: كمالُ الإنسان، إمّا بَجَلْبِ نَفْعٍ أو بدفع ضَرَر، والأول: إمّا عاجلٌ أو آجلٌ، فجَلْبُ النفع العاجل بالمعاملات والأطعمة والأشربة، والنكاح، وجلب النفع الآجل بالعبادات، ودفع الضَّررِ بالقصاص، وما شابهه.

الثالث: إنّ الشرائع جاءَتْ لحفظِ المقاصد الخمس، وهي: الدّين، والنفس، والنسب، والمال، والعقل، وهي التي يجبُ تقريرها في كُلِّ شريعةٍ، فالدّين يحفظ بقسم العبادات، والنفس تحفظ بالقصاص والدّيات، والنسب يحفظ بالنكاح وتوابعه والحدود والتعزيرات، والمال يحفظ بالعقود وتحريم الغصب والسرقة، والعقل يحفظ بتحريم المنكرات وما في معناها، وثبوت الحدّ والتعزير على ذلك، وحفظُ الجميع بالقضاء والشهادات وتوابعها).

وبتعبير آخر: إنّ المطلوب في الفقه ضبطُ الأحكام الشرعية والوضعية، فالشرعيّة: الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة، والوضعية: السببية والشرطية والمانعية والصّحة والبطلان والملكية والزوجية ونحو ذلك، ويترتب على ذلك حفظُ المقاصد الخمسة التي بُنيَتْ عليها الشرائع والأديان، وهي الدّينُ والنفس والعقل والنسب والمال، فالدّين بالعبادات، والنفس بالقصاص والديات، والعقل بخطر المسكرات والمغميات، والنسب بالمناكح والمواليد، والمال بأحكام الضمان والمعاملات، والجميع بالسياسات، كالحدود والتعزيرات والقضاء والشهادات.

وفي القواعد: كُلُّ حُكْمٍ شرعيٍّ يكونُ الغرض الأهم منه الآخرة،
 إمّا لجلب النّفع أو لدَفْعِ الضَّرَر فيها يسمّى عبادة أو كفارة، وكلُّ
ما يكون الغرضُ الأهمّ منه الدُّنيا سواءٌ لجلب النَّفْعِ أو لِدَفْعِ الضَّرَر يسمّى معاملة.

أقسام العبادات

قال الشيخُ في الاقتصاد والجمل: (عباداتُ الشّرعِ خَمْسٌ: الصَّلاةُ والزكاة والصَّومُ والحَجُّ والجِهادُ)([359])، وأدخل الطَّهارَةَ في الصَّلاة والخُمْسِ في الزَّكاة والاعتكاف في الصّوم والعُمْرَة في الحَجّ والأمرِ بالمعروفِ والنّهي عن المنكر في الجهاد، وجَعَلَها الفاضلان([360]) وأكثرُ المتأخّرين عشراً هي الخَمْس التي ذكرها الشّيخ رحمه الله  مع الخَمْس التي أدخلها تبعاً.

وقالَ الدّيلمي في المراسم: (الرّسومُ الشرعيّة تنقَسِمُ إلى قسمين:
عبادات ومعاملات)([361]).

فالعباداتُ تنقسمُ إلى ستة أقسام: طهارة، وصلاة، وصوم، وحج، واعتكاف، وزكاة، وذكر العمرة في الحجّ، والخمس والجزية في الزكاة، وفي النّزهة عن الشيخ ابن يعلى سلاّر: إنّ العبادات ستة بإسقاط الجهاد من الخمس الأول وزيادة الطهارة والاعتكاف.

وقال الحلبي([362]): العباداتُ عَشرُ، الصّلاةُ، وحُقوقُ الأموال، والصيام، والحجُّ، والوفاء بالنذر، والعهود والوعد، وبر الأيمان، وتأدية الأمانات، والخروج من الحقوق والوصايا، وأحكامُ الجنائز، وما تعبد الله لفعل الحسن والقبيح، وأرادَ([363]) بالأخير معاملةُ النّاسِ على حَسَبِ ما يستحقّونَ من جهةِ الإيمان والكُفْرِ والطاعة والمعصية.

وقال الشيخ أبو جعفر محمّد بن عليّ الطوسي في الوسيلة: (عبادات الشرع عشر: الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغسل الجنابة والخمس والاعتكاف والعمرة والرباط)([364]).

قال السيّد في المصابيح([365]): (وإنمّا أفْرَدَ غُسْل الجَنَابَةِ عن سَائرِ الطَّهارات بناءً على قوله بأنّه واجِبٌ بنفسهِ وإنّ المرادَ بالعبادة ما كانَ كذلك، دونَ ما وَجَبَ تبعاً لغيره، كما يُفْهَمُ من كلامِهِ قبل ذلك).

وفي النُّزْهَة: (العبادات كثيرةٌ والذي قد حَصَرْتُ منها خمسةً وأربعون قسماً، وهي الطّهارةُ وُضوءاً كانَ أو غسلاً وإزالة النجاسات عن البدن والثياب، والصلاة، والزكاة، والصّوم، والحَجُّ وما يتبعه، والجهاد، والاعتكاف، والخمس، والعمرة، والرّباط، والوفاء، بما عَقَدَ عليه من النذور والعهد واليمين وتأدية الأمانة، والخروج من الحقوق والوصايا، وزيارة النبي  صلى الله عليه واله وسلم  والأئمة  عليهم السلام ، وزيارة المؤمنين وتلاوة القرآن، والدّعاء وما جَرَى مَجْراهُ من التسبيح وغيره ومن أحكام الجنائز قبل الموت وبعده، والسجود والسّلام على المؤمنين، وردّ السلام عليهم، وصلتهم في المجالسة، والسعي في حوائجهم، والاشتغال بالعلوم العربية إذا قصد بها الاجتهادُ في الأحكام الشّرعيّة، وصحّة التلفّظ بالدُّعاء والأحكام، والقضاء بين الناس، والفَتْوَى إذا كان من أَهْلِها، وانتظارِ الصَّلاة قبل دُخولِ وَقْتِها، فقد روي في باب الصّلاة من كتاب التّهذيب عن النبيّ  صلى الله عليه واله وسلم  أنّه (كنزٌ من كنوز الجنة)([366]) والصّبرُ وانتظارُ الفَرَج والتوكُّلُ على اللهِ وكتمان المرض وكظم الغيظ والعفو عن النّاس، والاكتساب للعيال، والعتق، والتدبير، والمكاتبة، والوقف، والحبس، والعمرى، والرقبى إذا قُصِدَ بها التقرُّبُ إلى الله تعالى)([367]).

قلتُ: وفي جميع ما ذكروه إدخال ما ليس بالعبادة في العبادة؛ لأنّ المراد بها العَمَلُ المتوقّف على قصد القربة، والجهاد خارجٌ عنه قطعاً، وكذا الرّباط والأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر، وتأدية الأمانات والخروجُ من الحقوق والوصايا وإزالة الأخباث، وبعض أحكام الجنائز، وأكثر المذكورات.

كما أنّ حصرهم العبادات في ذلك يلزم منه إخراجُ بَعْضُ العبادات كالصّدَقة، فإنّها عبادةٌ بالاتفاق، وقد ذكروها في المعاملات، وكذا الكفارات والنذر والعتق، فإنّه من العبادات على المشهور، بل كادَ يكونُ إجماعٌ من الكلِّ لشذوذ المخالف وانقراضه، مع ورود الحديث المعتبر الإسناد عن الإمام الصادق  عليه السلام  أنّه قال: (لا صَدَقَةَ ولا عِتْقَ إلاّ ما أريد به وجه الله  عجل الله فرجه الشريف )([368])، فكانَ الواجبُ ذكر ذلك كلّه في العبادات، وكذا الوقفُ والتّدبيرُ على القول، بأنّهما عبادَةٌ مع أنَّ القائلين به قد ذَكَرُوهُ في غيرها.

قال الشهيد رحمه الله  في الذكرى بعد تفسير العبادة بالفعل وشبهه المشروط بالقربة قال: (والجهادُ ونحوه غائيان فمِنْ حيثُ الامتثال المقتضي للثّواب عبادة، ومن حيث الإعزاز وكفّ الضّرر لا يشترط فيه التقرّب، وما اشتمل عليه باقي الأقطاب من مسمّى العبادة من هذا القبيل، وأمّا الكفّاراتُ والنذور فمن قبيل العبادات، ودخولها في غيرها تغليباً أو تبعاً للأسباب)([369]).

وما ذكره  قدس سره  وإنْ كان حسناً في مقام التوجيه والاعتذار إلاّ أنّه لا ينفع للتعويل على ما قالوه في التمييز بين العبادة وغيرها، وهو المهم، فإنّهم بهذا الإدخال والإخراج قَدْ خَرَجُوا عن معناها المعروفِ، فلا يُمكِنُ الحُكْمُ بكون الشيء عبادةً بذكرهِ في كُتُبِ العبادات، ولا بأنّه ليسَ منها بذكره في غيرها.

على أنّهم إنْ أرادوا بالعبادة ما يمكن التقرُّبُ بهِ بَطَلَ الحَصْرُ فيما ذكروه من العدد؛ لدخول العبادات والمعاملات كلّها في العبادات بهذا المعنى، فإنّها بأسرها صالحةٌ للتقرّب، وإنْ أرادوا خصوصَ ما تعلَّق به الطلب وجوباً أو ندباً فكذلك وإنْ كان الداخل فيها أقلّ من الأول، وإنْ أرادوا ما كان معظم الغرض فيه الأمر الأخروي أو ما يُعتَبَرُ في صحّته القربة وجب ذكر الصَّدقة والكفّارة والنذر والعتق ونحوها في العبادات، فإنّ الغَرَضَ الأهمّ فيها الآخرة، وإنْ قصدوا بها معنى آخر فلابُدّ أنْ يبين حتى يعرف.

وبالجملة، فالأمر في العبادة التي جعلت مقسماً لهذه العبادات ملتبس([370]).

وإنْ كان التحقيق أنّ معنى العبادة لغةً الطاعة والخضوع، والذي يتحصّل من الفقهاء والأصوليين أنّها إطاعةُ العبد ربَّهُ من الوجه الذي يُطَاعُ به فتكون حقيقتُها هو العمل المقرون بنيّة القربة، وعن الشهيد في القواعد: إنّ إطلاق اسم العبادة ينصرف إلى ذلك([371]). وعليه فالوقف والأضحية والعتق والصّدقة من العبادات المذكورة في باب المعاملات لمناسبات لوحظت في أنظار المؤلفين.

وجدي كاشف الغطاء رحمه الله  قسَّمَ الفقه في شرحه للقواعد إلى قسمين عبادات ومعاملات، فأراد بالمعاملات ما ليس بعبادة، ثمّ قال رحمه الله : و(جميع التعريفات مدخولة في طَرْدِها وعكسها إلاّ أنْ يلتزم بالاستطراد)([372]). ولعلّه  قدس سره  أشار إلى ما يشكل عليهم.

أولاً: عَدُّهم من قسم العبادات الأذان والاقامة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنّ النية ليست شرطاً في صحّتها، بداهةَ أنّ مجرّد فعلها يسقط العقاب. نعم النية وقصد القربة شرطٌ في استحقاق الثواب عليها، كما هو شأنُ سائر الواجبات التوصلية.

قال المرحوم الشيخ حسن في شَرْحِ مُقَدِّمَةِ كتابِ والده كشف الغطاء: (إنّ من العبادات ما لم يقرن بالنية، كالعقائد الأصولية والنية ومكارم الأخلاق كالحياء والسخاء والمروءة والتواضع ونظافة القلب من الحسد والحقد والسلام وزيارة الإخوان وإكرام الضيوف وقضاء الحوائج وصلة الأرحام وما يتعلّقُ بها والتختم بالعقيق واللّباس الأبيض والتحنُّك وجماع الأزواج فإنّها تصحُّ ويُثابُ عليها من دون نيّةٍ على الأظهر، كما يظهر ذلك من كثيرٍ من الأخبار وجملة من كلام الأخيار)([373]).

وثانياً: قد عدّوا البيع الضمني والمعاطاة من العقود والمعاملات، سواء كانت في البيوع والإجارات أو نحوهما، مع أنّها ليست فيها صيغة ولا عقد. نعم، لو فسّرناها بما اشتمل على رضى الطرفين كانت منها، أو قلنا إنّ الإنشاء فيها والقبول يكون بالعطاء والأخذ، كما يُقالُ في سكوتِ البنت في عَقْدِ النّكاح قبولٌ منها له.

ثالثاً: عدّوا العتق من الإيقاعات مع أنّه يشترط فيه القربة، والأولى
ما ذكره جدّي كاشف الغطاء رحمه الله  من أنه يلاحظ قصد المصنّفين، فإنّ الأمر يختلف بحسب أنظارهم، فقد يجعل المصنف في الفقه مباحث العقود أزيد من غيرها، والآخر يجعل مباحث الأحكام أقلّ من غيرها، ولم نرَ من المؤلفين مَن التزم بذلك على وجه الصحة. وقد ذُكِرَ لي أنّ بعض المتأخرين قَسّمَ الفقه إلى أبواب سبعة.

الأول: ما يتعلّق بعبادة الله، ويعتبر فيه قصد القربة، كالصلاة والصيام والحج ونحوها ويسمى بالعبادات.

الثاني: ما يتعلق بأفعال الناس وتعاملهم وخصوماتهم، ويسمى بالمعاملات.

الثالث: ما يتعلّق بالأسرة من نكاحٍ ونفقة وطلاقٍ ونسب ونحوها، ويسمى بالأحوال الشخصية في هذا العصر، وأما في السابق فيلحق بالمعاملات.

الرابع: ما يتعلّق بالحاكم في الرعية والحقوق والواجبات المتقابلة بينهما ويسمّى بالأحكام السلطانية، وقد يُسمَّى بالسياسة الشرعية.

الخامس: ما يتعلَّقُ بعقابِ المجرمين ويسمَّى بالعقوبات.

السادس: ما يتعلَّقُ بعلاقة الدّولة الإسلامية بالدّولِ الأخرى في حالِ السلم والحرب، ويسمّى بالسِيَر جمع (سيرة)، ويسمّى بالحقوق الدولية.

السابع: ما يتعلّقُ بالأخلاق ويسمّى بالآداب.

وجهُ تقديمِ بَعْضِ أبوابِ الفقه على بعض

ثمّ إنّهم بدأوا أوّلاً بالعبادات؛ لأنّها في الأحكام الأخروية، وهي أهمّ من الأحكام الدنيوية، بدليلِ أنّ المقصود للمشرّع من خلق الجنّ والأنس العبادة له تعالى([374])، ثمّ ثنّوا بالمعاملات والعقود لتوقُّفِ نظام النّوع الإنساني عليها وتدبير شؤونه بها، ثمّ ثلّثوا بالإيقاعات؛ لأنّه بالنسبة للمعاملات والعقود كالفروع بالنسبة للأصول، ألا ترى أنّ الطّلاق فَرْعُ النّكاح، والعتق فرعُ الملك الذي يرجع للابتياع، وإذا حازت هذه الأقسام الثلاثة بالسبق بالوضع فلا بدّ أنْ يؤخّر مبحث القسم الرابع، وهو الأحكامُ والسياسات عنها.

ولأنها إمّا أحكام مرتبطة بالأموات كالفرائض، والموت مَرْتَبَةٌ متأخّرة عن الحياة طبعاً، أو أحكام للجناة كالدّيات والقصاص والحدود، والجناية توجب تأخر المجني ضِعَةً ومنزلةً، أو إنّها لازمةٌ للعقود والإيقاعات معاً، كالقَضَاء والشهادات، واللازم متأخر عن الملزوم طبعاً، فأخّروا ذلك وضعاً ليطابق الوضع الطبع.

ثم في العباداتِ قدّموا الصَّلاةَ؛ لأنّها أفضلها وأكثرُ تكراراً من غيرها من العبادات، وقدّموا الطّهارة لكونها شرطاً فيها، والشَّرطُ مقدَّم على المشروط، وكان حقَّاً أنْ تجعل باباً من أبواب الصّلاة، كسائر شروطِ الصّلاة، كما فعل الشهيدُ رحمه الله  في (الذكرى)([375])، وجدُّنا الشيخ هادي رحمه الله  في رسالته (هُدَى المتقين)([376]).

لكن لما كانت مسائل الطهارة كثيرة متشعبة أفردوا لها كتاباً خاصاً، وقدّموا مبحث الوضوء فيها؛ لعموم البلوى به، وتكرّره في كلِّ يومٍ، بخلاف الغسل والتيمم، وقدّموا الغسل على التيمم؛ لأنّ التيمم واقع ثانوي له، فهو لا يكون إلاّ بعد تعذّره أو تعذر الوضوء، وقدّموا ذلك كله على إزالة النجاسات؛ لأنّها تابعةٌ للطهارة في الحكم الشرعي؛ إذ إزالة النجاسة لا تجبُ إلا إذا وَجَبَتْ الطَّهارة عن الحَدَث، ثم أتوا بالزكاة بعد الصلاة؛ لاقترانها بها في الكتاب الكريم في عِدَّةِ مَواطِن، وذكروا الخمس بعد الزكاة؛ لأنّه حَقٌّ ماليّ قد جُعِلَ في مقابلها لفقراء السّادات وللإمام، ثمَّ ذكروا الصّوم بعد ذلك؛ لأنّه يتكرّر في كُلِّ سنة كالزّكاةِ، ثمّ الحج؛ لأنّه لا يتكرر وجوبه، وإنما يجب في العمر مرة، وأخّروا الجهاد؛ لأنّ وجوبه غير منوط بالفرد، بل هو مرتبطٌ بالجماعة ووليّ المسلمين، وعلى هذه فقس ما سواها.

 

الرأسُ الثامنُ

في أنحاء التّعليم في عِلْمِ الفقه

(التقسيم - والتّحليلِ - والتَّحديد - والبُرهان)

الرأسُ الثامن من الرؤوس الثمانية لعلم الفقه، هو أنحاءُ التعليم لعلم الفقه وطرقه، وهي أربعة: التقسيمُ والتّحليلُ والتَّحديدُ والبُرهان، فإنَّ المتقدّمين قد جعلوا الرأسَ الثامن من الرّؤوسِ الثمانية التي تبيّن في صَدْرِ كُلِّ عِلْمٍ هو أنحاءُ التعليم له، أي: الطُرُقُ الموصِلَةُ لتحصيل مطالبه ومسائلِهِ وهيَ أرْبَعَةٌ، وإليكَ بيانها.

النحو الأوّل من أنحاءِ التّعليم (التقسيم في علم الفقه)

الأوّل: التقسيم، وهو بيانُ كيفيّةِ تحصيلِ الدّليلِ، وصنعه لتحصيل المطلوب منه، فإنّه كثيراً ما يَعْسُرُ معرفةُ الدّليل على المسألة ثبوتاً أو نفياً، فذكر القدماء كيفية صنع الدليل على مطالب ذلك العلم لتحصيلها إيجاباً أو سلباً في صدر كتبهم.

كيفية تحصيل الدليل على المسألة

ويُسمَّى هذا النّحوُ من التّعليم لمعرِفَةِ الدليل على مسائل العلم بالتقسيم؛ لأنّه فيه تحصيلُ المقدّمات، وتقسيمُها حتّى يُرتّبها ترتيباً يؤدّي للمطلوب، ويسمّي المنطقيّون هذا النحو من التعليم بتركيبِ القياس، باعتبار أنّ القياس هو الدليل عندهم، وبالتقسيم المذكور يتركَّب القياس الموصِلُ للمَطْلوب.

متى نحتاج التقسيم

ثمّ إنّا إنّما نحتاجُ إلى هذا الأمر، أعني: التقسيم في العلوم بالنسبة للمسائل المستحدثة فيها، أو المسائل الّتي لم يَقُمْ أربابُ العلوم الدّليل المقنع عليها إيجابا أو سلباً، وأمّا المسائل التي أقيم الدّليلُ الواضحُ عليها في العلم فلا نحتاجُ للتقسيم فيها، فمثلاً في علم الفقه لا نحتاج إلى التقسيم في مسألة طهارة الكرّ من الماء لإقامةِ الفُقهاء الدّليل على ذلك مفصّلاً عند التعرُّض لها، نَعَمْ نحتاجُ إليهِ في حلق اللحية أو في المسائل المستحدثة كالسبرتو، واليانَصِيب والمعاملاتِ المصرفيّة، وهكذا باقي العلوم.

فائدة التقسيم

والحاصل: إنّ بيانَ التقسيم في أوائل العلوم أو في صدر كُتبها إنّما ينفَعُنا في مسائلها غيرُ المحرّرة أو مسائلها المحرّرة، لكنْ لم تحصل القناعة من دليلها عليها، وأمّا مسائلُها المستدلّ عليها فيها بدليلٍ مقنعٍ، فلا نحتاج له إذا عرفت ذلك.

التقسيمُ في علم الفقه على طريقة المنطقييـن

فنقول: إنّ التقسيم في علمِ الفقه على طريقة المنطقيين هو أنّ الطالب للمسألة يشخّصُ الواقعة بخصوصياتها، ثمّ ينظر هل ينطبق عليها عنوانٌ من العناوين الواجبة أو المحرمة أو المستحبة أو المكروهة أو المباحة إذا كان بحثُه عن حكمها التكليفي، وأمّا إذا كانَ بحثُهُ عن حُكْمِها الوَضعيّ فيبْحَث عن انطباقِ أيِّ موضوعٍ من مواضيع الأحكام الوضعية عليها، فإنْ وجد ذلك فهو، وصار عنده شكل أول صُغراه مَوضُوعُها نفسُ الشَّيء المبحوثِ عنه، ومحمولُها نفس العنوان المنطبق عليه، وكُبراهُ مَوضُوعُها نفسُ العُنوانِ المنطَبقِ عليه، ومحمُولُها هو الحُكْمُ الثابت لهذا العنوان، وهو يُنتجُ النتيجَةَ المطلوبةَ من ثُبوتِ حُكْمِ العنوان للشّيء المبحوث عنه، وكأنّه يقول: المعاطاة بيع، وكلّ بيع يجب الوفاء به، فالمعاطاة يجب الوفاء بها.

وإذا رَأى أنّ هناكَ عُنواناً يَحْمِلُ على تلكِ الواقعة، وذلك العُنوان يَسْلُبُ عنه الحكم التكليفي أو الوضعيّ صارَ عندَه شكلٌ ثانٍ يثبت مطلوبه، كأنْ يقال: هذا أمرٌ اعتبر في خارجِ المعاملة، ولا شيءَ من الشروط بمعتَبَرٍ خارج المعاملة، فهذا ليس بشرطٍ، أو يُقال: هذا لازمُ إتيانِهِ ولا شيءَ من المحرّم بلازم إتيانه، فهذا ليس بمحرّم، وهكذا الحالُ يقال في باقي الإشكال، هذا على طريقة أهل المنطق.

التقسيم على طريقة أهل الفقه

وأمّا على طريقةِ الفقهاء فنقول: بَعْدَ أنْ تُعيَّنَ الواقعة والمسألة، وينظر
هل هناك نَصٌّ صَريحٌ من الكتاب المجيد أو الحديث المعتبر أو دليلِ عقلٍ
قطعيّ على حكمها أو إجماع كاشف عن رأي المعصوم فيها أو سيرةٍ من المسلمين أو المتدينين على حكمها، مع عدم رَدْعِ المعصوم عنها، فإنْ لم
يجد فيفحص عن ظهور آية كريمة أو رواية معتبرة تدلّ على حُكْمِها ولو بنَحْو العُمومِ أو الإطلاق أو التعليل أو المفهوم، فإذا ظفر بذلك عَمَلَ به بعد تفحّصه عن عدمِ الموهن له، كالناسخ أو المخصّص أو المقيّد أو المعارض، أو خروجِ الأكثر، فإنْ وجده أخذ بمقتضاه وإنْ لم يَجِدْ الدّليل على حُكْمها ممّا ذكرناه، رجع للأصول الشّرعية وإلاّ رجع للأصول العقلية، وإنْ شئتَ زيادةَ توضيح فانظر ما ذكرناه في المعاملات المصرفية والتأمين على الحياة في مجمع البحوث الإسلامية ونحوها.

والحاصل: انه ينبغي أنْ يذكر في صَدْرِ كُتُبِ الفقه كيفيّة الاستدلال على مسائله، ولعلّ من ذكر في صدر مهمّات علمِ الأصول مقصودة معرفة كيفيّة الاستدلال للقارئ على مسائلِهِ المستحْدَثة أو لمسائله المشكلة، فيكونُ قد ذُكِرَ النَّحوُ الأوّلُ من أنحاء التعليم وهو التقسيم.

النّحوُ الثاني من أنحاء التعليم (التحليلُ في علم الفقه)

النّحُو الثاني من أنحاء التعليم: هو التحليل، ويَعنونَ بهِ بيانُ كيفيّة إصلاح الدليل على المسألة، فإنّه كثيراً ما يُذكَر لمسألة العلم دليلٌ منتج للمطلب، لكن لا على هيئاتِ الأقيسة المنطقية، أو ليس على كيفيّات أدلّة ذلك العلم؛ لتسامح المؤلّف؛ أو لاعتماده على وضوحِ رجوعِ الدّليل للبرهان المنتج، أو رجوعه للدليل المعتبر في ذلك العلم.

طريقَةُ التَّحليل على المنطقييـن

والتحليلُ على طريقَةِ المنطقيين، هو أنْ تأخُذ المسألة المقام عليها الدليل، وتنظرُ إلى الدّليلِ الذي ذكر عليها، فإنْ كانَ فيهِ مقدّمات تشارك المسألة بكلا جزئيها فالقياس استثنائي؛ لما تقرَّر في محلِّهِ من أنّ النتيجة إذا كانت مذكورة في القياس بمادّتها وهيئتها فهو استثنائي، وإنْ كان فيه مقدمة تشارك المسألة بأحد جزأيها فالقياس اقتراني، وإذا أردتَ معرفة أنّه من أيّ أقسام الاقتراني فانظر إلى ذلك الجُزء المشترك، فإنْ كانَ محكوماً عليه في المسألة المطلوبة فتلكَ القضيّة المذكورة في الدليلِ المشتملة على ذلك الجزء تكونُ صغرى، وإنْ كان محكوماً به فهي كبرى.

ثمّ ضمّ الجزء الآخر من المسألة المطلوبة إلى الجزء الآخر من تلك القضية، فإنْ تألّفا على شكلٍ من الأشكال الأربعة، بأنْ كان ما انضمّ إلى جزئي المسألة هو الحدّ الأوسط؛ لتكرّره في القياس كانَ الدليلُ المنتج لها من الشكل الأول إذا كان المتكرّر المذكور محمولاً في الصغرى وموضوعاً في الكبرى، وأمّا إذا كان محمولاً في كليهما فهو الثاني، أو موضوعاً في كليهما فهو الثالث، أو موضوعاً في الصغرى ومحمولاً في الكبرى فهو الرابع.

كما لو قلنا: النبيذُ حَرامٌ لأنّه مُسْكِرٌ فإنّه نضُم النبيذ إلى المسكر، فنقول:
كلُّ نبيذ مسكر، ثمّ نضمّ المسكر إلى الحرام، فنقول: وكلُّ مُسكرٍ حرام،
 فصار الدليلُ المذكور شكلاً أولاً ويصيرُ شكلاً أولاً، ويصير شكلاً بسيطاً
إذا كانت الصغرى والكبرى من القضايا البديهية، وأمّا إذا كانت نظرية غير مسلّمة احتاجَ القياسُ إلى القياس الآخر يثبتها، فإنْ كانَ ذلك القياس الآخر مقدّماته أيضاً غيرُ مسلّمة احتاجَ إلى قياسٍ آخر إلى أنْ يصلَ الأمرُ إلى قياس بديهيٍّ مُسلّم، ويسمّى القياسُ المحتاجُ إلى الأقيسة بالقياس المركّب، وأمّا إذا لم يصل الأمر إلى ذلك، فالدليلُ يكونُ فاسداً مردوداً، هذا على طريقة أهل المنطق.

القياس المركب عند المنطقييـن

هذا ولتكن على خبرةٍ من أنّ القياس المركّب يرجعه المنطقيون إلى أقيسة متعدّدة، سيقت لبيانِ مطلوب واحد، إلا أنّ القياس المبيّن للمطلوبِ بالذّات منها ليس إلاّ واحداً.

الأقيسة المفصولة والموصولة

وبَقيّةُ الأقيسةِ التي تألَّفَتْ لبيانِ مُقدِّماتِ ذلك القياس تسمّى مفصولة إذا صرّح فيها بنتائجها، وموصولة إذا لم يصرّح، وأحياناً قد تُحذَفُ بَعْضُ مقدّمات القياس اعتماداً على وُضُوحِها ويسمَّى بالقياسِ المضمر.

القياس المُضمر

وطالما نحتاجُ هذا النحوَ من التعليم المسمّى بالتحليل في بعضِ أدلّة المسائلِ الفقهية، حيث إنّها في الغالب تكونُ ناقصةً فلا بدَّ من البحث عن إتمامها ليصحَّ الاستنتاج منها، كأنْ يقول الفقيه: إنّ الحكم كذا للخبر الفلانيّ، فلا بُدّ لمن يرى حُجّية الخبر الواحد إذا كانَ صحيحاً أنْ يبحث عن سندِ الخبر، فإنْ وجده صحيحاً صَحَّتْ الاستفادةُ منه، وإلاّ فلا.

التحليلُ على طريقة الفقهاء

وأمّا التحليلُ على طريقة الفقهاء، فهو أنْ يرجع الدليلُ المذكورُ فيها
إلى أحد الأدلّة الأربعة، وهي الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، وإنْ لم يرجع إليها أرجع إلى الأصول العملية المعتبرة، وإلاّ فيُطرح، فلو استدلّ على المسألة بالسيرة فهي ترجعُ لتقريرِ المعصوم الذي هو من السنّة، ولو تمسَّكَ بالخبر أرجع للسنّة المعتبرة، وإلاّ فيطرح، ولو تمسّك بالأصل أرجع للأصل المعتبر،
وإلا فيطرح، وطالما أرجعنا بعض الأدلة الفقهية إلى أقيسة منطقيةٍ خصوصاً ما إذا كان الدليلُ يرجع للتمسُّك بقاعدةٍ كليّة أو بالعقل عليها، فإنّ التفكير العقلي الاستنتاجي لا محالة يرجع الى الأقيسة المنطقية، وإلا لكان عقيماً غير منتج
 بل حتَّى النقلي يرجع إليها.

وهذا النّحوُ من أنحاءِ التعلُّم لم يذكره الفُقهاء في صَدْرِ كُتُبهم اعتماداً على علم الأصول، فإنّه بمعرفته يعرف ذلك، وبعضهم يذكره لمباحث الأصول في صدر كتابه يعلم منه ذلك.

النحو الثالث من أنحاء التعليم (التحديد في علم الفقه)

النّحو الثالث من أنحاء التعليم: هو التحديدُ، وهو بيانُ كيفيّة صُنْعِ التّعريف، فإنّ الكثيرَ من موضوعاتِ مسائل العلم أو محمولاتها وما يتعلَّقُ بها تكونُ غير بديهيّة التصوُّر تحتاجُ إلى التّعريف، فيذكرونَ في صَدْرِ الكتُب كيفيّةَ صُنْعِ التَّعريفِ للأمور المستعمَلة فيه غير البديهية؛ ليسهل على أرباب العلم
تعريفها.

كيفية اقتناص العلم

قال شارح المطالع([377]): (إعلم أنّ اقتناص العلم بأجناس الماهيّات المتحقّقة وفصولها وعرضياتها في غاية الصعوبة، وأمّا بالقياس إلى المعاني المعقولة الوضعية فسهلٌ؛ لأنّا إذا تعقّلْنا معاني ووضعنا لجملتها أسماء كان القدر المشترك منها جنساً، والقدر المميّز فصلاً، والخارج عنها عرضاً) انتهى.

الطريق لمعرفة تعريف الشيء

وكيفَ كان، فإذا أردتَ تعريفَ شيءٍ فلابُدّ أنْ تَضَعَ ذلكَ الشيء، وتَطْلُبُ جميعَ ما هو أعمّ منه مما هو يحمل عليه بواسطةٍ أو بغيرها، وتطلب جميع ما هو مساوٍ له مما هو يحمل عليه بالواسطة أو بغيرها، وتميّز الذاتي منها عن العرضيات بأن تعدّ ما هو بيّن الثبوت له، وما يلزم من مجرّد ارتفاعه ارتفاعَ نَفْسِ الماهيّة ذاتياً، وما ليس كذلك عرضياً، أو غير ذلك من مميّزات الذاتيات عن العَرَضيّات، وقد ذكرناها في كتابنا نَقْدُ الآراء المنطقية([378])، وعند ذا تعرف جنسه وهو الأعمّ الذاتي وتَعْرِفُ فصله، وهو المساوي الذّاتي، وتعرفُ عرضه العام، وهو الأعمّ العارض وتَعْرِفُ خاصَّتَهُ وهو المساوي العارض، فتركّب أيّ قسمٍ شئتَ من أقسام المعرِّف، وتلاحِظُ الشَّرائِطَ المعتَبرةَ فيهِ المذكورة في باب المعرِّف.

ثمّ إنّ أرباب العلم قد ذَكَرُوا غالباً تعريفَ كُلِّ ما أُخِذَ في المسألة من
 الأمور النظرية عند التعرُّض لها، وإنّما نحتاجُ إلى التحديد في ما لو أخذ في المسألة من الأمور غير الواضحة، ولم يعرّفوها أو عرّفوها، ولكن لم تَحْصَلْ القناعة بصحة تعريفهم فذِكْرُ التَّحديد في صَدْرِ الكُتُبِ إنّما يَنْفَعُ في مثل ذلك، هذا.

ولكنَّ بعض الفقهاء اكتفوا في مقام التعريف بالترجمة والتفسير اللفظي، وإنّه هو الذي يحتاج إليه في قراءة العلوم المدوّنة والكتب المقرّرة، وإنّ جميع تعاريف العلوم كذلك، فلا يَحتاجُ إتعابُ النَّفْسِ بما ذكر، فالتعريف اللفظي هو الذي يستخدم في العلوم.

دعوى صاحب الكفاية أنّ التعاريف لفظية والردّ عليه

وقد استراحَ صاحُب الكفاية رحمه الله  وغيره فلم يُتْعِبْ نفسَهُ في التعاريف، وادّعى إنّها لفظية(1).

ولكنّ ذلك لا وجه له، فإنّ التعاريف في العلوم لو كان المقصود بها ذلك لما أوْرَدَ بعضُهم على بعضٍ بعَدَمِ الاطّراد، وبعَدَمِ الانعكاسِ، والعُدول إلى تعريف آخر، وأمّا في علمِ الفقه، فالحاجَةُ إلى التّعريف واضحةٌ؛ لأنَّ موضوعاتِ مسائله يَلْزَمُ تشخيصُها ليعرف سَعَةَ أحكامها وضيقها، ولذا ترى الفقهاء أتْعَبُوا أنفسهم في تعريفِ الغِناء ونحوه، وقد استثنى الفقهاء والنحويون ونحوهم عن ذكر كيفية التعريف للموضوعات مسائل الفقه ومحمولاته بتعريفهم لها في كلِّ مسألةٍ من مسائله.

النحو الرابع من أنحاء التعليم (البرهان وهو الطريق إلـى الوقوف على الحق في علم الفقه)

النّحو الرابع من أنحاء التعليم: هو البُرهان، ويعنون به بيانُ كيفيّة الطّريق إلى الوقوفِ على الحقّ في مسائلِ العِلْمِ، وذلك بأنْ يؤخذ دليلُها مع ملاحَظَةِ شرائط الصحّة فيه من الضّروريات الستّ: الأوليات، والمشاهدات، والفطريات، والحدسيات، والمتواترات، والتجريبات، أو ما يحصل منها بقياسٍ صحيح، ولا يعتمد في معرفة مسائل العلم بأخذ المشهورات والمسلّمات أو المشتبهات في دليلها، فإنّه طالما وقع العلماء في الخطأ بواسطة عدم تفحُّصِهِم عن الضّروريات وحُسنِ ظنهم بالمسموعات.

كيفية الوصول إلـى الحق في العقليات

فمَنْ أرادَ الوصولَ إلى الحقّ أنْ يُخلي نفسه عن ذلك، ويجرّد نفسه عن التعصُّب وحبّ الغَلَبَة، ليَحْظَى بنعيمِ اليقين ويظفر بالحق المبين، هذا في العلوم العقلية.

كيفية الوصول إلـى الحق في النقليات

وأمّا العلومُ النقلية، كالفقه والنحو، فللظفر بالواقع والوصول إلى الحقّ فيه عليه أنْ يعتمد على الأدلّة النقلية الصحيحة، ويبالِغُ في الفَحْصِ عن الحقيقة، ويُصفّي نفسَهُ عن شوائب الأوهام، ويحيطُ بالأدلّة المرتبطة بالمقام، بعد أنْ يُحْرِزَ في نفسه القدرة الكافية والملكة الوافية لا سيّما في العلوم الشرعية، فإنّه لا بُدَّ من التمسُّكِ في معرفتها بالسَّبَبِ الأقوى، والعُروَةِ الوثقى، حتَّى يكونَ حُكْمُهُ هو الواقع والأحرى.

التوسُّلُ بالله في انكشاف الواقع

وعليه التوسُّلُ باللهِ والدُّعاء من اللهِ لانكشافِ الواقع له، فإنّه  عجل الله فرجه الشريف  أفضل مَنْ دُعي وأحْسَنَ مَنْ أجابَ، وطالما عَسُرَتْ عَليّ بعضُ الموضوعاتِ فكُنْتُ آخذ الكتاب وأذْهَبُ للحَرَم المقدَّس مُستجيراً بمولايَ أميرِ المؤمنين  عليه السلام  لفهم المسألة وحلِّ مُشكلها، فأظفُر بما أريد، وللهِ الحَمْدُ والشُّكْر.

 

المطلب الحادي عشر

بيانُُ شرف العلم عموماً، وفضيلته كُلّيّةً،
وبيانُ شرف علم الفقه بالخصوص

من الأمور التي تذكر قبل الشروع في العلم بيانُ شرفه، وجلالة قدره، وعظيم منزلته، وعلوّ درجته، ورفعة مقامه؛ ليعرف قدره ويطّلع على فضيلته ويوفّى حقه من الجد في تحصيله والاعتناء باكتسابه والرغبة في اقتنائه.

وقد عرفت أنَّ أشرفية العلم إنّما تكونُ بموضوعه أو بمعلوماته أو بغاياته وفوائده أو بواضعه.

وقبل الخوض في ذلك نذكر ما يَدُلُّ على شرف العلم في حَدِّ ذاته.

 

ما يدلُّ على شرف العلم في حدّ ذاته

فنقولُ: إنّ فضيلة العلم وعلوّ منزلته أمرٌ لا يقبل الشكّ والريب، غير أنّا نذكر على سبيل التنبيه ما يدلُّ عليه من جهةِ العقل والنقل، كتاباً وسنّة، مقتصرين في ذلك على ما يَحْصَلُ بهِ الغَرَضُ المقصود، فإنَّ استيفاء المقام لا تفي بحقِّهِ الأبحر والأقلام، فنقولُ: قد استدلوا عقلاً على ذلك.

الدليلُ العقليّ على شَرَفِ العلم

أوّلاً: إنّ المعقولات تنقسم إلى: جامدة ونامية، ولا ريب أنّ النامي أشرف، ثمّ النامي إلى: حَسّاس وغيره، ولاشكّ أنّ الحسّاس أشرف، ثمّ الحسّاس ينقسم إلى: عاقل وغير عاقل، ولا ريب أنّ العاقل أشرف، ثمّ العاقلُ ينقسم إلى: عالم وجاهل، ولا شَكَّ أنّ العالم أشرف، فالعالم أشرف المعقولات.

وثانياً: ما نُقِل عن بعض المحققين: (إنَّ الأمور على أربعةِ أقسامٍ: قِسْمٌ يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة، وقسمٌ ترضاه الشهوة ولا يرضاه العقل، وقسمٌ يرضاه العقل والشهوة معاً، وقسم لا يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة.

أما الأول: فهو بعضُ الأمراض والمكاره التي تنفع في الدنيا، وأمّا الثاني: فهو المعاصي أجمع، وأمّا الثالث: فهو العلم، وأما الرّابُع: فهو الجهل)(1)، ولا ريبَ أنَّ ما يرضاه العقل والشهوة هو أفضل من غيره.

وثالثاً: ابتهاجُ النفس به وفرحها به وحُبّ استطلاعها لما جهلته تفحُّصاً عمّا فقدته، فهي طالبةٌ له بصَرْفِ طباعها وناشِدةٌ له بجوهر ذاتها.

دلالةُ الكتاب على شرف العلم

وأمّا دِلاَلةُ الكتاب على ذلك فهي آياتٌ بيّناتٌ، ونكتفي منها بما في
المعالم.

الأولى: قوله تعالى في سورة العلق، وهي أوّلُ ما أنزل على نبيّنا  صلى الله عليه واله وسلم  في قول أكثر المفسرين: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 6 خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ6 اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ6 الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ6 عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]([379])، حيثُ افتتح كلامَه المجيد بذكر نعمة الإيجاد وأتبعه بذكر نعمة العلم، فلو كانَ بَعْدَ نِعْمَةِ الإيجاد نعمةٌ أعلى من العلم لكانت أجدر بالذكر.([380])

وقد قيل في وجهِ التناسُبِ بين الآي المذكورة في صدر هذه السّورة المشتمل بعضُها على خلقِ الإنسان من عَلَق، وبعضُها على تعليم ما لم يعلم أنّه
 تعالى ذكر أوّل حال الإنسان - أعني: كونه علقةً، وهي بمكان من الخساسة- وآخر حالةٍ وهي صيرورته عالماً، وذلك كمالُ الرّفعة والجلال، فكأنه
سبحانه قال: كنتَ في أوّلِ أمركَ في تلك المنزلة الدّنية الخسيسة، ثمّ صرتَ في آخره إلى هذه الدّرجة الشريفة النفيسة. وفي مُنية المريد إنّ هذا (إنّما يتمّ لو
 كان العلم أشرف المراتب؛ إذ لو كان غيره أشرف منه لكان ذكر ذلك الشيء في هذا المقام أولى وأجدر)([381]).

الثانية: قوله تعالى في سورة الطلاق: [اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِن الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا]([382])، فإنّه سبحانه جَعَلَ العِلْمَ عِلّةً لخلقِ العالم العلوي والسفلي طُراً، وكفى بذلك جلالة وفخراً.

الثالثة: قوله سبحانه في سورة البقرة: [وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتيَ خَيْرًا كَثِيرًا]([383]) فُسِّرَت الحكمة بما يرجع إلى العلم.

أقول: وقد فُسِّرتْ بالفهم والعقل، كما فُسِّرَتْ بذلك في الرّواية في قوله تعالى: [وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ]([384])، وقد فُسِّرَت بالقرآنِ والفقه كما هو المروي عن أبي عبد الله  عليه السلام .

الرابعة: قوله تعالى في سورة الزمر: [هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]([385]).

الخامسة: قوله تعالى في سورة فاطر: [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]([386])، أقول: وعن مجمع البيان (عن الصادق  عليه السلام  إنّه قال: يعني بالعلماء من صَدَّقَ قولَه فعلُه، ومَنْ لم يصدّق فعلُه قولَه فليس بعالم)([387]).

السادسة: قوله تعالى في سورة المجادلة: [يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا
الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ]([388]).

دلالة السنة على شرف العلم

وأمّا السنة فهي في ذلك كثيرة لا تكاد تحصى.

منها: الحسن أو الموثّق الذي لا يقتصر عن الصحيح في الكافي([389])، وعن أمالي الصّدوق([390])، وعن ثواب الأعمال([391])، وفي بصائر الدرجات([392]):

عن أبي عبد الله  عليه السلام  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم : (من سَلَكَ طريقاً يَطْلُبُ فيه عِلْماً سَلَكَ اللهُ بهِ طريقاً إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتَضَعُ أجنحتها لطالب العلم رضىً به، وإنّه ليستغفر لطالب العلم من في السموات والأرض حتّى الحوتُ في البحر، وفَضْلُ العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهما ولكن وَرَّثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر).

وقد روى هذا الحديثَ الشهيدُ الثاني رحمه الله  في المنية عن كُثير بن قيس قال كُثير بن قيس: (كنتُ جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فأتاه رجلٌ فقال: يا أبا الدرداء إنّي أتيتك من المدينة مدينة الرسول  صلى الله عليه واله وسلم  لحديثٍ بلغني عنك أنّكَ تحدّثُه عن رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  قال: فما جاء بك تجارة؟ قال: لا، فقال: ولا جاء بك غيره؟ قال: لا، ثمّ قال: سمعتُ رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  يقول: مَنْ سلك طريقاً)([393]) الحديث، ثمّ إنّ الشهيد رحمه الله  بعد أنْ ذَكَرَ الحديثَ المذكور قال:

(وأسندَ بعضُ العلماء إلى أبي يحيى بن زكريا بن يحيى الساجي([394]) أنّه قال: كنّا نمشي في أزقّة البصرة إلى بابِ بعض المحدّثين فأسرعنا في المشي وكان معنا رَجُلٌ ماجن فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة كالمستهزئ، فما زال عن مكانه حتى جفَّتْ رجلاه)([395]).

(وأسند أيضاً إلى أبي داود السجستاني([396]) أنّه قال: كان في أصحاب الحديث رجلٌ خليع إلى أنْ سمع بحديث النبي  صلى الله عليه واله وسلم  أنّ الملائكة لتضعُ أجنحتها لطالب العلم فَجَعَلَ في رجليه مسمارين من حديد وقال: أريدُ أنْ أطأ أجنحة الملائكة، فأصابته الآكلة في رجليه، وذَكَرَ أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل التميمي هذه الحكاية في شرح مسلم وقال: فشُلَّتْ رجلاه وسائر أعضائه)([397]).

ومنها: ما في أمالي الصدوق: (عن الأصبغ بن نباته قال: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب  عليه السلام : تعلّموا العلم فإنّ تعلّمَهُ حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلم صدقة، وهو عند الله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، وسالكٌ بطالبيه سبيل الجنة، وهو أنيسٌ في الوحشة وصاحِبٌ في الوحدة وسلاح على الأعداء وزَيْنُ الأخِلاّء، يرفع اللهُ به أقواماً يجعلهم في الخير أئمّة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم وتقتبس آثارهم وترغب الملائكة في خلّتهم، يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم؛ لأنّ العلم حياةُ القلوب من الجهل، ونور الابصار من العمى، وقوة الأبدان من الضعف، ينزل الله حامله منازل الأبرار، ويمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا والآخرة، بالعلم يطاع الله ويعبد، وبالعلم يعرف الله ويوحّد، وبالعلم توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل، والعقل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الاشقياء)([398]).

وروي عن الخصال إلا أنّ فيه مكان (عند الله لأهله) (بذله لأهله)([399]).

وفي أمالي الشيخ عن الرضا  عليه السلام  ما يقرب منه([400]).

ومنها: ما في الكافي([401]) وبصائر الدرجات([402]) عن أبي عبد الله  عليه السلام  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  (طَلَبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مُسْلِمٍ ومُسْلِمةٍ، ألا إنّ اللهَ يُحِبُّ بُغَاةَ العلم).

أقول: لقد تواتَرَ عن طُرُقِ الخاصَّةِ والعامّة قولُ رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم : (طَلَبُ العلم فريضة على كُلِّ مسلمٍ ومسلمة)([403]).

والبُغاةُ جمع: بَاغٍ، أي: طالب.

ما استدل به على نفي التكليف بالفروع للكفار

وقد يستدلُّ بهذا الحديث على نفي التكليف بالفروع للكفار، وإلاّ لكانَ طَلَبُ العلم فريضةٌ عليهم ولا يختصُّ بالمسلم والمسلمة.

وجوابه: إنّ هذا يتمّ لو قلنا بأنّ للّقب مفهوماً بأنْ يدلّ على الانتفاء عند الانتفاء.

هذا وبعضُهم فَسَّرَ العلم بعلمِ الحال، أي: العلم المحتاج إليه في الحال، ولعلّه نزّله على ما قيل: أفضلُ العلم علمُ الحال، وأفْضَلُ العَمَل حِفظُ المال، وعليه فتكون (أل) للعهد الحضوري، ولعلّه إليه يرجع تفسير الشهيد الثاني رحمه الله  بالعلم الذي هو فرض عين.

ومنها: ما في الكافي عن أمير المؤمنين  عليه السلام  أنه يقول: (أيّها الناس اعلموا أنّ كمالُ الدّينِ طَلَبُ العلم، والعمل به، ألا وإنَّ طَلَبَ العلمِ أوجبُ عليكُم من طلب المال، إنّ المال مقسومٌ مضمونٌ لكم قد قسَّمَهُ عادِلٌ بينكم وضَمِنه، سيبقي لكم، والعلم مخزون عند أهله، وقد أمِرتم بطلبه من أهله فاطلبوه)([404]).

ومنها: ما في الكافي عن عليِّ بن الحسين  عليه السلام  قال: (لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج، إنّ اللهَ تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال إنّ أمْقَتَ عبيدي إليّ الجاهلُ المستَخِفُّ بحقِّ أهلِ العلم، التّارك للاقتداء بهم، وإنّ أحَبَّ عبيدي إليّ التقيّ الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء التابع للحكماء القابل من الحكماء)([405]).

أقول: هذا ودانيال  عليه السلام  هو صاحب الاستخارة المنقولة عن خط الشهيد رحمه الله  في كشكول البهائي وغيره، وقد جربتها ووجدت فيها الصحة عند إخلاص النية، فقد روي عنه أنّه قال: (إذا أرادَ أحدٌ أنْ يعلم حاجته تُقضى أم لا فليُضْمِرْ حاجته وليقبض على شيءٍ من الحَبّ، ويأخذ ثمان ثمان، فإنْ بقي في يده واحدة، فالحاجة مقضية، وإنْ بقي اثنان فغير مقضية، وإنْ بقي ثلاثة فغير مقضية، وإنْ بقي أربع فغير مقضية، وإنْ بقي خمسٌ تقضى سريعاً، وإنْ بقي ستٌ تقضى، وإنْ بقي سبعٌ تقضى حسناً، وإنْ بقي ثمان فلا تتعرض لها بوجه).

ومنها: ما في الكافي في الصحيح عن أبي جعفر  عليه السلام  قال: (عالِمٌ يُنْتَفَعُ بعِلْمِهِ أفْضَلُ من سبعين ألفَ عابد)([406]).

ومنها: ما في مَنْ لا يَحْضُره الفقيه بسنده إلى أبي عبد الله  عليه السلام  قال: (إذا كان يوم القيامة جمع اللهُ  عجل الله فرجه الشريف  الناس في صعيدٍ واحد ووُضِعَتْ الموازين، فتُوزَنُ دماءُ الشُّهداء مع مِداد العُلماء فيرجحُ مِداد العلماء على دِماءِ الشهداء)([407]).

ومنها: ما عن تفسير عليّ بن إبراهيم([408]) قال النبي  صلى الله عليه واله وسلم : إذا مات المؤمن انقطَعَ عملُهُ إلاّ من ثلاثٍ صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)، وقد روى بهذا المعنى عن النبي  صلى الله عليه واله وسلم  بطرق ثلاثة ابنُ عبد البر.

ومنها: ما في الكافي: (عن معاوية بن عمّار([409]) قال: قلتُ لأبي عبد الله  عليه السلام  رَجُلٌ راوية لحديثكم يَبُثُّ ذلك في الناس ويُشدِّدُه في قلوبهم وقلوبِ شيعتكم، ولعلّ عابداً من شيعَتِكُمْ لَيْسَتْ له هذِهِ الرّواية، أيُّهُما أفضل؟ قال: الرواي لحديثنا يشدّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد)([410]).

ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين  عليه السلام : (إنّما مثل العالم كمثل النخلة تنتظرها حتّى يسقط منها عليك شيءٌ، والعالم أعظم أجراً من الصّائم القائم الغازي في سبيل الله، وإذا ماتَ العالِمُ ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيءٌ إلى يوم القيامة)([411]).

ومنها: ما في نهج البلاغة ورواه الصدوق رحمه الله  بسنده إلى كميل بن زياد النخعي([412])- قال ابنُ عبد البر الأندلسي المتوفى سنة (463هـ) وهو حديث مشهور عند أهل العلم يستغني عن الاسناد لشهرته عندهم([413])- قال: كنت مع أمير المؤمنين  عليه السلام  في مسجد الكوفة وقد صلّينا العشاء الآخرة فأخَذَ بيدي حتّى خرجنا من المسجد فمَشَى حتّى خَرَجَ إلى ظَهْرِ الكُوفة لا يُكلّمني بكلمة فلمّا أصْحَرَ تنفَّسَ الصَّعَداء ثم قال: يا كميل إنّ هذه القلوب أوعيةٌ فخيرها أوعاها، إحفظ عنّي ما أقول لك:

الناسُ ثلاثة: عالمٌ رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلونَ مع كلِّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، يا كميل العلمُ خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الانفاق، وصنيع المال يزول بزواله، يا كميل محبّة العلم دينٌ يُدانُ الله به، به يكتسب الإنسان الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، يا كميل هلك خُزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانُهُم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة، ها إنَّ ههنا (وأشار بيده إلى صدره  عليه السلام ) لَعِلْماً جَمَّاً لو أصَبْتُ له حَمَلَة، بلى أصبت له لَقِناً غيرَ مأمونٍ عليه، يستعمل الدِّين آلةً في الدُّنيا، ويستظهرُ بحججِ اللهِ على خلقه، وبنعمته على عباده، أو منقاداً لحَمَلَةِ الحقّ لا بصيرة له في أحنائه، ينقدحُ الشكُّ في قلبه بأوّلِ عارضٍ من شبهةٍ، ألا لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً باللّذات سلس القيادة للشّهواتِ، أو مُغْرَماً بالجَمْعِ والادّخار ليسا من رُعاةِ الدّين في شيءٍ، أقرب شبهاً بالأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه)([414]) الحديث.

ومما ينسب لأمير المؤمنين  عليه السلام :

ما الفَضْلُ إلاّ لأهلِ العِلم إنّهُمُ
 

 

على الهُدى لمن استهدى أدلاّءُ([415])
 

 

ومما يُنْسَبُ له أيضاً:

رضينا قسمة الجبّار فينا
 

 

لنا علمٌ وللأعداء مالُ
 

فإنّ المالَ بالإنفاق يفنى
 

 

وإنّ العلمَ باقٍٍ لا يَزال([416])
 

 

ومما يَدُلُّ على شَرَفِ العِلْمِ قوله  عليه السلام : (قيمةُ كُلّ أمرئٍ ما يُحْسِِنُهُ)([417]).

قال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين عند ذكر هذه الكلمة: (لو لم نقف من هذا الكتاب إلاّ على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية ومجزئة مغنية، بل الله لوجدناها فاضلة عن الكفاية وغير مقصرة عن الغاية)([418]).

وقد أَخَذَ هذه الكلمةَ الخليلُ فنظمها شعراً فقال:

(لا يكونُ العَليُّ مثلُ الدَّني
 

 

لا ولا ذو الذَّكاء مثلُ الغَبيّ
 

قيمةُ الَمرْءِ قَدْرُ ما يُحْسِنُ المر
 

 

ءُ قضاءً من الإمام عليّ)([419])
 

 

وفي مدارك النهج لجدّي الهادي  قدس سره ([420]) ناسباً له لبعض الشعراء نقلاً عن السدّي:

قولُ عليّ بن أبي طالب
 

 

وهو الإمامُ العالمُ الُمتْقِنُ
 

كلُّ امرئٍ قيمَتُهُ عندنا
 

 

وعندَ أهلِ الفَضْلِ ما يُحْسِنُ
 

 

وفي كشكول جَدّي الهادي  قدس سره  عن الحدائق الوردية([421]).

وروي عن الجاحظ أنّه قال: نظرتُ في ألفِ كتابٍ وما سمعت كلمة إلاّ أتيتُ بنظائرها في كتبي إلاّ تسع كلماتٍ لأمير المؤمنين  عليه السلام ، ثلاث في المناجاة وثلاثٌ في الحكمة وثلاثٌ في الأدب، فأمّا التي في المناجاة فهي: (إلهي كفى لي فخراً أنْ تكون لي ربّاً وكفى لي عزّاً أنْ أكون لك عبداً، إلهي أنتَ كما أحِبُّ فاجعلني كما تُحِبّ). وأمّا التي في الحكمة فقوله: (استغن عمّن شئتَ تكُنْ نظيرُهُ، وارغب إلى من شئتَ تَكُنْ أسيرُه، وتفضَّلْ على مَنْ شِئتَ تَكُنْ أميره). وأمّا التي في الأدب فقوله: (قيمَةُ المرءِ ما يُحْسِنُهُ، والمرءُ مَخْبوءٌ تَحْتَ لسانه، وما هَلَكَ امرءٌ عَرَفَ قَدْرَه)([422]). وفي رواية أخرى: مخبوء تحت لسانه لا طيلسانه.

وروى العلاّمة الحلّي في تحريره عن رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  إنّه قال: (الأنبياءُ قادة والعلماء سادة ومجالستهم عبادة، وقال: النظرُ في وجه العالم عبادة، وقال: اللهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي، يروون حديثي وسُنَّتي، ومن أكرم فقيهاً مُسلماً لقيَ اللهَ يومَ القيامَةِ وهو عنه راضٍ)([423]).

شرف علم الفقه

ما تقدَّمَ كانَ بشَرَفِ العلم بنحو العُموم، وأمّا شَرَفُ علم الفقه بالخصوص فقد عَرَفْتَ فيما سَبَقَ في بيانِ أقسامِ السَّبقِ، وفي بيانِ مُوجِباتِ تقدُّمِ العُلوم بعضُها على بعضٍ أنَّ التقدُّمَ بالشَّرَفِ للعلوم، إنّما يكونُ بأشرفيّةِ مَوضُوعاتها أو معلوماتها أو غاياتها وفوائدها أو بواضعها ومدوّنها.

وقد شاعَ بينَ الفُقهاء قبل الشروع في العِلمْ بيانُ شَرَفِهِ وعلوّ منزلته؛
ليعرف قدره فيوفّى حقُّه من الجدّ في تحصيلِهِ والرّغبة في اقتنائه، ولارَيْبَ أنّ
علمَ الفِقْهِ بَعْدَ علم الكلام أشرف العلوم من جهة معلوماته؛ لأنّها أحكامُ
الله تعالى لعباده، وإرادته  عجل الله فرجه الشريف  من خلقه، وشرفه من جهة غايته، وفوائده وهي تنظيم الحياة البشرية وكمال الإنسانية، والفوز بالسعادتين ونيل خير النشأتين، ومن جهة الواضع له فإنَّ الواضع له هو أمير المؤمنين  عليه السلام  كما سيجيء إنْ شاء الله.

نَعَمْ علمُ الكلام يفوقُ علم الفقه بموضوعه إذا قلنا بأنّ موضوع علم الكلام هو ذاتُ اللهِ تعالى؛ لأنّه يبحث فيه عن صِفاتهِ الثّبوتية والسلبية، وإنْ كان في علم الكلام قد أفتى الكثير بحرمته وأظْهَرَ الكثيرُ من السَّلَفِ كراهته.

وكيفَ كان فيَكْفِي دليلاً على شَرَفِ علمِ الفِقْهِ وعظيمِ منزلته أخبارٌ
كثيرة.

منها: ما رواه في الكافي بسنده إلى أبي الحَسَنْ موسى  عليه السلام  قال:
 (دخل رسول الله  صلى الله عليه واله وسلم  المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجُلٍ فقال: من هذا؟ فقيل: علاّمة، فقال: وما العلامة؟ فقالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية والأشعار العربية، قال: فقال النبي  صلى الله عليه واله وسلم : ذاك عِلمٌ لا يضرُّ مَن جهله ولا ينفع من علمه، ثم قال النبي  صلى الله عليه واله وسلم : إنّما العلم ثلاثة: آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة، وما خَلاَهُنَّ فهو فَضْلٌ)([424]).

قال في الوافي: كأنّ (الآية المحكمة) إشارة إلى أصول العقائد، فإنّ براهينها الآياتُ المحكمات من العالم أو من القرآن، وفي القرآن في غير موضع [إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً] أو [لآيَةً] حيث يذكر دلائل المبدأ والمعاد، و(الفريضَةُ العادلة) إشَارَة إلى علومِ الأخلاق التّي محاسِنُها من جنودِ العقل ومساوئها من جنود الجهل، فإنّ التحلّي بالأول والتخلي عن الثاني فريضة، وعدالتها كنايةٌ عن توسّطها بين طرفي الافراط والتفريط، و(السنّة القائمة) إشارة إلى شرائع الأحكام ومسائل الحلال والحرام. وانحصارُ العلومُ الدينيّة في هذه الأمور الثلاثة معلومٌ، وهي التي جَمَعَها هذا الكتاب، وهي منطبقة على النشآت الثلاث للإنسانية، فالأولى على عقله، والثانية على نفسه، والثالثة على بدنه، بل على العوالم الثلاثة الوجودية التي هي عالم العقل والخيال والحسّ، وما عدا ذلك فهو فضل زائد لا حاجة إليه، أو فضيلة ولكنّها ليست بتلك المرتبة([425]).

وعن السيّد الداماد([426]): عِلْمُ (الآيةِ المحكمة) هو العلمُ النَّظريّ الذي فيه المعرفة بالله سبحانه وبحقائق مخلوقاته ومصنوعاته وبأنبيائه ورسله وبحقيقة الأمر في البدء منه والعود إليه، وهذا هو الفقه الأكبر، وعلم (الفريضة العادلة) هو العلم الشرعيّ الذي فيه المعرفة بالشرائع والسُّنَن والقواعد والأحكام من الحلال والحرام، وهذا هو الفقه الأصغر، وعلمُ (السنّة القائمة) هو علمُ تهذيب الأخلاق وتكميل الآداب بالسَّفَر من اللهِ والسَّيرِ إليه وتعرُّف المنازل والمقامات والتبصرة بما فيها من الملهمات والمنجيات.

 وقال شارح المعالم ملا صالح رحمه الله ([427]): كأنّ الأول إشارة إلى العلم بالكتاب، والأخير إلى العلم بالأحاديث، والوسط وهو (فريضة عادلة) أي: مستقيمة إلى العلم بكيفية العمل بالأحكام، والمراد باستقامتها اشتمالُها على جميعِ الأمور المعتبرة شرعاً في تحقُّقِها.

منها: ما في الكافي بسنده عن سُفيان قال: سمعتُ أبا عبد الله  عليه السلام  يقول: (وجدتُ علم الناس كُلّه في أربعٍ، أوّلها: أنْ تعرف ربّك، والثاني: أنْ تعرف ما صنع بك، والثالث: أنْ تعرف ما أراد منك، والرابع: أنْ تعرف ما يُخْرِجُكَ عن دينك)([428]).

والمرادُ بالأوّل هو معرِفَةُ ذات الله وصفاته وأفعاله، والمراد بالثاني هو معرفة ما أنعم به عليك من نعمه الظاهرة والباطنة، والمراد بالثالث الواجبات والمستحبّات، والمرادُ بالرّابع هو المحرّمات والمكروهات.

منها: ما في الكافي بسَنَدِهِ إلى أبي عبد الله  عليه السلام : (الكَمَالُ كُلُّ الكَمَالِ التفقُّهُ في الدّين، والصَّبْرُ على النائبة، وتقدير المعيشة)([429]).

ما يورد على الاستدلال بهذه الرواية

وقد يُورَدُ على الاستدلال بهذه الرواية ونظيرها مما اشتمل على لفظ
 الفقه والفقيه: بأنّ المراد بالفقه فيها ليس هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية؛ لأنه معنىً مستحدث، ولا المراد به الفهم، بل المراد به
كما عن الشيخ البهائي([430]) هو البصيرةُ في الدّين، والفقيه هو صاحِبُ هذه البصيرة، وإليها أشار النبي  صلى الله عليه واله وسلم  بقوله: (لا يَفْقَهُ العَبْدُ كُلَّ الفِقْهِ حتّى يَمْقُتَ النّاسَ في ذاتِ اللهِ، ويرى للقرآن وجوهاً كثيرة، ثمّ يقبل على نفسه فيكون لها أشدَّ مقتاً)([431])، وإليه أشار الإمامُ الرضا  عليه السلام  بقوله: (إنّ من علامات الفقيه الحِلْمُ والصَّمْت)([432]).

وجوابه: إنّه ليس غَرَضُنا أنّ الأخبار يُرَادُ بها المعنى الاصطلاحي للفقه، كما نسب لبعض المحدّثين، وإنّما غَرَضُنا أنّها تدلّ على شَرَفّيةِ الفقه، باعتبار أنّ لفظ الفقه فيها يشمل علم الفقه، فإنّ البصيرة في الدّين تشمل العقائد الدينية ومعرفة الأحكام الشرعية عن تقليدٍ أو عن أدلّةٍ تفصيلية، فالاستدلالُ بها ولو باعتبار عمومها لعلم الفقه عموماً قريباً.

منها: ما في الكافي بسنده عن أبي عبد الله  عليه السلام : (إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيراً، فَقَّهَهُ في الدّين)([433]).

منها: ما في مَنْ لا يَحْضَرُهُ الفقيه والمرويّ في الكافي بطريقينِ أَحْدُهُما موثَّقٌ والآخرُ صَحيحٌ بسَنَدِهِ إلى أبي عبد الله  عليه السلام : (ما من أحدٍ يَموتُ من المؤمنين أحبّ إلى إبليس من موتِ فقيهٍ)([434]).

منها: الحَسَنُ في الكافي بسنده إلى أبي عبد الله  عليه السلام : (إذا مَاتَ المؤمنُ الفقيه ثُلِمَ الإسلامُ ثَلْمَةً لا يسدُّها شيء)([435]).

وما رواه في الكافي بسنده عن أبي الحسن موسى بن جعفر  عليه السلام : (إذا مات المؤمن الفقيه بَكَتُ عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبدُ اللهَ عليها وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله وثلم الإسلامُ ثلمةً لا يسدُّها شيءٌ لأنّ المؤمنين الفقهاء حُصُونِ الإسلام كحُصُونِ سُور المدينة)([436]).

منها: ما عن الكافي بسنده عن أبي عبد الله  عليه السلام : (تفقَّهوا في الدّين فإنّه مَنْ لم يتفَقَّهُ في الدّين فهو أعرابيٌ، إنّ الله تعالى يقول في كتابه: [لِيَتفَقَّهوا في الدِّين وليُنْذِروا قَوْمَهُم إذا رَجَعُوا إليهِم لَعلَّهُم يحَذرُون]([437]))([438]).

معنى الاعرابي

وأرادَ  عليه السلام  بالأعرابيّ، هو النسبة إلى الأعراب الذين نعتَهُم اللهُ تعالى في كتابه المجيد: [الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ]([439])، والأعراب صيغة جمع، وليس له مفرد، ولذا نُسِبَ إليه، وليس بجمعٍ للعَرَب؛ لأنّه بينهما عموم من وجه؛ لصدق الأعراب على سكّان البادية دون المدن وإنْ لم يكونوا من العرب، ولذا يقال: رَجُلٌ أعرابيٌّ لساكن البادية وإنْ لم يكن عربيا.

والعَرَبُ مَنْ كان لُغَتُهُ لغة العرب وإنْ سَكَنَ المدن، ولذا يقال: رَجُلٌ عَرَبيّ، وإنْ لم يَسكُنْ البادية، ولا يقال له (أعرابي)، وهذا نظيرُ عجم وأعجم، فإنّه يقال: رجل أعْجَمُ وأعجميّ على مَنْ كان في لسانه لكنة، وإنْ كان من العرب، ولا يقال له أعجميّ، ويقال: رجل عَجَميّ، لمن ليس لغته عربية، وإنْ كان فصيحاً في لغته، ولا يقال له (أعجمي)، وبهذا تعرف فساد من خصَّ لَفْظَ (الأعرابِ) بالعَرَبْ.

الفقيه حقاً

منها: ما في الكافي بسنده عن أبي عبد الله  عليه السلام  قال: قال أمير المؤمنين  عليه السلام : ألا أُخبرُكُم بالفقيه حقّ الفقيه؟ مَنْ لَمْ يُقَنِّط النّاسَ من رَحْمَةِ الله، ولم يؤمنهم من عذاب اللهِ، ولم يُرخّص لَهُمْ في معاصي اللهِ، ولم يترك القرآن رغبةً عنه إلى غيره، ألا لا خيرَ في عِلْمٍ ليس فيه تفهّم، ألا لا خير في قراءةٍ ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادةٍ لا فِقْهَ فيها، ألا لا خيرَ في نُسُكٍ لا وَرَعَ فيه)([440]).

ويؤكّدُ هذا الحديثَ قولُه تعالى: [يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ]([441]).

وقوله تعالى: [لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ]([442]).

وقوله تعالى: [أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ]([443]).

وَصية الأمير  عليه السلام  لابنه محمد 

وعن الخصال: (قال أمير المؤمنين  عليه السلام  في وصيّته لابنهِ محمَّد بن الحنفية: إعلمْ أنّ مروّة المرء المسلم مروّتان، مروّة في حضر، ومروّة في سفر، أمّا مروّة الحضر فقراءَةُ القرآن ومجالسة العلماء والنظر في الفقه والمحافظة على الصلاة في الجماعات، وأما مروّة السفر فبذلُ الزاد وقلّةُ الخِلاف على من صَحِبَكَ وكثرَةُ ذكرِ اللهِ  عجل الله فرجه الشريف  في كلّ مصعد ومهبط ونزول وقيام وقعود)([444]).

وعن عوالي اللآلي: (قال رَسولُ الله  صلى الله عليه واله وسلم : لكلِّ شيءٍ عِمادٌ وعِمادُ هذا الدّين الفقه)([445]).

العلومُ أربعة

وعن الجواهر للكراجكي([446]) إنّ أمير المؤمنين  عليه السلام  قال: (العلومُ أربعة: الفقه للأديان، والطب للأبدان، والنحو للسان، والنجوم لمعرفة الأزمان)([447]).

العلماء بعد الغيبة

وعن تفسير الإمام  عليه السلام ([448]) والاحتجاج([449]) بالإسناد عن أبي محمّد  عليه السلام  قال: قال علي بن محمد  عليه السلام : (لولا مَنْ يَبْقى بَعْدَ غيبة قائمنا من العُلَمَاءِ الدّاعين إليه والدالّين عليه، والذّابّين عن دينِهِ بُحجَجِ اللهِ تعالى، والمنقذين لِضُعَفاءِ عبادِ اللهِ من شِباك إبليس ومَرَدَتِهِ ومِنْ فِخاخ النواصِبِ، لما بَقيَ أحدٌ إلاّ ارتدّ عن دِينِ الله تعالى، ولكنّهم الذين يمسكون أزمّة قلوبِ ضُعفاءِ الشّيعة كما يُمْسِكُ صاحِبُ السّفينة سكّانها، أولئك الأفضلون عند الله  عجل الله فرجه الشريف ).

 

المطلب الثاني عشر

في أنواع الكتب الفقهيّة

إنّ الكتب التي دُوِّنت منسوبةً للفقه ولو بأدنى مناسبة - فإنّ النسبة تصحّ بأدنى مناسبة - بحسب الاستقراء أنواع متفاوتة وأقسام مختلفة، قسمٌ منها يشتمل على الأخبار الدالّة على الأحكام الشرعيّة فقط، كالكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والاستبصار، عند الشيعة الاثني عشرية، وككتب الصّحاح عند أهل السنة، وهذا القسم يسمّى بكتب الأخبار والأحاديث، وهو كان موضع العناية الشديدة لعلماء الدّين على اختلاف طبقاتهم ونزعاتهم، باعتبار أنّ هذا القسم يشتمل على أغلب الأحكام الفقهية، وهو بعد القرآن الشريف أهمُّ منهلٍ عَذْبٍ يُستَقَى منه المعارف الدينية.

المساند

ويسمّى ما كانَ منها مرتّباً أحاديثُه على أسماءِ الصَّحابة بالمسند، كمُسْنَد أحمد، فإنّه يَجْمَعُ كُلّ ما رواه الصَّحابي من الأحاديث على حِدَة، كأحاديث ابن عبّاس وغيره.

السنن والمصنفات

وما كانَ منها مرتّباً على أبوابِ الفقه يسمّى بالسنن والمصنّفات يُلْحَقُ ببعض الأبواب، منها باب يسمّى بالنوادر، ويعنون بالحديث النّادر في الاصطلاح على ما ذكره مجمع البحرين هو ما ليسَ له أخٌ، أو يكون لكنّه قليلٌ جداً، ويسلم من المعارض، ولا كلامَ في صِحّتِهِ، بخلاف الحديثِ الذي يُوصَفُ بالشَّاذ، فإنّه غير صحيح أو له معارض، وقد يطلق كلٌّ منهما على الآخر.

وقسمٌ يشتمل على الأحكام الشرعيّة فقط من دون ذكر الدّليل عليها، ويسمّى هذا القسم بالرسائل العملية، وبكتب الفتوى، وهي قد تكونُ بلسان النصّ من دون ذكر سنده.

الرّسائل العمليّة

كالمقنعة للمفيد، والنهاية للشيخ، وقد تكون بتعبير المفتي، كمَا هو أغلب الرسائل، ومنها الشرائع للمحقق، وقال جدّي الهادي رحمه الله  نقل عن الشيخ السعيد فخر الدين رحمه الله : إنّ كتاب القواعد مائتان وواحدٌ وأربعون ألف مسألة، وكتاب الإرشاد خمسة عشر ألف مسألة، وكتاب الشرائع اثنا عشر ألف مسألة، والله تعالى أعلم.

آيات الأحكام

وقسمٌ يَشْتَمِلُ على الآيات الدالّةِ على الأحكام الشَّرعية الفرعيّة، ويُسمَّى هذا القسمُ بآياتِ الأحكام، ككتاب قلائد الدرر.

القواعد الفقهية

وقسمٌ يشتملُ على ذكر القواعد الفقهية، والقاعدة الفقهية: عبارة عن الحكم الكلّي الفقهي المندرجة تحته فروع مختلفة من باب واحد، كقاعدة الطهارة، وهي قاعدة: (كلُّ شيءٍ لكَ طاهرٌ حتَّى تَعْلَمَ أنّه قذِرٌ) في باب الطهارة، أو في عدة أبوابٍ من الفقه متعدّدة كقاعِدَةِ التجاوُزِ، ويسمّى هذا القسم بالقواعد، ولجدّنا كاشِف الغطاء رحمه الله  في مقدّمة كتابهِ كشفُ الغطاء قواعدٌ فقهيّة دَلَّتْ على سَعَةِ اطّلاعه ومقدرته الفنية([450])، ورأيتُ له كتاباً في القواعد الفقهية قد طُبِعَ على هامش كتابهِ الحقُّ المبين([451])، وقد اهتم الفقهاء بهذه القواعد لما يترتب عليها من تسهيل معرفة الفروع.

حتّى قال بعضهم: إنّ أصولَ الشريعة قسمان: أصولُ الفقه، والقواعد الكلية الفقهية، وقد وضع الشهيد الأول قواعده في الفقه([452]).

أهم القواعد الفقهية

ويقال: إنّ أوّل من جَمَعَ أهمّ القواعد الفقهية في سبع عشرة قاعدة كلّية أبو طاهر الدّبّاس العراقي من علماء القرن الرابع أو الثالث، وكانَ ضريراً ويُكرِّرُ تلك القواعد بمسجدِهِ بعد خروجِ النّاس منه وأهمّها القواعد الخمسة:

  1. الأمور بمقاصدها، وهي مأخوذة من قوله  صلى الله عليه واله وسلم : (الأعمال بالنّيات)([453]).
  2. الضّرر يزال، وهي مأخوذَةٌ من قوله  صلى الله عليه واله وسلم : (لا ضرر ولا ضرار)([454]).
  3. العادة محكّمة، وهي مأخوذة من قوله  صلى الله عليه واله وسلم : (ومن يتبع غير سبيل المؤمنين)([455]).
  4. اليقين لا يزول بالشكّ، وهي مأخوذة من قوله  عليه السلام : (لا تنقض اليقين بالشك)([456]).
  5. المشقّة تجلب التيسّر، وهي مأخوذة من قوله تعالى: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]([457]).

ويقال إنّ أقدم مجموعةٍ وَصَلَتْ إلينا في هذا الموضوع هي قواعدُ أبي الحسن([458]) الكرخي البالغة قواعدها سبعاً وثلاثين قاعدة.

وفي زماننا ألّف المرحوم الاستاذ الكبير الحجة السيد مرزا حسن البجنوردي([459]) كتاباً في القواعدِ الفقهيّة يشتمل على أكثر من أربع مجلدات.

الحيل الشرعية

وقِسْمٌ يشتمل على الحيل الشرعية، والحيلة الشرعية: عبارةٌ عن المخرج الذي يصحِّح شرعاً ارتكابَ الواقِعَةِ على خلافِ ما يَطْلُبُه الشّرع فيها بوضعها الطبيعي، ويسمّى هذا القسم بالحيل الشرعية، ويقال: إنّ أقدم كتابٍ وَصَلَ إلينا في هذا الموضوع هو كتاب أبو بكر أحمد الخصاف([460]) المتوفى سنة (261هـ) طبع بالقاهرة سنة (1324هـ) أسماه (الحيل والمخارج) وتجد فصلاً في الحيل الشرعية في كتاب الأشباه والنظائر([461])، وفي كتاب الفتاوي الهندية([462])، والأصل في استعمال الحيل الشرعية قوله تعالى في قصة أيوب  عليه السلام : [وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ]([463])، فإنّه كان ترخيصاً من الله تعالى لأيّوب في استعمالِ الحيلة في التخلُّص من اليمين.

وأوّلُ من أوجد الحيل الشرعية مدرسة الرأي، واعتنى واهتمّ بها المذهب الحنفي وكانت الحيلُ الشرعيّة في التخلُّص من الحلف واليمين.

ثم امتدّتْ إلى أبوابِ الفقهِ كالوَصايا والوُقوفِ والرِّبا ولا سيّما المواثيق ليتخلَّص الأُمراءُ من إبرامها عليهم.

ويُنْسَبُ لمالك([464]) وأحمد تحريم الحيل الشرعية، وبقي أتباعهما على تحريمها، والشافعيّ أيضاً كان يحرّمها، ويبطل التصرّف الذي يُقْصَد به الحيلة الشرعية، غير أنّ من أتباعه من ألّف فيها كمحمّد الصيرفي([465])، ومحمد العامري([466])،
ومحمد القزويني([467]).

مسائل الخلاف

وقسمٌ منها يَشْتَمِلُ على مسائل الخلاف بينَ السُّنَّةِ والشّيعة كالخلاف للشيخ الطوسي، وعلى مسائل الخلاف بين الشّيعةِ ككِتاب المُخْتَلَف للعلاّمة الحلّي، ويُسمّى هذا القسم بالفقه المقارن في اصطلاح المتأخرين والمحكيّ عن المختلف للعلاّمة، إنّه أوّل مُصنِّفٍ ألَّفَ في مسائلِ الخلاف بين الإمامية([468]).

الكتب الاستدلالية

وقسمٌ يشتمل على الأحكام الشرعية مع ذكر الأدلّة عليها تفصيلاً، ويسمّى هذا القسم بالكتب الفقهية الاستدلالية، ككتاب الحدائق، والرياض، والجواهر، وكتاب موارد الأنام في شرح شرائع الإسلام لجدّي عباس نجل الشيخ علي.

وهذا القسم هو الذي يشتملُ على علم الفقه كما أنّ القسم الأول منها الذي رُتّب على أبوابِ الفقه أيضاً يمكن عَدُّهُ من كُتُبِ علم الفقه لاشتمالها على حكم المسألة مع الدليل عليه، فمجموع الإمام زيد، والموطأ والصحاح تكونُ من كتب علم الفقه؛ لاشتمالها على حُكْمِ المسألة مع ذكر الأخبار الدالّة عليها، فهي تُبْحَثُ عن العلم بالحُكْمِ الشرعيّ عن دليله.

وأمّا المسانيد فنسبَتُها لعلم الفقه باعتبار اشتمالها على القسم الثاني من أدلّة الفقه وهو الأخبار، وأمّا الرّسائل العملية فنسبَتُها للفقه باعتبارِ اشتمالها على الأحكام التي يُبْحَثْ عنها علم الفقه، ولا ريبَ أنّ النسبة تصحُّ لأدنى مُلابَسَةٍ أو لأنّ النسبة إنّما هي للفقه بمعناه عند المتشرّعة المتقدم بيانه.

وأمّا القسم الثالث: فهو أيضاً يشتمل على علمِ الفقه باعتبار أنْ يبحث فيه عن دلالة الكتاب على الحكم الشرعي والناسخ له والمعارض والمقيد والمخصص له.

وأمّا القسمُ الرّابع: وهو كتب القواعد، فما كانَ منه مشتَمِلاً على الدّليل فهو من علم الفقه، وإلاّ فهو يشبه الرسائل العملية، وهكذا كتب الحيل؛ لاشتمالها على الحيل مع الدّليل الشرعي.

وأمّا القسمُ الخامس: فهو أيضاً من علم الفقه؛ لأنّه يبحث عن
المسألة الخلافية ويبرهن على ما يختاره فيها، فيكون فيه معرفة الحكم الشرعي
عن دليله.

ما كانت عليه كتب الفقه في السابق

ثمّ لا يخفى أنّ كُتُبَ الفقه كانت كُلُّها بنحو الرّواية وكانت الفتوى في المسألة تذكر فيها بنحو الرواية مع سندها، ككتب الصِّحاح ونحوها مما كَتَبَ غالباً في العصور الأولى، ثمّ كتبت كتب الفقه بنحوٍ يذكر فيها الرّواية من غير تغيّر في نصِّها تغيُّراً واضحاً بحذف سَنَدها، كرسالةِ عليّ بن بابويه إلى ولده الصدوق، والمقنع لنفس الصدوق، والهداية له، وكثيرٌ من فتاوي من لا يَحْضرهُ الفقيه له، والمقنعة للمفيد، والنّهاية للشيخ الطوسي، وهي أجمَعُها للنّصوص.

وأقرب هذه لنصّ الرواية المقنع، وأحسنها تنسيقاً ودقّة المقنعة.

ومن الكتب القديمة في الفقه مجموع الشهيد زيد بن علي، والموطأ، وكتب محمد بن الحسن الشيباني، وكتاب الأمّ للشافعي، ثمّ كَثُرَ بعد ذلك الفقه المقارن، ثمّ كُتِبت الفتاوي بلسانِ المفتي، وبما أدّى إليه رأيه بدون الاستدلال، ثُمَّ عند الشيعة كثرت كثرةً تجاوَزَتْ الحدَّ كتب الفقه المشتملة على الفتوى مع بيانِ الاستدلال عليها وكيفيّة الاستنباط من أدلّتها.

دائرة المعارف الفقهية

وقد كنتُ في قديم الدهر أُفكّرُ في إصدار موسوعة (دائرة معارف فقهية) مرتّبةً على الحروف الهجائية، على غِرارِ دوائرِ المَعَارِف العلمية، وقواميس اللغة العربية؛ ليسهل الظفر بحكم المسألة للفقيه وغيره، وباشرتُ العمل سنة (1359هـ)، ولكن نَظَراً لكثرة الأشغال والسؤال عن الأحكام للوقائع، لا سيّما المستحدثة التي لم تتناولها أقلامُ الفقهاء والسَّفَر للمؤتمرات، أوْجَبَ أنْ أكلّف العلامة السيد يوسف الحلو([469]) بإنجاز هذه المهمة، وبالفعل قَدَّمْتُ له الأجزاء بصحائفها البيضاء الكثيرة والسوداء القليلة، فأحْسَنَ التأليف وأجَادَ التّصنيف، وكانت رغبتي منه وطلبي من عنده أنْ يرتّبها حسب أصول المادة لا حسب التلفّظ بها بزوائدها والله الموفق، ولعلّي إنْ ساعدني التّوفيقُ الإلهيّ والعناية الربانية أنْ أقوم بهذه المهمّة وأنجزها ليسهل على الطالب المعرفة للمسألة والاطّلاع عليها في الكتب الفقهية.

وقد طلب مني شيخُ الأزهر حَسَنْ مأمون([470]) أنْ أرسل لهم ما ينفَعُهُم في موسوعةِ جَمَالِ عبد النّاصر([471]) وأَرْسَلْتُ لهم تذكرَةَ العلاّمة الحلي.

 

المطلب الثالث عشر

للفقيه مراتب أربعة

لا يخفى أنّ للفقيه من حيثُ نفوذُ حُكْمِهِ ورأيِهِ اعتباراتٌ أربعة: الاجتهاد، والإفتاء، والقضاء، والزعامة، وكلُّ مرتبةٍ لاحقة منها تستلزمُ السَّابقَةَ عليها.

وهو بالاعتبار الأول: نافذُ الرّأي في نفسه مُطلقاً وإنْ لم يكن عَدْلاً ووُجِدَ من هو أعلم منه وأعدل.

وبالاعتبار الثاني: نافذُ الرأي على نفسِهِ وعلى مقلّده، ولا ينفذ على المجتهد الآخر.

وبالاعتبار الثالث: نافذُ الرّأي على نفسِهِ وعلى مقلِّده وعلى المجتهد الآخر في المنازعات والخصومات.

وبالاعتبار الرابع له: نافذُ الرأي في الخصومات والمنازعات والنفوس والأعراض والأموال، بما فيه الصّالح العام لتدبير شؤون المسلمين.

وقد أشبعنا الكلامَ في ذلك في كتابنا النور الساطع([472]) وذَكَرْنا أحكامَ الفقيه ووظائفه فيه فراجعه.

 

المطلب الرابع عشر

طُرُقُ إثبات فقاهة الفقيه

إنّ الطرق التي يُثبتُ بها اجتهادُ المجتهد التي ذكرناه مفصّلاً في الجزء الأول من كتابنا النور الساطع هي بنفسها يثْبُتُ بها فقاهَةُ الفقيه، وأصبح أهمّ أمرٍ هو معرفةُ نسبه وبيئته وحسن سلوكه في ماضيه وحاضره، فكم وكم مَنْ دَخَلَ في سلك العلماء وهو ليس منهم، استعان بالمال وحَرَّمَ الحلال وأحَلَّ الحرام في سبيل أنْ يصبح عَلَمَاً من الأعلام ومرجعاً للعوام، وقد أدْرَكَ الاستعمارُ خَطَرَ هذا المنصب الإلهي والمقام الروحاني فأخَذَ يَعْمَلُ لأنْ يَجْعَلَ له نصيباً منه.